المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحوث فقهية


Heba Khled
08-19-2011, 07:56 AM
http://www.mezan.net/forum/g10/bism/f6d55a6924.gif

http://www.mezan.net/forum/g2/alweed1.gif

اخواني الكرام اعضاء المنتدي الكريم
سنتناول معا بعض البحوث الفقهيه التي تهم كل مسلم ومسلمه
عسي الله يجعل لنا ولكم خير الثواب

هذه البحوث هي:

1-الاطمئنان في الصلاة.. الركن الغائب
2-صَلاة النَّفل في البَيت أفضَل منهَا في المَسجد النَّبوي
3-الأحاديث الواردة في هيئة الإصبع عند التشهد في الصلاة
4-الاحتكار دراسة فقهية مقارنة
5-هل يجوز التصدق بجميع المال ؟
6-أخطاء ومسائل في الصلاة
7-الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، والحكمة في ذلك
8-خير يوم طلعت عليه الشمس
9-أهل الذمة: قراءة بين النصوص الشرعية والواقع
10-فقه النوازل
11-هل انتشر الإسلام بحد السيف ؟!
12-اللباس فى الاسلام
13-بين أركون و الصحافة لعبدالله العمري
14-مصحف البحر الميت حول محمد أركون لإبراهيم السكران
15-ردود علمية على من أباح الغناء
16-بحوث في : رضـاع الـكـبـير
17-بحث عن حكم الانتحار .. ابو عمر السني
18-تحذير أهل الطاعة من الهذيان المثبِّط عن صلاة الجماعة
19-إغلاق المتاجر للصلاة هدي النبي وأمراء الإسلام
20-{ تنبيهُ الأنامِ لما في الأذانِ من أخطاءَ وأوهامْ }
21-صلاة الكسوف
22-حكم بيع رصيد الهاتف
23-حكم الإسبال في الشرع
24-إذا اجتمعت صلاة الكسوف وصلاة الجمعة في وقت واحد
25-مناظرة في الجهر والإسرار في صلاة الكسوف
26-مناظرة في رفع اليدين في تكبيرات الجنازة
27-العلاقة بين تطور أنظمة القضاء والعلم الشرعي
28-ماذا تفعل عند خروجك للبحر..؟
29-النوم وأثره في الطهارة
30-أبواب الحرية
31-الصاع بين المقاييس القديمة والحديثة
32-غلاء الأسعار
33-كيف تحسب زكاة أموالك
34-مذكرة أصول الفقه
35-حكم تملك الأوراق المالية وأرباحها بالقبض
36-الإجهاض
37-التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (2/2)
38-التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (1/2)
39-(المنفعة في القرض) دراسة تأصيلية تطبيقية
40-القوامة الزوجية.. أسبابها، ضوابطها، مقتضاها
41-المحاماة لدى المحاكم الوضعية
42-المساهمة في الشركات التي أعلنت توقفها عن الأنشطة المحرمة
43-المارجن
44-سلطة ولي الأمر في المال العام وضوابط تصرفه فيه
45-رضاع الكبير
46-زوّجتك نفسي
47-التعاريف المهمة لطلاب الهمة
48-صلاة الاستخارة .. حكمها - وكيفية صلاتها - وتنبيهات وأمور هامة
49-رؤى متناثرة حول الدراسات الأصولية المعاصرة... (أفكار ومقترحات)
50-الفرق بين المني و المذي و الودي وأحكام كلاً منها
51-الاستثمار المحرم في بعض الشركات المساهمة
52-رؤية شرعية في شركة التأمين التعاونية
53-أجرة المحامي في ضوء الشريعة الإسلامية ( بدل الأتعاب )
54-حصانات و ضمانات المحامي ما بين الشريعة و القانون
55-ملخص كتاب الطهارة
56-الصيد الثمين . . في أحكام اليمين
57-القول الفتي في مشروعية الصلاة خلف الصبي
58-هل ينتقض الوضوء بأكل لحم الإبل ؟


اخي الكريم ............... اختي الكريمه

سنقوم بالبحث في كل منهم بالتفصيل
تابعو معــــــــــــــي

http://www.mezan.net/forum/g2/quran-c.gif

Ḿỳŝẳ ßěllặ
08-19-2011, 08:05 AM
كتير حلوه فكره التوبك حياتى

و بإنتظـــــــــــارك اكيد هبه

بالتوفيق يا عمرى يارب::e105::

Heba Khled
08-19-2011, 04:54 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

الاطمئنان في الصلاة.. الركن الغائب





بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ


الحمدُ لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:
فلو جلس أحدُنا يتأمل في صلاةِ المسلمين لوجد أنَّ كلَّهم يأتي بمعظم الأركان المطلوبة في الصلاة؛ كتكبيرةِ الإحرام والقيام والركوع والسجود، ولكنْ في الوقتِ ذاته كثيرٌ من المصلين يُخِلُّ بركنٍ عظيم لا تصح الصلاة إلا بالإتيان به؛ وهو ركن الاطمئنان، بالرَّغم من أنَّ هذا الركنَ يصاحبُ معظمَ الأركان الأخرى؛ بمعنى أنه لا بد من الاطمئنان في القيامِ والركوع والسجود والجلوس.

والمراد مِنَ الاطمئنانِ في الصلاة: السُّكون بقَدْرِ الذِّكر الواجب، فلا يكون المصلي مطمئنًا إلا إذا اطمئنَّ في الرُّكوع بِقَدْرِ ما يقول: "سبحان ربِّي العظيم" مرَّة واحدة، وفي الاعتدال منه بقَدْرِ ما يقول: "ربَّنا ولك الحمدُ"، وفي السُّجود بقَدْرِ ما يقول: "سبحان رَبِّي الأعلى"، وفي الجلوس بقَدْرِ ما يقول: "رَبِّ اغفِر لي"، وهكذا.

قال ابنُ حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج": "وضابطُها أن تسكُنَ وتستقِرَّ أعضاؤُه".

وقد جاء في "صحيحِ البخاري" من حديثِ أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه -: (فإذا رفع رأسَه استوى حتى يعودَ كلُّ فقارٍ مكانَه)، وفي "صحيح مسلم" من حديث عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -: (فكان إذا رفع رأسَه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا)، فهذه الأحاديث وما شابهها تدل على أنَّ الاطمئنان هو الاستقرار في مواضع الصلاة، وعدم العجلة بالانتقالِ إلى الركن الذي يليه إلا بالبقاء قليلًا حتى يرجع كلُّ مفصلٍ وعظمٍ إلى مكانه.

والأصل في ركنِ الاطمئنان ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلى، ثم جاء فسلَّم على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فردَّ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - السلام قال: ((ارجع فصل، فإنَّك لم تصل))، فرجع الرجلُ فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسلم عليه، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وعليك السلام))، ثم قال: ((ارجع فصل، فإنَّك لم تصل))، حتى فعل ذلك ثلاثَ مراتٍ، فقال الرجلُ: والذي بعثك بالحقِّ ما أحسن غير هذا فعلِّمني، قال: ((إذا قمتَ إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتِك كلِّها)).

فهذا الحديثُ الشريف المعروف بحديث المُسيء صلاته؛ نسبةً لهذا الرجلِ وهو خلاد بن رافع - رضي الله عنه - هو العمدة في بابِ الاطمئنان في الصلاة، وقد تبيَّن لنا أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لما أمرَ هذا الرجلَ بإعادةِ صلاته بسبب إخلاله بالاطمئنان - أنَّ الاطمئنانَ ركنٌ لا تصحُّ الصلاة إلا به.

بعض الآثار والأقوال الدالة على أهمية هذا الركن:
• رأى حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - رجلًا لا يتم ركوعَه ولا سجوده، فقال له: "ما صليتَ، ولو متَّ لمت على غير فطرةِ الله التي فطر عليها محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم"؛ صحيح البخاري، وفي روايةِ النَّسائي: أنَّ حذيفةَ - رضي الله عنه - قال له: "منذ كم تصلي هذه الصَّلاة؟" قال: منذ أربعين عامًا، قال: "ما صليتَ منذ أربعين سنة"؛ سنن النسائي الكبرى.

• كان أنس بن مالك - رضي الله عنه - إذا رفع رأسَه من الركوعِ قام حتى يقول القائل: قد نسي، وبين السجدتين حتى يقول القائل: قد نسي؛ صحيح البخاري.

• قال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لا يقيم صلبَه في الركوعِ والسجود فصلاتُه فاسدة، لحديث النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تجزئ صلاةٌ لا يقيمُ الرجلُ فيها صلبَه في الركوع والسجود))؛ فتح الباري لابن رجب.

• يقول الشيخ عطية سالم - رحمه الله -: "نخاطبُ بعض الناس الذين تراهم يركعون ولا يطمئنون في ركوعهم، فترى الواحدَ منهم كأنه ينفض شيئًا عن ظهرِه، وكذلك الجلسة بين السجدتين، ويقولون: مذهبنا أنه ركنٌ خفيف، فنقول: ليس في الأركانِ خفيف وثقيل، فالرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يركع حتى يطمئنَّ راكعًا، ويرفع حتى يستقرَّ ويعود كل فقارٍ في مقره، ويعود كلُّ عظمٍ في مكانه، والحركة الخفيفة ليست استقرارًا "؛ (من دروس شرح الأربعين النووية).

• يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: "فالذي يفعل هذا؛ أي: لا يطمئنُّ بعد الرُّكوع - صلاتُه باطلة؛ لأنَّه ترك رُكنًا مِن أركان الصَّلاةِ"، إلى أن قال: "والآفةُ التي جاءت المسلمين في هذا الرُّكن: القيام بعد الرُّكوعِ، وفي الرُّكنِ الذي بين السجدتين كما يقول شيخ الإِسلام: إنَّ هذا من بعضِ أمراء بني أميَّة، فإنهم كانوا لا يطيلون هذين الرُّكنين، والنَّاسُ على دين ملوكهم، فتلقَّى النَّاسُ عنهم التَّخفيفَ في هذين الرُّكنين، فظنَّ كثيرٌ من النَّاسِ أنَّ ذلك هو السُّنَّة، فماتت السُّنَّةُ حتى صار إظهارُها من المنكر، أو يكاد يكون منكرًا، حتى إنَّ الإِنسان إذا أطال فيهما ظَنَّ الظَّانُّ أنه قد نسيَ أو وَهِمَ"؛ الشرح الممتع على زاد المستقنع.

مسائل فقهية متعلقة بركن الاطمئنان:

مسألة: ما حكم قضاء ما مضى من الصلواتِ بسبب الجهل بركن الطمأنينة؟
الجواب: يقول الإمامُ ابن تيمية: "فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجوبِ الطمأنينة في أثناءِ الوقت فوجبتْ عليه الطمأنينةُ حينئذٍ، ولم تجب عليه قبل ذلك، فلهذا أمره بالطمأنينة في صلاة ذلك الوقت دون ما قبلها"؛ مجموع الفتاوى (22/44).

ويقول الشيخ ابن عثيمين: "الجهل هو: عدم العلم، ولكن أحيانًا يعذر الإنسان بالجهلِ فيما سبق دون ما حضر؛ مثال ذلك: ما ورد في الصحيحين من حديثِ أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ رجلاً جاء فصلى صلاة لا اطمئنان فيها، ثم جاء فسلم على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال له: ((ارجع فصل، فإنك لم تصل))، كرر ذلك ثلاثًا، فقال له: والذي بعثك بالحقِّ لا أحسن غير هذا فعلمني، فعلمه، ولكنه لم يأمره بقضاءِ ما مضى؛ لأنَّه كان جاهلاً، إنما أمره أن يعيدَ الصلاة الحاضرة"؛ لقاء الباب المفتوح لابن عثيمين.

مسألة: ما حكم الاقتداءِ بالإمامِ الذي لا يطمئن في صلاتِه؟ وما العمل إذا اكتشفنا ذلك أثناء الصلاة؟
الجواب: يقول ابن عثيمين: "إذا كان الإمامُ لا يطمئنُّ في صلاتِه الطمأنينة الواجبة، فإنَّ صلاتَه باطلة، لأنَّ الطمأنينة ركنٌ من أركانِ الصلاة، وقد ثبت في الصحيحين وغيرِهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رجلاً جاء فصلَّى صلاةً لا يطمئن فيها، ثم جاء إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسلَّم عليه فرد عليه السَّلام وقال: ((ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ... الحديث))، فبيَّن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ هذا الرجلَ لا صلاةَ له؛ لأنه لم يطمئن، وكرره ثلاثًا ليستقرَّ في ذهنه أنَّ صلاته غير مجزئة، ولأجلِ أن يكونَ مستعدًّا تمام الاستعداد لتلقي ما يعلمه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وإذا كان كذلك فإنَّ هذا الإمام الذي لا يطمئن في صلاتِه لا تصحُّ صلاته، ولا يصح الاقتداء به، وعليه أن يتقي الله - عزَّ وجلَّ - في نفسِه وفي من خلفه من المسلمين، حتى لا يوقعهم في صلاةٍ لا تنفعهم، وإذا دخلتَ مع الإمام ثم رأيته لا يطمئنُّ فإنَّ الواجبَ عليك أن تنفردَ عنه، وتتم الصلاة لنفسك بطمأنينة حتى تكون صلاتك صحيحة، وهذه المسألة أعني: عدم الطمأنينة؛ ابتلي بها كثير من الناس في هذا الزمن، ولا سيما في الركنين اللذين بعد الركوعِ وبين السجدتين، فإنَّ كثيرًا من النَّاسِ من حين ما يرفع من الركوع يسجدُ، ومن حين ما يقومُ من السجدةِ الأولى يسجد الثانية بدون طمأنينة، وهذا خلاف هدي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وخلاف ما أمر به الرجلَ الذي قال له: ((ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا))، وكان أنس بن مالك - رضي الله عنه - يصلِّي فيطمئن في هذين الركنين، حتى يقول القائل: قد نسي من طول ما يطمئن فيهما، عكس ما عليه النَّاسُ اليوم، نسأل الله لنا ولهم الهداية؛ فتاوى نور على الدرب لابن عثيمين.

هذا ما تيسَّر جمعُه فيما يتعلق بهذا الركن المهم من أركان الصلاة، وأسأل الله أن يهدينا والمسلمين جميعًا إلى سواءِ السبيل، وصلَّى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

Heba Khled
08-19-2011, 04:56 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

صَلاة النَّفل في البَيت أفضَل منهَا في المَسجد النَّبوي




بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ


كثيرة هي السنن التي نغفل عنها، وبعضها قد ورد فيها فضائل عظيمة، ورتب عليها من الأجور والثواب ما تصبو إليه نفوس السباقين إلى الخيرات، والمبادرين إلى القربات، ولذا أحببت في هذه السطور اليسيرة أن ألقي الضوء على سنة قل المواظب عليها، وغفل البعض عنها، وهي "أداء النافلة في البيت"، وذكرت بعض الفضائل المترتبة على ذلك، والحكمة من هذه السنة، ولترى عظيم فضلها:

تأمل هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه (وهو في مسجده) يقول: "صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"([1]).

وكان _عليه الصلاة والسلام_ يصلي النافلة في بيته كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما.([2]).

وعند مسلم: "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا".([3])

وعن رجل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم – قال: "تطوُّعُ الرجل في بيتِهِ يزيدُ على تطوُّعِه عندَ الناس، كفضْلِ صلاة الرجل في جماعةٍ على صلاتهِ وحدَه"([4])

وقال عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما: "صلاة المرء في بيته نور فنوروا بيوتكم"([5]).

ولهذا نص الإمام مالك والشافعية على تفضيل فعل النافلة في البيت على فعلها في المسجد([6]).

بل قال ابن علان بأن صلاة النافلة ببيت الإنسان أفضل من فعلها في جوف الكعبة، وإن قيل باختصاص مضاعفة الأعمال بها، وذلك لأن في الاتباع من الفضل ما يربو على ذلك([7]).

وفي إشارة ابن علان هذه إجابة عما قد يستشكله البعض من وجود المضاعفة في الحرم وفقدانها في البيت، فيقال: متابعة السنة واتباعها أفضل من المضاعفة؛ ولهذا من يصوم يوماً ويفطر يوماً أفضل ممن يصوم الدهر، مع أن العمل من الثاني أكثر، وهذا من بركات ملازمة السنة.

ورجح تفضيل أدائها في البيت على فعلها في المسجد الحرام الرحيباني الحنبلي، ونسبه العلائي للمحققين من أهل العلم([8])؛ لأن الأحاديث في التفضيل مطلقة ولم تقيد.

وأورد العلائي سؤالاً ثم أجاب عليه: هل فعلها في المساجد الثلاثة أفضل أو في البيوت؟

الذي تقتضيه الأحاديث عند المحققين أنّ فعلها في البيوت أفضل، إلا ما شرع له الجماعة كالعيد والكسوف والاستسقاء، وكذا التراويح على الأصح، وكذا ركعتي الطواف اتباعاً لفعله صلى الله عليه وسلم لهما خلف المقام، وكذلك تحية المسجد لاختصاصها بالمسجد، وما عدا ذلك ففعله في البيت أفضل لدخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم : "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، ورواه الدارمي بإسناد صحيح، ولفظه : "فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الجماعة"... ولما رواه أبو داود عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة"([9]). وهذا إسناد على شرط البخاري سوى إبراهيم بن أبي النضر، فقد وثّقه محمد بن سعد، وابن حبان، ولم يضعفه أحد([10]).

والحكمة في تفضيل ذلك كما قال النووي: كونه أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيْت بذلك، وتنزل الرحمة فيه والملائكة، وينفر الشيطان منه([11]).

فائـدة: فيه أن الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها؛ إذ النافلة في البيت فضيلة تتعلق بها؛ فإنه سبب لتمام الخشوع والإخلاص فلذلك كانت صلاته في بيته أفضل منها في مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم([12]).

فائدة أخرى: في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه في صيام شهر شعبان قال صلى الله عليه وسلم : «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ»([13])، قال ابن رجب: وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله عز وجل .. ولذلك فضل القيام في وسط الليل المشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر([14]).

فالسنة كلما قل العاملون بها كان فضل العمل بها أعظم، لقلة المقتدى به، وصعوبتها على النفس.
وما سبق هو في النافلة البعدية، أما القبلية فقد أمرنا بالتبكير للصلاة. فكم نغفــل عن مثل هذه السنة، وهي في مثل هذا الفضل والأجر، وبهذا اليسر، فإنما هي انتقال في الفعل من مكان لآخر، ولو فتشنا وتحرينا لوجدنا الكثير مما حرمنا من العلم والعمل به.

Heba Khled
08-19-2011, 04:59 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

الأحاديث الواردة في هيئة الإصبع عند التشهد في الصلاة




بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

الأحاديث الواردة في هيئة الإصبع عند التشهد في الصلاة


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه... وبعد فاني ادعوا القاريء الكريم أن يقرأ بتأني من غير تعصب ولا هوى متبع أو ميل لمشرب ... بل أن يتحرى إتباع السنة الصحيحة . هيئة الإصبع في التشهد وردت في كتب الصحاح .. إلا البخاري عن طريق رواة الأحاديث أمثال عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ووائل بن حجر ومالك بن نميرة الخزاعي رضي الله عنهم ونذكر ما قاله الرواة بالتسلسل :

1- عبد الله بن عمر : أن الأحاديث التي رواها عبد الله بن عمر بهذا الشأن جاءت جميعها في صحيح مسلم واذكرها .
أ . " وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة " .
ب ." ويرفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها " .
ج." وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام "

2. عبد الله بن الزبير : إن الأحاديث التي رواها جاءت بهذه الخصوص .
أ . وأشار بإصبعه السبابة " رواه مسام .
ب. وأشار بالسبابة " رواه مسلم
ج . " كان يشير بإصبعه إذا دعا لا يحركها " رواه أبو داود إن الحديث الأخير دل دلالة قطعية على عدم تحريك الإصبع ودل الحديثين أ ، ب في كلمة أشار على أن الإشارة تشير أيضا إلى عدم تكرار التحريك ، مصداقا لقوله تعالى في مريم فأشارت إليه أي مدت إصبعها من غير تكرير بالحركة . والحديث في الفقرة ( ج ) دلالته واضحة وقطعية ... من اجل ذلك حاول بعض من كتب في الحديث من المحدثين الجدد أن يضعف هذا الحديث ، لذلك سأذكر لكم سند الحديث ومتنه وأقوال أهل الجرح والتعديل في رجاله : قال أبو داود في سنده حدثنا إبراهيم بن الحسن بن المصيصي اخبرنا الحجاج عن ابن جريج عن زياد عن محمد بن عجلان عن عامر عن عبد الله بن الزبير انه ذكر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها ) .

أقوال أهل الجرح والتعديل فيهم :
أ – أبراهم بن الحسن المصيصي : قال الحافظ في التقريب التهذيب رقم 164 ثقة .
حجاج بن محمد : قال الحافظ في التقريب التهذيب 153 ثقة .
ج . ابن جريج : قال الإمام احمد ثبت صحيح الحديث ولم يحدث بشيء إلا أتقنه الجرح 5/ 357 / 1687 .
د . زياد بن سعد : قال الإمام احمد خراساني ثقة الجرح 3/ 664 / 7938 إمام صدوق مشهور وثقة احمد ومن رجال الصحاح .
و . عامر بن عبد الله : قال في الجرح 6 / 325 1810 قال الإمام احمد ثقة من أوثق الناس .
هذا تخريج رجال الحديث وقد رأيتم أن رجاله م عدول ثقاة وقال الأمام الحافظ النووي في شرح المهذب / / 3 454 ذكر البهيقي بإسناده الصحيح عن ابن الزبير (( إن الرسول r كان يشير بإصبعه إذا دعا لا يحركها )) رواه أبو داوود بسند صحيح .

3. نمير الخز اعي : هذا الحديث أخرجه أبو داوود ( 991) والنسائي 3/ 39 وابن خزيمة 715 والبيهقي 2/131 عن عاصم بن خدامة الجدلي قال حدثني مالك بن نمير الخزاعي من أهل البصرة أن أباه حدثه ( أنه رأى رسول الله r قاعداً في الصلاة واضعاً ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعاً إصبعه السبابة قد أحناها شيئا وهو يدعو ) وهذا دليله واضح بين على عدم تحريك الإصبع .

4. وائل بن حجر : أخرج أحمد في المسند 4/ 325 / 1810 عن عبد الصمد وابن خزيمة 714 والبيهقي 2/ 131 من معاوية بن عمر والجار ود 208 من طريق عبد الرحمن بن مهدي وابن حبان 485 من طريق أبي الوليد الطيالي ... لقد روى هؤلاء الخمسة عن زائدة بن خدامة حدثنا عاصم بن كليب حدثني أبي عن وائل بن الحجر الحديث وفيه : ( وعقد اثنتين من أصابعه وحلق حلق ثم رفع إصبعه فرايته يحركها يدعو بها ) ولكن لفظ (يحركها ) شاذة فقد انفرد بها زائدة بن قدامة وحده من بين أصحاب عاصم ابن كليب الأحد العشر ، إن الرواة الذين اخذوا هذا الحديث من عاصم قد رووا جمعا احد عشر متنا لم ترد كلمة ( يحركها ) عندهم وانفرد بها زائدة بن قدامة فقط واليكم الرواة الثقاة والمتن المطلوب ومضاته في الكتب :
1. سفيان الثوري : ورد في الطبراني 22 / 81 ( ثم أشار بالسبابة ) .
2. سفيان بن عيينة عن عاصم عند احمد 4 / 318 والنسائي ( وأشار بالسبابة .
3. خالد بن عبد الله الو اسطي عند البيهقي 2 / 31 والنسائي ( وأشار بالسبابة) .
4. قيس بن الربيع عند الطبراني 22 / 79 ولفظه ( وأشار بالسبابة يدعو بها ) .
5. أبي الاحوص سلام بن سليم عند الطبراني 22/ 80 بلفظ ( جعل يدعو هكذا يعني بالسبابة ويشير بها ) .
6. شعبة بن الحجاج عند احمد 4 / 316 ( وأشار بمسبحته ) والطبراني 22 / 83 قد حلق الإبهام والوسطى ورفع التي تليهما يدعو به في التشهد .
7. زهير بن معاوية عند احمد 4 / 318 والطبراني 22 / 84 بلفظ ( وقبض ثنيتين وحلق حلقة ثم رايته يقول هكذا ورفع زهير إصبعه المسبحة ).
8. أبي عوانة عند الطبراني 22 / 90 ولفظه ( دعا بالسبابة ) .
9. عبد الواحد بن زياد عند لحمد 4 / 316 ولفظه (وأشار بإصبعه السبابة ).
10. بسر بن المفضل عند النسائي 3 / 35 ولفظه( وقبض ثنيتين وحلق ورايته يقول هكذا أشار بالسبابة من اليمنى وحلق الإبهام والوسطى .

فهولاء جميعا لم يذكروا كلمة يحركها وانفرد زائدة بهذا الكلمة وعدت عند العلماء إنها شاذة والشاذ هو الثقة الذي يخالف الثقاة ، ومن اخذ بهذا الرواية بعيدا عن الروايات الأحد العشر لحديث وائل بن حجر فضلا عن الروايات العديدة التي ذكرتها لعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وغيره . أخذها على أساس أن المثبت قدم على النافي : لكن العلماء قالوا نعم يقدم المثبت على النافي إذا تذر الجمع بينهما ومع ذلك فقد اخذ الجمهور على أن المراد للتحريك هنا الرفع لا غير فلا يعارضه الحديث ابن الزبير وهي ( وكان يشير بإصبعه إذا دعا لا يحركها ) لذلك عندما سئل الإمام الحافظ محي الدين النووي في كتاب فتاوى النووي صفحة / 54 عن تحريك الإصبع في الصلاة ومتى يشير بها وهل تبطل الصلاة بتكرار تحريكها أجاب :

( تستحب الإشارة برفع المسبحة من اليد اليمنى عند الهمزة من قوله إلا الله مرة واحدة ولا يحركها فلو كرر تحريكها كره ولم تبطل صلاته على الصحيح وقيل تبطل )، أما حديث فهي اشد على الشيطان من الحديد فلا دلاله فيه على التحريك البتة إنما يفيد الحديث أن المتشهد إذا أشار بإصبعه للتوحيد في الصلاة فكأنه يضرب الشيطان بالحديد وليس معنى ذلك يجلس تحت إصبعه وهو يضربه ضربا كما توهم البعض مع أن هذا الحديث فيه ضعف ففي الإسناد رجل وثقة ابن حبان وضعفه الجمهور وقال فيه الحافظ في التقرير صدوق يخطىء وليس هو من رجال الصحيحين والألباني يقول في صحيحته حديث 343 ( ومن المعلوم ان توثيق ابن حبان غير معتمد عند المحققين من العلماء والنقاد ).

ومع ذلك فلو أخذنا بحديث تحريك الإصبع فما هو العدد المطلوب لحركة الإصبع وما هي الكيفية في ذلك، ليسرع أم يبطىء كثيرا أم قليلا شديدا أم خفيفا من الأعلى إلى الأسفل أم من اليمين إلى الشمال أم من الأمام إلى الخلف أم على شكل دائري أم ما هو الاصوب ؟ لذلك علينا ان نأخذ بأقوال ألائمة من السواد الأعظم من جمهور فقهاء المسلمين امتثالا للأخذ بالاحوط وتطبيقا للحديث الشريف ( دع ما يريك إلى ما لا يريبك ) ونزولا إلى كلام الإمام الشافعي رحمه الله ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) وأخيرا لا تعني هذه الأدلة ان يكون في قلبنا أدنى غيظ على أخينا المسام الذي اخذ برواية زائدة بن قدامة التي ورد تحريك الإصبع منا وجب ان تحترم الآراء وصدق الإمام أبو حنيفة حيث قال ( ان رأي فيما أرى صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري فيما أرى خطا يحتمل الصواب ) لذلك إنني طرحت المسالة بصورة علمية بعيدة عن التعصب لذلك علينا ان نفوت الفرصة على الذين يريدون شق صف المسلمين وتمزيق وحدتهم فالمسلم أخوك حرك إصبعه أم لم يحرك قنت أم لم يقنت فما حركة الإصبع إلا هيئة من الهيئات لذلك ينبغي ان نكون من الذين يقبلون العثرة ويغتفرون الذنب فيما بيننا فضلا عن احترام الآراء اختلف معك رأيا ازداد لك حبا نسال الله ان يشرح صدورنا وان يجمع شملنا ويؤلف بين قلوبنا انه سميع مجيب وأخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين .

Heba Khled
08-19-2011, 05:04 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

الاحتكار
دراسة فقهية مقارنة




بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

الاحتكار
دراسة فقهية مقارنة


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا لإله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار وبعد ،،،
فقد يسرت الشريعة الإسلامية للناس سبل التعامل بالحلال لكى تكون أجواء المحبة سائدة بين الأفراد ، ولكى تبقى الحياة سعيدة نقية ، لا يعكر صفوها كدر ولا ضغينة .
ومن أجل هذه الأهداف السامية حرم الإسلام الربا  أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا  ( البقرة : 175 ) وحرم أكل أموال الناس بالباطل  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ  ( النساء : 29 ) وحرم أكل مال اليتيم  إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً  ( النساء : 10 ) وحرم الغش ( من غشنا فليس منا ) وحرم الاحتكار لما فيه من تضييق على عباد الله بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحتكر إلا خاطئ ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه )
ولما كان الاحتكار ركيزة من ركائز النظام الرأسمالى الحديث ، وسمة من سمات التعامل الاقتصادي فى معظم الشركات إن لم يكن فى كلها ، رغم أنه يحمل فى طياته بذور الهلاك والدمار لما يسببه فى ظلم وعنت وغلاء وبلاء ، ولما فيه من إهدار لحرية التجارة والصناعة ، وسد لمنافذ العمل وأبواب الرزق أمام غير المحتكرين ، فقد رأيت أن يكون موضوع بحثى ( الاحتكار دراسة فقهية مقارنة ) فاسأل الله تبارك وتعالى السداد والإخلاص والقبول .

خطـــة البحث
قسمت هذا البحث إلى خمسة مباحث كالآتى :
المبحث الأول : تعريف الاحتكار
المبحث الثانى : حكم الاحتكار فى الفقه الإسلامى
المبحث الثالث : ما يجرى فيه الاحتكار
المبحث الرابع : شروط الاحتكار المحرم
المبحث الخامس : وسائل منع الاحتكار وموقف الحاكم منه
الخاتمة
ثم بعد ذلك أختم البحث بخاتمة أذكر فيها أهم النتائج التى توصلت إليها من خلال هذا المبحث
المصادر والمراجع
رجعت فى هذا البحث إلى كتب المذاهب الفقهية والمعتمدة فى هذا الموضوع ، واستفدت أيضاً من بعض الأبحاث المعاصرة التى كتبت حول هذا الموضوع .
والله تبارك وتعالى أسأل أن يجنبنى الخطأ والزلل فإن أكون قد وفقت فمن الله عز وجل ، والحمد لله أولاً وأخراً ، وإن كان غير ذلك فجل من لا يسهو ، وهذه عادة العمل البشرى يعتريه النقص ، والكمال لله تبارك وتعالى وحده ولكتابه والعصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم

والله ما وراء القصد ،،،


المبحث الأول : تعريف الاحتكار


وفيه مطلبان :
المطلب الأول : الاحتكار لغة
المطلب الثانى : الاحتكار فى اصطلاح الفقهاء

المطلب الأول : الاحتكار لغة :
عرفت مادة حكر فى قاموس لسان العرب لابن منظور كا يتضح فيما يلى :
أولاً : الحَكر بفتح الحاء وسكون الكاف ، ادخار الطعام للتربص وصاحبه محتكر .
ثانياً : الحَكر والحُكر بفتح الحاء فى الأول وضمها فى الثانى ، وفتح الكاف فيها بمعنى ما احتكر تقول : إنهم ليحتكرون فى بيعهم ينظرون ويتربصون ، وأنه يحكر بكسر الحاء وسكون الكاف – لا يزال يحبس سلعته والسوق مادة – أى ملأى حتى يبيع بالكثير من شدة حكره – بفتح الحاء وسكون الكاف الاسم من الاحتكار .
ومنه الحديث أنه نهى عن الحكرة ومنه حديث عثمان أنه كان يشترى حكرة ( أى جملة وقيل جزافاً ) وأصل الحكرة الجمع والإمساك .

فائدة :
ففى الأول معنى الحكر هو جمع الطعام ونحوه واحتباسه وقت الغلاء ولا يخفى ما يحدثه هذا الحبس من المضرة والإساءة للمحتاجين .
وفى الثانى معنى الحكر والحكر هو أن المحتكرين يحتبسون الطعام ينتظرون ويتربصون به الغلاء حتى يبيعون بالكثير من شدة احتكارهم .
أما الاسم من الاحتكار هو الحكر والحكر فمعناهما جمع الطعام ونحوه وإمساكه وحرمان الناس منه .
وهكذا وضح أن معانى مادة حكر تعنى كلها جمع الطعام ونحوه وحبسه عن الناس وهذا يؤدى إلى ظلم الناس وإساءة معاشرتهم .

المطلب الثانى : الاحتكار فى اصطلاح الفقهاء :
لا يختلف معنى الاحتكار الشرعى الاصطلاحى عن معناه اللغوى ، وقد عرف عند الفقهاء بتعريفات متقاربة فى المعانى والألفاظ .

أولاً : عند الحنفية :
يقول الحصفكى فى شرح الدر المنتقى : الاحتكار شرعاً اشتراء الطعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء أربعين يوماً لقوله صلى الله عليه وسلم ( من احتكر على المسلمين أربعين يوماً ضربه الله بالجذام والإفلاس ) .
ويقول الشرنبلالى فى حاشيته على درر الحكام شرح غرر الأحكام : الاحتكار حبس الطعام للغلاء افتعال من حكر إذا ظلم ونقص وحكر بالشئ إذا استبد به وحبسه عن غيره .
ويقول البابرتى فى شرح العناية : إن المراد بالاحتكار \" حبس الأقوات تربصاً للغلاء \" .
وقال الإمام الكاسانى فى بدائع الضائع :
إن الاحتكار أن يشترى طعاماً فى مصر ويمتنع عن بيعه ، وذلك يضر بالناس وكذلك لو اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى المصر وذلك المصر صغير وهذا يضر به .

هذه هى كلمة الحنفية حول تحديد ماهية الاحتكار وبالتأمل فيها يستطيع الناظر أن يستخلص الآتى :
1- أن الكاسانى والحصكفى قد قيدوا الاحتكار المحظور بالشراء بينما لم يقيده بذلك الشرنبلانى والبابرتى .
2- أشار الكاسانى إلى شمول الاحتكار للشراء من المصر أو من مكان يجلب طعامه إلى المصر .
3- قيد غالبية فقهاء الحنفية الاحتكار بالأقوات بينما عداه إلى غير الأقوات البعض ومنهم الحصكفى .
4- نبه الكاسانى إلى إلى قيد يفيد حكمة المنع من الاحتكار : فأضاف إلى التعريف قيد أن يكون ذلك يضر بالناس بدليل قولهم \" إلى وقت الغلاء \"

ثانياً : مذهب المالكية :
عرف المالكية الاحتكار بقولهم : هو الادخار للمبيع وطلب الربح بتقلب الأسواق أمام الادخار للقوت فليس من باب الاحتكار .

ثالثاً : مذهب الشافعية :
عرفه الرملى الشافعى بقوله : أنه اشتراء القوت وقت الغلاء ليمسكه ويبيعه بعد ذلك بأكثر من ثمنه للتضييق .
كما عرفه الخطيب الشربينى بقوله : هو إمساك ما اشتراه وقت الغلاء ليبيعه بأكثر مما اشتراه عند اشتداد الحاجة بخلاف إمساك ما شاتراه وقت الرخص لا يحرم مطلقاً ولا إمساك علة ضيعته ولا ما اشتراه فى وقت الغلاء لنفسه وعياله أو ليبيعه يمثل ما اشتراه .

رابعاً : مذهب الحنابلة :
عرف الإمام ابن قدامه الحنبلى الاحتكار بقوله :
والاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط :
أحدها : أن يشترى فلو جلب شيئاً أو أدخل من غلته شيئاً فأدخره لم يكن محتكراً .
الثانى : أن يكون المشترى قوتاً ، فأما الإدام والحلواء والعسل والزيت وأعلاف البهائم فليس فيها احتكار محرم .
الثالث : أن يضيق على الناس بشرائه ولا يحصل ذلك إلا بأمرين :
أحدهما : أن يكون فى بلد يضيق بأهله الاحتكار كالحرمين وبالثغور .
الثانى : أن يكون فى حال الضيق بأن البلد قافلة فيتبادر ذو الأموال فيشتريها ويضيقون على الناس .


التعريف المختار :
إن الاحتكار هو حبس مال أو منفعه أو عمل ، والامتناع عن بيعه وبذله حتى يغلو سعره غلاءً فاحشاً غير معتاد ، بسبب قلته ، أو انعدام وجوده فى مظانه ، مع شدة حاجة الناس أو الدولة أو الحيوان إليه .

وقد قام الأستاذ الدكتور فتحى الدرينى بتوضيح ما يستفاد من تعريفه فبين ما يلى :
أ- أن الاحتكار هو حبس ما يحتاج إليه الناس ، سواء مايحتاج إليه الناس ، سواء كان طعاماً أو غيره مما يكون فى احتباسه إضراراً بالناس ، ولذلك فإنه يشمل كل المواد الغذائية والأدوية والثياب ومنافع الدور والأراضى ، كما يشمل منافع وخبرات العمال وأهل المهن والحرف والصناعات ، إذا كانت تحتاج إلى مثل تلك السلع والخدمات والمنافع .
وأساس هذا الأمر : أن كل ما لا تقوم مصالح الأمة أو الدولة إلا به فهو واجب تحصيله .
ب- أنه لم يفرق فى الاحتكار بين كون السلعة قد اشتريت من الخارج واستوردت ، أم اشتريت من الداخل وحبست انتظاراً للغلاء ، أو كانت إنتاجاً ذاتياً من محل المحتكر .
جـ - شمل تعريف الاحتكار : كل ما يضر حبسه بالإنسان والدولة والحيوان .
د – أظهر التعريف ظاهرة ( الحاجة ) التى هى على تحريم الاحتكار فليس كل ظرف من الظروف يكون فيه حبس هذه الأشياء احتكاراً ، وإنما يكون احتكاراً فى ظرف الحاجة الذى يقع فيه الضرر ، فإذا لم يوجد مثل هذا الظرف كان الادخار احتباساً مباحاً ، لأنه تصرف فى حق الملكية بل قد يكون واجباً إذا كان اختزاناً احتياطياً .



--------------------------------------------------------------------------------


المبحث الثانى
حكم الاحتكار فى الفقة الإسلامى


وفيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : بيان الحكم التكليفى للاحتكار
المطلب الثانى : الحكمة من تحريم الاحتكار
المطلب الثالث : حكم الاحتكار الدنيوى

المطلب الأول : بيان الحكم التكليفى للاحتكار
اختلف الفقهاء فى حكم الاحتكار على مذهبين :

المذهب الأول : أن الاحتكار محرم :
وهذا مذهب جمهور الفقهاء منهم المالكية ، والشافعية على الصحيح عندهم ، والحنابلة ، والظاهرية ، وغيرهم .

المذهب الثانى : أن الاحتكار مكروه :
وهذا مذهب جمهور الحنفية ، وبعض الشافعية حيث عبروا عنه بالكراهة إذا كان يضر بالناس .

أدلة المذاهب ومناقشتها
أدلة المذهب الأول :
استدل الجمهور على حرمة الاحتكار بالكتاب والسنة والأثر والمعقول :
أما الكتاب : فقوله تعالى  إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ 
قال الإمام القرطبى عند تفسيره لهذه الآية :
روى عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( احتكار الطعام فى الحرم إلحاد فيه ) وقد فهم من هذا صاحب الاختيار الحنفى أن الآية أصل فى إفادة تحريم الاحتكار .
وفى إحياء علوم الدين للغزالى عند تفسيره لهذه الآية :
إن الاحتكار من الظلم وداخل تحته فى الوعيد .
وما ذهب إليه الغزالى فى بيان وجه الدلالة هو القول الراجح إذ أن مدلول الآية عام ويدخل تحت النهى كل من أراد محرماً ولا شك أم الاحتكار داخل تحت نطاق هذا العموم الشامل للاحتكار وغيره ، فإن قيل إن الآية نزلت بسبب غير النهى عن الاحتكار قلنا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وأما السنة : فقد دلت أحاديث كثيرة فى السنة النبوية على تحريم الاحتكار ومنها :
1- ما روى عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يحتكر إلا خاطئ ) .
قال الإمام الشوكانى رحمة الله فى كتابه \" نيل الأوطار \" : والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف فى إفادة عدم الجواز لأن الخاطئ المذنب العاصى .
وقال الصنعانى رحمة الله : الخاطئ هو العاصى الآثم ، وفى الباب أحاديث دالة على تحريم الاحتكار .
2- ما روى عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من دخل فى شئ من أسعار المسلمين ليغلبه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة ) .
وجه الدلالة من الحديث :
دل هذا الحديث على معاقبة من يقدم على ذلك بمكان فى النار ، ولا يكون ذلك إلا لارتكابه المحرم .
3- ماروى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خاطئ ) .
4- ما رواه ابن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه ، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله ) .
5- ومنها ما رواه عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس ) رواه ابن ماجة .
6- وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( الجالب مرزوق والمحتكر ملعون )
وجه الدلالة من هذه الأحاديث :
قال الإمام الشوكانى رحمة الله : ولا شك أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها للاستدلال على عدم جواز الاحتكار ، ولو فرض عدم ثبوت شئ منها فى الصحيح فكيف وحديث معمر مذكور فى صحيح مسلم ؟ ( نيل الأوطار جـ 5 ، صـ 267 ) .

وأما الأثر : فمنه :
1- ماروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال : \" لا حكرة فى سوقنا ، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا ، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده فى الشتاء والصيف ، فذلك ضيف عمر ، فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله \"
2- ما روى أن عثمان رضى الله عنه كان ينهى عن الحكرة .
3- ما روى عن على رضى الله عنه أنه قال : \" من احتكر الطعام أربعين يوماً قسا قلبه \" .
4- ما روى عن على رضى الله عنه أنه أحرق طعاماً محتكراً بالنار .
وجه الدلالة من هذه الآثار :
واضح من هذه الآثار النهى عن الحكرة ، والنهى يفيد التحريم ، ما لم تأت قرينة تصرفة إلى غير التحريم ، ولا قرينة فإن هذه الآثار تفيد ما أفادته الأحاديث السابقة .
وأم المعقول :
فقد حكاه الكاسانى بقوله : ولأن الاحتكار من باب الظلم لأن ما بيع فى المصر فقد تعلق به حق العامة ، فإذا امتنع المشترى عن بيعه عند شدة حاجتهم إليه فقد منعهم حقهم ، ومنع الحق عن المستحق ظلم وحرام ، يستوى فى ذلك قليل المدة وكثيرها ، لتحقق الظلم .

أدلة المذهب الثانى :
استدل القائلون بكراهة الاحتكار بالآتى :
1- قصور الروايات الواردة فى تعداد ما يجرى فى الاحتكار من ناحية السند والدلالة لا تقوى بالتحريم ، كما لا تنتهض لأن تكون دليلاً عليه .
أجيب عن هذا : بأن الروايات غير قاصرة فى دلالتها على التحريم لترتبه على اللعن والوعيد الوارد فيها كما أن الاختلاف فى التعداد لا يعنى الكراهة دون تحريم .
فضلاً عن ذلك : فتصريح الحنفية بالكراهة على سبيل الإطلاق ينصرف إلى الكراهة التحريمية وفاعل المكروة تحريماً عندهم يستحق العقاب ، كفاعل الحرام .

2- أن الناس سلطون على أموالهم وتحريم التصرف حجر عليهم .
أجيب عن هذا : بأن حرية المالك فى ملكه مطلقة ما لم يترتب على ذلك إضراراً بالآخرين إذ لا ضرر ولا ضرار ، والضرر يزال ، ودر المفاسد مقدم على جلب المصالح .
المذهب المختار :
وبعد عرض مذاهب الفقهاء فى حكم الاحتكار وأدلة كل مذهب فإن مجموع الأدلة ترجح رأى جمهور الفقهاء القائل بتحريم الاحتكار وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة .

المطلب الثانى : الحكمة من تحريم الاحتكار
يتفق الفقهاء على أن الحكمة فى تحريم الاحتكار رفع الضرر عن عامة الناس ، ولذا فقد أجمع العلماء على أنه لو اتحكر إنسان شيئاً ، واضطر الناس إليه ، ولم يجدوا غيره ، وأجبر على بيعه ، دفعاً لضرر الناس ، وتعاوناً حصول العيش .
وفى هذا المعنى يقول أفمام مالك رحمة الله : \" الحكرة فى كل شئ فى السوق من الطعام والزيت والكتان وجميع الأشياء والصوف ، وكل ما أضر بالسوق ... فإن كان لا يضر بالسوق فلا بأس بذلك \" .

المطلب الثالث : حكم الاحتكار الدنيوى
مذهب الحنفية :
يقول الإمام الكاسانى فى بدائع الصنائع :
\" إن من أحكام الاحتكار أن يؤكر المحتكر بالبيع إزالة للظلم لكن إنما يؤمر ببيع ما فضل عن قوته ، وقوت أهله ، فإن لم يفعل وأصر على الاحتكار ورفق إلى الإمام مرة أخرى وهو مصر عليه فإن الإمام يعظه ويهدده ، فإن لم يفعل ورفع إليه مرة ثالثة يحبسه ويعزره زجراً له عن سوء صنعه ولا يجبر على البيع \"
وقال محمد : \" يجبر عليه ، وهذا يرجع إلى مسألة الحجر على الحر لأن الجبر على البيع فى معنى الحجر \"

مذهب المالكية :
يقول أبو الوليد الباجى : وإن احتكر شيئاً من ذلك ممن لا يجوز له احتكاره ، ففى كتاب ابن مزين عن عيسى بن دينار أنه قال يتوب وتخرجه إلى السوق ويبيعه من أهل الحاجة إليه بمثل ما اشتراه به لا يزداد فيه شيئاً ووجه ذلك أن المنع قد تعلق بشرائه لحق الناس وأهل الحاجة ، فإذا صرفه إليهم بمثل ما كانوا يأخذونه أو لحين إبتياعه إياه ، فقد رجع عن فعله الممنوع منه فإن لم يعلم فبسعره يوم احتكاره ، ووجه ذلك أنه لما كان هذا الواجب عليه فلم يفعله أجبر عليه وصرف الحق إلى مستحقه

مذهب الشافعية :
يقول ابن حجر الهيثمى : أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام واضطر إليه الناس \" يجبر على بيعه ، دفعاً للضرر عنه \" .
ويقول الرملى : \" ويجبر من عنده زائد على ذلك بيعه فى زمن الضرورة \"

مذهب الحنابلة :
يقول البهوتى : \" ويجبر المحتكر على بيعه كما يبيع الناس دفعاً للضرر ، فإن أبى أن يبيع ما احتكره من الطعام وضيق التلف بحبسه عن الناس ، فرقه الإمام على المحتاجين إليه ويردون مثله عند زوال الحاجة \" .
ويقول ابن القيم : \" ومن أقبح الظلم أن يلزم الناس ألا يبيعوا الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون ، فلا تباع تلك السلع إلا لهم ، ثم يبيعونها هم بما يريدون ، فلو باع غيرهم ذلك منعوه ، وهذا يمكن تسميته احتكار الصنف \" .

للفقهاء تفصيلات جاءت على النحو التالى :
أولاً : إذا خيف الضرر على العامة ، أجبر ، بل أخذ منه ما احتكره ، وباعه ، وأعطاه المثل عند وجوده ، أو قيمته ، وهذا قدر متفق عليه بين الأئمة ، ولا يعلم خلال فى ذلك .
ثانياً : إذا لم يكن هناك خوفا على العامة فالمالكية والشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية يرون أن للحاكم جبره إذا لم يمتثل الأمر بالبيع ، وأما أبو حنيفة وأبويوسف فيريان أنه لا يجبر على البيع ، وإنما إذا امتنع عن البيع عزره الحاكم ، وعند من يرى الجبر فمنهم من يرى الجبر بدئ ذى بدئ ، ومنهم من يرى الإنذار من قبل ، وقيل اثنين ، وقيل ثلاثاً .
ثالثاً : تعزيز الحاكم للمحتكر عند الامتناع عن البيع بما يراه زاجراً له ودافعاً للضرر عن الناس .
رابعاً : مشروعية تأديب المحتكر ولو بإحراق أمواله المحتكرة .
خامساً : سياسة الحكام فى اتخاذ ما يرونه نافعاً لتحقيق الصالح العام ومقاومة البغى والفساد ، يختلف باختلاف اعتبارات كثيرة ، وهذا يؤكد أن الإسلام قد جاء بإصلاح يوافق مصلحة البشر فى كل زمان ومكان .



--------------------------------------------------------------------------------


المبحث الثالث
ما يجرى فيه الاحتكار


اختلف الفقهاء فيما يجرى فيه الاحتكار على ثلاثة مذاهب كالآتى :
المذهب الأول : أن المحرم إنما هو احتكار الأقوات خاصة وممن قال بهذا الشافعية ، وجمهور الحنابلة .

المذهب الثانى : يجرى الاحتكار فى كل ما يحتاجه الناس ويتضررون بحبسه حيث قرار من قال بهذا الرأى أن كل ما ينفع المسلمين ، ويحصل بحبسه الأذى فإن احتكاره إثم غير مشروع وبهذا قال المالكية ، والظاهرية ، وبه قال أبويوسف من الحنفية ، والشوكانى ، والصنعانى .
المذهب الثالث : يجرى الاحتكار فى قوت الآدمى فقط ، وبهذا الرأى ذهب الحنابلة فى الصحيح من المذهب .

أدلة المذاهب ومناقشتها
أدلة المذهب الأول:
استدل أصحاب المذهب الأول على أن الاحتكار لا يكون إلا فى أقوات الناس خاصة بالسنة والأثر والمعقول :
أما السنة : استدلوا بأحاديث منها ما رواه ابن ماجة فى سنته عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم :\" من احتكر على المسلمين طعامهم ضربة الله بالجذام والإفلاس \" .
اعترض على هذا الحديث : حيث قال الإمام الشوكانى : حديث عمر فى إسناده الهيثم بن رافع ، قال أبو داوود : روى حديثاً منكراً ، قال الذهبى : هو الذى خرجه ابن ماجه يعنى هذا ، وفى إسناده أبو يحيى المكى وهو مجهول
ومنها : حديث بن عمر عند الحاكم وابن أبى شيبة والبراز وأبو يعلى يلفظ : \" من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله ، وبرئ الله منه \" زاد الحاكم \" وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله \".
وفى إسناده أصبغ بن زيد وكثير بن مرة والأول مختلف عنه ، والثانى قال ابن حزم : إنه مجهول وقال غيره : معروف ووثقه ابن سعد وروى عنه جماعة ، واحتج به النسائى .
قال الحافظ بن حجر : ووهم ابن الجوزى فأخرج هذا الحديث فى الموضوعات ، وحكى ابن أبى حاتم عن أبيه أنه منكر .
وأما الأثر : فمنهما رواه الأثرم قال : سمعت أبا عبد الله يسأل عن أى شئ الاحتكار ؟ فقال : إذا كان من قوت الناس فهو الذى يكره ، وهذا قول ابن عمر .
وجه الدلالة : واضح فى جواز احتكار غير الطعام ، لأنه لو كان احتكار غير الطعام محرماً لما فعله هؤلاء ، ولما أفتوا بجوازه .
وأمل المعقول : فقد حكاه الكاسانى بقوله : \" أن الضرر الأعم إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف \"
وحكاه المرغينانى بقوله : \" اعتبار الضرر المعهود والمتعارف عليه اللاحق للعامة بحبس القوت والعلف \"

أدلة المذهب الثانى :
استدلوا بظاهر الأحاديث التى حرمت الاحتكار بصفة عامة من غير فرق بين قوت الآدمى والدواب وبين غيره .
ومنها : ما رواه مسلم وغيره عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا يحتكر إلا الخاطئ \" .
ومنها : ما رواه أحمد عن معقل بن يسار أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : \" من دخل فى شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة \"
فإن هذه الأحاديث وغيرها مما فى معناها صريحة فى تحريم الاحتكار مطلقاً فى كل ما يضر بالناس قوتاً كان أو غيره .
فإن قيل : إن فى بعضها ضعفاً .
فالجواب : كما قال الإمام الشوكانى : \" لو فرض عدم ثبوت شئ منها فى الصحيح فكيف وحديث معمر المذكور فى صحيح مسلم ، والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف فى إفادة عدم الجواز ، لأن الخاطئ المذنب العاصى \".

أدلة المذهب الثالث :
استدل أصحاب المذهب على أن الاحتكار لا يكون إلا فى أقوات الآدمى وعلف الحيوان فقط بالمعقول :
ومنه : ما قاله الكاسانى : \" إن الضرر فى الأعم الأغلب إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف ، فلا يتحقق الاحتكار إلا به \" .
ويعترض عليه : بأن الضرر قد يلحق باحتكار غير الأقوات ، كاحتكار السلاح فى وقت الجهاد واحتكار الدواء استغلالاً لحاجة المرضى .

المذهب المختار
بعد ذكر أدلة المذاهب ومناقشتها فيما يجرى فيه الاحتكار يتضح أن المذهب الراجح هو المذهب التالى والذى يرى أصحابه أن الاحتكار يكون فى كل ما يضر بالناس حبسه ، قوتاً كان أو غيره وذلك لقوة أدلته ، فمعظم الأحاديث الواردة فى منع الاحتكار جاءت مطلقة عن القيد ، فيجب العمل بمطلقها من غير تقييد .



--------------------------------------------------------------------------------


المبحث الرابع
شروط الاحتكار المحرم


من المتفق عليه بين الفقهاء : أن الاحتكار ليس هو مطلب الحبس ، قد يحبس الإنسان قوته وقوت عياله لسنة أو لأكثر دون أن يعد هذا الفعل من قبيل الاحتكار لما روى البخارى فى باب حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله : عن ابن شهاب الزهرى ، عن مالك بن أوس عن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم ( كان يبيع نخيل بنى النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم ) .
والحديث واضح الدلالة على أن هذا النوع من الإمساك حلال مباح ، وأنه ليس من باب الاحتكار المنهى عنه ، ومن ناحية أخرى فإن الحديث لا دلالة فيه على عدم جواز حبس القوت أكثر من سنة .
وبناء عليه فإن الاحتكار المحرم هو ما توافرت فيه شروط مهينة ذكرها الفقهاء فى كتبهم وأقوالهم ، منها ما يلى :
أولاً : أن يكون الشئ المحتكر من الأقوات :
وقد بينت سابقاً أراء الفقهاء فى هذه المسألة ، وأن القول الراجح هو أن الاحتكار يجرى فى حبس كل ما يحتاج إليه الناس من قوت وغيره فى الأولى بالاعتبار ، لأن الأحاديث المطلقة تفيد ذلك ، وحملها على إطلاقها هو الذى يناسب ما طرأ على الاحتكار من مستجدات ومتغيرات فى العصر الحديث .

ثانياً : أن يكون الشئ المحتكر قد اشترى من سوق البلدة :
فإن كان مجلوباً من الخارج أو منتجاً من ضيعة المحتكر فإن حبسه لا يعد من قبيل الاحتكار لأمرين :
الأول : قوله صلى الله عليه وسلم : \" الجالب مرزوق والمحتكر ملعون \" .
الثانى : إن حق العامة قد تعلق بالشئ المشترى من الداخل ، فشراؤه وحبسه إلحاق ضر بهم فى حين أنه لا يوجد هذا الحق فيما اشترى من الخارج ثم جلبه ، لأنه بإمكان المشترى الذى اشترى واحتكر أن لا يشترى ولا يجلب أصلاً ، وبإمكانه أيضاً أن لا يزرع ، وإن كان الأولى والأفضل أن لا يقوم بحبس ما جلبه أو أنتجه حتى لا يلحق ضرراً بالناس .

ثالثاً : أن يكون الشئ المحتكر قد اشترى فى وقت الضيق والشدة وغلاء الأسعار وأن شراءه واحتكاره قد ألحق ضرراً بالناس .

رابعاً : الوقت
قيدت بعض الأحاديث الواردة فى النهى عن الاحتكار مدة الاحتكار بأربعين يوماً فقد ورد فى حديث ابن عمر رضى الله عنهما ( من احتكر طعاماً أربعين يوماً فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه ... ) .

فهل يعد هذا القيد الوارد فى الحديث شرطاً من شروط الاحتكار أم لا ؟
اختلف الفقهاء على أربعة أقوال :
الأول : أن أقل مدة الاحتكار أربعون يوماً اعتماداً على ظاهر حديث ابن عمر .
الثانى : أن أقل مدة الاحتكار شهر لأن ما دونه عاجل .
الثالث : أن الاحتكار احتكار طالت المدة أم قصرت ، ذلك أن التقييد الوارد فى الحديث لا يراد بها لتحديد ، وإنما المراد جعل المحتكر الاحتكار حرفة يقصد بها نفع نفسه ، وإلحاق الضرر بغيره .
يقول الشوكانى : \" ولم أجد من ذهب إلى العمل بهذا العدد \" .
الرابع : أن المحتكر إنما يكون آثماً ديانة بنفس الاحتكار ، طالت المدة أم قصرت ، وأن بيان المدة إنما يكون لبيان ما يتعلق بها من أحكام الدنيا ، كإجبار المحتكر على بيع ما عنده ، دفعاً للضرر ، ونحو ذلك .



--------------------------------------------------------------------------------


المبحث الخامس
وسائل منع الاحتكار وموقف الحاكم منه


لا شك أن الاحتكار جريمة اجتماعية كبرى ، ولهذا كان محرماً ممنوعاً .
وما من شك أن من كان عنده وازع دينى فإنه لا يحتكر ، لأن هذا الوازع الدينى قد غرس فيه الخوف من عقاب الله فى الدنيا والآخرة .
وقد مر بنا من أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم أن المحتكر خاطئ ، أى آثم عاص ، وأن الله يقعده بمكان عظيم من النار يوم القيامة ، وأنه يصاب بالجذام والإفلاس ، وسواء أكان هذا على الحقيقة أم أنه رمز على أنه يصاب بعذاب دنيوى .
كل هذا كفيل بغرس الوازع الدينى الناهى عن هذه الجريمة التى هى فى حقيقتها جريمة استغلال رأس المال لحاجة الجماعة الملحة إلى الغذاء والكساء والمأوى وسائر شئون مرافقها الخاصة والعامة .
والفقهاء متفقون على أن الحاكم بأمر المحتكر بالبيع لإزالة هذا الظلم ، فإن لم يفعل يبيع القاضى عليه جبراً ودون اعتبار لرضاه .
جاء فى الدر المختار : \" ويجب أن يأمره القاضى ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله ، فإن لم يبع ، بل خالف أمر القاضى عزره بما يراه رادعاً له ، وباع القاضى عليه طعامه وفاقاً \"
قال ابن عابدين معلقاً على ذلك : \" وهل يبيع القاضى على المحتكر طعامه من غير رضاه ؟
قيل : هو على اختلاف عرف فى بيع مال المديون .
وقيل : يبيع بالاتفاق ، لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع ضرر عام ، وهو كذلك \"
وقال النووى : قال العلماء : والحكمة فى تحريم الاحتكار : دفع الضرر عن عامة الناس ، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام واضطر الناس إليه ، ولم يجدوا غيره ، أجبر على بيعه دفعاً للضرر عن الناس \" .

ونخلص من هذا : بأن الحاكم أو نائبه يأمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت عياله بثمن المثل \"
فإن لم يفعل \" عزره القاضى بما يراه مناسباً ، وباع عليه جبراً ودون اعتبار لرضاه وذلك مراعاة للمصلحة العامة . والله أعلم .

الخاتمـــة
وبعد : فهذا هو بحث ( الاحتكار دراسة فقهية مقارنة ) وقد توصلت من خلاله إلى ما يلى :
أولاً : إن الاحتكار جريمة اقتصادية اجتماعية ، وثمرة من ثمرات الانحراف عن منهج الله ، وقد تنوعت صورة ، وتعددت أساليبه .
ثانياً : إن الاحتكار لا يكون فى الأقوات فحسب ، وإنما يكون فى كل ما يحتاج إليه الناس من مال وأعمال ومنافع ، ذلك أنه من المقرر فقهاً ( أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أم خاصة ) فمواقع الضرورة والحاجة الماسة مستثناة من قواعد الشرع وعموماته وإطلاقاته ، فالاحتكار المحرم شامل لكل ما تحتاج إليه الأمة من الأقوات والسلع والعقارات ، من الأراضى والمساكن ، وكذلك العمال والخبرات العلمية والمنافع لتحقق مناطه ، وهو الضرر اللاحق بعلمه المسلمين من جراء احتباسه وإغلاء سعره .
ثالثاً :فيما يتعلق بالسلع واحتكارها ، فإنه لا فرق بين أن تكون السلعة المحتكرة منتجة إنتاجاً خاصاً ، أو مشتراة من السوق الداخلية ، أم مستوردة من الخارج ، فالكل احتكار ما دامت النتيجة واحدة وهى لحوق الضرر .
رابعاً : إن على الدولة أن تتدخل لحماية أفرادها من عبث العابثين ومصاصى دماء الشعوب ، وذلك باتخاذ الإجراءات المناسبة الكفيلة بقطع دابر الاحتكار وإعادة الثقة والطمأنينة إلى نفوس المواطنين .


والله ما وراء القصد
وهو حسبنا ونعم الوكيل

-------------------------------------
المصادر والمراجع

أولاً : القرآن الكريم

ثانياً : التفسير :
1- أحكام القرآن للقاضى أبوكبير بن العربى المتوفى سنة 543 هـ ، طبعة دار الكتب العلمية .
2- أحكام القرآن للإمام أبوبكر بن على الرازى المتوفى سنة 370هـ ، طبعة دار الفكر .
3- الجامع لأحكام القرآن للإمام شمس الدين أبى عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرج الأنصارى القرطبى المتوفى المتوفى سنة 671هـ ، طبعة دار الشعب .

ثالثاً : الحديث وشروحه :
4- فتح البارى شرح صحيح البخارى لابن حجر العسقلانى المتوفى سنة 852هـ ، طبعة دار مصر للطباعة .
5- شرح صحيح مسلم للإمام أبى زكريا يحيى بن شرف النووى المتوفى سنة 676 هـ ، طبعة مكتبة فياض بالمنصورة .
6- الموطأ للإمام مالك بن أنس المتوفى سنة 179 هـ ، طبعة دار إحياء التراث العربى .
7- سبل السلام شرح بلوغ المرام للعلامة محمد بن الأمير الصنعانى المتوفى سنة 1182هـ ، طبعة دار العقيدة .
8- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للإمام الشوكانى المتوفى سنة 1250 هـ ، طبعة مكتبة الإيمان بالمنصورة .

رابعاً : مصادر الفقه الإسلامى :
أ – الفقة الحنفى :
9- بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع للإمام علاء الدين أبوبكر بن مسعود الكاسانى المتوفى سنة 587 هـ ، طبعة دار الكتب العلمية .
10- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق فخر الدين عثمان بن على الزيلعى المتوفى سنة 743 هـ ، طبعة دار الكتاب الإسلامى .
11- الهداية شرح بداية المبتدى لشيخ الإسلام برهان الدين على بن أبى بكر المرغينانى المتوفى سنة 893 هـ ، طبعة دار الفكر .

ب – الفقة المالكى :
12- المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس المتوفى سنة 179 هـ ، طبعة دار الكتب العلمية .
13- المنتقى شرح الموطأ أبو الوليد سليمان بن خلف الباجى الأندلسى المتوفى سنة 474 هـ ، طبعة دار الكتاب الإسلامي .
14- حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقى المتوفى سنة 1230 هـ ، طبعة دار إحياء الكتب العربية .

جـ - الفقة الشافعى :
15- مغنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للإمام شمس الدين محمد بن أحمد الشربينى الخطيب المتوفى سنة 977 هـ ، طبعة دار الكتب العلمية .
16- نهاية المحتاج إلى شرح ألفاظ المنهاج للإمام شمس الدين محمد ابن أحمد الرملى المتوفى سنة 1004 هـ ، طبعة دار الفكر .
17- الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعى المتوفى سنة 204 هـ ، طبعة دار المعرفة بيروت .

د – الفقة الحنبلى :
18- المغنى للإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد المعروف بابن قدامة الحنبلى المتوفى سنة سنة 620 هـ ، طبعة دار الحديث بالقاهرة .
19- شرح منتهى الإرادات للإمام منصور بن يونس بن إدريس البهوتى المتوفى سنة 1051 هـ ، طبعة عالم الكتب .
20- الإنصاف فى معرفة الراجح من الخلاف للإمام علاء الدين أبو الحسن بن سليمان المرداوى المتوفى سنة 885 هـ ، طبعة دار إحياء التراث العربى .

هـ - الفقه الظاهرى :
21- المحلى بالآثار : أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حِزم الظاهرى المتوفى سنة 456 هـ ، طبعة دار الفكر .

خامساً : مراجع فقهية حديثة :
22- الاحتكار فى ميزان الشريعة وأثره فى الاقتصاد والمجتمع للدكتور أسامة عبد السميع ، طبعة دار الجامعة الجديدة .
23- الاحتكار دراسة فقهية مقارنة بحث للدكتور ماجد أبورخية ضمن كتاب بحوث فقهية فى قضايا اقتصادية معاصرة ، طبعة دار النفائس بالأردن .
24- الاحتكار دراسة فقهية مقارنة بحث لأستاذنا الدكتور محمد حلمى عيسى ، منشور بمجلة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة العدد الثامن عشر .
25- الاحتكار والتسعير الجبرى للدكتور محمد عبد الستار الجبالى ، طبعة مكتبة الغد .
26- الاحتكار ومعالجته فى الفقه الإسلامى .بحث للدكتور محمد أبوزيد الأمير ، منشور ضمن حولية كلية الدراسات الإسلامية للبنات بالمنصورة جـ 1 سنة 2002م .
27- المنافسة والاحتكار فى الفقة والاقتصاد .رسالة دكتوراه للدكتور محمد عبد الجواد ، بمكتبة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة برقم 1294 .
28- الزواجر عند اقتراف الكبائر للإمام ابن حجر المكى الهتيمى ، طبعة دار الحديث بالقاهرة .

سادساً : اللغة :
29- لسان العرب لأبى الفضل جمال الدين محمد بن مكرم المعروف بابن منظور المتوفى سنة 711 هـ ، طبعة المطبعة الأميرية باقاهرة .
30- المصباح المنير أحمد بن محمد على الفيومى المقرئ المتوفى سنة 770 هـ ، طبعة المطبعة الأميرية
31- المعجم الوجيز طبعة مجمع اللغة العربية بالقاهرة .

Heba Khled
08-19-2011, 05:05 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

الاحتكار
دراسة فقهية مقارنة

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

الاحتكار
دراسة فقهية مقارنة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا لإله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار وبعد ،،،
فقد يسرت الشريعة الإسلامية للناس سبل التعامل بالحلال لكى تكون أجواء المحبة سائدة بين الأفراد ، ولكى تبقى الحياة سعيدة نقية ، لا يعكر صفوها كدر ولا ضغينة .
ومن أجل هذه الأهداف السامية حرم الإسلام الربا  أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا  ( البقرة : 175 ) وحرم أكل أموال الناس بالباطل  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ  ( النساء : 29 ) وحرم أكل مال اليتيم  إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً  ( النساء : 10 ) وحرم الغش ( من غشنا فليس منا ) وحرم الاحتكار لما فيه من تضييق على عباد الله بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحتكر إلا خاطئ ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه )
ولما كان الاحتكار ركيزة من ركائز النظام الرأسمالى الحديث ، وسمة من سمات التعامل الاقتصادي فى معظم الشركات إن لم يكن فى كلها ، رغم أنه يحمل فى طياته بذور الهلاك والدمار لما يسببه فى ظلم وعنت وغلاء وبلاء ، ولما فيه من إهدار لحرية التجارة والصناعة ، وسد لمنافذ العمل وأبواب الرزق أمام غير المحتكرين ، فقد رأيت أن يكون موضوع بحثى ( الاحتكار دراسة فقهية مقارنة ) فاسأل الله تبارك وتعالى السداد والإخلاص والقبول .
خطـــة البحث
قسمت هذا البحث إلى خمسة مباحث كالآتى :
المبحث الأول : تعريف الاحتكار
المبحث الثانى : حكم الاحتكار فى الفقه الإسلامى
المبحث الثالث : ما يجرى فيه الاحتكار
المبحث الرابع : شروط الاحتكار المحرم
المبحث الخامس : وسائل منع الاحتكار وموقف الحاكم منه
الخاتمة
ثم بعد ذلك أختم البحث بخاتمة أذكر فيها أهم النتائج التى توصلت إليها من خلال هذا المبحث
المصادر والمراجع
رجعت فى هذا البحث إلى كتب المذاهب الفقهية والمعتمدة فى هذا الموضوع ، واستفدت أيضاً من بعض الأبحاث المعاصرة التى كتبت حول هذا الموضوع .
والله تبارك وتعالى أسأل أن يجنبنى الخطأ والزلل فإن أكون قد وفقت فمن الله عز وجل ، والحمد لله أولاً وأخراً ، وإن كان غير ذلك فجل من لا يسهو ، وهذه عادة العمل البشرى يعتريه النقص ، والكمال لله تبارك وتعالى وحده ولكتابه والعصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم
والله ما وراء القصد ،،،
المبحث الأول : تعريف الاحتكار
وفيه مطلبان :
المطلب الأول : الاحتكار لغة
المطلب الثانى : الاحتكار فى اصطلاح الفقهاء
المطلب الأول : الاحتكار لغة :
عرفت مادة حكر فى قاموس لسان العرب لابن منظور كا يتضح فيما يلى :
أولاً : الحَكر بفتح الحاء وسكون الكاف ، ادخار الطعام للتربص وصاحبه محتكر .
ثانياً : الحَكر والحُكر بفتح الحاء فى الأول وضمها فى الثانى ، وفتح الكاف فيها بمعنى ما احتكر تقول : إنهم ليحتكرون فى بيعهم ينظرون ويتربصون ، وأنه يحكر بكسر الحاء وسكون الكاف – لا يزال يحبس سلعته والسوق مادة – أى ملأى حتى يبيع بالكثير من شدة حكره – بفتح الحاء وسكون الكاف الاسم من الاحتكار .
ومنه الحديث أنه نهى عن الحكرة ومنه حديث عثمان أنه كان يشترى حكرة ( أى جملة وقيل جزافاً ) وأصل الحكرة الجمع والإمساك .
فائدة :
ففى الأول معنى الحكر هو جمع الطعام ونحوه واحتباسه وقت الغلاء ولا يخفى ما يحدثه هذا الحبس من المضرة والإساءة للمحتاجين .
وفى الثانى معنى الحكر والحكر هو أن المحتكرين يحتبسون الطعام ينتظرون ويتربصون به الغلاء حتى يبيعون بالكثير من شدة احتكارهم .
أما الاسم من الاحتكار هو الحكر والحكر فمعناهما جمع الطعام ونحوه وإمساكه وحرمان الناس منه .
وهكذا وضح أن معانى مادة حكر تعنى كلها جمع الطعام ونحوه وحبسه عن الناس وهذا يؤدى إلى ظلم الناس وإساءة معاشرتهم .
المطلب الثانى : الاحتكار فى اصطلاح الفقهاء :
لا يختلف معنى الاحتكار الشرعى الاصطلاحى عن معناه اللغوى ، وقد عرف عند الفقهاء بتعريفات متقاربة فى المعانى والألفاظ .
أولاً : عند الحنفية :
يقول الحصفكى فى شرح الدر المنتقى : الاحتكار شرعاً اشتراء الطعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء أربعين يوماً لقوله صلى الله عليه وسلم ( من احتكر على المسلمين أربعين يوماً ضربه الله بالجذام والإفلاس ) .
ويقول الشرنبلالى فى حاشيته على درر الحكام شرح غرر الأحكام : الاحتكار حبس الطعام للغلاء افتعال من حكر إذا ظلم ونقص وحكر بالشئ إذا استبد به وحبسه عن غيره .
ويقول البابرتى فى شرح العناية : إن المراد بالاحتكار \" حبس الأقوات تربصاً للغلاء \" .
وقال الإمام الكاسانى فى بدائع الضائع :
إن الاحتكار أن يشترى طعاماً فى مصر ويمتنع عن بيعه ، وذلك يضر بالناس وكذلك لو اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى المصر وذلك المصر صغير وهذا يضر به .
هذه هى كلمة الحنفية حول تحديد ماهية الاحتكار وبالتأمل فيها يستطيع الناظر أن يستخلص الآتى :
1- أن الكاسانى والحصكفى قد قيدوا الاحتكار المحظور بالشراء بينما لم يقيده بذلك الشرنبلانى والبابرتى .
2- أشار الكاسانى إلى شمول الاحتكار للشراء من المصر أو من مكان يجلب طعامه إلى المصر .
3- قيد غالبية فقهاء الحنفية الاحتكار بالأقوات بينما عداه إلى غير الأقوات البعض ومنهم الحصكفى .
4- نبه الكاسانى إلى إلى قيد يفيد حكمة المنع من الاحتكار : فأضاف إلى التعريف قيد أن يكون ذلك يضر بالناس بدليل قولهم \" إلى وقت الغلاء \"
ثانياً : مذهب المالكية :
عرف المالكية الاحتكار بقولهم : هو الادخار للمبيع وطلب الربح بتقلب الأسواق أمام الادخار للقوت فليس من باب الاحتكار .
ثالثاً : مذهب الشافعية :
عرفه الرملى الشافعى بقوله : أنه اشتراء القوت وقت الغلاء ليمسكه ويبيعه بعد ذلك بأكثر من ثمنه للتضييق .
كما عرفه الخطيب الشربينى بقوله : هو إمساك ما اشتراه وقت الغلاء ليبيعه بأكثر مما اشتراه عند اشتداد الحاجة بخلاف إمساك ما شاتراه وقت الرخص لا يحرم مطلقاً ولا إمساك علة ضيعته ولا ما اشتراه فى وقت الغلاء لنفسه وعياله أو ليبيعه يمثل ما اشتراه .
رابعاً : مذهب الحنابلة :
عرف الإمام ابن قدامه الحنبلى الاحتكار بقوله :
والاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط :
أحدها : أن يشترى فلو جلب شيئاً أو أدخل من غلته شيئاً فأدخره لم يكن محتكراً .
الثانى : أن يكون المشترى قوتاً ، فأما الإدام والحلواء والعسل والزيت وأعلاف البهائم فليس فيها احتكار محرم .
الثالث : أن يضيق على الناس بشرائه ولا يحصل ذلك إلا بأمرين :
أحدهما : أن يكون فى بلد يضيق بأهله الاحتكار كالحرمين وبالثغور .
الثانى : أن يكون فى حال الضيق بأن البلد قافلة فيتبادر ذو الأموال فيشتريها ويضيقون على الناس .
التعريف المختار :
إن الاحتكار هو حبس مال أو منفعه أو عمل ، والامتناع عن بيعه وبذله حتى يغلو سعره غلاءً فاحشاً غير معتاد ، بسبب قلته ، أو انعدام وجوده فى مظانه ، مع شدة حاجة الناس أو الدولة أو الحيوان إليه .
وقد قام الأستاذ الدكتور فتحى الدرينى بتوضيح ما يستفاد من تعريفه فبين ما يلى :
أ- أن الاحتكار هو حبس ما يحتاج إليه الناس ، سواء مايحتاج إليه الناس ، سواء كان طعاماً أو غيره مما يكون فى احتباسه إضراراً بالناس ، ولذلك فإنه يشمل كل المواد الغذائية والأدوية والثياب ومنافع الدور والأراضى ، كما يشمل منافع وخبرات العمال وأهل المهن والحرف والصناعات ، إذا كانت تحتاج إلى مثل تلك السلع والخدمات والمنافع .
وأساس هذا الأمر : أن كل ما لا تقوم مصالح الأمة أو الدولة إلا به فهو واجب تحصيله .
ب- أنه لم يفرق فى الاحتكار بين كون السلعة قد اشتريت من الخارج واستوردت ، أم اشتريت من الداخل وحبست انتظاراً للغلاء ، أو كانت إنتاجاً ذاتياً من محل المحتكر .
جـ - شمل تعريف الاحتكار : كل ما يضر حبسه بالإنسان والدولة والحيوان .
د – أظهر التعريف ظاهرة ( الحاجة ) التى هى على تحريم الاحتكار فليس كل ظرف من الظروف يكون فيه حبس هذه الأشياء احتكاراً ، وإنما يكون احتكاراً فى ظرف الحاجة الذى يقع فيه الضرر ، فإذا لم يوجد مثل هذا الظرف كان الادخار احتباساً مباحاً ، لأنه تصرف فى حق الملكية بل قد يكون واجباً إذا كان اختزاناً احتياطياً .
--------------------------------------------------------------------------------
المبحث الثانى
حكم الاحتكار فى الفقة الإسلامى
وفيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : بيان الحكم التكليفى للاحتكار
المطلب الثانى : الحكمة من تحريم الاحتكار
المطلب الثالث : حكم الاحتكار الدنيوى
المطلب الأول : بيان الحكم التكليفى للاحتكار
اختلف الفقهاء فى حكم الاحتكار على مذهبين :
المذهب الأول : أن الاحتكار محرم :
وهذا مذهب جمهور الفقهاء منهم المالكية ، والشافعية على الصحيح عندهم ، والحنابلة ، والظاهرية ، وغيرهم .
المذهب الثانى : أن الاحتكار مكروه :
وهذا مذهب جمهور الحنفية ، وبعض الشافعية حيث عبروا عنه بالكراهة إذا كان يضر بالناس .
أدلة المذاهب ومناقشتها
أدلة المذهب الأول :
استدل الجمهور على حرمة الاحتكار بالكتاب والسنة والأثر والمعقول :
أما الكتاب : فقوله تعالى  إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ 
قال الإمام القرطبى عند تفسيره لهذه الآية :
روى عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( احتكار الطعام فى الحرم إلحاد فيه ) وقد فهم من هذا صاحب الاختيار الحنفى أن الآية أصل فى إفادة تحريم الاحتكار .
وفى إحياء علوم الدين للغزالى عند تفسيره لهذه الآية :
إن الاحتكار من الظلم وداخل تحته فى الوعيد .
وما ذهب إليه الغزالى فى بيان وجه الدلالة هو القول الراجح إذ أن مدلول الآية عام ويدخل تحت النهى كل من أراد محرماً ولا شك أم الاحتكار داخل تحت نطاق هذا العموم الشامل للاحتكار وغيره ، فإن قيل إن الآية نزلت بسبب غير النهى عن الاحتكار قلنا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وأما السنة : فقد دلت أحاديث كثيرة فى السنة النبوية على تحريم الاحتكار ومنها :
1- ما روى عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يحتكر إلا خاطئ ) .
قال الإمام الشوكانى رحمة الله فى كتابه \" نيل الأوطار \" : والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف فى إفادة عدم الجواز لأن الخاطئ المذنب العاصى .
وقال الصنعانى رحمة الله : الخاطئ هو العاصى الآثم ، وفى الباب أحاديث دالة على تحريم الاحتكار .
2- ما روى عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من دخل فى شئ من أسعار المسلمين ليغلبه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة ) .
وجه الدلالة من الحديث :
دل هذا الحديث على معاقبة من يقدم على ذلك بمكان فى النار ، ولا يكون ذلك إلا لارتكابه المحرم .
3- ماروى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خاطئ ) .
4- ما رواه ابن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه ، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله ) .
5- ومنها ما رواه عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس ) رواه ابن ماجة .
6- وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( الجالب مرزوق والمحتكر ملعون )
وجه الدلالة من هذه الأحاديث :
قال الإمام الشوكانى رحمة الله : ولا شك أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها للاستدلال على عدم جواز الاحتكار ، ولو فرض عدم ثبوت شئ منها فى الصحيح فكيف وحديث معمر مذكور فى صحيح مسلم ؟ ( نيل الأوطار جـ 5 ، صـ 267 ) .
وأما الأثر : فمنه :
1- ماروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال : \" لا حكرة فى سوقنا ، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا ، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده فى الشتاء والصيف ، فذلك ضيف عمر ، فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله \"
2- ما روى أن عثمان رضى الله عنه كان ينهى عن الحكرة .
3- ما روى عن على رضى الله عنه أنه قال : \" من احتكر الطعام أربعين يوماً قسا قلبه \" .
4- ما روى عن على رضى الله عنه أنه أحرق طعاماً محتكراً بالنار .
وجه الدلالة من هذه الآثار :
واضح من هذه الآثار النهى عن الحكرة ، والنهى يفيد التحريم ، ما لم تأت قرينة تصرفة إلى غير التحريم ، ولا قرينة فإن هذه الآثار تفيد ما أفادته الأحاديث السابقة .
وأم المعقول :
فقد حكاه الكاسانى بقوله : ولأن الاحتكار من باب الظلم لأن ما بيع فى المصر فقد تعلق به حق العامة ، فإذا امتنع المشترى عن بيعه عند شدة حاجتهم إليه فقد منعهم حقهم ، ومنع الحق عن المستحق ظلم وحرام ، يستوى فى ذلك قليل المدة وكثيرها ، لتحقق الظلم .
أدلة المذهب الثانى :
استدل القائلون بكراهة الاحتكار بالآتى :
1- قصور الروايات الواردة فى تعداد ما يجرى فى الاحتكار من ناحية السند والدلالة لا تقوى بالتحريم ، كما لا تنتهض لأن تكون دليلاً عليه .
أجيب عن هذا : بأن الروايات غير قاصرة فى دلالتها على التحريم لترتبه على اللعن والوعيد الوارد فيها كما أن الاختلاف فى التعداد لا يعنى الكراهة دون تحريم .
فضلاً عن ذلك : فتصريح الحنفية بالكراهة على سبيل الإطلاق ينصرف إلى الكراهة التحريمية وفاعل المكروة تحريماً عندهم يستحق العقاب ، كفاعل الحرام .
2- أن الناس سلطون على أموالهم وتحريم التصرف حجر عليهم .
أجيب عن هذا : بأن حرية المالك فى ملكه مطلقة ما لم يترتب على ذلك إضراراً بالآخرين إذ لا ضرر ولا ضرار ، والضرر يزال ، ودر المفاسد مقدم على جلب المصالح .
المذهب المختار :
وبعد عرض مذاهب الفقهاء فى حكم الاحتكار وأدلة كل مذهب فإن مجموع الأدلة ترجح رأى جمهور الفقهاء القائل بتحريم الاحتكار وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة .
المطلب الثانى : الحكمة من تحريم الاحتكار
يتفق الفقهاء على أن الحكمة فى تحريم الاحتكار رفع الضرر عن عامة الناس ، ولذا فقد أجمع العلماء على أنه لو اتحكر إنسان شيئاً ، واضطر الناس إليه ، ولم يجدوا غيره ، وأجبر على بيعه ، دفعاً لضرر الناس ، وتعاوناً حصول العيش .
وفى هذا المعنى يقول أفمام مالك رحمة الله : \" الحكرة فى كل شئ فى السوق من الطعام والزيت والكتان وجميع الأشياء والصوف ، وكل ما أضر بالسوق ... فإن كان لا يضر بالسوق فلا بأس بذلك \" .
المطلب الثالث : حكم الاحتكار الدنيوى
مذهب الحنفية :
يقول الإمام الكاسانى فى بدائع الصنائع :
\" إن من أحكام الاحتكار أن يؤكر المحتكر بالبيع إزالة للظلم لكن إنما يؤمر ببيع ما فضل عن قوته ، وقوت أهله ، فإن لم يفعل وأصر على الاحتكار ورفق إلى الإمام مرة أخرى وهو مصر عليه فإن الإمام يعظه ويهدده ، فإن لم يفعل ورفع إليه مرة ثالثة يحبسه ويعزره زجراً له عن سوء صنعه ولا يجبر على البيع \"
وقال محمد : \" يجبر عليه ، وهذا يرجع إلى مسألة الحجر على الحر لأن الجبر على البيع فى معنى الحجر \"
مذهب المالكية :
يقول أبو الوليد الباجى : وإن احتكر شيئاً من ذلك ممن لا يجوز له احتكاره ، ففى كتاب ابن مزين عن عيسى بن دينار أنه قال يتوب وتخرجه إلى السوق ويبيعه من أهل الحاجة إليه بمثل ما اشتراه به لا يزداد فيه شيئاً ووجه ذلك أن المنع قد تعلق بشرائه لحق الناس وأهل الحاجة ، فإذا صرفه إليهم بمثل ما كانوا يأخذونه أو لحين إبتياعه إياه ، فقد رجع عن فعله الممنوع منه فإن لم يعلم فبسعره يوم احتكاره ، ووجه ذلك أنه لما كان هذا الواجب عليه فلم يفعله أجبر عليه وصرف الحق إلى مستحقه
مذهب الشافعية :
يقول ابن حجر الهيثمى : أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام واضطر إليه الناس \" يجبر على بيعه ، دفعاً للضرر عنه \" .
ويقول الرملى : \" ويجبر من عنده زائد على ذلك بيعه فى زمن الضرورة \"
مذهب الحنابلة :
يقول البهوتى : \" ويجبر المحتكر على بيعه كما يبيع الناس دفعاً للضرر ، فإن أبى أن يبيع ما احتكره من الطعام وضيق التلف بحبسه عن الناس ، فرقه الإمام على المحتاجين إليه ويردون مثله عند زوال الحاجة \" .
ويقول ابن القيم : \" ومن أقبح الظلم أن يلزم الناس ألا يبيعوا الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون ، فلا تباع تلك السلع إلا لهم ، ثم يبيعونها هم بما يريدون ، فلو باع غيرهم ذلك منعوه ، وهذا يمكن تسميته احتكار الصنف \" .
للفقهاء تفصيلات جاءت على النحو التالى :
أولاً : إذا خيف الضرر على العامة ، أجبر ، بل أخذ منه ما احتكره ، وباعه ، وأعطاه المثل عند وجوده ، أو قيمته ، وهذا قدر متفق عليه بين الأئمة ، ولا يعلم خلال فى ذلك .
ثانياً : إذا لم يكن هناك خوفا على العامة فالمالكية والشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية يرون أن للحاكم جبره إذا لم يمتثل الأمر بالبيع ، وأما أبو حنيفة وأبويوسف فيريان أنه لا يجبر على البيع ، وإنما إذا امتنع عن البيع عزره الحاكم ، وعند من يرى الجبر فمنهم من يرى الجبر بدئ ذى بدئ ، ومنهم من يرى الإنذار من قبل ، وقيل اثنين ، وقيل ثلاثاً .
ثالثاً : تعزيز الحاكم للمحتكر عند الامتناع عن البيع بما يراه زاجراً له ودافعاً للضرر عن الناس .
رابعاً : مشروعية تأديب المحتكر ولو بإحراق أمواله المحتكرة .
خامساً : سياسة الحكام فى اتخاذ ما يرونه نافعاً لتحقيق الصالح العام ومقاومة البغى والفساد ، يختلف باختلاف اعتبارات كثيرة ، وهذا يؤكد أن الإسلام قد جاء بإصلاح يوافق مصلحة البشر فى كل زمان ومكان .
--------------------------------------------------------------------------------
المبحث الثالث
ما يجرى فيه الاحتكار
اختلف الفقهاء فيما يجرى فيه الاحتكار على ثلاثة مذاهب كالآتى :
المذهب الأول : أن المحرم إنما هو احتكار الأقوات خاصة وممن قال بهذا الشافعية ، وجمهور الحنابلة .
المذهب الثانى : يجرى الاحتكار فى كل ما يحتاجه الناس ويتضررون بحبسه حيث قرار من قال بهذا الرأى أن كل ما ينفع المسلمين ، ويحصل بحبسه الأذى فإن احتكاره إثم غير مشروع وبهذا قال المالكية ، والظاهرية ، وبه قال أبويوسف من الحنفية ، والشوكانى ، والصنعانى .
المذهب الثالث : يجرى الاحتكار فى قوت الآدمى فقط ، وبهذا الرأى ذهب الحنابلة فى الصحيح من المذهب .
أدلة المذاهب ومناقشتها
أدلة المذهب الأول:
استدل أصحاب المذهب الأول على أن الاحتكار لا يكون إلا فى أقوات الناس خاصة بالسنة والأثر والمعقول :
أما السنة : استدلوا بأحاديث منها ما رواه ابن ماجة فى سنته عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم :\" من احتكر على المسلمين طعامهم ضربة الله بالجذام والإفلاس \" .
اعترض على هذا الحديث : حيث قال الإمام الشوكانى : حديث عمر فى إسناده الهيثم بن رافع ، قال أبو داوود : روى حديثاً منكراً ، قال الذهبى : هو الذى خرجه ابن ماجه يعنى هذا ، وفى إسناده أبو يحيى المكى وهو مجهول
ومنها : حديث بن عمر عند الحاكم وابن أبى شيبة والبراز وأبو يعلى يلفظ : \" من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله ، وبرئ الله منه \" زاد الحاكم \" وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله \".
وفى إسناده أصبغ بن زيد وكثير بن مرة والأول مختلف عنه ، والثانى قال ابن حزم : إنه مجهول وقال غيره : معروف ووثقه ابن سعد وروى عنه جماعة ، واحتج به النسائى .
قال الحافظ بن حجر : ووهم ابن الجوزى فأخرج هذا الحديث فى الموضوعات ، وحكى ابن أبى حاتم عن أبيه أنه منكر .
وأما الأثر : فمنهما رواه الأثرم قال : سمعت أبا عبد الله يسأل عن أى شئ الاحتكار ؟ فقال : إذا كان من قوت الناس فهو الذى يكره ، وهذا قول ابن عمر .
وجه الدلالة : واضح فى جواز احتكار غير الطعام ، لأنه لو كان احتكار غير الطعام محرماً لما فعله هؤلاء ، ولما أفتوا بجوازه .
وأمل المعقول : فقد حكاه الكاسانى بقوله : \" أن الضرر الأعم إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف \"
وحكاه المرغينانى بقوله : \" اعتبار الضرر المعهود والمتعارف عليه اللاحق للعامة بحبس القوت والعلف \"
أدلة المذهب الثانى :
استدلوا بظاهر الأحاديث التى حرمت الاحتكار بصفة عامة من غير فرق بين قوت الآدمى والدواب وبين غيره .
ومنها : ما رواه مسلم وغيره عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا يحتكر إلا الخاطئ \" .
ومنها : ما رواه أحمد عن معقل بن يسار أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : \" من دخل فى شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة \"
فإن هذه الأحاديث وغيرها مما فى معناها صريحة فى تحريم الاحتكار مطلقاً فى كل ما يضر بالناس قوتاً كان أو غيره .
فإن قيل : إن فى بعضها ضعفاً .
فالجواب : كما قال الإمام الشوكانى : \" لو فرض عدم ثبوت شئ منها فى الصحيح فكيف وحديث معمر المذكور فى صحيح مسلم ، والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف فى إفادة عدم الجواز ، لأن الخاطئ المذنب العاصى \".
أدلة المذهب الثالث :
استدل أصحاب المذهب على أن الاحتكار لا يكون إلا فى أقوات الآدمى وعلف الحيوان فقط بالمعقول :
ومنه : ما قاله الكاسانى : \" إن الضرر فى الأعم الأغلب إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف ، فلا يتحقق الاحتكار إلا به \" .
ويعترض عليه : بأن الضرر قد يلحق باحتكار غير الأقوات ، كاحتكار السلاح فى وقت الجهاد واحتكار الدواء استغلالاً لحاجة المرضى .
المذهب المختار
بعد ذكر أدلة المذاهب ومناقشتها فيما يجرى فيه الاحتكار يتضح أن المذهب الراجح هو المذهب التالى والذى يرى أصحابه أن الاحتكار يكون فى كل ما يضر بالناس حبسه ، قوتاً كان أو غيره وذلك لقوة أدلته ، فمعظم الأحاديث الواردة فى منع الاحتكار جاءت مطلقة عن القيد ، فيجب العمل بمطلقها من غير تقييد .
--------------------------------------------------------------------------------
المبحث الرابع
شروط الاحتكار المحرم
من المتفق عليه بين الفقهاء : أن الاحتكار ليس هو مطلب الحبس ، قد يحبس الإنسان قوته وقوت عياله لسنة أو لأكثر دون أن يعد هذا الفعل من قبيل الاحتكار لما روى البخارى فى باب حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله : عن ابن شهاب الزهرى ، عن مالك بن أوس عن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم ( كان يبيع نخيل بنى النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم ) .
والحديث واضح الدلالة على أن هذا النوع من الإمساك حلال مباح ، وأنه ليس من باب الاحتكار المنهى عنه ، ومن ناحية أخرى فإن الحديث لا دلالة فيه على عدم جواز حبس القوت أكثر من سنة .
وبناء عليه فإن الاحتكار المحرم هو ما توافرت فيه شروط مهينة ذكرها الفقهاء فى كتبهم وأقوالهم ، منها ما يلى :
أولاً : أن يكون الشئ المحتكر من الأقوات :
وقد بينت سابقاً أراء الفقهاء فى هذه المسألة ، وأن القول الراجح هو أن الاحتكار يجرى فى حبس كل ما يحتاج إليه الناس من قوت وغيره فى الأولى بالاعتبار ، لأن الأحاديث المطلقة تفيد ذلك ، وحملها على إطلاقها هو الذى يناسب ما طرأ على الاحتكار من مستجدات ومتغيرات فى العصر الحديث .
ثانياً : أن يكون الشئ المحتكر قد اشترى من سوق البلدة :
فإن كان مجلوباً من الخارج أو منتجاً من ضيعة المحتكر فإن حبسه لا يعد من قبيل الاحتكار لأمرين :
الأول : قوله صلى الله عليه وسلم : \" الجالب مرزوق والمحتكر ملعون \" .
الثانى : إن حق العامة قد تعلق بالشئ المشترى من الداخل ، فشراؤه وحبسه إلحاق ضر بهم فى حين أنه لا يوجد هذا الحق فيما اشترى من الخارج ثم جلبه ، لأنه بإمكان المشترى الذى اشترى واحتكر أن لا يشترى ولا يجلب أصلاً ، وبإمكانه أيضاً أن لا يزرع ، وإن كان الأولى والأفضل أن لا يقوم بحبس ما جلبه أو أنتجه حتى لا يلحق ضرراً بالناس .
ثالثاً : أن يكون الشئ المحتكر قد اشترى فى وقت الضيق والشدة وغلاء الأسعار وأن شراءه واحتكاره قد ألحق ضرراً بالناس .
رابعاً : الوقت
قيدت بعض الأحاديث الواردة فى النهى عن الاحتكار مدة الاحتكار بأربعين يوماً فقد ورد فى حديث ابن عمر رضى الله عنهما ( من احتكر طعاماً أربعين يوماً فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه ... ) .
فهل يعد هذا القيد الوارد فى الحديث شرطاً من شروط الاحتكار أم لا ؟
اختلف الفقهاء على أربعة أقوال :
الأول : أن أقل مدة الاحتكار أربعون يوماً اعتماداً على ظاهر حديث ابن عمر .
الثانى : أن أقل مدة الاحتكار شهر لأن ما دونه عاجل .
الثالث : أن الاحتكار احتكار طالت المدة أم قصرت ، ذلك أن التقييد الوارد فى الحديث لا يراد بها لتحديد ، وإنما المراد جعل المحتكر الاحتكار حرفة يقصد بها نفع نفسه ، وإلحاق الضرر بغيره .
يقول الشوكانى : \" ولم أجد من ذهب إلى العمل بهذا العدد \" .
الرابع : أن المحتكر إنما يكون آثماً ديانة بنفس الاحتكار ، طالت المدة أم قصرت ، وأن بيان المدة إنما يكون لبيان ما يتعلق بها من أحكام الدنيا ، كإجبار المحتكر على بيع ما عنده ، دفعاً للضرر ، ونحو ذلك .
--------------------------------------------------------------------------------
المبحث الخامس
وسائل منع الاحتكار وموقف الحاكم منه
لا شك أن الاحتكار جريمة اجتماعية كبرى ، ولهذا كان محرماً ممنوعاً .
وما من شك أن من كان عنده وازع دينى فإنه لا يحتكر ، لأن هذا الوازع الدينى قد غرس فيه الخوف من عقاب الله فى الدنيا والآخرة .
وقد مر بنا من أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم أن المحتكر خاطئ ، أى آثم عاص ، وأن الله يقعده بمكان عظيم من النار يوم القيامة ، وأنه يصاب بالجذام والإفلاس ، وسواء أكان هذا على الحقيقة أم أنه رمز على أنه يصاب بعذاب دنيوى .
كل هذا كفيل بغرس الوازع الدينى الناهى عن هذه الجريمة التى هى فى حقيقتها جريمة استغلال رأس المال لحاجة الجماعة الملحة إلى الغذاء والكساء والمأوى وسائر شئون مرافقها الخاصة والعامة .
والفقهاء متفقون على أن الحاكم بأمر المحتكر بالبيع لإزالة هذا الظلم ، فإن لم يفعل يبيع القاضى عليه جبراً ودون اعتبار لرضاه .
جاء فى الدر المختار : \" ويجب أن يأمره القاضى ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله ، فإن لم يبع ، بل خالف أمر القاضى عزره بما يراه رادعاً له ، وباع القاضى عليه طعامه وفاقاً \"
قال ابن عابدين معلقاً على ذلك : \" وهل يبيع القاضى على المحتكر طعامه من غير رضاه ؟
قيل : هو على اختلاف عرف فى بيع مال المديون .
وقيل : يبيع بالاتفاق ، لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع ضرر عام ، وهو كذلك \"
وقال النووى : قال العلماء : والحكمة فى تحريم الاحتكار : دفع الضرر عن عامة الناس ، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام واضطر الناس إليه ، ولم يجدوا غيره ، أجبر على بيعه دفعاً للضرر عن الناس \" .
ونخلص من هذا : بأن الحاكم أو نائبه يأمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت عياله بثمن المثل \"
فإن لم يفعل \" عزره القاضى بما يراه مناسباً ، وباع عليه جبراً ودون اعتبار لرضاه وذلك مراعاة للمصلحة العامة . والله أعلم .
الخاتمـــة
وبعد : فهذا هو بحث ( الاحتكار دراسة فقهية مقارنة ) وقد توصلت من خلاله إلى ما يلى :
أولاً : إن الاحتكار جريمة اقتصادية اجتماعية ، وثمرة من ثمرات الانحراف عن منهج الله ، وقد تنوعت صورة ، وتعددت أساليبه .
ثانياً : إن الاحتكار لا يكون فى الأقوات فحسب ، وإنما يكون فى كل ما يحتاج إليه الناس من مال وأعمال ومنافع ، ذلك أنه من المقرر فقهاً ( أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أم خاصة ) فمواقع الضرورة والحاجة الماسة مستثناة من قواعد الشرع وعموماته وإطلاقاته ، فالاحتكار المحرم شامل لكل ما تحتاج إليه الأمة من الأقوات والسلع والعقارات ، من الأراضى والمساكن ، وكذلك العمال والخبرات العلمية والمنافع لتحقق مناطه ، وهو الضرر اللاحق بعلمه المسلمين من جراء احتباسه وإغلاء سعره .
ثالثاً :فيما يتعلق بالسلع واحتكارها ، فإنه لا فرق بين أن تكون السلعة المحتكرة منتجة إنتاجاً خاصاً ، أو مشتراة من السوق الداخلية ، أم مستوردة من الخارج ، فالكل احتكار ما دامت النتيجة واحدة وهى لحوق الضرر .
رابعاً : إن على الدولة أن تتدخل لحماية أفرادها من عبث العابثين ومصاصى دماء الشعوب ، وذلك باتخاذ الإجراءات المناسبة الكفيلة بقطع دابر الاحتكار وإعادة الثقة والطمأنينة إلى نفوس المواطنين .
والله ما وراء القصد
وهو حسبنا ونعم الوكيل
-------------------------------------
المصادر والمراجع
أولاً : القرآن الكريم
ثانياً : التفسير :
1- أحكام القرآن للقاضى أبوكبير بن العربى المتوفى سنة 543 هـ ، طبعة دار الكتب العلمية .
2- أحكام القرآن للإمام أبوبكر بن على الرازى المتوفى سنة 370هـ ، طبعة دار الفكر .
3- الجامع لأحكام القرآن للإمام شمس الدين أبى عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرج الأنصارى القرطبى المتوفى المتوفى سنة 671هـ ، طبعة دار الشعب .
ثالثاً : الحديث وشروحه :
4- فتح البارى شرح صحيح البخارى لابن حجر العسقلانى المتوفى سنة 852هـ ، طبعة دار مصر للطباعة .
5- شرح صحيح مسلم للإمام أبى زكريا يحيى بن شرف النووى المتوفى سنة 676 هـ ، طبعة مكتبة فياض بالمنصورة .
6- الموطأ للإمام مالك بن أنس المتوفى سنة 179 هـ ، طبعة دار إحياء التراث العربى .
7- سبل السلام شرح بلوغ المرام للعلامة محمد بن الأمير الصنعانى المتوفى سنة 1182هـ ، طبعة دار العقيدة .
8- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للإمام الشوكانى المتوفى سنة 1250 هـ ، طبعة مكتبة الإيمان بالمنصورة .
رابعاً : مصادر الفقه الإسلامى :
أ – الفقة الحنفى :
9- بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع للإمام علاء الدين أبوبكر بن مسعود الكاسانى المتوفى سنة 587 هـ ، طبعة دار الكتب العلمية .
10- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق فخر الدين عثمان بن على الزيلعى المتوفى سنة 743 هـ ، طبعة دار الكتاب الإسلامى .
11- الهداية شرح بداية المبتدى لشيخ الإسلام برهان الدين على بن أبى بكر المرغينانى المتوفى سنة 893 هـ ، طبعة دار الفكر .
ب – الفقة المالكى :
12- المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس المتوفى سنة 179 هـ ، طبعة دار الكتب العلمية .
13- المنتقى شرح الموطأ أبو الوليد سليمان بن خلف الباجى الأندلسى المتوفى سنة 474 هـ ، طبعة دار الكتاب الإسلامي .
14- حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقى المتوفى سنة 1230 هـ ، طبعة دار إحياء الكتب العربية .
جـ - الفقة الشافعى :
15- مغنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للإمام شمس الدين محمد بن أحمد الشربينى الخطيب المتوفى سنة 977 هـ ، طبعة دار الكتب العلمية .
16- نهاية المحتاج إلى شرح ألفاظ المنهاج للإمام شمس الدين محمد ابن أحمد الرملى المتوفى سنة 1004 هـ ، طبعة دار الفكر .
17- الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعى المتوفى سنة 204 هـ ، طبعة دار المعرفة بيروت .
د – الفقة الحنبلى :
18- المغنى للإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد المعروف بابن قدامة الحنبلى المتوفى سنة سنة 620 هـ ، طبعة دار الحديث بالقاهرة .
19- شرح منتهى الإرادات للإمام منصور بن يونس بن إدريس البهوتى المتوفى سنة 1051 هـ ، طبعة عالم الكتب .
20- الإنصاف فى معرفة الراجح من الخلاف للإمام علاء الدين أبو الحسن بن سليمان المرداوى المتوفى سنة 885 هـ ، طبعة دار إحياء التراث العربى .
هـ - الفقه الظاهرى :
21- المحلى بالآثار : أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حِزم الظاهرى المتوفى سنة 456 هـ ، طبعة دار الفكر .
خامساً : مراجع فقهية حديثة :
22- الاحتكار فى ميزان الشريعة وأثره فى الاقتصاد والمجتمع للدكتور أسامة عبد السميع ، طبعة دار الجامعة الجديدة .
23- الاحتكار دراسة فقهية مقارنة بحث للدكتور ماجد أبورخية ضمن كتاب بحوث فقهية فى قضايا اقتصادية معاصرة ، طبعة دار النفائس بالأردن .
24- الاحتكار دراسة فقهية مقارنة بحث لأستاذنا الدكتور محمد حلمى عيسى ، منشور بمجلة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة العدد الثامن عشر .
25- الاحتكار والتسعير الجبرى للدكتور محمد عبد الستار الجبالى ، طبعة مكتبة الغد .
26- الاحتكار ومعالجته فى الفقه الإسلامى .بحث للدكتور محمد أبوزيد الأمير ، منشور ضمن حولية كلية الدراسات الإسلامية للبنات بالمنصورة جـ 1 سنة 2002م .
27- المنافسة والاحتكار فى الفقة والاقتصاد .رسالة دكتوراه للدكتور محمد عبد الجواد ، بمكتبة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة برقم 1294 .
28- الزواجر عند اقتراف الكبائر للإمام ابن حجر المكى الهتيمى ، طبعة دار الحديث بالقاهرة .
سادساً : اللغة :
29- لسان العرب لأبى الفضل جمال الدين محمد بن مكرم المعروف بابن منظور المتوفى سنة 711 هـ ، طبعة المطبعة الأميرية باقاهرة .
30- المصباح المنير أحمد بن محمد على الفيومى المقرئ المتوفى سنة 770 هـ ، طبعة المطبعة الأميرية
31- المعجم الوجيز طبعة مجمع اللغة العربية بالقاهرة .

Heba Khled
08-19-2011, 05:07 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

هل يجوز التصدق بجميع المال ؟


د. باسم عامر
عضو رابطة علماء الشريعة


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

هل يجوز التصدق بجميع المال ؟


هل يُشرَع للمسلم أن يُنفق أمواله كلَّها إذا أراد ذلك؟ وهل هذا العمل مما مدَحه الله تعالى وأثنَى عليه؟ وهل كان السلف - رحمهم الله تعالى - يفعلون ذلك أو لا؟
لا بد أولاً من بيان أنَّ من خصائص الإنفاق المحمود الاعتدالَ والتوسُّط، فكما أنَّ المسلم مأمورٌ بالبَذْل على غيره، فكذلك عليه إبقاءُ قَدْرٍ من ماله لنفسه ولِمَن يَعُول، وكذلك تحسُّبًا لنوائب الدَّهر وتقلُّبات الأحوال، فلا يُحْمَد للمسلم أنْ يُبالِغَ في الإنفاق، فيُنفِق كلَّ أمواله، ولا يدَّخِر منها شيئًا.
وهذا المعنى يُستنبَط من قول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 3]، وجه الشاهد من الآية الكريمة هو قولُه - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾؛ يقول الشنقيطي: "عبَّر في هذه الآية الكريمة "بِمِن" التبعيضيَّة الدَّالة على أنه يُنفِق لوجْه الله بعضَ ماله لا كلَّه، ولَم يُبيِّن هنا القَدْر الذي ينبغي إنفاقُه، والذي ينبغي إمساكُه، ولكنَّه بيَّنَ في مواضعَ أُخَر أنَّ القَدْر الذي ينبغي إنفاقُه هو الزائدُ على الحاجة وسَدِّ الخَلَّة التي لا بدَّ منها، وذلك كقولِه: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ [البقرة: 219]، والمراد بالعفو: الزائد على قَدْرِ الحاجة التي لا بدَّ منها على أصحِّ التفسيرات، وهو مذهب الجمهور"[1].
وأيضًا هناك آياتٌ أُخرى تعضد هذا المعنى؛ كقوله - عزَّ وجلَّ - في صفات عباد الرحمن: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، فوصَفَهم الله تعالى بأنهم لا يُسْرِفون إذا أنْفَقوا، ومُقتضى ذلك إبقاءُ جزءٍ من المال وعدمُ إنفاقه كلِّه.

الآيات القرآنية تُشير إلى الادِّخار:
يُستفاد ممَّا مضى أنَّ القرآن الكريم قد سَبَق عِلْمَ الاقتصاد الحديث في الحثِّ على الادِّخار[2]، وذلك من خلال الإشارة إليه من غير ذِكْره صراحةً، ولعلَّ هذا الأمرَ يُعَدُّ من الإعجاز في القرآن الكريم من الناحية الاقتصـادية والبلاغيَّة؛ يقول د. يوسف القرضاوي: "ومن أسرار التعبير القرآني أنه جعَل الإنفاقَ المطلوبَ ممَّا رزَق الله؛ أي: بعضَ ما رَزَق الله، ومعنى هذا: أنه يُنفِق البعضَ، ويدَّخِر البعض الآخر، ومَنْ أنفَق بعضَ ما يكتسب، فقلَّما يَفتقر، وقد صحَّ أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يدَّخِرُ لأهله قُوتَ سَنَتهم[3]، فهذا لا يُنافي التوكُّلَ على الله تعالى، ولا الزُّهد في الدنيا؛ لأنه من الأخْذ بالأسباب المشْروعة.

وإذا تعوَّدت الأمَّة الادِّخار، وأصبَح هذا خُلُقًا عامًّا لها، اجتمَعت لديها مقاديرُ هائلة من الأموال، تستطيع أن توظِّفَها فيما يعود على المجتمع كلِّه بالخير وأبْرَك الثمرات، وتسد به ثغرات في الحياة الاقتصادية، بدلَ أن تلجأَ إلى الاستدانة من الخارج بالرِّبا الذي يَمحقه الله، والذي آذنَ اللهُ تعالى مُرتكبيه بحرب الله ورسوله، ونحن نرى آثار هذا المحق وهذه الحرب في هذه المليارات من الديون وخِدْمتها وفوائدها التي أرْهَقتْ شعوبَنا ومجتمعاتنا، حتى أمستْ تحاول توفيةَ الديون بديونٍ أخرى"[4].
إذًا من ثمرات هذا الاستنباط تقريرُ مبدأ الادِّخار، واعتباره مبدأً إسلاميًّا دعا إليه القرآنُ بجانب الإنفاق، فكما أنَّ الإنفاق مطلوبٌ فكذلك الادِّخار، فليس المنهجُ الإسلامي بذاك الذي يَدعو الأفرادَ أن يُنفِقوا كلَّ أموالهم، ثم ينتظروا البركة والتعويض.

سيدُنا أبو بكرٍ الصِّدِّيق - رضي الله عنه - يُنفِق أمواله كلَّها:
في عهْد النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حصَلتْ حادثةٌ تدلُّ على جواز إنفاق المال كلِّه، وهي القصة المشهورة التي يَرويها سيِّدُنا عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث يقول: "أَمَرَنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا أن نتصدَّق، فوافَق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسْبِق أبا بكر إن سبقتُه يومًا[5]، فجِئْت بنصف مالي، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أبقيتَ لأهلك؟))، فقلت: مثلَه، قال: وأتَى أبو بكر بكلِّ ما عنده، فقال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أبقيتَ لأهلك؟))، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلتُ: لا أُسابقك إلى شيءٍ أبدًا"[6].
فهل هذه الرواية تُخالف المبدأ الذي تَمَّ تقريره في الإنفاق استنباطًا من القرآن الكريم، من أنه ينبغي أن يكونَ الإنفاق من بعض المال لا كله؟ أو أنَّ هنـاك توجيهًا يصحِّح المعنى المتبادَر إلى الذهن من أنه يجوز إنفاق المال كلِّه استنادًا إلى فعْل أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - وإقرار النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - له؟

من خلال التأمُّل في القصة ووقائعها والظروف المصاحبة لها، يُمكن القول بأنه مَن كان في مثل حال أبي بكر - رضي الله عنه - فإنه لا بأْس أن ينفقَ أموالَه كلَّها في وجوه الخير والبِر، وتفصيل ذلك كما يلي:

1- لا شكَّ أنَّ يقينَ أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وإيمانه الراسخَ بالله - سبحانه وتعالى - وصبرَه سهَّل عليه مثل هذا الفعل؛ يقول الخَطَّابي: "وإنما لَم يُنْكِر على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - خروجَه من ماله أجْمع، لِمَا عَلِمَ من صحة نيَّته، وقوَّة يقينه، ولَم يَخَف عليه الفتنة"[7]، ويقول ابن عابدين: "ومَن أرادَ التصدُّقَ بماله كله وهو يَعلم من نفسه حُسْنَ التوكُّل والصبرَ عن المسألة، فله ذلك، وإلاَّ فلا يجوز، ويُكره لِمَن لا صبرَ له على الضِّيق أن ينقصَ نفقة نفسه عن الكفاية التامَّة"[8]، وبالتالي فمَن وَجَد من نفسه مثلَ هذه الحالة الإيمانية من اليقين والصبر، جاز له أن ينفقَ مالَه كلَّه؛ كما فعَل الصديق أبو بكر - رضي الله عنه.

2- يُشترط لمَن أراد أن يقومَ بمثل هذا الفعل ألاَّ يكون مسؤولاً عمَّن أوجَبَ الله - سبحانه وتعالى - نفقتَهم عليه، أو إذا كان مسؤولاً وعنده مَن يَعول من زوجة وأولاد، بأن يُبقيَ لهم كفايتهم، أو إذا كانوا مثلَه في الصبر واليقين، جاز له فعْلُ ذلك؛ قال الطبري: "قال الجمهور مَن تصدَّق بماله كلِّه في صحة بدَنه وعقله؛ حيث لا دَيْنَ عليه، وكان صبورًا على الإضاقة، ولا عيال له، أو له عيال يَصبرون أيضًا، فهو جائز، فإن فُقِد شيء من هذه الشروط، كُرِه، وقال بعضهم: هو مَردود"[9].

3- بالرغم من أنَّ أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أنْفَق أموالَه كلها، فإنَّ ذلك محمولٌ على إنفاق الدراهم والدنانير، والأموال المنقولة لا غيرها؛ يقول ابن حزم: "بلا شكٍّ كانتْ له[10] دار بالمدينة معروفة ودار بمكة، وأيضًا: فإنَّ مثل أبي بكر لَم يكن النبي - صلى الله عليه وآله وسلَّم - ليُضَيِّعه؛ فكان في غِنًى"[11].
إذًا فعل سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ليس على إطلاقه، ولا يجوز لأيِّ أحد من الناس الاقتداءُ بفِعْله من غير الشروط والقيود التي ذكرناها آنفًا، والله أعلم.
وقد جاء في حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - في قصة تخلُّفه عن غزوة تبوك، ثم نزول توبته من الله - عز وجل - حينها أرادَ كعب - رضي الله عنه - أن يُنفق كلَّ أمواله في سبيل الله تعالى؛ شكرًا لله تعالى وتصديقًا لتوبته؛ حيث جاء في سياق ما قاله - رضي الله عنه - في القصة المشهورة: "يا رسول الله، إنَّ من توبتي أن أنخلِعَ[12] من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أمْسِك بعض مالك، فهو خير لك))[13]، قال النووي: "وإنما أمَرَه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالاقتصار على الصدقة ببعضه؛ خَوفًا من تضرُّره بالفقر، وخوفًا ألاَّ يصبرَ على الإضاقة، ولا يُخالف هذا صدقةَ أبي بكر - رضي الله عنه - بجميع ماله؛ فإنه كان صابرًا راضيًا"[14].

والخلاصة: أنَّ مسألة التصدُّق بجميع المال يتعدَّد فيها الحُكم الشرعي بحسب الاعتبارات المذكورة آنفًا، فمَن كان حاله قريبًا من حال أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فلا بأْس عليه إذا أنفَق ماله كلَّه، وأجْرُه على الله تعالى، ومَن كان بخلاف ذلك، فالأولى أن يُبْقِيَ جزءًا من ماله، ولا يُنفقه كلَّه، والله أعلم.

---------------------------
[1] الشنقيطي: محمد الأمين؛ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/51)، دار عالم الكتب، الرياض.
[2] هناك فَرْق بين الادِّخار والاكتِناز، فالادخار لا يَعْدُو أن يكون اقتطاعًا لجزءٍ من الدخل؛ بُغية الانتفاع به وقت الحاجة، ودفْع ذلك الجزء المقتطع إلى أوْجه الاستثمار المختلفة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، أمَّا الاكتناز، فهو الاحتفاظ بالثروة وحجْبها مطلقًا، وعدم أداء الحقوق الواجبة فيها؛ كالزكاة وغيرها؛ انظر: سانو، قطب: المدَّخرات: أحكامها وطُرق تكوينها واستثمارها في الفقه الإسلامي، ص 209، دار النفائس، الأردن، ط 1، 1421هـ - 2001م.
[3] عن عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -: أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يبيع نخلَ بني النضير، ويَحبس لأهله قوْتَ سنتهم؛ رواه البخاري؛ صحيح البخاري، كتاب النفقات، باب حبْس نفقة الرجل قوت سنة على أهله، وكيف نفقات العيال، برقْم (5357)، (3/ 439).
[4] القرضاوي يوسف؛ دور القِيَم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، ص 213، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1422هـ - 2002م.
[5] "إن سبقته يومًا"؛ أي: إنْ سبقتُه يومًا، فهذا يومه، وقيل: إن نافية؛ أي: ما سبقتُه يومًا قبل ذلك؛ انظر: المباركفوري، محمد بن عبدالرحمن؛ تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (10/ 113)، دار الفكر، بيروت، وآبادي، محمد شمس الحق: عون المعبود شرح سنن أبي داود (5/ 94)، دار الفكر، بيروت.
[6] رواه أبو داود واللفظ له؛ سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب الرُّخْصة في ذلك، برقْم (1679)، والترمذي، وقال عنه: هذا حديثٌ حَسَن صحيحٌ؛ سنن الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - باب في مناقب أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - برقْم (3829)، وقال الحاكم في المستدرَك على الصحيحين: هذا حديث صحيح على شرْط مسلم ولم يُخرِّجاه؛ انظر: المستدرك على الصحيحين؛ للحاكم النيسابوري (1/ 573)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990م، وقال عنه الألباني: حسن؛ انظر: صحيح سنن أبي داود؛ للألباني (1/ 315)، برقْم (1472)، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ط 1، 1409هـ - 1989م.
[7] انظر: الخطابي، حمد بن محمد: معالم السنن (2/ 78)، المكتبة العلمية، بيروت، ط 2، 1401 هـ - 1981م.
[8] ابن عابدين، محمد أمين: حاشية رد المحتار على الدر المختار (2/ 371)، دار الفكر، بيروت، 1995م.
[9] نقَلَه عن الطبري الإمامُ الحافظُ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري، (4/ 45)، ولَم أجد هذا النقل في تفسير الطبري.
[10] أي: أبو بكر الصدِّيق - رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
[11] ابن حزم، علي بن أحمد؛ المُحلَّى بالآثار (6/ 244)، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م.
[12] أَنخلِع؛ أي: أخرج من جميع مالي؛ انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري؛ للحافظ ابن حجر، مرجع سابق، (8/ 452).
[13] رواه البخاري؛ صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - وقول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118] برقْم (4418)، (3/ 125)، ومسلم؛ صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحِبَيْه، برقْم (2769)، ص 1107.
[14] النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف؛ شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 76)، دار الفكر، بيروت، 1995م.

Heba Khled
08-19-2011, 05:11 PM
الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، والحكمة في ذلك





بسم الله الرحمن الرحيم


الأصلُ في المسلم أنَّه يستسلم لأوامر الله، ويَجتنِب نواهيَه، فيلتزم بما ألْزَمه الله في كتابه، أو ألزمه رسولُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سنته الصحيحة، فإذا أُمِر بشيء ائتمَر، وإذا نُهي عن شيء انتهى، فلا يتعبَّد لله إلا بما شرَعه الله، وهذا ما تميَّز به الإسلام عن بقية الأديان: أنَّه دِين قائم على الاتباع لا الابتداع، فلا يُزاد فيه ما ليس منه، ولا ينقص عنه ما هو فيه؛ لأنَّه دِين أكمله الله: ? الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ? [المائدة: 3]، وبإكماله تمَّت نعمة الله على عباده، وهو دِين ارتضاه الله للبشرية جمعاء: ? وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ? [المائدة: 3]، ولن يَقبل دِينًا سواه: ? وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ? [آل عمران: 85].

فالمسلِم الصادقُ في إسلامه يتمسَّك بهذا الدِّين، فيمتثِل أوامر الله، ويجتنب نواهيه، ومِن هذه النواهي التي نُهِي المسلم عنها: الصلاة في أوقاتٍ نهَى الشرع الحكيم عن الصلاة فيها؛ لحِكم جمة، قدْ نعلمها وقدْ لا نعلمها.

وقبل أن نُعدِّد هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، ننبِّه إلى أنَّ المقصود بالصلاة المنهي عنها في هذه الأوقات، هي: النوافل المطلَقة، أو الصلاة التي لا سببَ لها، كما سيأتي بيانُ ذلك - إن شاء الله.

ومِن هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ما يأتي:

أولاً: بعدَ صلاة الفجْر إلى طلوع الشمس.

ثانيًا: عندَ طلوع الشمس حتى ترتفع قدْر رمح في رأي العين؛ أي: بمقدار اثنتي عشرة دقيقة تقريبًا.

ثالثًا: حين يقوم قائمُ الظهيرة حتى تزولَ الشمس، وذلك حين لا يبقَى للقائم في الظهيرة ظلٌّ في المشرق ولا في المغرِب، وقدَّره البعض برُبع ساعة تقريبًا.

رابعًا: بعدَ صلاة العصْر حتى تغرُب الشمس.

خامسًا: عندَ اصفرار الشمس حتى تغرُب.

فهذه خمسةُ أوقات جاءتِ الأحاديث الصحيحة بالنهي عن الصلاة فيها، ومِن هذه الأحاديث ما يأتي:

أولاً: حديث أبي عبدالله الصنابحي - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ الشمس تطلُع بيْن قرني الشيطان، فإذا ارتفعتْ فارقها، فإذا كانتْ في وسطِ السماء قارنَها، فإذا زالتْ فارقها، فإذا دنت للغروب قارنَها، فإذا غربتْ فارقها، فلا تصلُّوا هذه الساعات الثلاث))؛ رواه ابن ماجه (1253)، وأحمد (18591)، وصحَّحه الألباني في المشكاة (1048).

ثانيًا: حديث يَسار مولَى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: رآني ابنُ عمرَ وأنا أُصلِّي بعدَ طلوع الفجْر، فقال: يا يسار، إنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خرَج علينا ونحن نُصلِّي هذه الصلاة، فقال: ((ليبلغ شاهدُكم غائبَكم، لا تُصلُّوا بعدَ الفجْر إلا سجدتين))؛ رواه أبو داود (1278)، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (1159).

ثالثًا: وحديث أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((لا صلاةَ بعدَ الصُّبح حتى تطلعَ الشمس، ولا صلاةَ بعدَ العصر حتى تغيبَ الشمس))؛ رواه البخاري (586)، واللفظ له، ومسلم (825) بمعناه.

رابعًا: حديث عُقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: \"ثلاثُ ساعات كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ينهانا أن نُصلِّي فيهنَّ، أو أن نقْبُر فيهن موتانا: حين تطلُع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائمُ الظهيرة حتى تَميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ - أي: تميل إلى جِهة الغروب - الشمس للغروب حتى تغرب))؛ رواه مسلم (831).

خامسًا: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يتحرَّى أحدُكم فيصلِّي عند طلوع الشمس، ولا عندَ غروبها))؛ رواه البخاري (585)، ومسلم (828)، وفي رواية قال: ((إذا طَلَع حاجبُ الشمس - أوَّل ما يبدو منها في الطلوع، وهو أوَّل ما يَغيب منها - فدعُوا الصلاة حتى تبرز - أي: حتى تصيرَ الشمس بارزةً ظاهرة - فإذا غاب حاجبُ الشمس فدعُوا الصلاة حتى تغيبَ، ولا تحيَّنوا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبها، فإنَّها تطلع بيْن قرني شيطان))؛ رواه البخاري (3273)، وغير ذلك مِن الأحاديث التي جاءتْ بالنهي عن الصلاةِ في هذه الأوقات.

الحِكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات:

الأصلُ أنَّ المسلِم يستسلم لأوامِر الله، ويجتنب نواهيَه تعبُّدًا لله، ولا يتوقَّف عن التعبُّد حتى يطَّلعَ على الحِكمة أو العِلَّة مِن الأمر بكذا، أو النهي عن ذلك، بل عليه أن ينقاد، وله أن يبحَث على الحُكم والعِلل أثناء العمل؛ ليزدادَ إيمانًا وثباتًا، وقد ذكر العلماء - رحمهم الله تعالى - أنَّ الشرع الحكيم نهى عن الصلاةِ في هذه الأوقات لحِكم عدَّة، علِمها مَن علِمها، وجهلها مَن جهلها، ومن هذه الحِكم التي عُلمت في هذه المسألة ما يأتي:

أولاً: أنَّ في وقت الظهيرة قُبيل الزوال يُوقد فيه على جهنم إيقادًا بليغًا؛ لحديث عمرو بن عبسة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ثم صلِّ؛ فإن الصلاة مشهودةٌ محضورة حتى يستقلَّ الظل بالرمح، ثم أقْصِر عن الصلاة؛ فإنه حينئذٍ تُسجر جهنم))؛ رواه مسلم (832).

ثانيًا: وأمَّا الحِكمة من النهي عنِ الصلاة عندَ طلوع الشمس وعندَ غروبها، فهي مشابهة المشركين، فإنَّهم يسجدون للشمس عندَ طلوعها وعندَ غروبها؛ لحديث عمرو بن عبسة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((صلِّ الصبح، ثم أَقْصِرْ عن الصلاة حتى تطلُع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع بين قرْني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفَّار))، ثم قال - عليه الصلاة والسلام -: ((حتى تصلِّي العصر، ثم أقصِرْ عن الصلاة حتى تغربَ الشمس؛ فإنَّها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار))؛ رواه مسلم (832).

وحديث ابن عمرَ - رضي الله عنهما - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا تَحَرَّوا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غُروبها؛ فإنَّها تطلع بقرْني شيطان))؛ رواه مسلم (828).

ثالثًا: وأمَّا النهي عنِ الصلاة بعدَ صلاة الفجْر إلى طلوع الشمس، وبعدَ صلاة العصْر إلى غروب الشَّمس، فمِن باب سدِّ الذريعة؛ قال شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في بيان حِكمة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات: \"الشيطانُ يقارن الشمس، وحينئذٍ يسجد لها الكفَّار، فالمصلِّي حينئذٍ يتشبه بهم في جِنس الصلاة، فالسُّجُودُ وإنْ لم يكونوا يعبدون معبودَهم، ولا يقصدون مقصودهم، لكن يشبههم في الصُّورة، فنهَى عن الصلاة في هذين الوقتين سدًّا للذريعة؛ حتى ينقطِع التشبُّهُ بالكفَّار، ولا يتشبه بهم المسلِم في شِرْكهم\"؛ مجموع الفتاوى (23/186).

وقال - رحمه الله -: \"... الأصل في النهي أنَّه عندَ الطلوع والغروب... لكن نُهِي عن الصلاة بعدَ الصلاتين سدًّا للذريعة؛ فإنَّ المتطوع قد يصلِّي بعدهما حتى يُصلِّي وقتَ الطلوع والغروب\"؛ \"مجموع الفتاوى\" (23/203).

رابعًا: وهناك حِكمة أُخرى في النَّهي عن الصلاة في هذه الأوقات عمومًا، وهي إجمامُ النفوس، وتنشيطها حتى تُقبل بعد وقت المنْع بنشاط ورغْبة، كما أشار إلى ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فقال: \"في النهي عنه بعض الأوقات مصالِح أُخَر؛ من إجمام النفوس بعض الأوقات مِن ثقل العبادة، كما يجم بالنَّوْم وغيره... ومِن تشويقها وتحبيب الصلاة إليها إذا مُنعِت منها وقتًا، فإنَّه يكون أنشطَ وأرغب فيها؛ فإنَّ العبادة إذا خُصت ببعض الأوقات نشطتِ النفوس لها أعظمَ ممَّا تنشط للشيءِ الدائم، ومنها: أنَّ الشيء الدائم تسأم منه وتملُّ وتضجر، فإذا نهى عنه بعضَ الأوقات زال ذلك الملل\"؛ \"مجموع الفتاوى\" (23/187).

صلوات تُصلَّى في أيِّ وقت:

كنَّا قد نبهْنا في بداية المقال إلى أنَّ المقصود بالصلاة المنهي عنها في هذه الأوقات هي: صلاة التطوُّع المطلَق، وهي التي لا سببَ لها، وأما الصلوات التي تُركت نسيانًا، أو بسبب نوم، أو الصلوات التي لها سبب، فإنها تُصلَّى في أي وقت مِن ليل أو نهار، ومِن هذه الصلوات التي تُصلَّى في أي وقت ما يلي:

أولاً: قضاء الفرائض الفائِتة؛ لحديثِ أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن نسِي صلاةً أو نام عنها، فكفَّارتها أن يُصلِّيَها إذا ذكَرَها))؛ رواه البخاري (597)، ومسلم (684) واللفظ له.

ثانيًا: قضاء سُنَّة الفجر؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن لم يصلِّ ركعتي الفجر، فليصلِّهما بعدَما تطلع الشَّمْس))؛ رواه الترمذي (423)، والحاكم في المستدرك (1015)، وقال: \"هذا حديثٌ صحيح على شرْط الشيخين ولم يخرِّجاه\"، ورواه ابن حبَّان في صحيحه (2472)، وصحَّحه الألبانيُّ في \"السلسلة الصحيحة\" (2361).

ولحديث قيس بن قَهْد - بالقاف المفتوحة وسكون فدال مهملة - أنَّه صلَّى مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الصبح، ولم يكن رَكَع ركعتي الفجر، فلمَّا سلَّم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - سلَّم معه، ثم قام فرَكَع ركعتي الفجر، ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ينظُر إليه، فلم ينكر ذلك عليه؛ رواه أحمد (23812)، وابن حبان في صحيحه (2471)، وابن خزيمة في صحيحه (1116)، وأبو داود (1267) بمعناه، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (1151).

ثالثًا: ركعَتي الطواف؛ لحديث جُبَير بن مطعِم - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا بني عبدِ مناف، لا تمنعوا أحدًا طافَ بهذا البيت وصلَّى، أيَّة ساعة شاءَ مِن ليل أو نهار))؛ رواه الترمذي (868)، والنسائي (585)، وابن ماجه (1254)، وأحمد (16294)، وصحَّحه الألبانيُّ في \"مشكاة المصابيح\" (1045).

رابعًا: الصلوات ذواتُ الأسباب؛ كصلاةِ الجنازة، وتحيَّة المسجد، وصلاة الكسوف، وركعتي الوضوء، وإعادة الجماعة، وصلاة الاستخارة لمَا يفوت، وغير ذلك؛ للأدلَّة الدالة على فِعل هذه الصلوات دون التقييد بزمَن، كما يشهد لذلك حديثُ أبي قتادة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا دخَل أحدُكم المسجد، فلا يجلسْ حتى يصلِّيَ ركعتين))؛ رواه البخاري (1167) واللفظ له، ومسلم (714).

صلاة النافلة في وقت الزوال يوم الجمعة:

ذهَب بعضُ العلماء إلى استثناء يومِ الجُمُعة، فقالوا: يوم الجُمُعة ليس فيه وقت نهْي عند منتصف النَّهار حين يقوم قائِم الظهيرة؛ لحديث سلمانَ الفارسي -رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يغتسل رجلٌ يومَ الجُمُعة، ويتطهَّر ما استطاع مِن طهر، ويدَّهن من دُهنه، أو يمس من طِيب بيته، ثم يخرُج فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يصلِّي ما كُتِب له، ثم ينصت إذا تكلَّم الإمام، إلا غُفِر له ما بيْنه وبيْن الجُمُعة الأخرى))؛ رواه البخاري (883).

وممَّن ذهَب إلى هذا القول العلاَّمة ابنُ القيِّم - رحمه الله - فقال وهو يتحدَّث عن خصائصِ يوم الجُمُعة: \"لا يُكره فِعلُ الصلاة فيه وقت الزَّوال عند الشافعي - رحمه الله - ومَن وافقه، وهو اختيار شيخِنا أبي العباس ابن تيمية، ولم يكن اعتمادُه على حديث ليث، عن مجاهد، عن أبي خليل، عن أبي قتادة - رضي الله عنه - عنِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه كَرِه الصلاة نِصف النهار إلا يوم الجُمُعة، وقال: ((إنَّ جهنَّمَ تُسجر إلا يومَ الجُمُعة))؛ [رواه أبو داود (1083)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (200)]؛ أي: لم يكن اعتمادُه على هذا الحديث لضعْفه، وإنَّما كان اعتماده على أنَّ مَن جاء إلى يوم الجُمُعة يُستحبُّ له أن يُصلِّي حتى يخرُج الإمام، وفي الحديثِ الصحيح: ((لا يغتسلُ رجلٌ يوم الجُمُعة ويتطهَّر ما استطاع مِن طهر، ويدَّهن من دُهنه، أو يمسُّ مِن طِيب بيته، ثم يخرُج فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يُصلِّي ما كُتب له، ثم ينصت إذا تَكلَّم الإمام إلا غُفِر له ما بينه وبيْن الجُمُعة الأخرى))؛ [رواه البخاري (883)]، فندَب إلى الصلاة ما كُتِب له، ولم يمنعْه عنها إلا في وقتِ خروج الإمام؛ ولهذا قال غيرُ واحد من السلف، منهم عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - وتبعه عليه الإمامُ أحمدُ بن حنبل: خروجُ الإمام يَمْنَع الصلاة، وخُطبته تمنَع الكلام، فجعَلوا المانِع من الصلاة خروجَ الإمام لا انتصاف النهار.

وأيضًا فإنَّ الناس يكونون في المسجد تحتَ السقوف، ولا يشعرون بوقتِ الزوال، والرَّجل يكون متشاغلاً بالصلاة لا يَدري بوقت الزوال، ولا يُمكنه أن يخرُج ويتخطَّى رِقاب الناس، وينظر إلى الشمس، ويرجِع ولا يشرع له ذلك...\"؛ \"زاد المعاد\" (1/ 378 - 379).

والله الموفِّق، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحْبه أجمعين.

Heba Khled
08-19-2011, 05:13 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

خير يوم طلعت عليه الشمس





بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذه وقفاتٌ سريعة حول يوم من أيام الله العظيمة، خير يوم طلعتْ عليه الشمس \"يوم الـجُمُعة\"، أحببت أنْ أذكِّر بها نفسي أولاً، وسائرَ أخواني المسلمين ثانيًا.

الوقفة الأولى: سبب تسميتها:

ذكر العلماء تعليلاتٍ عدة لسبب تسمية \"الجُمُعة\" بهذا الاسم، فقيل: لأنَّها تجمع الخلقَ الكثير.
وقيل: لأنَّ سعد بن زرارة - رضي الله عنه - كان يجمع بالأنصار يوم الجمعة.
وقيل: لأنَّ كعب بن لؤي كان يجمع قومَه في الجاهلية في ذلك اليوم، ويبيِّن لهم تعظيمَ الحرم.
وقيل: لأنَّ اكتمال الخلق حصل في يوم الجمعة.
وقيل: لأنَّ آدم اكتمل خلقُه يوم الجمعة، وهذا أصح؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خيرُ يومٍ طلعت عليه الشَّمس يومُ الجمعة؛ فيه خُلق آدم، وفيه أُدْخِلَ الجنةَ، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة))[1].

الوقفة الثانية: بعض خصائصها:

ليوم الجمعة خصائصُ عدة، من أهمِّها ما يلي:

أولاً: استحبابُ كثرةِ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فعن أَوْس بن أوس - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ من أفضل أيامكم يومَ الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ))، قال: فقالوا: يا رسول الله، وكيف تُعرض صلاتُنا عليك، وقد أَرِمْتَ؟ قال: يقولون: بَلِيتَ، قال: ((إنَّ الله - تبارك وتعالى - حرَّم على الأرض أجسادَ الأنبياء صلَّى الله عليهم))[2].

فللصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة فضيلةٌ كبيرة، قال العلامة ابن القيم - رحمه الله -: \"ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيَّام، فللصلاة عليه في هذا اليوم مَزِيَّةٌ ليست لغيرِه، مع حكمةٍ أخرى، وهي أنَّ كلَّ خيرٍ نالتْه أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده - صلى الله عليه وسلم - فجمع الله لأمته به بين خيرَي الدُّنيا والآخرة، فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة؛ فإنَّ فيه بعثَهم إلى منازلهم، وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنةَ، وهو يومُ عيدٍ لهم في الدُّنيا، ويومٌ فيه يُسْعِفُهم الله تعالى بطلباتِهم وحوائجهم، ولا يَرُدُّ سائلَهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه، وعلى يده، فَمِنْ شُكْرِهِ وحمدِه، وأداءِ القليل من حقِّه - صلى الله عليه وسلم - أنْ نكثرَ من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته\"[3].

ثانيًا: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروضِ الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، من تركها تهاونًا بها طَبَعَ الله على قلبه؛ فعن أبي الجعد الضمري، وكانت له صحبةٌ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من ترك ثلاثَ جُمع تهاوُنًا بها، طبع الله على قلبِه))[4].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد منبره: ((لَينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِم - أي: تركهم - الجُمُعات، أو لَيختِمَنَّ الله على قلوبِهم[5] ثم لَيَكونُنَّ من الغافلين))[6].

ثالثًا: الأمر بالاغتسال فيه للصلاة، فمن العلماء من أوجبه؛ فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((غسل يوم الجمعة واجبٌ على كلِّ مُحْتَلِمٍ))[7]؛ أي: بالغ.

ومن العلماء من أوجبه في حقِّ من به رائحةٌ يحتاج إلى إزالتها؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان الناسُ مَهَنَةَ أنفسِهِم - أي: خَدَمَةَ أنفسِهم - وكانوا إذا راحوا إلى الجمُعة راحوا في هيئتهم - على حالتهم من التعرق وغيره - فقيل لهم: ((لو اغتسلتم))[8].

وفي رواية: أنَّها قالت: كان الناسُ أهلَ عمل، ولم يكن لهم كُفَاةٌ - أي: لم يكن لهم خَدَمٌ يكفونهم عن العمل - فكانوا يكونُ لهم تَفَلٌ - أي: رائحة كريهة - فقيل لهم: ((لو اغتسلتم يوم الجمعة))[9].

رابعًا: استحباب التَّبْكير للذهاب إلى المسجد لصلاة الجمعة بعد طلوع الشمس؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من اغتسل يوم الجمُعة غسلَ الجنابة، ثمَّ راح فكأنما قرَّبَ بَدَنَةً، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قَرَّبَ بقرةً، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّبَ كبشًا أقرنَ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قَرَّبَ دجاجةً، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قَرَّبَ بيضةً، فإذا خرج الإمامُ حضرت الملائكة يستمعون الذِّكر))[10].

خامسًا: قراءة سورة الكهف في يومِها؛ فعن أبي سعيد - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاءَ له من النُّورِ ما بين الجمعتين))[11].

سادسًا: أنَّ فيها ساعةَ إجابة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ في الجمُعة لساعةً لا يوافقها مسلمٌ قائمٌ يصلِّي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه))[12]، وهذه الساعة من دخول الإمام، إلى أن تقضى الصلاة، ومن بعد صلاة العصر إلى أن تغرُبَ الشمسُ.

سابعًا: القراءة في فجر الجمعة \"الم السجدة\"، وفي الركعة الثانية: ? هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ? [الإنسان : 1] كاملتَين، والحكمة في ذلك ما بيَّنه ابنُ القيم - رحمه الله - بقوله: \"ولما خلق الله السمواتِ والأرضَ وما بينهما في ستة أيام، وتعرَّف بذلك إلى عباده على ألسنة رسله وأنبيائه، شَرَعَ لهم في الأسبوع يومًا يذكرهم فيه بذلك، وحكمةِ الخلق، وما خُلِقوا له، وبِأَجَلِ العالَـمِ، وطيِّ السموات والأرض، وعود الأمر كما بدأه سبحانه وعدًا عليه حقًّا، وقولاً صِدْقًا، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في فجر يوم الجمعة سورتي (آلم تنزيل) و(هل أتى على الإنسان)؛ لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون من المبدأ والمعاد، وحشر الخلائق، وبعثهم من القبور إلى الجنَّةِ والنار، لا لأجلِ السجدة، كما يظنُّه من نَقَصَ علمُه ومعرفتُه، فيأتي بسجدةٍ من سورة أخرى، ويعتقد أنَّ فجر يوم الجمعة فُضِّلَ بسجدة، ويُنكِر على من لم يفعلها.

وهكذا كانت قراءته - صلى الله عليه وسلم - في المجامع الكبار كالأعياد ونحوها، بالسورة المشتملة على التوحيد، والمبدأ والمعاد، وقصص الأنبياء مع أممهم، وما عامَلَ الله به مَنْ كَذَّبَهم وكَفَرَ بهم من الهلاك والشَّقاء، ومَنْ آمن منهم وصدَّقهم من النجاة والعافية.

كما كان يقرأ في العيدين بسورتي: ? ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ? [ق : 1] و? اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ? [القمر : 1]، وتارة بـ? سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ? [الأعلى : 1] و? هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ? [الغاشية : 1]، وتارة يقرأ في الجمُعة بسورة الجمعة؛ لما تضمنتْ من العائِقِ عنها والأمرِ بإكثار ذكر الله؛ ليحصل لهم الفلاح في الدَّارين، فإنَّ في نسيان ذكره تعالى العطبَ والهلاكَ في الدارين، ويقرأ في الثانية بسورة: ? إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ? [المنافقون : 1]؛ تحذيرًا للأمة من النفاق المردي، وتحذيرًا لهم أن تشغلَهم أموالُهم وأولادُهم عن صلاة الجمعة وعن ذكر الله، وأنهم إنْ فعلوا ذلك خسروا ولا بد، وحضًّا لهم على الإنفاق الذي هو من أكبر أسباب سعادتهم، وتحذيرًا لهم من هجوم الموت، وهم على حالةٍ يطلبون الإقالة، ويتمنون الرَّجعة ولا يجابون إليها\"[13].

ثامنًا: أنَّ فيها الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة، وتذكير العباد.

تاسعًا: ليس لها راتبة قبلها، وإنما راتبتها بعدها؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا صلَّى أحدُكم الجمعة، فليصلِّ بعدَها أربعًا))[14].
وعن ابنِ عمرَ - رضي الله عنهما - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: \"كان يصلي بعد الجمعة ركعتين\"[15].

وكان ابنُ عمرَ - رضي الله عنه -: إذا صلى الجمعة بمكَّةَ تقدم فصلى ركعتين، ثم تقدم فصلى أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلَّى الجمعة ثمَّ رجع إلى بيته فصلى ركعتين، ولم يصلِّ في المسجد، فقيل له، فقال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلُ ذلك\"[16].

عاشرًا: التفرُّغ للعبادة يوم الجمعة، قال ابن القيم - رحمه الله - وهو يتحدث عن خصائص يوم الجمعة: \"إنه اليوم الذي يُستحب أنْ يُتفرغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مَزِيَّةٌ بأنواع من العبادات، واجبة ومستحبة، فالله سبحانه جعل لأهل كلِّ ملة يومًا يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة يوم عبادة، وهو في الأيام كشهرِ رمضانَ في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان؛ ولهذا من صح له يوم جمعته وسلم، سلمت له سائرُ جمعته، ومن صح له رمضان وسلم، سلمت له سائر سنته، ومن صحت له حجته وسلمت له، صح له سائر عمره، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر\"[17].

الوقفة الثالثة: حكم صلاة الجمعة:

صلاة الجمعة واجبةٌ على كلِّ مسلمٍ، ذكر، بالغ، عاقل، لا عذرَ له؛ لقوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ? [الجمة: 9]
ولحديث حفصةَ زوجِ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((رَواحُ الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلمٍ))[18]، والإجماع منعقد على وجوبِها.
فلا تجب على الكافر وجوب أداءٍ؛ لفقد التوحيد، ولا على المرأة بالإجماع، ولا على غيرِ البالغ العاقل؛ لعدم تكليفه.
ولا تجب على مسافرٍ سفرَ قصرٍ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا يسافرون في الحجِّ وغيره، فلم يصلِّها أحد منهم.

الوقفة الرابعة: الفرق بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر:

صلاة الجمعة فريضة مستقلة، وليست بدلاً من الظهر؛ وذلك لأنها تخالف صلاة الظهر في أحكام كثيرة، وهي أفضلُ من صلاة الظهر، وآكدُ منها؛ لأنه ورد على تركها زيادةُ تهديد، ولأن لها شروطًا وخصائصَ ليست لصلاة الظهر، ولا تجزئ عنها صلاة الظهر ممن وجبت عليه، ما لم يخرج وقتُها، فإذا خرج وقتها، فصلاة الظهر حينئذٍ تكون بدلاً عنها.

الوقفة الخامسة: وقت صلاة الجمعة:

الجمعة لها ثلاثة أوقات:

الوقت الأول: وقت الأداء.

الوقت الثاني: وقت الاستحباب.

الوقت الثالث: وقت القضاء.

أولاً: وقت الأداء: ويبدأ ذلك بزوال الشمس عن وسط السَّماء، لكنه لو تقدم شيئًا يسيرًا (5 -10) دقائق، فجائزٌ، وآخرُ وقتِ الأداء: آخرُ وقت صلاة الظهر، وهو: إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه إلا فيء الزوال.

ثانيًا: وقت الاستحباب لصلاة الجمعة، وهو أول الوقت حتى في شدة الحر، فلا يشرع الإبراد؛ فعن عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: \"كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس\"[19].

ثالثًا: وقت القضاء: إذا خرج وقت صلاة الظهر، ولم يصلوا جمعةً، فإنهم يصلونها ظهرًا[20].

الوقفة السادسة: شروط صحة الجمعة:

شروط صحة الجمعة، هي:

1- دخول الوقت؛ لأنها صلاة مفروضة، فاشتُرِطَ لها دخولُ الوقت كبقية الصلوات، فلا تصح قبل وقتها ولا بعده؛ لقوله تعالى: ? إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ? [النساء : 103].

ووقتها وقت صلاة الظهر؛ أي: عندما تزول الشمس عن منتصف السماء جهةَ الغرب؛ فعن سلمةَ بنِ الأكوع - رضي الله عنه - قال: \"كنا نجمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفَيءَ\"[21].

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: \"كان يصلِّي الجمعة حين تميل الشَّمسُ\"[22].

ويصحُّ فعلُها في الساعة السادسة قبلَ الزوال؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - وفيه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((... ومن راح في الساعة الخامسة فكأنَّما قرَّب بيضةً، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذِّكر))[23]، وخروج الإمام يكون في السادسة.

2- أن يكون المصلُّون ثلاثةَ مستوطنين بمساكن مبنيَّة بما جرت العادة بالبناء به، فلا تصح من أهل الخِيام، وبيوت الشَّعر الذين ينتجعون في الغالب مواطن القَطْر، وينقلون بيوتهم ونحو ذلك؛ فقد كانت قبائل العرب حول المدينة، ولم يأمرهم - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الجمعة.

3- تقديم خطبتين؛ لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهما، وكذا لمواظبة خلفائه الراشدين؛ فعن عبدالله بنِ عمرَ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \"كان يخطب الخطبتين، وهو قائمٌ، وكان يفصل بينهما بجلوس\"[24]، ويشترط لهما النية، والموعظة التي تناسب الحال.

الوقفة السابعة: صفة صلاة الجمعة:

صلاة الجمعة ركعتان بالإجماع، ويُجهر فيهما بالقراءةِ، ويُسَنُّ أن يُقرأ في الركعة الأولى منهما بعد الفاتحة سورة الجمعة، وفي الثانية بعد الفاتحة سورة المنافقين؛ فعن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: \"كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (الم تنزيل السجدة)، و(هل أتى على الإنسان حين من الدهر)، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقين\"[25].

أو يقرأ في الأولى بـ? سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ? [الأعلى : 1]، وفي الثانية بـ? هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ? [الغاشية: 1]؛ فعن النُّعمان بنِ بشير - رضي الله عنه - قال: \"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ(سبح اسم ربك الأعلى)، و(هل أتاك حديث الغاشية)، قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضًا في الصَّلاتين\"[26].

فيقرأ بالجمعة والمنافقين أحيانًا، وأحيانًا بـ(سبح) و(الغاشية)، ولا يقسم سورة واحدة من هذه السور بين الركعتين؛ لأنَّ ذلك خلاف السنة.

الوقفة الثامنة: بِمَ تدرك الجمعة؟

تدرك الجمعة بإدراك ركعةٍ؛ فإذا أدرك مع الإمام ركعةً أتمها جمعةً؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاةَ))[27].

وعن ابنِ عمرَ - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أدرك ركعة من الجمعة، أو غيرِها، فقد تَمَّتْ صلاتُه))[28].

وإن أدرك أقلَّ من الركعة بأن رفع الإمام رأسَه من الركعة الثانية قبل دخوله معه، فاتته صلاة الجمعة، فإذا سلَّم الإمام أتمَّها ظهرًا.

الوقفة التاسعة: هل للجمعة سنة قبلية؟

قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية - رحمه الله -: \"لم يكن[29] يُصلِّي قبل الجمعة بعد الأذان شيئًا، ولا نقل هذا عنه أحدٌ، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يؤذَّنُ على عهده إلا إذا قعد على المنبر، ويؤذِّن بلالٌ ثم يخطب النبي - صلى الله عليه وسلم - الخطبتين، ثمَّ يقيم بلال فيصلي النبي - صلى الله عليه وسلم - بالناس، فما كان يمكن أنْ يصلي بعد الأذان لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه - صلى الله عليه وسلم - ولا نَقَلَ عنه أحدٌ أنه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقَّتَ بقوله: صلاة مقدرة قبل الجمعة، بل ألفاظُه - صلى الله عليه وسلم - فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غيرِ توقيت، كقوله: ((من بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، وصلى ما كتب له))[30].

وهذا هو المأثور عن الصحابة؛ كانوا إذا أتوا المسجد يومَ الجمعة يصلُّون من حين يدخلون ما تيسَّر، فمنهم من يصلي عشر ركعات، ومنهم من يصلي اثنتي عشرةَ ركعة، ومنهم من يصلي ثمانِ ركعات، ومنهم من يصلِّي أقل من ذلك؛ ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة موقَّتة بوقتٍ مقدرة بعدد؛ لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعله، وهو لم يسن في ذلك شيئًا لا بقوله ولا فعله، وهذا مذهب مالك ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور في مذهب أحمد\"[31].

والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

-------------------------
[1] رواه مسلم (854).
[2] رواه أبو داود (1047) والنسائي (1374) وابن ماجه (1085) وأحمد (15729). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (962).
[3] زاد المعاد (1/376).
[4] رواه أبو داود (1052). والنسائي (1369)، ورواه أحمد (15072) بزيادة: ((من غير عذر))، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (965).
[5] الختم: الطبع والتغطية، ومنه قوله تعالى: ? خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ? [البقرة: 7]؛ أي: طبع.
[6] رواه مسلم (865).
[7] رواه البخاري (879) ومسلم (846).
[8] رواه البخاري (903).
[9] رواه مسلم (847).
[10] رواه البخاري (801) ومسلم (850).
[11] رواه الحاكم في المستدرك (3392)، وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، والبيهقي في السنن الصغرى (635)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (736).
[12] رواه البخاري (6400) ومسلم (852).
[13] زاد المعاد (1/421- 422).
[14] رواه مسلم (881).
[15] رواه البخاري (937) ومسلم (882)، واللفظ له.
[16] رواه أبو داود (1130)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1034) بشواهده، وصححه في المشكاة (1187).
[17] زاد المعاد (1/398).
[18] رواه أبو داود (342) والنسائي (1371)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (370).
[19] رواه البخاري (904).
[20] شرح كتاب الصلاة من عمدة الطالب (741- 716) للشيخ/ خالد المشيقح.
[21] رواه مسلم (860).
[22] رواه البخاري (904).
[23] رواه البخاري (801) ومسلم (850).
[24] رواه النسائي (1416)، وأصله في البخاري (928).
[25] رواه مسلم (879).
[26] رواه مسلم (878).
[27] رواه البخاري (580) ومسلم (607).
[28] رواه النسائي (5574)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5994).
[29] أي: النبي - صلى الله عليه وسلم.
[30] الحديث رواه أبو داود (345) وابن ماجه (1087) من حديث أوس بن أوس الثقفي - رضي الله عنه - قال: \"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها)).
[31] مجموع الفتاوى (24/188 - 189).

Heba Khled
08-19-2011, 05:16 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

أهل الذمة: قراءة بين النصوص الشرعية والواقع





بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسولِ الله محمَّد - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم .

أما بعدُ:
فإنَّ الله - تعالى - بيَّن لنا في كتابه، وسُنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أحوالَ الكافرين والمشركين، وكيفية التعامل معهم، وأخَصُّ هؤلاء الكفَّار والمشركين أهلُ الكتاب مِن اليهود والنصارى.

وهؤلاء كما بيَّن أهلُ العلم ينقسمون إلى أقسام:
أولاً أهل الحَرْب: وهذا حال أكثرهم؛ أهل حرب وعداء للإسلام والمسلمين.

ثانيًا أهل الأمان: وهو الحربي إذا آوى إلى المسلمين في جِوارهم لظرفٍ ما، واستمع كلامَ الله تعالى، وكذلك الداخلون إلى بلاد المسلمين بعهدِ الأمان \"كالتأشيرة في زماننا\"، كما قال - تعالى -: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6].

ثالثًا أهل الصُّلح والعهد: وهؤلاء حربيُّون بالأصل، إلا أنَّه إذا جَنحوا للسلام والمصالحة وتعاهَدوا عليه، كان لهم ذلك العهدُ والصُّلح، ما وفوا به والتزموه، وإلا رُدَّ إليهم عهدُهم، كما قال - تعالى -: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال: 58]، وقال - تعالى -: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنفال: 61].

رابعًا أهل الذِّمة: وهم الذين رضُوا بالعيش والاستقرار معنا في بلاد المسلمين، ورضوا بالشريعةِ والإسلام حاكِمًا وسيِّدًا، ومِن ثَمَّ دانوا لحُكمه بالذلة والصَّغار، ولا يتحقَّق لهم ذلك كما نقَل ابنُ القيم وغيره من أهل العلم في \"أحكام أهل الذمة\"، إلا أن يَدْفعوا الجزيةَ كاملةً عن يد، ويرضوا بسيادةِ الدولة المسلِمة الحاكمة، ولا يتعرَّضوا لأحد من أهل الإسلام بسوءٍ أو إيذاء أو قتْل، أو التطاول ببناء الكنائس والمعابد في بلاد الإسلام، وإلا بطلت ذِمَّتُهم، وهؤلاء قد يُسمَّوْن في زماننا هذا بالمواطنين، وهؤلاء غالبهم اليوم يعيشون في البلادِ الإسلامية[1].

فإذا رضُوا بالذِّمَّة والعيش والإسلام والجزية، فهؤلاء قد بيَّن الله - تعالى - في كتابه في هذه الحال ضوابطَ العلاقة وقواعدها مع غير المسلمين في الجملةمِن أهل الكتاب اليهود والنصارى، فقال - تعالى -: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الممتحنة: 8 - 9].

قال العلاَّمة ابن سعدي - رحمه الله-: \"أي: لا ينهاكم الله عن البِّرِّ والصِّلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم يَنتصبوا لقِتالكم في الدِّين، والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناحٌ أن تصلوهم، فإنَّ صِلتهم في هذه الحالة لا محذورَ فيها ولا مفسدة، كما قال - تعالى - عن الأبوين المشركَيْن إذا كان ولدهما مسلمًا: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: 15]\"[2].

وقال العلاَّمة ابنُ كثير - رحمه الله -: \"أي: لا ينهاكم عن الإحسانِ إلى الكَفرة الذين لا يقاتلونكم في الدِّين، كالنساء والضَّعَفة منهم، ﴿ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾؛ أي: تُحسِنوا إليهم ﴿ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾؛ أي: تَعدِلوا ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾.

قال الإمام أحمد: حدَّثَنا أبو معاوية، حدَّثَنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء - هي بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - قالت: قَدِمتْ أمي وهي مشرِكة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقلت: يا رسولَ الله، إنَّ أمي قَدِمتْ وهي راغِبة، أفَأَصِلها؟ قال: ((نَعَمْ، صِلِي أمَّك))؛ أخرجاه\"[3].

فالإحسانُ إلى غيرِ المسلمين أمرٌ جائِز شرعًا، وفي حدود ما شرَعه الله ورسولُه، ولا يعني هذا أن نُحبَّهم بقلوبنا ونودهم، كلاَّ! فالإحسان هو عملُ المعروف وبذله، لا حب الكُفر والمودَّة، وهناك فارق بينهما.

كما حرَّم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ظلمهم أو التعدي عليهم بالقتل، كما جاء عن صفوانَ بنِ سليم عن عددٍ مِن أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ألاَ مَن ظلَم معاهدًا، أو انتقصَه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طِيب نفس، فأنا حجيجُه يوم القيامة))؛ رواه أبو داود والبيهقي.

بل وشدَّد الوعيد على مَن هتَك حُرمة دمائهم، واعتدَى عليهم بغير حق، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما رواه البخاري عن عبدِالله بن عمرو - رضي الله عنهما -: ((مَن قتَل معاهدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإنَّ رِيحها توجد من مسيرةِ أربعين عامًا)).

كما أنه إذا أجار أحدٌ مِن المسلمين مشركًا في دار الإسلام، يجب معاونتُه على ذلك، ويَحْرُم خَفْرُ ذِمته، فقد جاء في الصحيحين؛ عن أبي مُرَّة مولى أمِّ هانئ بنت أبي طالب: أنَّه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبتُ إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عام الفتح، فوجدتُه يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، قالتْ: فسلمتُ عليه، فقال: ((مَن هذه؟))، فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: ((مرحبًا بأمِّ هانئ))، فلما فرغ مِن غسله، قام فصلَّى ثماني ركعات، ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف، قلت: يا رسولَ الله، زعَم ابنُ أمي، أنه قاتلٌ رجلاً قد أجرتُه، فلان بن هبيرة، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قدْ أجَرْنَا مَن أجَرْتِ يا أمَّ هانئ))، قالت أم هانئ: وذاك ضُحًى.

وأخرج البخاريُّ مِن طريق عمرو بن ميمون: أنَّ عمر - رضي الله عنه - قال - في وصيته للخليفةِ الذي بعدَه -: وأوصيه بذِمَّة الله وذمة رسولِه أن يُوفَى لهم بعهدهم، وأن يُقاتل مِن ورائهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقتهم.

ويقول القرافي: \"إنَّ عَقْدَ الذمة يوجب حقوقًا علينا لهم؛ لأنَّهم في جوارنا وفي خفارتنا، وذِمَّةِ الله تعالى، وذِمَّةِ رسوله، ودِينِ الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمةِ سوء، أو غِيبة في عِرْض أحدِهم، أو نوع من أنواع الأذيَّة، أو أعان على ذلك، فقد ضيَّعَ ذِمَّة الله تعالى وذِمَّة رسوله، وذِمَّة دِين الإسلام\"[4].
وهذا ينطبق على المعاهدين والذميِّين منهم.

أمَّا مَن أظهروا العداوةَ والبغضاء، وسلُّوا سيوفَ الحرْب والفتن، فقد بيَّن الله ذلك في قوله - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الممتحنة: 9]، فهؤلاء لا بِرَّ لهم ولا صِلة، وهذه قاعدة شرعيَّة واضحة في باب الولاء والبراء بين المسلمين وغيرهم مِن الكفَّار والمشركين.

وبعد هذا نقول:
إنَّ هذه الأحكام الشرعية وغيرها مع أهلِ الكتاب مِن اليهود والنصارى، تكون واضحةً جلية إذا كان سلطانُ وحُكم الإسلام قاهرًا، وخلافته قائِمة، وإمام الأمَّة المسلمة سائدًا بحُكم الإسلام وشريعتِه وأحكامِه، فعندها يُعطَى لهم حقوقهم، ونرضَى منهم ما عليهم.

ولكن ربَّما نجد اليومَ في هذه الآونة الأخيرة، وبعدَ أن دارتِ الدائرة على المسلمين، وسقطتِ الخلافة الإسلامية الراشِدة كنِظام حُكم عام للدول الإسلاميَّة، وبعد التآمُر على إسقاطها، نجد أنَّ بعض أهل العلم يرون أنَّ عقد الذمة لهم لا يَزال قائمًا عملاً بالأصل، وأنَّ دول الإسلام وإن سقطتْ خلافتها فإنَّها لا تزال تُعبِّر عن الإسلام، ولا يزال الناس يعيش بعضُهم مع بعض، إلا إذا فَعَل أهل الذِّمة ما ينقض ذلك كرفْضِ دفْع الجزية والالتزام بأحكامِ الإسلام، وإيذاء أهلِ الإسلام وشعائره بأذى، فهذا تسقط ذِمَّته إذا أتَى بناقضٍ لها، ويُرفَع أمرُه إلى الحاكِم المسلم، فإنْ شاء قتَلَه وإنْ شاء أسَرَه كالكافر الحربي، أو يعفو عنه، أو يسرِّحه بمال في مصالح المسلمين.

بينما يرى بعضٌ آخَرُ من أهل العلم أنَّ عقد الذِّمة بين المسلمين وغيرهم قد لا يكون قائمًا بالأصل؛ وذلك لانتفاء وجود الحُكم الإسلامي والخلافة والإمام القائِم بذلك، ثم لأنَّ التشريعات المدنية الحديثة وإنْ كانت تتمسَّح ظاهرًا بالإسلام إلا أنَّ جُلَّها أصبح علمانيًّا وغربيًّا لا يمتُّ إلى القوانين الإسلامية وشريعتها بصِلة، وقد أسقطتِ الجزية عن أهل الذِّمَّة، كما سقطتِ الشريعة نفسها كنظام عام للحُكم الإسلامي في البلاد الإسلاميَّة في جُلِّ أحكامها في الدولة المدنية المعاصِرة.

كما نرى تمرُّد بعض طوائف مِن النصارى على أحكام أهل الذِّمَّة ورفضها، والتعرُّض في بعض الأحيان لإيذاء المسلمين بصور شتَّى، وأحوال مختلفة، وهذا واقِعٌ ومشاهَد، وقد قال ابنُ قدامة الحنبلي - رحمه الله -: \"ولا يجوز عقدُ الذمة المؤبَّدة إلا بشرطين: أحدهما: أن يلتزموا إعطاءَ الجزية في كلِّ حول، والثاني: التزام أحكام الإسلام، وهو قَبول ما يُحكَم به عليهم من أداء حقٍّ أو ترْك محرَّم؛ لقول الله - تعالى -: ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29]\"[5].

وقد جاءَ في هذا الشروط العمرية:
\"وألاَّ نضرب ناقوسًا إلا ضربًا خفيفًا في جوفِ كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبًا، ولا نرفع أصواتَنا في الصلاة ولا القراءة في الصلاة فيما يحضرُه المسلمون، وألاَّ نُخرج باعوثًا أو شعانين، ولا نُحدِث في مدينتنا كنيسةً ولا فيما حولها ديرًا ولا قلاية ولا صومعةَ راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا... إلخ\"[6].

وقال الإمامُ الشوكانيُّ - رحمه الله - في \"السيل الجرار\":
\"أقول: ثُبوت الذِّمَّة لهم مشروطٌ بتسليم الجزية، والتزام ما ألزمهم به المسلمون مِن الشروط، فإذا لم يحصُلِ الوفاءُ بما شرط عليهم عادوا إلى ما كانوا عليه من إباحةِ الدماء والأموال، وهذا معلومٌ ليس فيه خلاف، وفي آخر العهد العمري: فإنْ خالفوا شيئًا مما شَرَطوه فلا ذِمَّة لهم، وقد حلَّ للمسلمين منهم ما يحل مِن أهل العِناد والشِّقاق\"[7]؛ انتهى.

وأيًّا كان الأمر، فهناك أحكامٌ وأصول شرعيَّة في كلتا الحالتين تضبط الأمورَ والمسائل، وليستْ متروكةً للبحث والاجتهاد مِن آحاد الناس وعوامهم، وإلا عمَّتِ الفوضى بلادَ الإسلام، وأتت بالفِتنة التي لا تترك الأخضر ولا اليابس.

وهنا نرى أنَّ الإشكال في الحقيقة في تنزيل هذه الأحكام على الواقِع، وتنزيل ما يتعلَّق بها من مسائل وفروع، حيث نجد البعضَ ربما يجتهد برأيه ويُعوِّل على قراءته للنصوص الشرعية وفهمه، ولا يرجع أو يعول فيها كثيرًا على أهل العِلم والبصيرة والنظر، كما لا يهتمُّ كثيرًا بفِقه المقاصد الشرعيَّة ومآلات الأمور وعواقبها، وكم نحن في حاجةٍ إلى مِثل هذا الفِقه وتأصيله في مِثل هذه القضايا والنوازل المعاصِرة! أو تنزيل الأحكام الشرعيَّة في الواقع بفَهْم عميق، وتطبيق صحيح.

كما أنَّه لا يصحُّ أيضًا الاشتغال بفِقه الواقِع دونما تأصيل مِن العلم الشرعي، والنهل مِن معينه، فلَكَمِ انشغل أناس في فقه الواقع وغَرِقوا فيه دونما تأصيل للمسائل أو تأسيس لها، وكما قال الشيخُ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى -: \"وأمَّا الاشتغال بواقِع العصر - كما يقولون - أو \"فقه الواقع\"، فهذا إنَّما يكون بعدَ الفِقه الشرعيِّ؛ إذ الإنسان بالفِقه الشرعيِّ ينظر إلى واقِع الناس، وما يدور في العالَم، وما يأتي مِن أفكار، ومِن آراء، ويعرضها على العِلم الشرعيِّ الصَّحيح؛ ليميزَ خيرها من شرِّها، وبدون العلم الشرعيِّ، فإنه لا يُميِّزُ بين الحقِّ والباطل، والهُدى والضَّلال، فالذي يشتغل بادئَ ذِي بدءٍ بالأمور الثقافية، والأمور الصَّحافيَّة، والأمور السياسيَّة، وليس عندَه بصيرة من دِينه؛ فإنَّه يَضِلُّ بهذه الأمور؛ لأنَّ أكثر ما يدور فيها ضلالة، ودعاية للباطل، وزُخرُفٌ من القول وغرور، نسأل الله العافيةَ والسَّلامة\"[8].

وقال ابن القيِّم: \"ولا يَتمكَّن المفتي ولا الحاكمُ مِن الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين مِن الفهم:
أحدهما: فَهْم الواقِع والفِقه فيه، واستنباط عِلم حقيقة ما وقَع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيطَ به علمًا.
النوع الثاني: فَهْم الواجِب في الواقع، وهو فَهْم حُكم الله الذي حَكَم به في كتابه أو على لسانِ رسولِه في هذا الواقع، ثم يُطبِّق أحدهما على الآخر، فمَن بذل جهده واستفرغ وسعَه في ذلك لم يَعْدم أجْرَين أو أجرًا، فالعالِم مَن يتوصل بمعرفة الواقع والتفقُّه فيه إلى معرفة حُكم الله ورسوله\"[9].

وقال أيضًا: \"فها هنا نوعانِ مِن الفقه لا بدَّ للحاكم منهما، فِقه في أحكام الحوادث الكلية، وفِقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميِّز بين الصادق والكاذب، والمُحقِّ والمبطِل، ثم يطابق بين هذا وهذا، فيُعطي الواقع حُكمَه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفًا للواقِع\"[10].

وهنا ينبغي التنبيه على عدة أمور:
أولاً: لا يَنبغي لأيِّ أحد أن يقول برأيه في مِثل هذه القضايا والنوازل الكبيرة اليوم، إلا إنْ كان من أهل العلم الموثوق بعلمهم وتحرِّيهم للحقِّ والشَّرع دون محاباة أو مداهنة، ولا يلتفت إلى أيِّ فتوى أو قول ليس عليه دليل صحيح بيِّن مِن الكتاب والسُّنة وأقوال أهل العلم، وإلا صارتِ المسائل فوضى لا زِمامَ لها ولا خطام.

ثانيًا: أنه إذا صحَّ القول بأنَّ أهل الذِّمَّة اليوم لا ينطبق عليهم هذا الوصف والحال؛ لكونهم لا يعطون الجزية ولا يَرْضَون كثيرًا بأحكام الشريعة الإسلامية، فلا يعني هذا أيضًا التعدِّي عليهم بغير وجه حقٍّ أو التعرض لهم بالقتل والإيذاء، حيث إنَّ جُلَّهم عاشوا على أرض مصر مع المسلمين وفي ظلِّ الإسلام منذ 1400 عام من تاريخ الإسلام والمسلمين في أمنٍ وسلام وأمان، وقد أمَرَنا الله - تعالى - بالوفاء بالعهد والذِّمَّة، وجعلها مِن أعلى صفات أهل الإيمان، فقال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]، وقال - تعالى -: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء: 34]، وقال - تعالى -: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: 91].

وقد سُئِل الشيخ العثيمين - رحمه الله -: البعض يتأوَّل في مسألة أهل الذمة بدعوى عدم وجودِ وليِّ الأمر العام أو الخِلافة؟
فأجاب بقوله: \"أنا أُوافق على أنه ليس عندنا أهل ذِمَّة؛ لأنَّ أهل الذمة هم الذين يخضعون لأحكامِ الإسلام، ويُؤدُّون الجزية، وهذا مفقودٌ منذ زمن طويل، لكن لدينا معاهَدون، ومستأمنون، ومعاهدون معاهدة عامَّة، ومعاهدة خاصَّة، فمن قدم إلى بلادنا من الكفَّار لعملٍ أو تجارة وسُمِح له بذلك، فهو: إما معاهد أو مستأمن، فلا يجوز الاعتداء عليه، وقد ثبَتَ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: ((مَن قتَل معاهدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة))، فنحن مسلمون مستسلِمون لأمر الله - عزَّ وجلَّ - محترِمون لما اقتضى الإسلام احترامه مِن أهل العهد والأمان، فمن أخلَّ بذلك، فقد أساء للإسلام، وأظْهَره للناس بمظهرِ الإرهاب والغَدْر والخِيانة، ومَن التزم أحكامَ الإسلام واحترم العهود والمواثيق، فهذا هو الذي يُرجَى خيره وفلاحه\"[11].

ثالثًا: أنَّ وجود الحال بهذه الصِّفة والصورة - إذا تعرَّض أحدٌ منهم للمسلمين بالإيذاء والقهْر والعَنَت والفِتنة في دِينه، كما يحدُث اليوم من اختطاف للمسلمات وقهرهنَّ في سجون الكنيسة - وجود هذه الحال من بعض طوائف النصارى وقادتهم لا يَعْني بالجملة أن تتحوَّل الأمور والقضايا إلى فوضى عارِمة، بحيث نرى بعضَ المسلمين يحاول جاهدًا التعرُّض لهم بالمِثل، وربَّما صارتِ الأمور إلى ما هو أعظم مِن سفك الدماء والحرْق، وغير ذلك، نقول هذا ليس لعامَّة الناس.

إنَّما إذا وقَع هذا، وجب على الدولة المسلمة ووليِّ الأمر فيها مِن الإمام المسلم أو النائب عنه، اتِّخاذ الواجب عليه ضدَّ هؤلاء المحاربين المفسدين والمخربين في الأرْض، والعمل على تخليصِ المسلمات مِن فِتنة الدِّين والكفر بكلِّ الوسائل والسبل؛ وهذا حتى لا تكون الأمور فوضى، فيعم البلاء والويل على البلاد والعباد.

وقد نصَّ أهلُ العِلم على أنَّ إقامة الحدود في الأموال والدماء إنَّما مرجعه للإمام المسلِم ومَن ينوب عنه، وليس لآحاد الناس، وإلا صارتْ دماء الناس هدرًا، وضاع الأمن والأمان.

رابعًا: ثم على أهل العِلم أن يُبيِّنوا للناس هذه الأحكامَ والنوازل في قضايا الواقع، فإذا ثبت وجودُ بعض المحاربين من النصارى بالفعل، وقيامهم بالتخريب في البلاد أو الإفساد فيها، أو فِتنة الناس عن دِينهم، فهذا حُكمه لأهل العِلم والإمام، وليس للعامَّة من الناس؛ إذ قد يترتَّب على قتال هؤلاء فِتنة أشد وأكبر مِن إفسادهم، أو يحدث إفساد أكبر ممَّا هو حاصل للمسلمين، أو قد لا يكون للدولة سلطانٌ قاهر عليهم، فعندئذٍ يُنظر في مآلات الأمور، وما يترتب عليها مِن المصالح والمفاسد للمسلمين، وهذا ليس إلا لأهل العِلم والشَّرْع والنظر، وهذا البحث محل نظر واجتهاد، لا يمكن الكلام فيه دون الاستيفاء للموضوع بحقِّه.

وبعد هذا نقول:
فالواجب على كلِّ مسلِم يرجو الله - تعالى - والدارَ الآخرة الحذرُ مِن الوقوع في مهاوي الفِتن، ما ظهر منها وما بطن، وألاَّ يكون مظنة للريب والشك، وألا يُعرِّض الأمة الإسلامية - ما استطاع إلى ذلك سبيلاً - إلى فِتن ومِحن لا يعلم عواقبَها إلا الله تعالى، فقدِ اشتدَّ البلاء اليوم والخَطْب بالأمَّة الإسلامية، وأحاط بها الأعداء مِن كلِّ جانب، وسلُّوا عليها سيوفًا من القهر والظلم والاستبداد، لكن المسلِم يعلم يقينًا أنه على الحقِّ، وأنه منصورٌ مِن عند الله.

وإنَّما يتحقَّق ذلك بالبصيرة في الدِّين والعلم، والثبات على الحقِّ، والصبر على أذى الكافرين، كما يتحقَّق بملازمة جماعةِ المسلمين والسواد الأعظم منهم، وهم مَن كانوا على أصلِ الكتاب والسُّنة وعمل السلف الصالِح من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - ولا يتعلَّق قلبه أو نفسه ببِدعة أو شُبهة لا عمادَ لها، وليحذر المسلِم في هذا الزمان من الخوض في أبواب الشرِّ والفِتنة، وما أكثرَها اليوم! ولا يكن طريقًا لنشرها، بل الواجب كما ذكَرْنا أن يتوقَّفَ عنها، ويرجعَ بالبصيرة إلى الصادقين والموفَّقين من أهل العِلم؛ ليرشدوه ويعلموه بالحقِّ والصواب، والله أعلم.

----------------------------------
[1] انظر كتاب \"أحكام أهل الذمة\" لابن القيم؛ فقد فصَّل فيه وأجاد في بيان ما يتعلَّق بهم مِن أحكام وقواعد.
[2] تيسير الكريم الرحمن؛ لابن سعدي (ص: 856).
[3] تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير: ( 8/90)، ط. طيبة للنشر والتوزيع.
[4] أنوار البروق؛ للإمام القرافي (3/14).
[5] الشرح الكبير؛ لابن قدامة (10/587).
[6] أحكام أهل الذِّمة؛ لابن القيم.
[7] السيل الجرَّار؛ للشوكاني (1/975)، دار ابن حزم.
[8] المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان (1/278).
[9] إعلام الموقعين لابن القيم (1/78).
[10] الطرق الحكمية (ص: 4).
[11] مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (25/493)، دار الوطن

Heba Khled
08-19-2011, 05:19 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

فقه النوازل





بسم الله الرحمن الرحيم


بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وعلى اله وصحبه ومن والاه :
أما بعد : إخواني الكرام ان شريعتنا الإسلامية شاملة لكل ما تحتاجه البشرية من أحكام لتسيير شؤون حياتها والدليل قوله تعالى{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }النحل89. قال صاحب الجلالين (تبيانا) بيانا (لكل شيء) يحتاج إليه الناس من أمر الشريعة (وهدى) من الضلالة (ورحمة وبشرى) بالجنة (للمسلمين) الموحدين))هـ. وقال تعالى {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً }الإسراء12 .

قال الإمام السعدي{ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا } أي: بينا الآيات وصرفناه لتتميز الأشياء ويستبين الحق من الباطل كما قال تعالى: { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }هـ.

لقد قسم علماء الإسلام هذه الشريعة الغراء إلى عقائد وعبادات ومعاملات وسلوك وأخلاق وغيرها من الأقسام .ومن هذه الأقسام فقه النوازل. فما هو فقه النوازل ومن هو المخول بالإفتاء به؟؟ .

ينتمي فقه النوازل إلى العلم النظري وهو العلم الذي الذي يحتاج إلى نظر وتدبر وبحث لمعرفة حقيقته كالنظر في المسائل الفقهية مثل أحكام الطلاق والمواريث وكذلك أمور العقائد وأصول الفقه وأصول الحديث وغيرها من العلوم الشرعية أو العلوم الدنيوية إذا كانت المسالة غير شرعية . ويجب ان يتميز من يخوض بهذا العلم(أي النظري) بالمعرفة والحكمة والخبرة .

وفي مقابل العلم النظري هنالك العلم الضروري وهو الذي يعلمه كل احد ولا يحتاج إلى جهد لتعلمه أي بعبارة أخرى هو العلم البديهي كما يسمى. على سبيل المثال معرفة النار حارة هذا يعرفه كل احد حتى الطفل الصغير أو ان الثلج بارد وهكذا .

تعريف النازلة لغة : وهي اسم فاعل من نزل ينزل وهو الانحطاط والهبوط من علو يقال نزل عن دابته .

ويقول صاحب تاج العروس : النازِلَة : الشديدةُ من نَوازِلِ الدهرِ أي شدائدِها وفي المُحْكَم : النازِلَة : الشّدَّةُ من شدائدِ الدهرِ تَنْزِلُ بالناس نسألُ اللهَ العافية هـ .

أما اصطلاحا : فكما عرفه الامام ابن عبد البر الأندلسي في كتابه جامع بيان العلم وفضله : اجتهاد الرأي على الأصول عند عُدْم النصوص في حين نزول النازلة .

وبعبارة أخرى النازلة هي الأمر الجديد الحادث ينزل بالأمة وليس فيه نص من كتاب أو سنة ينص على حكمه من إيجاب أو استحباب أو تحريم أو كراهة أو إباحة أي الأحكام التكليفية الخمسة .

مثل المعاملات المالية الحادثة أو المستجدات الطبية أو نزول فتنة بأمة الإسلام تختلط فيها المصلحة بالمفسدة وتحتاج إلى بيان المسلك الشرعي في التعامل معها .

تلك المسائل التي يقوم الفقية أو المجتهد والذي يحوي شرائط الاجتهاد بدراسة المسألة المعنية واستخراج علتها غير المنصوص عليها وتنقيحها والحاقها بأصل شرعي منصوص على علته وهذا ما يسمى بالقياس . وهذا يحدث إذا أدركت العلة لدى المجتهد .

أو بموازنة المصلحة والمفسدة أو المنافع والخسائر بحيث يضع جانب المصلحة الشرعية طبعا في كفة والمفسدة في نظر الشرع في كفة ومن ثم يوازن بين الأمرين بعد الدراسة المستفيضة والنظر الثاقب المجرد عن الهوى ويجتهد رأيه فان أصاب بتوفيق الله فله اجرين وان اخطأ فله أجر واحد وكما قال المعصوم صلى الله عليه وسلم : عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْر.ٌ( رواه البخاري ).

وهذا كان دأب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ذكر الإمام ابن القيم في كتابه القيم إعلام الموقعين: ان أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُونَ فِي النَّوَازِلِ ، وَيَقِيسُونَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ عَلَى بَعْضٍ ، وَيَعْتَبِرُونَ النَّظِيرَ بِنَظِيرِهِ هـ.

مَن المخول في الإفتاء بالنوازل؟

كما هو معلوم إخواني الكرام ان ديننا الإسلامي دين مرتب ومنظم وله ضوابط وأصول وليس دين عشوائي يتكلم فيه ويعطي برأيه من هب ودب من الدهماء وعوام الناس الذين ليس لهم باع في العلوم الشرعية ولا المسائل الفقهية .

فنحن نرى مثلا في المسائل الطبية لا يتكلم إلا من هو طبيب وفي المسائل الهندسية لا يتكلم إلا المهندس وفي الميكانيك لا يتكلم إلا الميكانيكي . ولكن مع الأسف ان كثيرا من المسلمين يتكلمون في المسائل الفقهية الشرعية بدون خلفية يستندون إليها تؤهلهم لذلك. ومع الأسف الشديد أصبحت الشريعة أكلا مباحا لكل آكل .

قال الخطيب : ينبغي للإمام ان يتصفح أحوال المفتين فمن صلح للفتيا اقره ومن لا يصلح منعه ونهاه ان يعود وتواعده بالعقوبة ان عاد وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى ان يسأل علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم.

ثم روى بإسناده عن مالك رحمه الله قال أفتيت حتى شهد لي سبعون أنى أهل لذلك.

وفي رواية ما أفتيت حتى سألت من هو أعلم منى هل يرانى موضعا لذلك قال مالك ولا ينبغى لرجل أن يرى نفسه أهلا لشئ حتى يسأل من هو اعلم منه .( المجموع شرح المهذب ).

قال الألباني - رحمه الله -: «هذه نصيحة الإمام الشاطبي إلى العالِم الذي بإمكانه أن يتقدم إلى الناس بشيء من العلم ينصحه بأن لا يتقدم حتى يشهد له العلماء؛ خشيةَ أن يكون من أهل الأهواء.(السلسلة الصحيحة)

فمن هذا المنطلق من يفتي بالنوازل يجب ان يكون عدلا ضابطا : فالضبط ان يكون حائزا السبق في علوم الشريعة المختلفة من علوم الآلة: وهي علم الحديث فيعرف مواطن أحاديث الأحكام وغيرها وله القدرة على تمييز ضعيفها من سقيمها وله نظرة في علل الأحاديث وأسباب ردها وقبولها .

وكذلك العلم بأصول الفقه من معرفة المطلق والمقيد والعام والخاص وناسخ الحديث ومنسوخه ...الخ. وله باع في اللغة وعلومها الى غير ذلك .

كذلك العلم بالتفسير وأماكن آيات الأحكام ومراد الشارع منها . وتبحر في الفقه وأقوال أهل العلم ومسائل الخلاف والترجيح بين أقوال أهل العلم في المسألة الواحدة .

( صفات المجتهد أو المفتي هذه ليست على سبيل الحصر ومن أراد الزيادة فليراجع كتب أصول الفقه ).

قال ابن القيم رحمه الله : الْمَفْتُونَ الَّذِينَ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْفَتْوَى أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهُمْ الْعَالِمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ؛ فَهُوَ الْمُجْتَهِدُ فِي أَحْكَامِ النَّوَازِلِ ، يَقْصِدُ فِيهَا مُوَافَقَةَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ حَيْثُ كَانَتْ ، وَلَا يُنَافِي اجْتِهَادُهُ تَقْلِيدَهُ لِغَيْرِهِ أَحْيَانًا. (إعلام الموقعين)

وقال الإمام ابن الهمام : استقرَّ رأي الأصوليِّين على أنَّ المفتي هو المجتهد، وأمّا غير المجتهد ممّن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفتٍ ، والواجب عليه إذا سُئِل أن يذكر قول المجتهد كأبي حنيفة على جهة الحكاية.. وطريق نقلهِ كذلك عن المجتهد أحد أمرين إمّا أن يكون له فيه سندٌ إليه أو يأخذه من كتاب معروفٍ تداولته الأيدي ، نحو كتب محمّد بن الحسن ونحوها من التّصانيفِ المشهورة للمجتهدين لأنّه بمنزلة الخبر المتواتر عنهم أو المشهور.(شرح فتح القدير ) .

وأما العدالة : فيجب ان يكون فقيه النوازل تقيا صالحا في نفسه خاليا من خوارم المروءة شجاعا شهما لا يخاف في الله لومة لائم لكي يصدع بالحق ان خالف صاحب سلطان أو الجمهور من الناس . ولا يكون صاحب هوى مبتدعا فيفتي بما يوافق بدعته . ويجب ان يكون مستقلا غير ملوث فكريا أو متحزبا لطائفة أو جماعة وذلك لكي يبتغي الحق بالفتوى ولا يجامل ويحابي جماعته او طائفته وحزبه فيفتي لهم بغير الحق أو بما يوافق ما يميل اليه قلبه في اقل تقدير .

كذلك يجب على من يفتي في النوازل فهم واقع المسألة وذلك لكي ينزل الحكم الصحيح على الواقعة المفترضة . فإن كانت المسألة طبية نقل الأطباء تلك المسألة بتفاصيلها إلى المفتي لكي ينزل الحكم الشرعي عليها وان كانت مسألة سياسية نقل السياسيون وأهل الفكر تلك المسألة إليه لينزل الحكم الشرعي عليها وإن كانت تجارية نقل التجار تلك المسألة للمفتي وشرحوا حيثياتها ومداخلاتها للمفتي لينزل الحكم الشرعي عليها . وهكذا .

يقول الامام ابن القيم رحمه الله في هذ المناسبة : وَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلَا الْحَاكِمُ مِنْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ إلَّا بِنَوْعَيْنِ مِنْ الْفَهْمِ : أَحَدُهُمَا : فَهْمُ الْوَاقِعِ وَالْفِقْهِ فِيهِ وَاسْتِنْبَاطُ عِلْمِ حَقِيقَةِ مَا وَقَعَ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ حَتَّى يُحِيطَ بِهِ عِلْمًا .

وَالنَّوْعُ الثَّانِي : فَهْمُ الْوَاجِبِ فِي الْوَاقِعِ ، وَهُوَ فَهْمُ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْوَاقِعِ ، ثُمَّ يُطَبِّقُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ؛ فَمَنْ بَذَلَ جَهْدَهُ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَعْدَمْ أَجْرَيْنِ أَوْ أَجْرًا ؛ فَالْعَالِمُ مَنْ يَتَوَصَّلُ بِمَعْرِفَةِ الْوَاقِعِ وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، كَمَا تَوَصَّلَ شَاهِدُ يُوسُفَ بِشَقِّ الْقَمِيصِ مِنْ دُبُرٍ إلَى مَعْرِفَةِ بَرَاءَتِهِ وَصِدْقِهِ ... الخ .(إعلام الموقعين ).

ولا بأس بالمفتي إذا لم يتوصل إلى حكم في المسألة نتيجة لتداخل عوامل المسألة وتشابكها ان يستشير بقية أهل العلم ممن له يد في الحكم على تلك المسائل ويستعين برأيهم وفهمهم :

قال ابن القيم رحمه الله : وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ أَمْرِهِمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ، وَكَانَتْ النَّازِلَةُ إذَا نَزَلَتْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ عِنْدَهُ فِيهَا نَصٌّ عَنْ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِهِ جَمَعَ لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَهُمْ .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ : ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ ثنا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَامِرٍ عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي قَالَ : قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ أَقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَك مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ أَقَضِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَك مِنْ أَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ مَا قَضَتْ بِهِ أَئِمَّةُ الْمُهْتَدِينَ فَاجْتَهِدْ رَأْيَك ، وَاسْتَشِرْ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ .(إعلام الموقعين ).

فهنا جمع عمر رضي الله عنه الصحابة وأمر شريح القاضي ان يستشير أهل العلم والصلاح .

ومعروف كم هي دقة فهم الصحابة رضوان الله عليهم وسعة علمهم حتى أمر الله إتباعهم في كتابه الكريم فقال {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }التوبة100.

هذا بعض ما تيسر إيراده في هذه المسألة الا وهي فقه النوازل وإلا فالموضوع طويل وفيه مسائل ومباحث كثيرة حاولت اختصارها قدر الإمكان لكي لا يمل القارئ والله ولي التوفيق .

Heba Khled
08-19-2011, 05:23 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

هل انتشر الإسلام بحد السيف ؟!





بسم الله الرحمن الرحيم


كيف يكون الإسلام منتشراً بحدِّ السَّيف ولم يدخل فيه في البداية إلا قلَّة على خوف من النَّاس أن يفتنوهم عن دينهم ويضلوهم..
وكيف يكون ذلك وقد دخل فيه ضعفاء النَّاس من العبيد وغيرهم ولاقوا الأذى في سبيل ذلك ولم يصدهم عن دينهم شيء.
ثم نرى أروع النماذج من حبِّهم لهذا الدين، وتضحيتهم من أجله مهما كلَّف الأمر.
لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى النَّاس بشريعة مهداة تجعل مَنْ أراد الحق يدخل فيه عن اقتناع فيه دون انتظار لمعجزة تجعله موقناً بأنَّه دين حق.
وما منع مَنْ لم يدخل في الإسلام إلا العناد والمكابرة مع اليقين أنَّ ما جاء به هو الحق {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}، أو الحرص على الزعامة وخشية العار من قومهم، وقد قال قائلهم:


وعرضتَ ديناً قد علمتُ بأنَّه --- مِنْ خيرِ أديانِ البريَّةِ دِينَا
لولا الملامة أو حذارِ مسبَّة --- لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

لقد وسع النبيُّ صلى الله عليه وسلم النَّاس برحمته فكان أبغضُ النَّاس إليه أحبَّ النَّاس إليه قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).
وقد جاء عمر إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يريد قتله والقضاء عليه، فما لبث إلا أن صار مؤمناً نصر الله به الدين.

وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم رحيماً حتى بأعدائه، فكان يعفو عنهم مع كامل القدرة عليهم، ولم يكن ليتعامل معه بالقوَّة والقهر، فقد قال لهم بعد فتح مكة: ما ترون أنِّي فاعل بكم؟ قالوا: خيراً أخٌ كريم وابنُ أخ كريم. فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وعندما توشح المشرك سيفه وهو غورث بن الحارث، وقام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وقال له: مَنْ يمنعك مني ؟ قال: الله. فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: من يمنعك؟ قال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ قال: أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله فجاء إلى قومه، فقال: جئتكم من عند خير النَّاس ([1]).
ولم يستغلها النبي صلى الله عليه وسلم فرصة لإجباره على الإسلام.
وعندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة في كتيبة من الأنصار أمرهم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحداً إلا مَنْ قاتلهم. ولما قال سعد: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة فعزله ([2]).
وعن ابن عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان ([3]).
وكان صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن قتال من لم يقاتل، فعن أنس قال: كنا إذا استنفرنا نزلنا بظهر المدينة حتى يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول: (انطلقوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا) ([4]).
وهكذا كان الصحابة من بعده فقد أوصى أبو بكر حينما بعث جيوشاً إلى الشام وقال ليزيد بن أبي سفيان: وإنِّي موصيك بعشر، لا تقتلن امرأة ولا صبيَّاً ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن ([5]).
فالإسلام إنَّما انتشر بالحبِّ والعقيدة التي أكرمت الإنسان وحرَّرته مِنْ سوى الله جلَّ وعلا، واعترفت بحاجات النَّاس فلم تعارضها، بل كانت مقرة بها وشرعت لها ما يناسبها من تعاليم وأحكام، فكانت صالحة لكل زمان ومكان.

وقد اعترض الإمام ابن القيم رحمه الله على من يعتمد في الخطبة على السيف إشارة إلى أنَّ الدِّين فتح به، فقال: وكثير من الجهلة كان يمسك السيف على المنبر إشارة إلى أنَّ الدِّين إنَّما قام بالسَّيف، وهذا جهل قبيح من وجهين أحدهما: أنَّ المحفوظ أنَّه صلى الله عليه وسلم توكأ على العصا وعلى القوس. الثاني: أنَّ الدين إنَّما قام بالوحي وأمَّا السَّيف فلمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبيِّ صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب فيها إنَّما فُتحت بالقرآن ولم تُفتح بالسيف ([6]).

والإسلام أعطى الحرية الكاملة لاعتقادات النَّاس، فلم يكره أحداً على الدين يقول تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، عن ابن عباس أنه قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ؟ فأنزل الله فيه ذلك ([7]).

وقد شرعت الجزية لمن لا يريد الدخول في الإسلام، وهي مبلغ زهيد وذلك مقابل حمايتهم، وعدم الاشتراك معهم في الدفاع عن الإسلام.
قال الإمام النووي: وقد حمى الإسلامُ الحنيفُ أهلَ الذمة وعاشت في ظلِّه ديانات اليهود والنصارى بعد أن كان يضطهد بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً فأقرَّ بينهم السَّكينة والوئام والسَّلام، وترك لهم حرِّية الاعتقاد عملاً بقوله تعالى:{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ} ([8]).

وقد أمر الله نبيَّه بمسالمة العدو إنْ أمنوا جانبَهم من المكر والخيانة، قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
يقول الطبري رحمه الله: وإنْ مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحربَ، إمَّا بالدُّخول في الإسلام، وإمَّا بإعطاء الجزية، وإمَّا بموادعة ونحو ذلك مِنْ أسباب السِّلم والصُّلح {فَاجْنَحْ لَهَا}، يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه ([9]).
وظلَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم يدعو النَّاس إلى الإسلام في مكَّة ثلاث عشرة سنة، بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يقاتل أحداً طوال هذه الفترة، مع ما تعرَّض له المسلمون من الأذى في دينهم.

وليس معنى هذا تضييق نطاق الجهاد أو أنَّ الجهاد لم يشرع إلا للدفاع فقط، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} قال الطبري: يقول لهم: ابدأوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم داراً، دون الأبعد فالأبعد. وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ، الرُّوم، لأنَّهم كانوا سُكَّان الشَّام يومئذ، والشَّام كانت أقرب إلى المدينة من العراق. فأمَّا بعد أنْ فتح الله على المؤمنين البلاد، فإنَّ الفرض على أهل كلِّ ناحية: قتالُ مَنْ وليهم مِنَ الأعداء دون الأبعد منهم، ما لم يضطرّ إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام، فإن اضطروا إليهم لزمهم عونهم ونصرهم، لأنَّ المسلمين يدٌ على مَنْ سواهم ([10]).
يقول سيِّد قطب رحمه الله: إنَّ للإسلام - بوصفه المنهج الإلهي الأخير للبشريَّة - حقَّه الأصيل في أنْ يُقيم نظامه الخاص في الأرض، لتستمع البشريَّة كلُّها بخيرات هذا النِّظام، ويستمتع كلُّ فرد في داخل هذا النِّظام بحرِّية العقيدة التي يختارها، حيث «لا إكراه في الدين» من ناحية العقيدة.. أمَّا إقامة «النظام الإسلامي» ليظلل البشرية كلَّها ممن يعتنقون عقيدة الإسلام وممن لا يعتنقونها، فتقتضي الجهاد لإنشاء هذا النظام وصيانته، وترك النَّاس أحراراً في عقائدهم الخاصَّة في نطاقه. ولا يتمُّ ذلك إلا بإقامة سلطان خير وقانون خير ونظام خير يحسب حسابه كل مَنْ يفكِّر في الاعتداء على حرِّية الدَّعوة وحرِّية الاعتقاد في الأرض ([11]).

فالجهاد مشروع لنا، ولكن ليس لإكراه النَّاس على هذا الدِّين ولكن لأهداف أخرى ذكرها سيِّد قطب في تفسيره فقال:

أولاً: ليدفع عن المؤمنين الأذى والفتنة التي كانوا يسامونها، وليكفل لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم. فاعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها، وفتنة أهلها عنها أشد من الاعتداء على الحياة ذاتها. فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة وفق هذا المبدأ العظيم. وإذا كان المؤمن مأذوناً في القتال ليدفع عن حياته وعن ماله، فهو من باب أولى مأذون في القتال ليدفع عن عقيدته ودينه. وقد كان المسلمون يسامون الفتنة عن عقيدتهم ويؤذون، ولم يكن لهم بد أن يدفعوا هذه الفتنة عن أعز ما يملكون. يسامون الفتنة عن عقيدتهم، ويؤذون فيها في مواطن من الأرض شتى.

ثانياً: لتقرير حرِّية الدَّعوة - بعد تقرير حرِّية العقيدة - فقد جاء الإسلام بأكمل تصوُّر للوجود والحياة، وبأرقى نظام لتطوير الحياة. جاء بهذا الخير ليهديه إلى البشرية كلِّها، ويبلغه إلى أسماعها وإلى قلوبها. فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولا إكراه في الدين. ولكن ينبغي قبل ذلك أنْ تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافَّة؛ كما جاء من عند الله للناس كافَّة. وأنْ تزول الحواجز التي تمنع النَّاس أنْ يسمعوا وأنْ يقتنعوا وأنْ ينضموا إلى موكب الهدى إذا أرادوا. ومن هذه الحواجز أنْ تكون هناك نُظُم طاغية في الأرض تصدُّ النَّاس عن الاستماع إلى الهدى وتفتن المهتدين أيضاً. فجاهد الإسلام ليحطِّم هذه النُّظُم الطَّاغية؛ وليقيم مكانها نظاماً عادلاً يكفل حرِّية الدَّعوة إلى الحقِّ في كلِّ مكان وحرِّية الدُّعاة.

ثالثاً: جاهد الإسلام ليقيم في الأرض نظامه الخاص ويقرِّره ويحميه، وهو وحده النِّظام الذي يحقِّق حرِّية الإنسان تجاه أخيه الإنسان ؛ حينما يقرر أنَّ هناك عبودية واحدة لله الكبير المتعال، ويلغي من الأرض عبوديَّة البشر للبشر في جميع أشكالها وصورها. فليس هنالك فرد ولا طبقة ولا أمة تشرع الأحكام للناس، وتستذلهم عن طريق التشريع. إنَّما هنالك ربٌّ واحد للناس جميعاً هو الذي يشرع لهم على السَّواء، وإليه وحده يتَّجهون بالطَّاعة والخضوع، كما يتَّجهون إليه وحده بالإيمان والعبادة سواء.
لم يحمل الإسلام السَّيف إذن ليكره النَّاس على اعتناقه عقيدة؛ ولم ينتشر السيف على هذا المعنى كما يريد بعض أعدائه أن يتهموه! إنَّما جاهد ليقيم نظاماً آمناً يأمن في ظلِّه أصحاب العقائد جميعاً، ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته ([12]).

قال الشيخ علي الطنطاوي: إنَّ الذين يحسبون الجهاد عدواناً مسلحاً، لا يدرون ما الجهاد، الجهاد ليس حرباً هجوميَّة نعتدي فيها على النَّاس، والإسلام إنَّما جاء لإقرار العدل وتحريم العدوان، وليس الجهاد حرباً دفاعيَّة بالمعنى العسكريِّ، فما احتلَّ الكفار مكة ولا المدينة، ولكن مَثَل الجهاد كقطر كبير أصابه القحط، فشحَّت الأقوات وعمَّ الجوع، وفشت الأمراض وقلَّ الدواء، فجاء مَنْ يحمل المدد إلى الجائعين، والدواء إلى المرضى لينقذهم مما هم فيه، فوقف في الطريق ناس يمنعونهم، يحولون بينهم وبين هذا الخير وهذا العمل الإنساني، فقالوا لهم: تعالوا شاركونا فيما نعمل تكونوا منَّا، ولكم ما لنا وعليكم ما علينا، فأبوا عليهم، فقالوا لهم: دعونا نمرّ ونحن ندافع عنكم، لا نكلِّفكم قتال عدو ولا بذل روح، على أن تمدونا بشيء من المال قليل. قالوا: لا. فلم يبقَ إلا أن يقاتلوهم، أن يقاتلوا هذه الفئة القليلة التي تمنع الخير عن النَّاس، يقاتلون أفراداً لينقذوا أمماً، وكان ذلك هو الجهاد ([13]).


---------------------------------
([1]) ـ انظر المستدرك على الصحيحين كتاب المغازي والسرايا رقم (4290)، ودلائل النبوة للبيهقي رقم (1272).
([2]) ـ انظر صحيح البخاري كتاب المغازي رقم (3944)، السنن الكبرى للبيهقي 9: 121.
([3]) ـ رواه مالك في كتاب الجهاد رقم (857)
([4]) ـ رواه ابن أبي شيبة في المصنف 7: 654، وأبو داود في كتاب الجهاد برقم (2247) باختلاف يسير.
([5]) ـ رواه مالك في كتاب الجهاد رقم (858).
([6]) ـ زاد المعاد 1: 178.
([7]) ـ رواه الطبري في تفسيره رقم (5817).
([8]) ـ المجموع 14: 285.
([9]) ـ تفسير الطبري 14: 40.
([10]) ـ تفسير الطبري 14: 574.
([11]) ـ خصائص التصور الإسلامي ومقوماته: 17.
([12]) ـ في ظلال القرآن 1: 273 باختصار وتصرف.
([13]) ـ فصول في الدعوة والإصلاح: 136.

Heba Khled
08-19-2011, 05:26 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

اللباس فى الاسلام




بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسل الله ،وبعد :
هذا كتاب اللباس فى الإسلام .
اللباس لكل الأنواع :
من المعلوم أن الله جعل لكل نوع من المخلوقات لباس يرتديه وهو يختلف باختلاف النوع فمن الألبسة الشعر للماعز والصوف للغنم والوبر للإبل وهذه الألبسة تتصف بالتالى :
-أنها ألبسة نامية بمعنى أنها مستمرة فى الوجود عن طريق الطول حتى يأذن الله بموتها عن أى طريق من طرق موتها .
-أنها ألبسة مستمرة طوال الحياة والمراد أن المخلوق لا يفقد لباسه مهما مر عليه الزمان إلا نادرا وهو حالة المرض الجلدى .
-أنها ألبسة تقوم بوظائف متعددة منها تغطية العورة والحماية من الحر والبرد ومما ينبغى قوله أن كل الأنواع لها ألبسة بما فيها النباتات والإنسان له لباس كبقية خلق الله ولكنه لباس يغاير ألبسة الأنواع الأخرى فى التالى :
-أن لباسه يتبدل كله ويتغير .
-أن لباسه من مواد مختلفة من الأنواع الأخرى .
-أن لباسه ليس جزء من جسمه .

ويجب علينا أن نعلم التالى :
أن الأصل فى الإنسان اللباس وليس العرى للتالى :
-أن آدم عليه الصلاة والسلام وزوجه كانا يعيشان دون عرى وإنما وهم يرتدون لباس معين يغطى عوراتهم بدليل أنهما لما ارتكبا خطيئة الأكل من الشجرة المحرمة ظهرت لهما عوراتهما بعد أن كانت مختفية عنهم .
-أن الله وعد آدم عليه الصلاة والسلام ألا يعرى فى الجنة ما دام يعمل بأمره فقال له كما بسورة طه \"إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى \".
-أن الله أنزل على أبناء الأبوين لباس أى ريش لتغطية العورات عند هبوطهما من الجنة وفى هذا قال بسورة الأعراف \"يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا \".

لباس الأبوين :
ألبس الله الأبوين فى الجنة لباسا كان الغرض منه تغطية عورة كل منهما ويمكننا أن نقول أنه كان حريرا لأن الحرير هو لباس المسلمين بالجنة وفى هذا قال بسورة الحج \"ولباسهم فيها حرير \"وقد بين الله لهما أن الجنة ليس فيها كل من الجوع وهو الرغبة فى الأكل والعرى وهو إنكشاف العورات والظمأ وهو العطش والضحى وهو المرض وفى هذا قال بسورة طه \"إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى \"
وقد بين الله أن هذه الأشياء تكون معدومة طالما عملا على تنفيذ الأمر بعدم الأكل من الشجرة المحرمة .

اللباس وإنكشاف عورة الأبوين :
لقد وسوس الشيطان وهو الشهوة للأبوين وكان سبب الوسوسة هو أن الشيطان وهو الشهوة أرادت أن يبدو أى يظهر للأبوين ما ورى من سوءاتهم أى ما خفى من عوراتهم وهذا يعنى أن العورة تنقسم لقسمين :
الأول الجزء المورى أى المخفى والثانى الجزء البادى أى الظاهر وفى هذا قال تعالى بسورة الأعراف \"فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما ورى عنهما من سوء اتهما \"وقد أفلح الشيطان فى نزع أى خلع لباس الأبوين من على الأجزاء الخفية من عوراتهما وقد طالبنا الله بألا يفعل الشيطان وهو شهوات أنفسنا كما فعل بأبوينا وفى هذا قال بسورة الأعراف \"يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما \".

اللباس هو الأصل :
لما استمع الأبوين لكلام الشيطان وهو شهوات أنفسهم ذهبا للشجرة فأكلا من ثمارها وكانت النتيجة هى بدو السوءات أى ظهور العورات لهما وكان رد الفعل منهما هو الخجل والحياء من انكشاف العورات ومن ثم حاولا إخفاء العورات عن بعضهما فعملا على قطع أوراق من شجر الجنة ووضعوها على عوراتهم التى كانت خفية عنهم وفى هذا قال بسورة الأعراف \"فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة \"والمستفاد من هذا النص هو أن الأصل فى الإنسان أن يكون على عورته التى يجب إخفاءها لباس يخفيها عن أعين الناس بدليل أن الأبوين خجلا من أن يرى كل منهما عورة الأخر التى كانت مخفاة ووجوب إخفاء العورة التى أخفاها الأبوين بدليل أن الأبوين عملا على إخفاء العورة بالطريقة التى وجداها وهى التغطى بورق الشجر .

أسباب خلق الله اللباس :
1-تغطية العورة أى بتعبير القرآن موارة السوءة وفيها قال بسورة الأعراف \"يا بنى أدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا \".
2-وقاية الإنسان من الحر وبما أن الضد يدل على الضد فإنه يقى من البرد وفى هذا قال بسورة النحل \"وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر\" .
3-الوقاية من بأس الإنسان وهو أذى السلاح الذى يخترعه الناس وفى هذا قال بسورة النحل \"وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم \".
4-التحلى وهو التجمل وقد وردت الوظيفة مشار لها بقوله بسورة النحل \"وتستخرجوا منه حلية تلبسونها \".

اللباس وعورة الإنسان :
خلق الله اللباس لموارة الجزء الذى ينبغى أن يخفى عن أنظار الأخرين والإنسان كله عورة بمعنى أن العورة تشمل الجسم كله وتنقسم العورة لجزئين :
1-يجب موارته أى إخفائه عن طريق اللباس ويدل على وجوده قوله بسورة الأعراف \"ليبدى لهما ماورى عنهما من سوءاتهما \"أى ليظهر لهما ما خفى عنهما من عوراتهما ومن هنا نستطيع أن نقول أن السوءة بعضها خفى وبعضها ظاهر .
2-يباح كشفه أى إظهاره لأنظار الأخرين والدليل على وجوده قوله بسورة النور \"ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها \"أى ولا يظهرن جسمهن إلا ما أبيح منه.

مما يصنع اللباس؟
يصنع اللباس الدنيوى من مواد مخلوقة تنتجها أنواع أخرى ومن هذه المواد :
أصواف الأغنام وأوبار الإبل وأشعار الماعز وفى هذا قال بسورة النحل \"ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين \"والأثاث وهو الملابس والمعنى ومن أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها ملابسا ومنافعا إلى وقت معلوم والمستفاد من القوم هو أن الملابس لها عمر تنتهى فيه ويتم تصنيع اللباس عن طريق الغزل وهو إعطاء النسيج قوة عن طريق لحمه ببعضه بطرق معينة وقد ذكر هذا بقوله بسورة النحل \"ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا \"وتصنع الملابس من المعدن بدليل تصنيع داود عليه الصلاة والسلام السابغات من الحديد وذلك للحماية من بأس وهو أذى الناس وفى هذا قال بسورة سبأ \"وألنا له الحديد أن اعمل سابغات \".

تقسيمات اللباس:
تنقسم الملابس لأنواع حسب أساس التقسيم ومن هذه التقسيمات :
1- تنقسم الملابس للتالى :
أ‌- ملابس الوقاية من الحر وبما أن الضد يدل على الضد فهناك ملابس للوقاية من البرد ويمكن تسميتها ملابس المناخ .
ب‌- ملابس الوقاية من بأس الإنسان وهى الملابس التى تحمى من خطر السلاح الذى يضربه به الإنسان الأخر وقد ورد هذا التقسيم بقوله بسورة النحل \"وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم \"وأساس التقسيم هو السؤال مما تقى الملابس ؟
2- تنقسم لنوعين :
أ-ملابس مخفية للعورة وفيها قال تعالى بسورة الأعراف \"يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا \".
ب-ملابس متبرجة وهى الملابس الكاشفة للعورة التى يجب أن تخفى وفيها قال بسورة الأحزاب \"ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى \".

أحكام اللباس:
1-يجب على كل من الزوجات وهن زوجات النبى صلى الله عليه وسلم وبناته ونساء المؤمنين إدناء الجلابيب عليهن أى إرخاء الجلابيب على أرجلهن والمراد تطويل الجلابيب حتى تغطى السيقان تماما والسبب أن يعرفن فلا يؤذين أى أن يعلمن فلا يصل لهن ضرر أى عقاب على الكشف لبعض العورة التى يجب إخفائها وفى هذا قال بسورة الأحزاب \"يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين \".
2-أن القواعد من النساء وهن النساء اللاتى لا يرغبن فى الزواج بعد الطلاق أو الترمل ليس على أى منهن عقاب إذا فعلت الأتى وضعت ثيابها غير متبرجة بزينة أى خففت ملابسها غير مظهرة لعورة وهذا يعنى أن لباس المرأة يتكون من ثوبين :الأول تحتى والثانى فوقى وكل منهما ساتر للعورة التى يجب إخفائها والمرأة القاعدة لها أن تخلع الثوب الفوقى على شرط أن يكون الثوب التحتى مغطى ومخفى لعورتها وقد بين الله للقاعدة أن الأفضل هو الاستعفاف وهو الإبقاء على الثوبين معا وفى هذا قال بسورة النور \"والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خيرا لهن \".
3-أن على كل من ملك اليمين والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم والذين بلغوا الاستئذان ثلاث مرات فى الأوقات التالية :قبل صلاة الفجر والوقت الذى يضع الإنسان فيه ثيابه والمراد الذى يتخفف فيه الإنسان بخلع بعض ثيابه أو كلها وذلك فى الظهيرة وبعد صلاة العشاء والسبب هو أن العورات وهى الأجزاء التى يجب إخفائها تكون مكشوفة بين الأزواج تكون عرضة للإنكشاف فى هذه الأوقات لأنها الأوقات محل الشهوة الجنسية وفى هذا قال بسورة النور \"يا أيها الذين أمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم \".
4-عدم تبرج النساء تبرج الجاهلية الأولى والمراد عدم خلع النساء الملابس المخفية للجزء الواجب إخفائه عن الأغراب كما كن يخلعن أيام الكفر المعروفة وفى هذا قال تعالى بسورة الأحزاب \"ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى \".
5-ألا تبدى المرأة ما خفى من زينتها والمراد ألا تظهر المرأة ما أخفته الملابس من عورتها إلا ما أباح الله إبداءه وفى هذا قال بسورة النور \"ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها \".
6-أن تضرب النساء بخمرهن على جيوبهن ووالمراد أن تغطى النساء بأغطية الرأس على الأجزاء الظاهرة من فتحات الجلابيب العلوية وفى هذا قال بسورة النور \"وليضربن بخمرهن على جيوبهن \".
7-أن المسموح للمرأة بكشف الأجزاء الخفية من العورة أو بعضها أمامهم والتى تغطيها الملابس هم الأباء ويشملون الأب الصلبى ومن الرضاعة والجد والأعمام والأخوال وآباء البعولة وهم آباء الأزواج وأجدادهم وأعمامهم وأخوالهم وأبناء المرأة وهم أولادها الرجال وأبناء الزوج وهم أولاد الزوج الذكور من نساء أخريات والإخوة الذكور وأبناء الإخوات الذكور والنساء وملك اليمين من الرجال والتابعين من غير أولى الإربة وهم المجانين والأطفال غير البالغين والزوج وفى هذا قال بسورة النور \"ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو أباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى اخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن والتابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء \" .
8-ألا تضرب المرأة برجلها والمراد ألا تخرج المرأة ساقها من الثياب بالحركة وذلك حتى لا يعرف ما تخفيه من زينتها أى عورتها وفى هذا قال بسورة النور \"ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن \".
9-أن الأب عليه أن يحضر الكسوة وهى الملابس لزوجته وولدها كما يحضر لنفسه وذلك كما ينفق عليهم بالمعروف وفى هذا قال تعالى بسورة البقرة \"وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف \".
10-أن ولى السفيه وهو الطفل اليتيم عليه أن يرزقه من المال ويحضر له الكسوة وهى الملابس وفى هذا قال بسورة النساء \"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها \".

أجزاء اللباس الإنسانى :
إن اللباس ينقسم لأجزاء كل منها يؤدى مهمة معينة محددة وهذه الأجزاء هى :
1-غطاء الرأس وهو الخمار للمرأة وفيه قال بسورة النور \"وليضربن بخمرهن على جيوبهن \"وهذا الغطاء واجب على النساء كلهن إذا بلغن وأما الرجال فمباح لهم لبس غطاء الرأس ومباح لهم عدم لبسه وذلك حسب ما يريدون ؟
2-الثوب وهو الجلباب وهو الذى يغطى المنطقة من الرقبة وحتى الرجل للمرأة وقد ورد ذكره بقوله بسورة الأحزاب \"يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين \".
3-النعل وهو ما يلبس فى القدمين لحمايتهم وقد ورد ذكره بقوله بسورة طه \"اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى \".
4-الحلية وهى الأشياء التى يتم التجمل بها من ذهب وفضة ولؤلؤ وغيرها وقد ورد ذكرها بقوله بسورة النحل \"وتستخرجوا منه حلية تلبسونها \"والتحلى ليس مقصورا على المرأة وإنما هو للرجل والمرأة على السواء .

هل توجد ملابس كفرية ؟
إن قولنا ملابس كفرية لا يعنى أن الملابس كافرة وإنما يعنى أن الملابس غير موافقة لأحكام اللباس فى الإسلام وإنما الكافر هو صانعها برضاه ولابسها برضاه وطالبها برضاه والإجابة هى توجد ملابس صانعها ولابسها وطالب صنعها كافر وهى الملابس المتصفة بالتالى :
1- الإسراف وهو الإفراط فى استخدام النسيج دون داعى ومن أمثلتها الجلباب الذى له ذيل يجر على الأرض ويكون طوله ذراعين أو ثلاث أو أكثر والجلباب الذى يكون اتساع كمه وهو فتحة الذراع ذراع أو اثنين أو أكثر .
2- التصوير المحرم وهو أن يكون على النسيج رسم تتحقق فيه شروط الحرمة وهى أن يكون إنسان كاشف لعورته التى يجب أن تخفى سواء كان الإنسان رجل أو امرأة وأن يكون فيه عملية جماع أو يكون فيه كتابة داعية للباطل أو أن يدعى فيه أن الرسم هو رسم النبى فلان أو أن يكون فيه رمز مطلوب فى أديان أخرى.
3- الأضرار والمراد أن تصيب لابسها بالأذى وهى الملابس الضيقة التى تصيب أعضاء الجسم بخلل فى أداء الوظائف مثل البنطالات الضيقة الخصر والأحذية ذات الكعب العالى .
4- أن ترتدى فى الأماكن العامة أو أمام من حرم الله رؤيتهم لها وهى الملابس الكاشفة عن العورة التى يجب أن تخفى .

أسس الحلال والحرام فى الملابس :
يحدد حرمة أو حل اللباس كل من :
1-مكان وجود الإنسان وتفصيل هذا هو أن الإنسان له فى البيت أن يلبس ما يحلو له من الملابس كاشفة للعورة أو غير كاشفة ما دام مع أقاربه المحددين فإذا خرج للمكان العام فمحرم عليه أن يظهر بملابس كاشفة لعورته ومن أمثلة هذا أن ترتدى المرأة لزوجها جلباب يظهر ساقيها وذراعيها وصدرها .
2-من مع الإنسان فى البيت والمراد بهذا أن الإنسان فى البيت إذا كان معه أناس محددين سمح له بإرتداء ملابس مظهرة لعورته وإذا كان معه أناس أخرين حرم عليه ارتداء ملابس كاشفة لعورته ومن أمثلة هذا أن محلل للمرأة أن ترتدى جلباب مظهر لرجليها إذا كانت تجلس مع واحد من الآتين أو بعضهم أو كلهم :
الزوج والأباء وهم الأب الصلبى ومن الرضاعة والجد والعم والخال وأبو الزوج وهو الأب والعم والخال وأولادها الذكور وأولاد زوجها الذكور من أخريات وإخوانها وأخواتها وأولاد اخوانها وأخواتها الذكور والنساء والرجال غير أولى الإربة وهم المجانين ومن بلغوا أرذل العمر فعادوا أطفالا حيث ينسون الكلام ويتبولون ويتغوطون على أنفسهم والأطفال الذين لم يبلغوا ولكن هذا اللبس يصبح محرما إذا جلست مع إنسان يحق له زواجها إن هى ترملت أو طلقت مثل ابن عمها وابن خالها وصديق زوجها وزوج أختها إن لم تكن تزوجت .
3-فيما يستعمل اللباس والمراد بهذا أن الملبس إذا استعمل فى شىء معين كان حلالا وإذا استعمل فى شىء معين أخر كان حراما ومن أمثلة هذا بدلة الرقص فإذا كانت المرأة تلبسها لزوجها فى حجرة نومها فهى حلال وإذا لبستها لترقص بها فى ملهى ليلى أو ماخور فهذا يعنى أنها حرام .
4-هل يوجد فى اللباس رسم والمراد إن اللباس إذا احتوى على رسم ما كان لبسه حلالا وإذا احتوى على رسم أخر كان محرما ومن أمثلة هذا قميص مرسوم عليه صورة امرأة كاشفة للعورة التى يجب أن تخفيها أو امرأة أيا كانت يصبح لبسه محرم وقميص أخر مرسوم عليه كتابة تدعو لحكمة يصبح لبسه محللا .
5-هل فى اللباس ضرر أو نفع والمراد أن اللباس إذا كان فى تفصيله أذى معين مثل تقليل كمية الدم فى المكان الذى يضيق فيه أو استهلاك كمية منظفات كبيرة نظرا للإسراف فى استعمال النسيج يصبح محرما وإذا كان اللباس فى تفصيله نفع معين مثل إظهار الجراثيم والمؤذيات فى المكان وذلك كلباس الأطباء والممرضين يصبح حلالا .

مثل فى اللباس :
يقال كل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس وهو مثل خاطىء لأن الإنسان يأكل ما يعجب أى يرضى الله ويلبس ما يعجب أى يرضى الله ومن ثم فإرضاء الناس بلبس ملابس معينة ليس واجبا وإنما يدخل فى دائرة ارتكاب المحرم غالبا فما يعجب الناس فى الغالب هو ما يغضب الله وسنضرب مثلا :الناس يعجبهم فى المرأة أن تلبس ملابس خليعة كاشفة لما يجب أن يخفى من عورتها وانظر حولك فى أمم العالم ستجد صدق ذلك فمثلا أمة الهندوس حكموا على المرأة أن تلبس السارى المظهر لبطنها وأجزاء من ظهرها وحتى الأمم التى أديانها تحرم التعرى وتوجب الاحتشام كالنصرانية تجد النساء خالفنها لإعجاب الناس فكشفن الشعور والسيقان والأرداف والصدور .

مواصفات اللباس العام :
يقصد باللباس العام اللباس الذى يرتدى فى الأماكن العامة ومع الأغراب فى البيوت ومواصفاته للمرأة هى :
1- أن يكون من نسيج معتم والمراد ألا يكون من نسيج شفاف والسبب أنه لو كان من نسيج شفاف لكشف عما يجب أن يخفى من الأجزاء .
2- ألا يكون مبرز للأعضاء والمراد ألا يكون اللباس ضيق يبرز رسم العضو تحته أى بألفاظ أخرى ألا يبرز تضاريس العضو تحته من مرتفعات ومنخفضات .
3- ألا يكون فيه جزء كاشف لجزء من العورة والمراد ألا يكون فى الثوب فتحات تبين أجزاء من الأجزاء التى يجب أن تخفى فتحة الرقبة وكذاك الحال فى الخمار والذى يغطى الصدر المفتوح .
4- أن يكون الثوب تحته ثوب أخر وهذا الشرط خاص بغير القواعد من النساء .

أنواع اللباس عند الناس :
قسم الناس الملابس لأنواع هى :
1-ملابس العمل الوظيفى كلبس الأطباء الأبيض وعمال المصانع الأزرق أو غيره .
2-ملابس النوم ويرتديها الإنسان عند إرادة النوم.
3-ملابس اللعب البدنى ويرتديها عند إرادة اللعب.
4-ملابس البيت ويرتديها الإنسان داخل البيت فقط .
5-ملابس السهرة ويرتديها الإنسان لحضور الحفلات المحرمة ليلا .
6-ملابس البحر ويرتديها الإنسان عند الذهاب للإستحمام فى البحر .
وفى هذه الأنواع أزياء محرمة وأزياء محللة ومن أمثلة المحرمة :
زى عمل الراقصة فى مكان معين وزى المرأة البحرى وهو المايوه فى مكان عام وزى المرأة فى السهرة المبين لما يخفى من العورة فى مكان عام وهذه الأزياء يباح لبسها أمام الزوج والأخرين المنصوص عليهم فى الوحى .

التشبه بملابس الأخرين :
يقال إن المتشبه بلباس قوم يكون منهم والحق أن ارتداء لباس مشابه للباس قوم على دين أخر ليس يعنى دائما أنه على دينهم ويجب أن نفرق بين أمرين :
1-التشبه بلباس قوم غير مخالف لأحكام اللباس فى الإسلام ليس على مرتكبه ذنب ومن أمثلة هذا لبس الرجل للقبعة المسماة البرنيطة ولبس المرأة للتبان المسماة المايوهات وذلك لزوجها .
2-التشبه بلباس قوم مخالف لأحكام اللباس فى الإسلام على مرتكبه ذنب ومن أمثلة هذا لبس المرأة للحذاء ذى الكعب العالى مع ما يسببه من أضرار لبعض أعضاء الجسم ولبس المرأة للسارى الهندوسى فى الشارع أو أمام الأغراب ولبس الرجل للبنطلون الضيق الذى يبرز عضو البول ويضيق على مجارى الدم فى الوسط ومما ينبغى الإشارة له أن الحكم فى هذه المسألة – أى التشبه – وغيرها هو النية فمن كانت نيته الخروج عن الإسلام فقد ارتد ومن كانت نيته الثبات على الإسلام فلا ذنب عليه وإن أخطأ .

لباس الشهرة :
يقال إن من يلبس لباس شهرة لا يكون مسلما ولباس الشهرة هو اللباس المخالف وهذا اللباس تحتمل مخالفته للناس أحد أمرين :
1-أن يكون مخالف فى الشكل التفصيلى دون الحكم وهذا اللباس لا شىء على لابسه حتى وإن كان يعمل حسب قاعدة خالف تعرف .
2-أن يكون مخالف فى الشكل التفصيلى لملابس الناس حسب حكم الإسلام وعند ذلك يكون لابسه عليه ذنب ومن ثم يجب أن يعاقب على هذه المخالفة ومما ينبغى قوله أن أشكال اللباس فى الإسلام كثيرة وتحتمل أى زيادة فى الشكل التفصيلى وهذه الأشكال لا يكون لابسها أو صانعها مذنب إلا إذا خالف أحكام الإسلام فى اللباس .

لباس الأخرة :
إن لباس الأخرة يختلف عن لباس الدنيا وإن اتحدت الألفاظ وقد أخبرنا الله بالتالى :
-أن لباس المسلمين فى الأخرة هو الحرير وفى هذا قال بسورة الحج وفاطر \"ولباسهم فيها حرير \" والحرير يتمثل فى ثياب السندس الأخضر وثياب الاستبرق وهو الحرير البراق وفى هذا قال تعالى بسورة الإنسان \"عاليهم سندس خضر وإستبرق \"والحرير الأخروى يختلف عن الدنيوى فى أن الأول ليس به أى أضرار وكله منافع بينما الأخر له أضرار .
أن ثياب الكافرين فى الأخرة هى سرابيل مصنوعة من القطران وهو النحاس المؤلم وفى هذا قال تعالى بسورة إبراهيم \"سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار \"وقد فسر الله القطران بأنه النار أى النحاس المؤلم وفى هذا قال تعالى بسورة الحج \"فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار \".

اللباس الحسن :
إن من نعم الله على الإنسان اللباس الحسن وكل لباس مطابق لأحكام الشريعة حسن ومن ثم وجب على المسلم التالى :
-ألا يلبس الألبسة السيئة مثل المرقعات والخيش والسبب أن هذه الملابس تسبب له الضرر والأذى والضيق مما يدفعه إلى ارتكاب ذنوب فى كثير من الأحيان .
-أن يغسل ملابسه باستمرار كلما توسخت حتى يبدو فى أحسن حال عندما يلبسها مرة أخرى .
-ألا يعتقد أن لبس الألبسة التى تدل على الفقر هو دليل على تواضعه لأنها فى الأصل دليل على تكبره على أمر الله بأن يظهر نعم الله عليه أمام الأخرين .

كسوة الصيف والشتاء :
يقال للإنسان كسوتين واحدة فى الصيف وواحدة فى الشتاء فما معنى هذا ؟ الإجابة هى إن معنى الكسوة هى ملابس جديدة أى بألفاظ أخرى أطقم من الملابس الجديدة فكسوة الصيف ليست طقم كامل من الملابس الجديدة وإنما هى تزيد على الطقم بحيث يتم التبديل بين الأطقم كلما توسخ أحدها ومن ثم نقرر أن الكسوة هى طقمين فما فوق وكذلك كسوة الشتاء ومما ينبغى قوله أن على الإنسان أن يعمل بقاعدة على قد لحافك مد رجليك فإذا كان معك مال كثير فاشترى أطقم كثيرة وإذا كان معك مال قليل فاشترى أطقم قليلة .

من أسماء اللباس :
سمى اللباس الريش بقوله بسورة الأعراف \"يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا \"وفى الخمر قال بسورة النور \"وليضربن بخمرهن على جيوبهن \"وفى النعل قال بسورة طه \"اخلع نعليك بالواد المقدس طوى \"وفى القميص قال بسورة يوسف \"وقدت قميصه من دبر \"وفى الجلابيب قال بسورة الأحزاب \"يدنين عليهن من جلابيبهن \"وفى الثياب قال بسورة النور \"وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة \"وفى السابغات قال بسورة سبأ \"أن اعمل سابغات \"وفى اللبوس قال بسورة الأنبياء \"وعلمناه صنعة لبوس لكم \"وفى الحلية قال بسورة فاطر \"وتستخرجون حلية تلبسونها \"وفى الأثاث قال بسورة النحل \"ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين \"والحمد لله رب العالمين .

Heba Khled
08-19-2011, 05:33 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

بحوث في : رضـاع الـكـبـير





بسم الله الرحمن الرحيم
(1)
مسألة إرضاع الكبير


الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله
وعلى آله وصحبه ومن والاه ,,,, أما بعد

قال البخاري – رحمه الله - في صحيحه معلقاً
\" قال علي – رضي الله عنه - : حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله \" .

المشاهد لما يدور في الساحة الفكرية يرى أربع تيارات تشكّل المجتمع , تيارين متصارعين ظاهراً وباطناً وتيار منتمٍ ظاهراً لفئة وباطناً لفئة أخرى وتيار لا يدري القاتل فيما قـَتل ولا المقتول فيما قـُتل وهم :
• تيار ينطلقون من مستند ويركنون إلى ركن , يقبلون ما قبل , ويردون ما رد , وما سكت َ عنه , إن بحثوه ردوه إلى أصله , وإن تركوه فهو في عداد المسكوت عنه , فلا يثربون على فاعله , ولا يرفعون تاركه , وهؤلاء ذكرهم التاريخ وسطرهم مع الأعلام النبلاء .

• وتيار أُعطي الإعلام والقلم , لا مستند يستندون إليه , ولا عقل يركنون إليه , إن قال الغرب قالوا , وإن سكتَ سكتوا , وإن أنكرَ أنكروا , وإن أشادَ أشادوا , وهم قلة قليلة كثرهم الإعلام , وهؤلاء إن ذكرهم التاريخ فيذكرهم مع أصحاب الفتن والضلالات .
وهؤلاء الصراع بينهم على أشده على مر التاريخ .

• وفئة ظاهرهم إلى الأولى أقرب وميلهم إلى الثانية أظهر , فهم تبع لتبع , وهم الحماة لمتبوعيهم بسلاح من يعتبرونهم أعداء , إن أشتد الخناق على من يتبعون جاءوا بما يحاولون به توسيع مجرى الهواء مما يعتمده من ينتسبون لهم في الظاهر , وإن تكالب من يتبعون على بني جلدتهم , خنسوا وسكتوا إن لم يقوموا معهم , وهؤلاء لا يخلوا تاريخ من ذكرهم ولكن باللعنة .

• وفئة رابعة وهم العامة والرعاع يميلون مع هؤلاء مرة ومع أولئك مرة , وهؤلاء لم يذكرهم التاريخ ولم يسطر لهم شيئا فلا حاجة لذكرهم ولكن لتوثيق حال المجتمعات .

بعد هذه المقدمة أريد أن أدلف إلى أمر شرعي بحت لا كلام لأحد فيه إلا بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم , وتـُرمى فيه ( أرأيت في اليمن ) كما قال ابن عمر – رضي الله عنه – .
مسألة لاكها الصغير والكبير , العالم والجاهل , طالب الحق والمبطل .

حتى جعلها بعض المفتونين أنها قول أهل السنة كلهم ولا يخالف فيها أحد ليضرب أهل السنة بأهل السنة !!!
وهي مسألة إرضاع الكبير وهل تثبت به المحرمية أم لا ؟؟؟

وسأجعل الكلام هنا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وللسادة العلماء , وسأختصر إختصاراً أسأل الله أن لا يكون مخلا , وإلا بسطه يحتاج إلى كراريس وكراريس .

وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال مدارها على حديث عائشة – رضي الله عنها - قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم , فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- « أرضعيه » , قالت وكيف أرضعه وهو رجل كبير فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال « قد علمت أنه رجل كبير » .
أخرجه مسلم 4/168 .

فالأقوال :
• أن رضاع الكبير لا ينشر المحرمية مطلقا .
• أن رضاع الكبير ينشر المحرمية مطلقا .
• التفصيل فمن كان حاله كحال سالم نشر المحرمية وإلا فلا .

وإليكم أدلة أصحاب القول الأول :
قال الله تعالى \" وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ \" الآية

قال ابن كثير – رحمه الله - :\" هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة ، وهي سنتان فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك ..\"
تفسير ابن كثير 1/350 .

وقال ابن بطال – رحمه الله - :\" فأخبر تعالى أن تمام الرضاعة حولان ، فعلم أن ما بعد الحولين ليس برضاع ، إذ لو كان ما بعده رضاعًا لم يكن كمال الرضاعة حولين \" .
شرح صحيح البخاري 7/197 .

وفي الآية دليل ( مفهوم ) على أن ما بعد الحولين ليس برضاعة وشاهده في قوله تعالى \" لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ \" والتمام ليس بعده شيء , وأنظر إلى لفظ التمام فهو لم يرد في القرآن على أن له بقية .
قال تعالى \" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا \" وقوله تعالى \" ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ... \" وقوله تعالى \" فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ... \" وقوله تعالى \" وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ... \" وغيرها من الآيات .

ومن السنة أحاديث كثيرة نقتصر على ما صح سنده

* عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي رجل قال يا عائشة من هذا قلت أخي من الرضاعة قال :\" يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة \"
أخرجه البخاري 6/554 .

* وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\" لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام \"

اخرجه الترمذي 3/458 ثم قال حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئا .

* وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه و سلم أن يدخلن عليهن أحداً بتلك الرضاعة وقلن لعائشة : والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا .
أخرجه مسلم 2/1078 .

وأما القول الثاني فمداره على عموم حديث عائشة – رضي الله عنها – ولا دليل لهم غيره وسيأتي رده في الرد على القول الثالث .

وأما القول الثالث فجعلوا أدلة القول الأول مستند لهم , وحديث عائشة – رضي الله عنها – واقع على من كان حاله كحال سالم مولى أبي حذيفة – رضي الله عنهما - .

وقد أجاب عن كلا القولين الأخيرين ( القول بأن رضاع الكبير ينشر المحرمية مطلقاً والقول بالتفصيل ) كثير من الأئمة الأعلام .

وسأختصر في النقول هنا على المنصوص صريحا دون تتبع لأقوالهم – رحمهم الله – وقد وقعت على أكثر من 100 نقل في هذه المسألة .

قال القرطبي - رحمه الله - :\" حكى الوليد بن مسلم عن مالك – رحمه الله - أنه قال : ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين ، وما كان بعد ذلك فهو عبث .
ثم ساق – رحمه الله – الأقوال ثم قال : وانفرد الليث بن سعد من بين العلماء إلى أن رضاع الكبير يوجب التحريم ، وهو قول عائشة رضي الله عنها ، وروي عن أبي موسى الأشعري ، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك \"
ثم قال قلت : وهذا الخبر مع الآية والمعنى ، ينفى رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له .
تفسير القرطبي 3/163 .

وقال ابن بطال – رحمه الله - :\" اتفق أئمة الأمصار على أن رضاع الكبير لا يحرم ، وشذ الليث وأهل الظاهر عن الجماعة ، وقالوا : إنه يحرم ، وذهبوا إلى قول عائشة في رضاعة سالم مولى أبي حذيفة ، وحجة الجماعة قوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) [ البقرة : 233 ] ، فأخبر تعالى أن تمام الرضاعة حولان ، فعلم أن ما بعد الحولين ليس برضاع ، إذ لو كان ما بعده رضاعًا لم يكن كمال الرضاعة حولين \"
شرح صحيح البخاري 7/197 .

وقال ابن العراقي – رحمه الله - :\" أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه خاص بسالم ، وامرأة أبي حذيفة كما اقتضاه كلام أمهات المؤمنين سوى عائشة رضي الله عنهن ، وروى الشافعي رحمه الله عن أم سلمة أنها قالت في الحديث \" كان رخصة لسالم خاصة \" قال الشافعي \" فأخذنا به يقينا لا ظنا \" حكاه عنه البيهقي في المعرفة ، وقال ما معناه إنما قال هذا لأن الذي في غير هذه الرواية أن أمهات المؤمنين قلن ذلك بالظن ، ورواه ( أي الشافعي ) عن أم سلمة بالقطع .

\" وقال ابن المنذر ليست تخلو قصة سالم من أن تكون منسوخة أو خاصة لسالم \"

\" وحكى الخطابي عن عامة أهل العلم أنهم حملوا الأمر في ذلك على أحد وجهين إما على الخصوص ، وإما على النسخ \"
طرح التثريب 7/346 .

وقال العيني – رحمه الله - :\" وعند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار إلى الآن لا تثبت إلا برضاع من له دون سنتين .... وأجابوا عن حديث سهلة على أنه مختص بها وبسالم وقيل إنه منسوخ والله أعلم \"
عمدة القاري 9/218 .

وقال ابن حجر – رحمه الله - :\" ومنها دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة ، والأصل فيه قول أم سلمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة ، وقرره ابن الصباغ وغيره بأن أصل قصة سالم ما كان وقع من التبني الذي أدى إلى اختلاط سالم بسهلة ، فلما نزل الاحتجاب ومنعوا من التبني شق ذلك على سهلة فوقع الترخيص لها في ذلك لرفع ما حصل لها من المشقة ، وهذا فيه نظر لأنه يقتضي إلحاق من يساوي سهلة في المشقة والاحتجاج بها فتنفي الخصوصية ويثبت مذهب المخالف ، لكن يفيد الاحتجاج \"
فتح الباري 14/346 .

وقال في موضع آخر يقول :\" وادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير \"
فتح الباري 4/69 .

ونقل صاحب العناية اتفاق الصحابة على عدم محرمية رضاع الكبير , غير ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها .
العناية شرح الهداية 5/134 .

قال صاحب بدائع الصنائع :\" وأما عمل عائشة رضي الله عنها فقد روي عنها ما يدل على رجوعها فإنه روي عنها أنها قالت :\" لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم والدم \" وروي أنها كانت تأمر بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم أن ترضع الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا على أن عملها معارض بعمل سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن كن لا يرين أن يدخل ( يُدخلن ) عليهن بتلك الرضاعة أحد من الرجال والمعارض لا يكون حجة وإذا ثبت أن رضاع الكبير لا يحرم ورضاع الصغير يحرم .
بدائع الصنائع 4/6 .

وقال الزيلعي – رحمه الله - :\" ولنا أن إرضاع الكبير منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام \"
تبيين الحقائق 2/182 .

وقال ابن رشد – رحمه الله - :\" واختلفوا في رضاع الكبير فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وكافة الفقهاء : لا يحرم رضاع الكبير ، وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنه يحرم ، وهو مذهب عائشة ، ومذهب الجمهور هو مذهب ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وسائر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام \"
بداية المجتهد 2/30 .

وقال الوزير ابن هبيرة – رحمه الله - :\" واتفقوا على أن رضاع الكبير غير محرم \" .
اختلاف الأئمة العلماء 2/204 .

وقال الطاهر بن عاشور – رحمه الله - :
\" والأصحّ هو القول الأوّل ( أي في العامين ) ؛ ولا اعتداد برضاع فيما فوق ذلك ، وما روي أنّ النبي أمر سَهْلَة بنتَ سُهيل زوجةَ أبي حُذيفة أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة لمّا نزلت آية { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } [ الأحزاب : 4 ] إذ كان يدخل عليها كما يدخل الأبناء على أمّهاتهم ، فتلك خصوصيّة لها ، وكانت عائشة أمّ المؤمنين إذا أرادت أن يدخل عليها أحد الحجابَ أرضعتْه ، تأوّلت ذلك من إذن النبي صلى الله عليه وسلم لِسَهْلة زوج أبي حذيفة ، وهو رأي لم يوافقها عليه أمّهات المؤمنين ، وأبَيْن أن يدخل أحد عليهنّ بذلك ، وقال به الليث بن سعد ، بإعمال رضاع الكبير . وقد رجع عنه أبو موسى الأشعري بعد أن أفتى به .
التحرير والتنوير3/451 .

وقال ابن إبراهيم – رحمه الله - :\" وأما رضاع الكبير الذي قد تجاوز الحولين فلا يؤثر ولا ينشر الحرمة ، وهذا هو قول الجماهير من الصحابة والتابعين والفقهاء ، وهو مذهب الإمام أحمد ، وهو الصواب \"
فتاوى ابن إبراهيم 11/154 .

ونقل ابن عبد البر – رحمه الله - : \" أنَّ هذا القول ( أي عدم إنتشار الحرمة برضاع الكبير ) هو مذهب جماعة فقهاء الأمصار ومنهم الأئمة الأربعة وأصحابهم ، والثوري ، والأوزاعي ، وابن أبي ليلى ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، والطبري . وقال به من الصحابة : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وابن عمر ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، وسائر أمهات المؤمنين غير عائشة ، وجمهور التابعين \"
التمهيد 3/616 .

وقال شيخ الإسلام – رحمه الله - :\" والرضاع إذا حرم لكونه ينبت اللحم وينشر العظم فيصير نباته به كنباته من الأبوين وإنما يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة ولهذا لم يحرم رضاع الكبير لأنه بمنزلة الطعام والشراب ... \" الفتاوى 3/167 .

وهو أحد القولين له وإن كان القول بالتفصيل هو الأرجح فقد نقله عنه أئمة أعلام كابن القيم والشوكاني وغيرهم – رحمهم الله - .

المرجحات والقرائن على أن رضاع الكبير لا تنتشر به المحرمية غير ما سبق ذكره من النصوص والنقول :

المرجحات :

• أن راوية الحديث وهي عائشة – رضي الله عنها – هي التي روت لنا حديث \" إنما الرضاعة من المجاعة \" والقاعدة الأصولية تقول :
( العبرة بما روى الراوي لا بما رأى ) .

• أن عمل الصحابة جميعهم على خلاف عمل عائشة – رضي الله عن الجميع – كما نقل البابرتي – صاحب كتاب العناية – ولا يتفق في سُنةٍ أن لا يعمل بها أحد من الصحابة سوى واحد فقط مع بلوغها لهم ( وفرق هنا بين الرواية والعمل ) .

• أن الخلاف عند أهل العلم قائم على عمل الصحابي الذي لم يوجد له مخالف من الصحابة هل يعتبر حجة أم لا ؟ فما بالك بعمل لم ينقل عن أحدهم العمل به سوى عائشة – رضي الله عن الجميع – بل نقل مخالفتهم له , مع ورود الدليل وعلمهم به , كما هو الحال مع أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن - .

• أن القول بالإطلاق ينسبه القائلون به إلى حديث عائشة – رضي الله عنها – والقائلون بالتفصيل ينسبونه لحديث عائشة أيضا , فهنا يقع اضطراب في المآخذ والقاعدة الأصولية تقول
\" إذا طرق الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال \" .

ولعلي أكتفي بهذه المرجحات أما القرائن على أن رضاع الكبير خاص بسالم مولى أبي حذيفة – رضي الله عنهما - :

القرائن

• أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا لسهلة زوجة أبي حذيفة , ولم يقله لغيرهم مع أن أسامة بن زيد – رضي الله عنه وعن أبيه – هو أبن زيد بن حارثة والذي ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان يدخل عليه في كل وقت وكان بالمنزلة العظيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان حِبه وأبن حِبه , ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالرضاعة , وأوضح من ذلك أنس بن مالك – رضي الله عنه – خادمه الذي يخدمه في بيته ويطلع على بعض الأمور التي لا يطلع عليها غيره كحال الخادم مع مخدومه ولم يثبت هذا في حقه .

• أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة امرأة أبي حذيفة في إرضاع سالم كان بينه وبينها ولم يكن مشهورا حتى بلغته عائشة – رضي الله عن الجميع – ولو كان عاماً لكان إنتشاره أظهر من هذا.

• يحتج بعضهم بأنه لو كان خاصاً بسالم لكان في لفظ الحديث ما يدل على أنه خاص كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار – رضي الله عنه – في التضحية بالعناق \" نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك \" , فذكر هنا أنها خاصة به دون غيره وفي حديث سهلة لم يذكر هذا , والرد على هذا أن قول النبي صلى عليه وسلم لأبي بردة كان من على المنبر كما في الصحيحين وهذا أمر عام ولو لم يبين أنه خاص بأبي بردة لبقي العموم على عمومه , أما حديث رضاع سالم فكان خاصاً بينه صلى الله عليه وسلم وبين سهلة ويبقى الخصوص على خصوصه .

• يستدل أصحاب القول بالتفصيل بجواز الإرضاع في حال المشقة كحال سالم وسهلة – رضي الله عنهما – وهذا التخصيص يحتاج إلى دليل والحال ليس دليلا يحتج به , وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما كان فيه مشقة ربما تزيد على المشقة الواقعة على سهلة وسالم ففي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم \" إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو ؟ قال الحمو الموت \" . مع أن بعض أخوة الزوج من ليس لديه مسكن إلا مع أخيه , ومعلوم حال الصحابة في ذلك الوقت , وقلة ذات أيديهم , وصغر بيوتهم وحاجة أخو الزوج للدخول بيت أخيه في غيابه ظاهرة , فلو كان رضاع الكبير جائزاً بإطلاق أو حتى جائزاً بوجود المشقة , لرخص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ولم يكن من هذا شيء .
( والقرينة الأخيرة أفدتها من كلام الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله - ) .

وفيما سبق من الأدلة والنقول والقرائن والمرجحات يترجح القول بعدم جواز رضاع الكبير وأن واقعة سالم مولى أبي حذيفة ( واقعة عين ) وهي خاصة به – رضي الله عن أصحاب رسول الله - .

ذكر حافظ حكمي – رحمه الله –
من أوجه ترجيح الأقوال أن تتعارض الأقوال فقال :\" ومن ذلك كون الراوي لأحدهما قد روى عنه خلافه فيتعارض روايتاه ويبقى الآخر سليماً عن المعارضة : كحديث أم سلمة : \" لا يحرم من الرضاع غلاما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام\" مع حديث عائشة في \"الصحيحين\" : \"أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم محتجة بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي ( امرأة أبي حذيفة أن ترضعه وكان كبيراً وكان يدخل عليها بتلك الرضاعة\" فتعارض الحديثان لكن ثبت عن عائشة في \"الصحيحين\" أن رسول الله ( قال لها : \"انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة\" فتعارض روايتا عائشة وبقى حديث أم سلمة سليماً من المعارضة فرجح ، وهذا هو مذهب الجمهور وهم الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة والأكابر من الصحابة وسائر أزواج النبي ( سوى عائشة رضي الله عنهن ورأوا حديث سالم المتقدم من الخصائص ومن ذلك تقديم الخاص على العام ، والمطلق على المقيد ، والمنطوق على المفهوم ، وغير ذلك .
دليل أرباب الفلاح 41 .

وختاما من هذه النقول نخلص إلى أن

القائلين بالجواز هم :
عائشة – رضي الله عنها - .
وروي عن عروة بن الزبير
الليث بن سعد
ابن حزم
داود الظاهري .

القائلين بالتفصيل هم :
شيخ الإسلام
ابن القيم
الشوكاني
الصنعاني
محمد صديق حسن خان
عبد الرحمن بن قاسم
الألباني
وبعض المعاصرين .

القائلين بالمنع مطلقا :
عمر بن الخطاب
علي بن أبي طالب
أبو هريرة
عبد الله بن عباس
عبد الله بن مسعود
عبد الله بن عمر
أبو موسى الأشعري
أمهات المؤمنين سوى عائشة
( ونـُقل إتفاق الصحابة على ذلك كما تقدم )
أبو حنيفة
مالك بن أنس
الشافعي
أحمد بن حنبل
الترمذي
الأوزاعي
سفيان الثوري
ابن أبي ليلى
إسحاق بن راهويه
أبو ثور
أبو عبيد
الطبري
القرطبي
البيهقي
ابن المنذر
الخطابي
ابن العراقي
الكاساني
الزيلعي
ابن رشد
ابن كثير
ابن الصباغ
ابن هبيرة
البابرتي
العيني
ابن حجر
ابن بطال
شيخ الإسلام على قول
ابن عاشور
ابن إبراهيم
حافظ حكمي
ابن باز
ابن عثيمين
( وهو قول الجماهير من التابعين والمعمول به في الأمصار الإسلامية في عهد السلف بدون مخالف في العمل )

( \" رحم الله الجميع ورضي عنهم وأسكنهم فسيح جنانه \" )

ومما تقدم يظهر أن القول الراجح ما رجحه أعلام السنة ومشاعل الهداية في كل عصر ومصر , أن رضاع الكبير لا تثبت به محرمية مطلقاً وأن واقعة سالم – رضي الله عنه – واقعة عين خاصة به دون سواه .

والله تعالى أعلم وأحكم .

موسى الغنامي



--------------------------------------------------------------------------------

(2)
بحث عن :
رضـاع الـكـبـير
وبيان الخلاف وأسبابه في المسألة

جمع وتقديم الفقير إلى الله
عبد الملك بن حسن السني


مقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين ، إن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .. أما بعد :
انتشرت في الآونة الأخيرة بعد الفتاوى الشاذة من بعض طلبة العلم هداهم الله والمشكلة أن بعض المسائل الخلافية والأقوال الشاذة تحدث بلبلة بين عامة الناس فليس كل شيء يستطيع أن يفهمه عامة الناس لذلك أحببت أن أجمع لكم أقوال السلف حول ما انتشر من مسألة رضاع الكبير وقد اقتصرت على قول العلماء في المسألة فأقول وبلله التوفيق :
انقسمت الارآء في مسألة رضاع الكبير إلى ثلاث أقوال :
1- منهم من رأي أن الأمر كان خاص بسهلة فقط (أم سالم من الرضاعة) وهذا رأي سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا القول جمهور العلماء وهو الراجح .
2- منهم من رأي إن الأمر كان لمن كان له مثل حالها وبهذا القول يقول بعض العلماء .
3- منهم من رأي أن الأمر مطلق (إلى هذا ذهبت ام المؤمنين عائشة) وهو قول ضعيف.

أولاً : قصة سالم مولى أبي حذيفة :
وبيان القصة أن أبا حذيفة كان قد تبنى سالماً وزوجه وكان سالم مولى لامرأة من الأنصار فلما أنزل الله {ادعوهم لآبائهم} كان من له أب معروف نسب إلى أبيه ومن لا أب له معروف كان مولى وأخاً في الدين؛ فعند ذلك جاءت سهلة تذكر ما نصه الحديث في الكتاب ، وقد اختلف السلف في هذا الحكم فذهبت عائشة رضي الله عنها إلى ثبوت حكم التحريم وإن كان الراضع بالغاً عاقلاً.
فالذي حدث أن زوجة ابي حذيفة ربت إبنا من يوم أن كان صغيرا أو ربما رضيعا و عاش معها في الجاهلية سنين طويلة بصفته ابنها بالتبني فهو ينظر إليها على أنها أمه الحقيقية و هي تنظر إليه على أنه إبنها و لما جاء الاسلام و أبطل التبني كان أبو حذيفة و زوجته من المسلمين الصادقين الوقافين عند حكم الله فأبطلوا التبني فأصبح بذلك سالم ابنهم غريب فاستفتت الزوجة رسول الله فقال لها أرضعيه فاستغربت كيف ترضعه و هو رجل بل و عقبت وقالت انه له لحية والاستغراب منها هنا مرده إلى فائدة الرضاعة لرجل كبير فقال لها رسول الله قد علمت أن رجل كبير و العجب ان اباحذيفة كان يكره دخول سالم على إمرأته قبل الرضاعة واصبح بعدها في غاية الارتياح والاطمئنان ؟ فكيف يحدث هذا لو كان هنا ولو مقدار ضئيل من الريبة او الشك في هذه القضية فسالم ابنه وزوجته أمه و من يتصور أن علاقة سيئة يمكن أن تنشأ بين أم وابن إلا من كان شاذا مريضا .
ثانياً : مذهب جمهور الصحابة والسلف والعلماء :
مذهب جمهور الصحابة والعلماء أنه لا تحل رضاعة الكبير الآن و الدليل انها لا تحل بعد الحولين ما قاله : علي ابن ابي طالب وابن عباس وابن مسعود وجابر وابن عمر وابي هريرة وام سلمة وسعيد بن المسيب وعطاء والشافعي ومالك ( رغم انه اخرج الحديث في الموطأ ) احمد بن حنبل واسحاق وسفيان الثوري اما ابو حنيفة فخالف و رده تلامذته ( ابو يوسف و محمد ) و علي رأي ابو يوسف و محمد الذي هو التحريم يدور مذهب الاحناف .
قال أبو بكر: قد كان بين السلف اختلاف في رضاعة الكبير، فروي عن عائشة أنها كانت ترى رضاع الكبير موجبا للتحريم كرضاع الصغير، وكانت تروي في ذلك حديث سالم مولى أبي حذيفة {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة: أرضعيه خمس رضعات ثم يدخل عليك} وكانت عائشة إذا أرادت أن يدخل عليها رجل أمرت أختها أم كلثوم أن ترضعه خمس رضعات ثم يدخل عليها بعد ذلك; وأبى سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقلن: لعل هذه كانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. وقد روي {أن سهلة بنت سهيل قالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة} . فيحتمل أن يكون ذلك خاصا لسالم كما تأوله سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم كما خص أبا زياد بن دينار بالجذعة في الأضحية وأخبر أنها لا تجزي عن أحد بعده. فهذا يوجب أن يكون حكم الرضاع مقصورا على حال الصغر وهي الحال التي يسد اللبن فيها جوعته ويكتفي في غذائه به. وقد روي عن أبي موسى أنه كان يرى رضاع الكبير; وروي عنه ما يدل على رجوعه ، وهو ما روى أبو حصين عن أبي عطية قال: قدم رجل بامرأته من المدينة، فوضعت فتورم ثديها، فجعل يمجه ويصبه، فدخل في بطنه جرعة منه، فسأل أبا موسى فقال: (بانت منك) فأتى ابن مسعود فأخبره ففصل، فأقبل بالأعرابي إلى الأشعري فقال: (أرضيعا ترى هذا الأشمط إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم) فقال الأشعري: (لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم); وهذا يدل على أنه رجع عن قوله الأول إلى قول ابن مسعود; إذ لولا ذلك لم يقل (لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم) وكان باقيا على مخالفته وأن ما أفتى به حق. وقد روي عن علي وابن عباس وعبد الله وأم سلمة وجابر بن عبد الله وابن عمر (أن رضاع الكبير لا يحرم) ولا نعلم أحدا من الفقهاء قال برضاع الكبير إلا شيء يروى عن الليث بن سعد يرويه عنه أبو صالح (أن رضاع الكبير يحرم) وهو قول شاذ; لأنه قد روي عن عائشة ما يدل على أنه لا يحرم، وهو ما روى الحجاج عن الحكم عن أبي الشعثاء عن عائشة قالت: (يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم) وقد روى حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يتم بعد حلم ولا رضاع بعد فصال} . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة الذي قدمناه: {إنما الرضاعة من المجاعة} ، وفي حديث آخر: {ما أنبت اللحم وأنشز العظم} وهذا ينفي كون الرضاع في الكبير. وقد روي حديث عائشة الذي قدمناه في رضاع الكبير على وجه آخر، وهو ما روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: أن عائشة كانت تأمر بنت عبد الرحمن بن أبي بكر أن ترضع الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا. فإذا ثبت شذوذ قول من أوجب رضاع الكبير، فحصل الاتفاق على أن رضاع الكبير غير محرم وبالله التوفيق ، وقد ثبت عندنا وعند الشافعي نسخ رضاع الكبير (المصدر : أحكام القرآن للجصاص) .
عن أُمَّ سَلَمَةَ زوجَ النبيِّ كانتْ تقولُ : أَبَى سائرُ أَزْوَاجِ النبيِّ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أحداً بتلكَ الرَّضَاعَةِ، وقلنَ لعائشةَ: والله مَا نَرَى هَذَا إلاَّ رخصةً أَرْخَصَهَا رسولُ الله لسالمٍ خاصةً، فما هو بداخلٍ عَلَيْنَا أحدٌ بهَذِهِ الرَّضَاعَةِ ولا رَائِيْنَا. أخرجه مسلم في الصحيح هَكَذَا.
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله : وإذَا كانَ هَذَا لسالمٍ خاصةً، فالخاصُّ لا يكونُ إلاَّ مُخْرَجاً مِنْ حُكْمُ العامةِ، ولا يجوزُ إلاَّ أَنْ يكونَ رَضَاعُ الكبيرِ لا يُحَرِّمُ (المصدر : سنن البيهقي) .
وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الصغر وإنما اختلفوا في تحديد الصغر فالجمهور قالوا: مهما كان في الحولين فإن رضاعه يحرم ولا يحرم ما كان بعدهما مستدلين بقوله تعالى: {حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} (المصدر : سبل السلام)
قال ابن القيم : والأكثرون حملوا الحديث إما على الخصوص وإما على النسخ، واستدلوا على النسخ بأن قصة سالم كانت في أول الهجرة، لأنها هاجرت عقب نزول الاَية ، والاَية نزلت في أوائل الهجرة. وأما أحاديث الحكم بأن التحريم يختص بالصغر. فرواها من تأخر إسلامهم من الصحابة نحو أبي هريرة وابن عباس وغيرهم فتكون أولى(تهذيب سنن أبي داود)
وفي الموطأ أن أبا موسى أفتى بجواز رضاع الكبير، فرد ذلك عليه ابن مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني، ما دام هذا الحبر بين أظهركم (المصدر : التمهيد لإبن عبد البر) .
وَقَوْلُ أَبِي مُوسَى لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ حُكْمِ مَا مُصَّ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَتِهِ مِنْ اللَّبَنِ مَا أَرَاهَا إلا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْك لَعَلَّهُ مِمَّنْ رَأَى فِي ذَلِكَ أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ وَهُوَ مَذْهَبٌ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ , وَقَدْ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى خِلافِهِ مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ رُجُوعِ أَبِي مُوسَى عَنْهُ. وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه اُنْظُرْ مَا تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ عَلَى وَجْهِ الإِنْكَارِ عَلَيْهِ وَإِبْدَاءِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ {الرَّضَاعَةَ مِنْ الْمَجَاعَةِ} أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ لَيْسَ مُصِيبًا , وَلَوْ اعْتَقَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ مُخَالِفَهُ مُصِيبٌ لَمَا سَاغَ لَهُ الإِنْكَارُ عَلَيْهِ (المصدر : المنتقى شرح الموطأ)
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : سألت عبد الرحمن بن مهدي ، عن رضاع الكبير فقال : سمعت مالكا يحدث ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : « لا رضاعة إلا لصغير ، ولا رضاعة لكبير » (المصدر : معرفة علوم الحديث) .
وروي عن النبـي أنه قال: «الرَّضاعُ مَا أنبتَ اللحمُ وأنشرَ العظم» ، وذلك هو رضاع الصغير دون الكبير، لأن ارضاعه لا ينبت اللحم ولا ينشر العظم ، وروي عنه أنه قال: «الرَّضاع مَا فَـتَقَ الأمعاء» ، ورضاع الصغير هو الذي يفتق الإمعاء لا رضاع الكبير، لأن إمعاء الصغير تكون ضيقة لا يفتقها إلا اللبن لكونه من ألطف الأغذية كما وصفه الله تعالى في كتابه الكريم بقوله عز وجل: {لَبَناً خالِصاً سائغاً للشاربين} فأما أمعاء الكبير فمنفتقته لا تحتاج إلى الفتق باللبن وروي عنه أنه قال: «لا رِضَاعَ بعدَ فِصَالٍ» (بدائع الصنائع) .
قال الماوردي: وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الرضاع الكبير لا يحرم .
وَلاَ يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الرَّضَاعِ فِيْمَا يُرْتَضَعُ بَعْدَ الحَوْلَينِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةِ } فَجُعِلَ تَمَامُ الرَّضَاعِ فِي الحَوْلَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لاَ حُكْمَ لِلرَّضَاعِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لاَ رَضَاعَ إلاَّ مَا كَانَ فِي الحَوْلَيْنِ (المصدر : المهذب) .
وأما رضاع الكبير: فإنه لا يُحرِّم في مذهب الأئمة الأربعة ؛ بل لا يُحرِّم إلا رضاع الصغير، كالذي رضع في الحولين. وفيمن رضع قريباً من الحولين نزاع بين الأئمة؛ لكن مذهب الشافعي وأحمد أنه لا يُحرِّم. فأما الرجل الكبير والمرأة الكبيرة فلا يُحرِّم أحدهما على الآخر برضاع القرايب: مثل أن ترضع زوجته لأخيه من النسب: فهنا لا تحرم عليه زوجته؛ لما تقدم من أنه يجوز له أن يتزوج بالتي هي أخته من الرضاعة لأخيه من النسب؛ إذ ليس بينه وبينها صلة نسب ولا رضاع؛ وإنما حرمت على أخيه لأنها أمه من الرضاع، وليست أم نفسه من الرضاع. وأم المرتضع من الرضاع لا تكون أماً لأخوته من النسب؛ لأنها إنما أرضعت الرضيع ولم ترضع غيره (المصدر : مجموع فتاوي ابن تيمية) .
مسألة : إن قلت: ورد في صحيح مسلم أن النبي أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالماً مولى حذيفة زوجها بعد البلوغ حتى تكون أماً له فلا يحرم نظره إليها، وذلك لأن سهلة ذهبت إلى النبي وقالت له: «يا رسول الله إن سالماً مولى أبي حذيفة مضى في بيتنا وقد بلغ ما يبلغ الرجال وعلم ما يعلم الرجال، فقال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، فهذا صريح في أن رضاع الكبير يوجب التحريم ، والجواب : أن ذلك كان قبل تحديد مدة الرضاع بالحولين وقد ثبت عندنا وعند الشافعي نسخ رضاع الكبير .
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله : والخلاصة : بعد انتهاء التبني نقول لا يجوز إرضاع الكبير ، ولا يؤثر إرضاع الكبير بل لا بد إما أن يكون في الحولين وإما أن يكون قبل الفطام وهو الراجح اهـ ، أي أن الرضاعة المحركة لا تكون إلا مع الطفل الذي لم يتجاوز العامين فقط . وقال الشيخ ابن باز رحمه الله : حديث سالم مولى أبي حذيفة خاص بسالم كما هو قول الجمهور لصحة الأحاديث الدالة على أنه لا رضاع إلا في الحولين وهذا هو الذي نفتي به .

ثالثاً : من حالته مثل حالة سالم :
سؤال سهلة امرأة أبي حذيفة كان بعد نزول آية الحجاب، وهي مصرحة بعدم جواز إبداء الزينة لغير من في الآية، فلا يخص منها غير من استثناه الله تعالى إلاَّ بدليل كقضية سالم وما كان مماثلاً لها في تلك العلة التي هي الحاجة إلى رفع الحجاب، من غير أن يقيد ذلك بحاجة مخصوصة من الحاجات المقتضية لرفع الحجاب، ولا بشخص من الأشخاص، ولا بمقدار من عمر الرضيع معلوم. وقد ثبت في حديث سهلة أنها قالت للنبي صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم: إِنَّ سَالِماً ذُو لِحْيَةٍ فَقَالَ: أَرْضِعِيهِ». وينبغي أن يكون الرضاع خمس رضعات لما تقدم في الباب الأول (المصدر : نيل الأوطار)
وذهب شيخ الإسلام أنه يجوز إذا وجدت الحاجة كما حدث في قصة سهلة وسالم .
" أن من كانت حاله وحاجته مثل حاجة سالم جاز له الأمر " : إن حالة سالم مولى أبي حذيفة حالة نادرة ومرتبطة بلحظة تشريعية لن تتكرر . ومن سوى بين الحاجتين فقد أخطأ بدليل أن حاجة سالم غير ممكنة ولن تنطبق على أحد بعده ، فسالم حضر إباحة التبني وكان ابنا بالتبني لأبي حذيفة وحضر بطلان التبني !! وإلى هذا التوجيه السَّديد أشار شيخنا العلامة ابن عثيمين رحمه الله ، فقال في ( الشرح الممتع 13 / 436 ) : (( ليس مطلق الحاجة بل الحاجة الموازية لقصة سالم والحاجة الموازية لقصة سالم غير ممكنة لأن التبني أبطل فلما انتفت الحال انتفى الحكم )) اهـ . فمَنْ مِن الناس اليوم له مثل حكم سالم في التبني ؟ لا أحد .
هذا و قد رأى كثير من الصحابة و علماء الاسلام ان هذه الفتوى من رسول الله خاصة بسالم وحده الا ان هناك اخرين ايضا رؤوا انه لا يوجد ما يخصصها بسالم بل هي جائزة في كل من كانت حالته كحالة سالم و الامثلة كثيرة جدا فمثلا معروف في الغرب ان التبني جائز عندهم فلو ان اب و ام و ابن من التبني دخلوا كلهم في الاسلام فهل نحرم الام من العيش في بيت واحد مع ابنها لأنه غريب عنها أم نحل الاشكال بهذه الفتوى وهل اذا ارضعته يعد ذلك عيبا و اثما ؟

رابعاً : القول الشاذ في رضاع الكبير :
قال عروة: إن عائشة أم المؤمنين أخذت بهذا الحديث فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال. رواه مالك.
ويروى عن علي وعروة وهو قول الليث بن سعد وأبي محمد بن حزم ونسبه في البحر إلى عائشة وداود الظاهري وحجتهم حديث سهلة هذا وهو حديث صحيح لا شك في صحته ويدل له أيضاً قوله تعالى: {وأمهاتكم اللائي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} فإنه مطلق غير مقيد بوقت.
أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عطاء يسأل، قال له رجل: سقتني امرأة من لبنها بعد ما كنت رجلاً كبيراً، أأنكحها؟ قال: لا، قلت: وذلك رأيك ؟ قال: نعم، قال عطاء: كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها.
قال الزهري: فقال لها ـ فيما بلغنا والله أعلم ـ: «أرضعيه خمس رضعات فتحرم بلبنها»، وكانت تراه ابناً من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة فيمن كانت تريد أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أُم كلثوم ابنة أبي بكر وبنات أخيها، يرضعن لها من أحبّت أن يدخل عليها من الرجال، وأبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهنّ بتلك الرضاعة، قلن: والله ما نرى الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم به سهلة إلاّ رخصة في رضاعة سالم وحده (المصدر : مصنف عبد الرزاق) .
قال ابن القيم: وقد قال بقول عائشة في رضاع الكبير الليث بن سعد وعطاء وأهل الظاهر.
وروى ابن وهب عن اللـيث أنه قال: أنا أكره رضاع الكبـير، أن أحل منه شيئًا ، وروى عنه كاتبه أبو صالـح عبد اللـه بن صالـح ان امرأة جاءته فقالت: إنـي أريد الحج، وليس لي محرم، فقال: اذهبي إلى امرأة رجل ترضعك، فيكون زوجها أبا لك، فتحجين معه. وقال: بقول الليث قوم منهم ابن علية. وحجة من قال بذلك حديث عائشة في قصة سالم وسهلة وفتواها بذلك، وعملـها به (المصدر : التمهيد).
قال الماوردي: وقالت عائشة: رضاع الكبير يحرم كرضاع الصغير، وبه قال من الفقهاء، الأوزاعي (المصدر : الحاوي الكبير في الفقه الشافعي) .

خامساً : صفة رضاعة الكبير :
قال أبو عمر: صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه، فأما أن تلقمه المرأة ثديها فلا ينبغي عند أحد من العلماء. وقال عياض: ولعل سهلة حلبت لبنها فشربه من غير أن يمس ثديها ولا التقت بشرتاهما، إذ لا يجوز رؤية الثدي ولا مسه ببعض الأعضاء ، قال النووي: وهو حسن، ويحتمل أنه عفى عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر، وأيده بعضهم بأن ظاهر الحديث أنه رضع من ثديها لأنه تبسم وقال: قد علمت أنه رجل كبير ولم يأمرها بالحلب وهو موضع بيان، ومطلق الرضاع يقتضي مص الثدي فكأنه أباح لها ذلك لما تقرر في نفسهما أنه ابنها وهي أمّه فهو خاص بهما لهذا المعنى، وكأنهم رحمهم الله تعالى لم يقفوا في ذلك على شيء .
وقد روى ابن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري عن أبيه قال: كانت سهلة تـحلب فـي مسعط أإناء قدر رضعته فـيشربه سالـم فـي كل يوم حتـى مضت خمسة أيام فكان بعد ذلك يدخـل علـيها وهي حاسر رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلّم لسهلة (المصدر : شرح الزرقاني على موطأ مالك)
هذا والله أعلم ،، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


البحث على ملف وورد



--------------------------------------------------------------------------------


(3)

رضاع الكبير .. عبدالله زقيل
http://www.saaid.net/Doat/Zugail/248.htm

أثر رضاع الكبير في تحليل الخلوة و تحريم النكاح .. د . أحمد عبد الكريم نجيب
http://www.saaid.net/Doat/Najeeb/f95.htm

مسألة رضاع الكبير .. سليمان سعود الصقر
http://www.saaid.net/bahoth/61.htm

فتوى في رضاع الكبير ... عبدالرحمن السحيم
http://www.saaid.net/Doat/assuhaim/fatwa/253.htm

هل شرب الزوج من لبن زوجته يحرمها عليه .. خالد بن سعود البليهد
http://www.saaid.net/Doat/binbulihed/f/137.htm

رضاع الكبير ... رفاعي سرور جمعة
http://www.saaid.net/Doat/riffa3i/1.htm

Heba Khled
08-19-2011, 05:35 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

بحوث في : رضـاع الـكـبـير
بسم الله الرحمن الرحيم
(1)
مسألة إرضاع الكبير
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله
وعلى آله وصحبه ومن والاه ,,,, أما بعد
قال البخاري – رحمه الله - في صحيحه معلقاً
\" قال علي – رضي الله عنه - : حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله \" .
المشاهد لما يدور في الساحة الفكرية يرى أربع تيارات تشكّل المجتمع , تيارين متصارعين ظاهراً وباطناً وتيار منتمٍ ظاهراً لفئة وباطناً لفئة أخرى وتيار لا يدري القاتل فيما قـَتل ولا المقتول فيما قـُتل وهم :
• تيار ينطلقون من مستند ويركنون إلى ركن , يقبلون ما قبل , ويردون ما رد , وما سكت َ عنه , إن بحثوه ردوه إلى أصله , وإن تركوه فهو في عداد المسكوت عنه , فلا يثربون على فاعله , ولا يرفعون تاركه , وهؤلاء ذكرهم التاريخ وسطرهم مع الأعلام النبلاء .
• وتيار أُعطي الإعلام والقلم , لا مستند يستندون إليه , ولا عقل يركنون إليه , إن قال الغرب قالوا , وإن سكتَ سكتوا , وإن أنكرَ أنكروا , وإن أشادَ أشادوا , وهم قلة قليلة كثرهم الإعلام , وهؤلاء إن ذكرهم التاريخ فيذكرهم مع أصحاب الفتن والضلالات .
وهؤلاء الصراع بينهم على أشده على مر التاريخ .
• وفئة ظاهرهم إلى الأولى أقرب وميلهم إلى الثانية أظهر , فهم تبع لتبع , وهم الحماة لمتبوعيهم بسلاح من يعتبرونهم أعداء , إن أشتد الخناق على من يتبعون جاءوا بما يحاولون به توسيع مجرى الهواء مما يعتمده من ينتسبون لهم في الظاهر , وإن تكالب من يتبعون على بني جلدتهم , خنسوا وسكتوا إن لم يقوموا معهم , وهؤلاء لا يخلوا تاريخ من ذكرهم ولكن باللعنة .
• وفئة رابعة وهم العامة والرعاع يميلون مع هؤلاء مرة ومع أولئك مرة , وهؤلاء لم يذكرهم التاريخ ولم يسطر لهم شيئا فلا حاجة لذكرهم ولكن لتوثيق حال المجتمعات .
بعد هذه المقدمة أريد أن أدلف إلى أمر شرعي بحت لا كلام لأحد فيه إلا بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم , وتـُرمى فيه ( أرأيت في اليمن ) كما قال ابن عمر – رضي الله عنه – .
مسألة لاكها الصغير والكبير , العالم والجاهل , طالب الحق والمبطل .
حتى جعلها بعض المفتونين أنها قول أهل السنة كلهم ولا يخالف فيها أحد ليضرب أهل السنة بأهل السنة !!!
وهي مسألة إرضاع الكبير وهل تثبت به المحرمية أم لا ؟؟؟
وسأجعل الكلام هنا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وللسادة العلماء , وسأختصر إختصاراً أسأل الله أن لا يكون مخلا , وإلا بسطه يحتاج إلى كراريس وكراريس .
وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال مدارها على حديث عائشة – رضي الله عنها - قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم , فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- « أرضعيه » , قالت وكيف أرضعه وهو رجل كبير فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال « قد علمت أنه رجل كبير » .
أخرجه مسلم 4/168 .
فالأقوال :
• أن رضاع الكبير لا ينشر المحرمية مطلقا .
• أن رضاع الكبير ينشر المحرمية مطلقا .
• التفصيل فمن كان حاله كحال سالم نشر المحرمية وإلا فلا .
وإليكم أدلة أصحاب القول الأول :
قال الله تعالى \" وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ \" الآية
قال ابن كثير – رحمه الله - :\" هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة ، وهي سنتان فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك ..\"
تفسير ابن كثير 1/350 .
وقال ابن بطال – رحمه الله - :\" فأخبر تعالى أن تمام الرضاعة حولان ، فعلم أن ما بعد الحولين ليس برضاع ، إذ لو كان ما بعده رضاعًا لم يكن كمال الرضاعة حولين \" .
شرح صحيح البخاري 7/197 .
وفي الآية دليل ( مفهوم ) على أن ما بعد الحولين ليس برضاعة وشاهده في قوله تعالى \" لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ \" والتمام ليس بعده شيء , وأنظر إلى لفظ التمام فهو لم يرد في القرآن على أن له بقية .
قال تعالى \" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا \" وقوله تعالى \" ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ... \" وقوله تعالى \" فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ... \" وقوله تعالى \" وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ... \" وغيرها من الآيات .
ومن السنة أحاديث كثيرة نقتصر على ما صح سنده
* عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي رجل قال يا عائشة من هذا قلت أخي من الرضاعة قال :\" يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة \"
أخرجه البخاري 6/554 .
* وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\" لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام \"
اخرجه الترمذي 3/458 ثم قال حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئا .
* وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه و سلم أن يدخلن عليهن أحداً بتلك الرضاعة وقلن لعائشة : والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا .
أخرجه مسلم 2/1078 .
وأما القول الثاني فمداره على عموم حديث عائشة – رضي الله عنها – ولا دليل لهم غيره وسيأتي رده في الرد على القول الثالث .
وأما القول الثالث فجعلوا أدلة القول الأول مستند لهم , وحديث عائشة – رضي الله عنها – واقع على من كان حاله كحال سالم مولى أبي حذيفة – رضي الله عنهما - .
وقد أجاب عن كلا القولين الأخيرين ( القول بأن رضاع الكبير ينشر المحرمية مطلقاً والقول بالتفصيل ) كثير من الأئمة الأعلام .
وسأختصر في النقول هنا على المنصوص صريحا دون تتبع لأقوالهم – رحمهم الله – وقد وقعت على أكثر من 100 نقل في هذه المسألة .
قال القرطبي - رحمه الله - :\" حكى الوليد بن مسلم عن مالك – رحمه الله - أنه قال : ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين ، وما كان بعد ذلك فهو عبث .
ثم ساق – رحمه الله – الأقوال ثم قال : وانفرد الليث بن سعد من بين العلماء إلى أن رضاع الكبير يوجب التحريم ، وهو قول عائشة رضي الله عنها ، وروي عن أبي موسى الأشعري ، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك \"
ثم قال قلت : وهذا الخبر مع الآية والمعنى ، ينفى رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له .
تفسير القرطبي 3/163 .
وقال ابن بطال – رحمه الله - :\" اتفق أئمة الأمصار على أن رضاع الكبير لا يحرم ، وشذ الليث وأهل الظاهر عن الجماعة ، وقالوا : إنه يحرم ، وذهبوا إلى قول عائشة في رضاعة سالم مولى أبي حذيفة ، وحجة الجماعة قوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) [ البقرة : 233 ] ، فأخبر تعالى أن تمام الرضاعة حولان ، فعلم أن ما بعد الحولين ليس برضاع ، إذ لو كان ما بعده رضاعًا لم يكن كمال الرضاعة حولين \"
شرح صحيح البخاري 7/197 .
وقال ابن العراقي – رحمه الله - :\" أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه خاص بسالم ، وامرأة أبي حذيفة كما اقتضاه كلام أمهات المؤمنين سوى عائشة رضي الله عنهن ، وروى الشافعي رحمه الله عن أم سلمة أنها قالت في الحديث \" كان رخصة لسالم خاصة \" قال الشافعي \" فأخذنا به يقينا لا ظنا \" حكاه عنه البيهقي في المعرفة ، وقال ما معناه إنما قال هذا لأن الذي في غير هذه الرواية أن أمهات المؤمنين قلن ذلك بالظن ، ورواه ( أي الشافعي ) عن أم سلمة بالقطع .
\" وقال ابن المنذر ليست تخلو قصة سالم من أن تكون منسوخة أو خاصة لسالم \"
\" وحكى الخطابي عن عامة أهل العلم أنهم حملوا الأمر في ذلك على أحد وجهين إما على الخصوص ، وإما على النسخ \"
طرح التثريب 7/346 .
وقال العيني – رحمه الله - :\" وعند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار إلى الآن لا تثبت إلا برضاع من له دون سنتين .... وأجابوا عن حديث سهلة على أنه مختص بها وبسالم وقيل إنه منسوخ والله أعلم \"
عمدة القاري 9/218 .
وقال ابن حجر – رحمه الله - :\" ومنها دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة ، والأصل فيه قول أم سلمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة ، وقرره ابن الصباغ وغيره بأن أصل قصة سالم ما كان وقع من التبني الذي أدى إلى اختلاط سالم بسهلة ، فلما نزل الاحتجاب ومنعوا من التبني شق ذلك على سهلة فوقع الترخيص لها في ذلك لرفع ما حصل لها من المشقة ، وهذا فيه نظر لأنه يقتضي إلحاق من يساوي سهلة في المشقة والاحتجاج بها فتنفي الخصوصية ويثبت مذهب المخالف ، لكن يفيد الاحتجاج \"
فتح الباري 14/346 .
وقال في موضع آخر يقول :\" وادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير \"
فتح الباري 4/69 .
ونقل صاحب العناية اتفاق الصحابة على عدم محرمية رضاع الكبير , غير ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها .
العناية شرح الهداية 5/134 .
قال صاحب بدائع الصنائع :\" وأما عمل عائشة رضي الله عنها فقد روي عنها ما يدل على رجوعها فإنه روي عنها أنها قالت :\" لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم والدم \" وروي أنها كانت تأمر بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم أن ترضع الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا على أن عملها معارض بعمل سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن كن لا يرين أن يدخل ( يُدخلن ) عليهن بتلك الرضاعة أحد من الرجال والمعارض لا يكون حجة وإذا ثبت أن رضاع الكبير لا يحرم ورضاع الصغير يحرم .
بدائع الصنائع 4/6 .
وقال الزيلعي – رحمه الله - :\" ولنا أن إرضاع الكبير منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام \"
تبيين الحقائق 2/182 .
وقال ابن رشد – رحمه الله - :\" واختلفوا في رضاع الكبير فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وكافة الفقهاء : لا يحرم رضاع الكبير ، وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنه يحرم ، وهو مذهب عائشة ، ومذهب الجمهور هو مذهب ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وسائر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام \"
بداية المجتهد 2/30 .
وقال الوزير ابن هبيرة – رحمه الله - :\" واتفقوا على أن رضاع الكبير غير محرم \" .
اختلاف الأئمة العلماء 2/204 .
وقال الطاهر بن عاشور – رحمه الله - :
\" والأصحّ هو القول الأوّل ( أي في العامين ) ؛ ولا اعتداد برضاع فيما فوق ذلك ، وما روي أنّ النبي أمر سَهْلَة بنتَ سُهيل زوجةَ أبي حُذيفة أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة لمّا نزلت آية { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } [ الأحزاب : 4 ] إذ كان يدخل عليها كما يدخل الأبناء على أمّهاتهم ، فتلك خصوصيّة لها ، وكانت عائشة أمّ المؤمنين إذا أرادت أن يدخل عليها أحد الحجابَ أرضعتْه ، تأوّلت ذلك من إذن النبي صلى الله عليه وسلم لِسَهْلة زوج أبي حذيفة ، وهو رأي لم يوافقها عليه أمّهات المؤمنين ، وأبَيْن أن يدخل أحد عليهنّ بذلك ، وقال به الليث بن سعد ، بإعمال رضاع الكبير . وقد رجع عنه أبو موسى الأشعري بعد أن أفتى به .
التحرير والتنوير3/451 .
وقال ابن إبراهيم – رحمه الله - :\" وأما رضاع الكبير الذي قد تجاوز الحولين فلا يؤثر ولا ينشر الحرمة ، وهذا هو قول الجماهير من الصحابة والتابعين والفقهاء ، وهو مذهب الإمام أحمد ، وهو الصواب \"
فتاوى ابن إبراهيم 11/154 .
ونقل ابن عبد البر – رحمه الله - : \" أنَّ هذا القول ( أي عدم إنتشار الحرمة برضاع الكبير ) هو مذهب جماعة فقهاء الأمصار ومنهم الأئمة الأربعة وأصحابهم ، والثوري ، والأوزاعي ، وابن أبي ليلى ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، والطبري . وقال به من الصحابة : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وابن عمر ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، وسائر أمهات المؤمنين غير عائشة ، وجمهور التابعين \"
التمهيد 3/616 .
وقال شيخ الإسلام – رحمه الله - :\" والرضاع إذا حرم لكونه ينبت اللحم وينشر العظم فيصير نباته به كنباته من الأبوين وإنما يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة ولهذا لم يحرم رضاع الكبير لأنه بمنزلة الطعام والشراب ... \" الفتاوى 3/167 .
وهو أحد القولين له وإن كان القول بالتفصيل هو الأرجح فقد نقله عنه أئمة أعلام كابن القيم والشوكاني وغيرهم – رحمهم الله - .
المرجحات والقرائن على أن رضاع الكبير لا تنتشر به المحرمية غير ما سبق ذكره من النصوص والنقول :
المرجحات :
• أن راوية الحديث وهي عائشة – رضي الله عنها – هي التي روت لنا حديث \" إنما الرضاعة من المجاعة \" والقاعدة الأصولية تقول :
( العبرة بما روى الراوي لا بما رأى ) .
• أن عمل الصحابة جميعهم على خلاف عمل عائشة – رضي الله عن الجميع – كما نقل البابرتي – صاحب كتاب العناية – ولا يتفق في سُنةٍ أن لا يعمل بها أحد من الصحابة سوى واحد فقط مع بلوغها لهم ( وفرق هنا بين الرواية والعمل ) .
• أن الخلاف عند أهل العلم قائم على عمل الصحابي الذي لم يوجد له مخالف من الصحابة هل يعتبر حجة أم لا ؟ فما بالك بعمل لم ينقل عن أحدهم العمل به سوى عائشة – رضي الله عن الجميع – بل نقل مخالفتهم له , مع ورود الدليل وعلمهم به , كما هو الحال مع أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن - .
• أن القول بالإطلاق ينسبه القائلون به إلى حديث عائشة – رضي الله عنها – والقائلون بالتفصيل ينسبونه لحديث عائشة أيضا , فهنا يقع اضطراب في المآخذ والقاعدة الأصولية تقول
\" إذا طرق الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال \" .
ولعلي أكتفي بهذه المرجحات أما القرائن على أن رضاع الكبير خاص بسالم مولى أبي حذيفة – رضي الله عنهما - :
القرائن
• أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا لسهلة زوجة أبي حذيفة , ولم يقله لغيرهم مع أن أسامة بن زيد – رضي الله عنه وعن أبيه – هو أبن زيد بن حارثة والذي ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان يدخل عليه في كل وقت وكان بالمنزلة العظيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان حِبه وأبن حِبه , ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالرضاعة , وأوضح من ذلك أنس بن مالك – رضي الله عنه – خادمه الذي يخدمه في بيته ويطلع على بعض الأمور التي لا يطلع عليها غيره كحال الخادم مع مخدومه ولم يثبت هذا في حقه .
• أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة امرأة أبي حذيفة في إرضاع سالم كان بينه وبينها ولم يكن مشهورا حتى بلغته عائشة – رضي الله عن الجميع – ولو كان عاماً لكان إنتشاره أظهر من هذا.
• يحتج بعضهم بأنه لو كان خاصاً بسالم لكان في لفظ الحديث ما يدل على أنه خاص كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار – رضي الله عنه – في التضحية بالعناق \" نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك \" , فذكر هنا أنها خاصة به دون غيره وفي حديث سهلة لم يذكر هذا , والرد على هذا أن قول النبي صلى عليه وسلم لأبي بردة كان من على المنبر كما في الصحيحين وهذا أمر عام ولو لم يبين أنه خاص بأبي بردة لبقي العموم على عمومه , أما حديث رضاع سالم فكان خاصاً بينه صلى الله عليه وسلم وبين سهلة ويبقى الخصوص على خصوصه .
• يستدل أصحاب القول بالتفصيل بجواز الإرضاع في حال المشقة كحال سالم وسهلة – رضي الله عنهما – وهذا التخصيص يحتاج إلى دليل والحال ليس دليلا يحتج به , وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما كان فيه مشقة ربما تزيد على المشقة الواقعة على سهلة وسالم ففي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم \" إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو ؟ قال الحمو الموت \" . مع أن بعض أخوة الزوج من ليس لديه مسكن إلا مع أخيه , ومعلوم حال الصحابة في ذلك الوقت , وقلة ذات أيديهم , وصغر بيوتهم وحاجة أخو الزوج للدخول بيت أخيه في غيابه ظاهرة , فلو كان رضاع الكبير جائزاً بإطلاق أو حتى جائزاً بوجود المشقة , لرخص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ولم يكن من هذا شيء .
( والقرينة الأخيرة أفدتها من كلام الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله - ) .
وفيما سبق من الأدلة والنقول والقرائن والمرجحات يترجح القول بعدم جواز رضاع الكبير وأن واقعة سالم مولى أبي حذيفة ( واقعة عين ) وهي خاصة به – رضي الله عن أصحاب رسول الله - .
ذكر حافظ حكمي – رحمه الله –
من أوجه ترجيح الأقوال أن تتعارض الأقوال فقال :\" ومن ذلك كون الراوي لأحدهما قد روى عنه خلافه فيتعارض روايتاه ويبقى الآخر سليماً عن المعارضة : كحديث أم سلمة : \" لا يحرم من الرضاع غلاما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام\" مع حديث عائشة في \"الصحيحين\" : \"أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم محتجة بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي ( امرأة أبي حذيفة أن ترضعه وكان كبيراً وكان يدخل عليها بتلك الرضاعة\" فتعارض الحديثان لكن ثبت عن عائشة في \"الصحيحين\" أن رسول الله ( قال لها : \"انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة\" فتعارض روايتا عائشة وبقى حديث أم سلمة سليماً من المعارضة فرجح ، وهذا هو مذهب الجمهور وهم الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة والأكابر من الصحابة وسائر أزواج النبي ( سوى عائشة رضي الله عنهن ورأوا حديث سالم المتقدم من الخصائص ومن ذلك تقديم الخاص على العام ، والمطلق على المقيد ، والمنطوق على المفهوم ، وغير ذلك .
دليل أرباب الفلاح 41 .
وختاما من هذه النقول نخلص إلى أن
القائلين بالجواز هم :
عائشة – رضي الله عنها - .
وروي عن عروة بن الزبير
الليث بن سعد
ابن حزم
داود الظاهري .
القائلين بالتفصيل هم :
شيخ الإسلام
ابن القيم
الشوكاني
الصنعاني
محمد صديق حسن خان
عبد الرحمن بن قاسم
الألباني
وبعض المعاصرين .
القائلين بالمنع مطلقا :
عمر بن الخطاب
علي بن أبي طالب
أبو هريرة
عبد الله بن عباس
عبد الله بن مسعود
عبد الله بن عمر
أبو موسى الأشعري
أمهات المؤمنين سوى عائشة
( ونـُقل إتفاق الصحابة على ذلك كما تقدم )
أبو حنيفة
مالك بن أنس
الشافعي
أحمد بن حنبل
الترمذي
الأوزاعي
سفيان الثوري
ابن أبي ليلى
إسحاق بن راهويه
أبو ثور
أبو عبيد
الطبري
القرطبي
البيهقي
ابن المنذر
الخطابي
ابن العراقي
الكاساني
الزيلعي
ابن رشد
ابن كثير
ابن الصباغ
ابن هبيرة
البابرتي
العيني
ابن حجر
ابن بطال
شيخ الإسلام على قول
ابن عاشور
ابن إبراهيم
حافظ حكمي
ابن باز
ابن عثيمين
( وهو قول الجماهير من التابعين والمعمول به في الأمصار الإسلامية في عهد السلف بدون مخالف في العمل )
( \" رحم الله الجميع ورضي عنهم وأسكنهم فسيح جنانه \" )
ومما تقدم يظهر أن القول الراجح ما رجحه أعلام السنة ومشاعل الهداية في كل عصر ومصر , أن رضاع الكبير لا تثبت به محرمية مطلقاً وأن واقعة سالم – رضي الله عنه – واقعة عين خاصة به دون سواه .
والله تعالى أعلم وأحكم .
موسى الغنامي
--------------------------------------------------------------------------------
(2)
بحث عن :
رضـاع الـكـبـير
وبيان الخلاف وأسبابه في المسألة
جمع وتقديم الفقير إلى الله
عبد الملك بن حسن السني
مقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين ، إن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .. أما بعد :
انتشرت في الآونة الأخيرة بعد الفتاوى الشاذة من بعض طلبة العلم هداهم الله والمشكلة أن بعض المسائل الخلافية والأقوال الشاذة تحدث بلبلة بين عامة الناس فليس كل شيء يستطيع أن يفهمه عامة الناس لذلك أحببت أن أجمع لكم أقوال السلف حول ما انتشر من مسألة رضاع الكبير وقد اقتصرت على قول العلماء في المسألة فأقول وبلله التوفيق :
انقسمت الارآء في مسألة رضاع الكبير إلى ثلاث أقوال :
1- منهم من رأي أن الأمر كان خاص بسهلة فقط (أم سالم من الرضاعة) وهذا رأي سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا القول جمهور العلماء وهو الراجح .
2- منهم من رأي إن الأمر كان لمن كان له مثل حالها وبهذا القول يقول بعض العلماء .
3- منهم من رأي أن الأمر مطلق (إلى هذا ذهبت ام المؤمنين عائشة) وهو قول ضعيف.
أولاً : قصة سالم مولى أبي حذيفة :
وبيان القصة أن أبا حذيفة كان قد تبنى سالماً وزوجه وكان سالم مولى لامرأة من الأنصار فلما أنزل الله {ادعوهم لآبائهم} كان من له أب معروف نسب إلى أبيه ومن لا أب له معروف كان مولى وأخاً في الدين؛ فعند ذلك جاءت سهلة تذكر ما نصه الحديث في الكتاب ، وقد اختلف السلف في هذا الحكم فذهبت عائشة رضي الله عنها إلى ثبوت حكم التحريم وإن كان الراضع بالغاً عاقلاً.
فالذي حدث أن زوجة ابي حذيفة ربت إبنا من يوم أن كان صغيرا أو ربما رضيعا و عاش معها في الجاهلية سنين طويلة بصفته ابنها بالتبني فهو ينظر إليها على أنها أمه الحقيقية و هي تنظر إليه على أنه إبنها و لما جاء الاسلام و أبطل التبني كان أبو حذيفة و زوجته من المسلمين الصادقين الوقافين عند حكم الله فأبطلوا التبني فأصبح بذلك سالم ابنهم غريب فاستفتت الزوجة رسول الله فقال لها أرضعيه فاستغربت كيف ترضعه و هو رجل بل و عقبت وقالت انه له لحية والاستغراب منها هنا مرده إلى فائدة الرضاعة لرجل كبير فقال لها رسول الله قد علمت أن رجل كبير و العجب ان اباحذيفة كان يكره دخول سالم على إمرأته قبل الرضاعة واصبح بعدها في غاية الارتياح والاطمئنان ؟ فكيف يحدث هذا لو كان هنا ولو مقدار ضئيل من الريبة او الشك في هذه القضية فسالم ابنه وزوجته أمه و من يتصور أن علاقة سيئة يمكن أن تنشأ بين أم وابن إلا من كان شاذا مريضا .
ثانياً : مذهب جمهور الصحابة والسلف والعلماء :
مذهب جمهور الصحابة والعلماء أنه لا تحل رضاعة الكبير الآن و الدليل انها لا تحل بعد الحولين ما قاله : علي ابن ابي طالب وابن عباس وابن مسعود وجابر وابن عمر وابي هريرة وام سلمة وسعيد بن المسيب وعطاء والشافعي ومالك ( رغم انه اخرج الحديث في الموطأ ) احمد بن حنبل واسحاق وسفيان الثوري اما ابو حنيفة فخالف و رده تلامذته ( ابو يوسف و محمد ) و علي رأي ابو يوسف و محمد الذي هو التحريم يدور مذهب الاحناف .
قال أبو بكر: قد كان بين السلف اختلاف في رضاعة الكبير، فروي عن عائشة أنها كانت ترى رضاع الكبير موجبا للتحريم كرضاع الصغير، وكانت تروي في ذلك حديث سالم مولى أبي حذيفة {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة: أرضعيه خمس رضعات ثم يدخل عليك} وكانت عائشة إذا أرادت أن يدخل عليها رجل أمرت أختها أم كلثوم أن ترضعه خمس رضعات ثم يدخل عليها بعد ذلك; وأبى سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقلن: لعل هذه كانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. وقد روي {أن سهلة بنت سهيل قالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة} . فيحتمل أن يكون ذلك خاصا لسالم كما تأوله سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم كما خص أبا زياد بن دينار بالجذعة في الأضحية وأخبر أنها لا تجزي عن أحد بعده. فهذا يوجب أن يكون حكم الرضاع مقصورا على حال الصغر وهي الحال التي يسد اللبن فيها جوعته ويكتفي في غذائه به. وقد روي عن أبي موسى أنه كان يرى رضاع الكبير; وروي عنه ما يدل على رجوعه ، وهو ما روى أبو حصين عن أبي عطية قال: قدم رجل بامرأته من المدينة، فوضعت فتورم ثديها، فجعل يمجه ويصبه، فدخل في بطنه جرعة منه، فسأل أبا موسى فقال: (بانت منك) فأتى ابن مسعود فأخبره ففصل، فأقبل بالأعرابي إلى الأشعري فقال: (أرضيعا ترى هذا الأشمط إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم) فقال الأشعري: (لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم); وهذا يدل على أنه رجع عن قوله الأول إلى قول ابن مسعود; إذ لولا ذلك لم يقل (لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم) وكان باقيا على مخالفته وأن ما أفتى به حق. وقد روي عن علي وابن عباس وعبد الله وأم سلمة وجابر بن عبد الله وابن عمر (أن رضاع الكبير لا يحرم) ولا نعلم أحدا من الفقهاء قال برضاع الكبير إلا شيء يروى عن الليث بن سعد يرويه عنه أبو صالح (أن رضاع الكبير يحرم) وهو قول شاذ; لأنه قد روي عن عائشة ما يدل على أنه لا يحرم، وهو ما روى الحجاج عن الحكم عن أبي الشعثاء عن عائشة قالت: (يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم) وقد روى حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يتم بعد حلم ولا رضاع بعد فصال} . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة الذي قدمناه: {إنما الرضاعة من المجاعة} ، وفي حديث آخر: {ما أنبت اللحم وأنشز العظم} وهذا ينفي كون الرضاع في الكبير. وقد روي حديث عائشة الذي قدمناه في رضاع الكبير على وجه آخر، وهو ما روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: أن عائشة كانت تأمر بنت عبد الرحمن بن أبي بكر أن ترضع الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا. فإذا ثبت شذوذ قول من أوجب رضاع الكبير، فحصل الاتفاق على أن رضاع الكبير غير محرم وبالله التوفيق ، وقد ثبت عندنا وعند الشافعي نسخ رضاع الكبير (المصدر : أحكام القرآن للجصاص) .
عن أُمَّ سَلَمَةَ زوجَ النبيِّ كانتْ تقولُ : أَبَى سائرُ أَزْوَاجِ النبيِّ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أحداً بتلكَ الرَّضَاعَةِ، وقلنَ لعائشةَ: والله مَا نَرَى هَذَا إلاَّ رخصةً أَرْخَصَهَا رسولُ الله لسالمٍ خاصةً، فما هو بداخلٍ عَلَيْنَا أحدٌ بهَذِهِ الرَّضَاعَةِ ولا رَائِيْنَا. أخرجه مسلم في الصحيح هَكَذَا.
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله : وإذَا كانَ هَذَا لسالمٍ خاصةً، فالخاصُّ لا يكونُ إلاَّ مُخْرَجاً مِنْ حُكْمُ العامةِ، ولا يجوزُ إلاَّ أَنْ يكونَ رَضَاعُ الكبيرِ لا يُحَرِّمُ (المصدر : سنن البيهقي) .
وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الصغر وإنما اختلفوا في تحديد الصغر فالجمهور قالوا: مهما كان في الحولين فإن رضاعه يحرم ولا يحرم ما كان بعدهما مستدلين بقوله تعالى: {حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} (المصدر : سبل السلام)
قال ابن القيم : والأكثرون حملوا الحديث إما على الخصوص وإما على النسخ، واستدلوا على النسخ بأن قصة سالم كانت في أول الهجرة، لأنها هاجرت عقب نزول الاَية ، والاَية نزلت في أوائل الهجرة. وأما أحاديث الحكم بأن التحريم يختص بالصغر. فرواها من تأخر إسلامهم من الصحابة نحو أبي هريرة وابن عباس وغيرهم فتكون أولى(تهذيب سنن أبي داود)
وفي الموطأ أن أبا موسى أفتى بجواز رضاع الكبير، فرد ذلك عليه ابن مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني، ما دام هذا الحبر بين أظهركم (المصدر : التمهيد لإبن عبد البر) .
وَقَوْلُ أَبِي مُوسَى لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ حُكْمِ مَا مُصَّ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَتِهِ مِنْ اللَّبَنِ مَا أَرَاهَا إلا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْك لَعَلَّهُ مِمَّنْ رَأَى فِي ذَلِكَ أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ وَهُوَ مَذْهَبٌ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ , وَقَدْ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى خِلافِهِ مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ رُجُوعِ أَبِي مُوسَى عَنْهُ. وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه اُنْظُرْ مَا تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ عَلَى وَجْهِ الإِنْكَارِ عَلَيْهِ وَإِبْدَاءِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ {الرَّضَاعَةَ مِنْ الْمَجَاعَةِ} أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ لَيْسَ مُصِيبًا , وَلَوْ اعْتَقَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ مُخَالِفَهُ مُصِيبٌ لَمَا سَاغَ لَهُ الإِنْكَارُ عَلَيْهِ (المصدر : المنتقى شرح الموطأ)
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : سألت عبد الرحمن بن مهدي ، عن رضاع الكبير فقال : سمعت مالكا يحدث ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : « لا رضاعة إلا لصغير ، ولا رضاعة لكبير » (المصدر : معرفة علوم الحديث) .
وروي عن النبـي أنه قال: «الرَّضاعُ مَا أنبتَ اللحمُ وأنشرَ العظم» ، وذلك هو رضاع الصغير دون الكبير، لأن ارضاعه لا ينبت اللحم ولا ينشر العظم ، وروي عنه أنه قال: «الرَّضاع مَا فَـتَقَ الأمعاء» ، ورضاع الصغير هو الذي يفتق الإمعاء لا رضاع الكبير، لأن إمعاء الصغير تكون ضيقة لا يفتقها إلا اللبن لكونه من ألطف الأغذية كما وصفه الله تعالى في كتابه الكريم بقوله عز وجل: {لَبَناً خالِصاً سائغاً للشاربين} فأما أمعاء الكبير فمنفتقته لا تحتاج إلى الفتق باللبن وروي عنه أنه قال: «لا رِضَاعَ بعدَ فِصَالٍ» (بدائع الصنائع) .
قال الماوردي: وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الرضاع الكبير لا يحرم .
وَلاَ يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الرَّضَاعِ فِيْمَا يُرْتَضَعُ بَعْدَ الحَوْلَينِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةِ } فَجُعِلَ تَمَامُ الرَّضَاعِ فِي الحَوْلَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لاَ حُكْمَ لِلرَّضَاعِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لاَ رَضَاعَ إلاَّ مَا كَانَ فِي الحَوْلَيْنِ (المصدر : المهذب) .
وأما رضاع الكبير: فإنه لا يُحرِّم في مذهب الأئمة الأربعة ؛ بل لا يُحرِّم إلا رضاع الصغير، كالذي رضع في الحولين. وفيمن رضع قريباً من الحولين نزاع بين الأئمة؛ لكن مذهب الشافعي وأحمد أنه لا يُحرِّم. فأما الرجل الكبير والمرأة الكبيرة فلا يُحرِّم أحدهما على الآخر برضاع القرايب: مثل أن ترضع زوجته لأخيه من النسب: فهنا لا تحرم عليه زوجته؛ لما تقدم من أنه يجوز له أن يتزوج بالتي هي أخته من الرضاعة لأخيه من النسب؛ إذ ليس بينه وبينها صلة نسب ولا رضاع؛ وإنما حرمت على أخيه لأنها أمه من الرضاع، وليست أم نفسه من الرضاع. وأم المرتضع من الرضاع لا تكون أماً لأخوته من النسب؛ لأنها إنما أرضعت الرضيع ولم ترضع غيره (المصدر : مجموع فتاوي ابن تيمية) .
مسألة : إن قلت: ورد في صحيح مسلم أن النبي أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالماً مولى حذيفة زوجها بعد البلوغ حتى تكون أماً له فلا يحرم نظره إليها، وذلك لأن سهلة ذهبت إلى النبي وقالت له: «يا رسول الله إن سالماً مولى أبي حذيفة مضى في بيتنا وقد بلغ ما يبلغ الرجال وعلم ما يعلم الرجال، فقال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، فهذا صريح في أن رضاع الكبير يوجب التحريم ، والجواب : أن ذلك كان قبل تحديد مدة الرضاع بالحولين وقد ثبت عندنا وعند الشافعي نسخ رضاع الكبير .
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله : والخلاصة : بعد انتهاء التبني نقول لا يجوز إرضاع الكبير ، ولا يؤثر إرضاع الكبير بل لا بد إما أن يكون في الحولين وإما أن يكون قبل الفطام وهو الراجح اهـ ، أي أن الرضاعة المحركة لا تكون إلا مع الطفل الذي لم يتجاوز العامين فقط . وقال الشيخ ابن باز رحمه الله : حديث سالم مولى أبي حذيفة خاص بسالم كما هو قول الجمهور لصحة الأحاديث الدالة على أنه لا رضاع إلا في الحولين وهذا هو الذي نفتي به .
ثالثاً : من حالته مثل حالة سالم :
سؤال سهلة امرأة أبي حذيفة كان بعد نزول آية الحجاب، وهي مصرحة بعدم جواز إبداء الزينة لغير من في الآية، فلا يخص منها غير من استثناه الله تعالى إلاَّ بدليل كقضية سالم وما كان مماثلاً لها في تلك العلة التي هي الحاجة إلى رفع الحجاب، من غير أن يقيد ذلك بحاجة مخصوصة من الحاجات المقتضية لرفع الحجاب، ولا بشخص من الأشخاص، ولا بمقدار من عمر الرضيع معلوم. وقد ثبت في حديث سهلة أنها قالت للنبي صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم: إِنَّ سَالِماً ذُو لِحْيَةٍ فَقَالَ: أَرْضِعِيهِ». وينبغي أن يكون الرضاع خمس رضعات لما تقدم في الباب الأول (المصدر : نيل الأوطار)
وذهب شيخ الإسلام أنه يجوز إذا وجدت الحاجة كما حدث في قصة سهلة وسالم .
" أن من كانت حاله وحاجته مثل حاجة سالم جاز له الأمر " : إن حالة سالم مولى أبي حذيفة حالة نادرة ومرتبطة بلحظة تشريعية لن تتكرر . ومن سوى بين الحاجتين فقد أخطأ بدليل أن حاجة سالم غير ممكنة ولن تنطبق على أحد بعده ، فسالم حضر إباحة التبني وكان ابنا بالتبني لأبي حذيفة وحضر بطلان التبني !! وإلى هذا التوجيه السَّديد أشار شيخنا العلامة ابن عثيمين رحمه الله ، فقال في ( الشرح الممتع 13 / 436 ) : (( ليس مطلق الحاجة بل الحاجة الموازية لقصة سالم والحاجة الموازية لقصة سالم غير ممكنة لأن التبني أبطل فلما انتفت الحال انتفى الحكم )) اهـ . فمَنْ مِن الناس اليوم له مثل حكم سالم في التبني ؟ لا أحد .
هذا و قد رأى كثير من الصحابة و علماء الاسلام ان هذه الفتوى من رسول الله خاصة بسالم وحده الا ان هناك اخرين ايضا رؤوا انه لا يوجد ما يخصصها بسالم بل هي جائزة في كل من كانت حالته كحالة سالم و الامثلة كثيرة جدا فمثلا معروف في الغرب ان التبني جائز عندهم فلو ان اب و ام و ابن من التبني دخلوا كلهم في الاسلام فهل نحرم الام من العيش في بيت واحد مع ابنها لأنه غريب عنها أم نحل الاشكال بهذه الفتوى وهل اذا ارضعته يعد ذلك عيبا و اثما ؟
رابعاً : القول الشاذ في رضاع الكبير :
قال عروة: إن عائشة أم المؤمنين أخذت بهذا الحديث فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال. رواه مالك.
ويروى عن علي وعروة وهو قول الليث بن سعد وأبي محمد بن حزم ونسبه في البحر إلى عائشة وداود الظاهري وحجتهم حديث سهلة هذا وهو حديث صحيح لا شك في صحته ويدل له أيضاً قوله تعالى: {وأمهاتكم اللائي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} فإنه مطلق غير مقيد بوقت.
أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عطاء يسأل، قال له رجل: سقتني امرأة من لبنها بعد ما كنت رجلاً كبيراً، أأنكحها؟ قال: لا، قلت: وذلك رأيك ؟ قال: نعم، قال عطاء: كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها.
قال الزهري: فقال لها ـ فيما بلغنا والله أعلم ـ: «أرضعيه خمس رضعات فتحرم بلبنها»، وكانت تراه ابناً من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة فيمن كانت تريد أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أُم كلثوم ابنة أبي بكر وبنات أخيها، يرضعن لها من أحبّت أن يدخل عليها من الرجال، وأبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهنّ بتلك الرضاعة، قلن: والله ما نرى الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم به سهلة إلاّ رخصة في رضاعة سالم وحده (المصدر : مصنف عبد الرزاق) .
قال ابن القيم: وقد قال بقول عائشة في رضاع الكبير الليث بن سعد وعطاء وأهل الظاهر.
وروى ابن وهب عن اللـيث أنه قال: أنا أكره رضاع الكبـير، أن أحل منه شيئًا ، وروى عنه كاتبه أبو صالـح عبد اللـه بن صالـح ان امرأة جاءته فقالت: إنـي أريد الحج، وليس لي محرم، فقال: اذهبي إلى امرأة رجل ترضعك، فيكون زوجها أبا لك، فتحجين معه. وقال: بقول الليث قوم منهم ابن علية. وحجة من قال بذلك حديث عائشة في قصة سالم وسهلة وفتواها بذلك، وعملـها به (المصدر : التمهيد).
قال الماوردي: وقالت عائشة: رضاع الكبير يحرم كرضاع الصغير، وبه قال من الفقهاء، الأوزاعي (المصدر : الحاوي الكبير في الفقه الشافعي) .
خامساً : صفة رضاعة الكبير :
قال أبو عمر: صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه، فأما أن تلقمه المرأة ثديها فلا ينبغي عند أحد من العلماء. وقال عياض: ولعل سهلة حلبت لبنها فشربه من غير أن يمس ثديها ولا التقت بشرتاهما، إذ لا يجوز رؤية الثدي ولا مسه ببعض الأعضاء ، قال النووي: وهو حسن، ويحتمل أنه عفى عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر، وأيده بعضهم بأن ظاهر الحديث أنه رضع من ثديها لأنه تبسم وقال: قد علمت أنه رجل كبير ولم يأمرها بالحلب وهو موضع بيان، ومطلق الرضاع يقتضي مص الثدي فكأنه أباح لها ذلك لما تقرر في نفسهما أنه ابنها وهي أمّه فهو خاص بهما لهذا المعنى، وكأنهم رحمهم الله تعالى لم يقفوا في ذلك على شيء .
وقد روى ابن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري عن أبيه قال: كانت سهلة تـحلب فـي مسعط أإناء قدر رضعته فـيشربه سالـم فـي كل يوم حتـى مضت خمسة أيام فكان بعد ذلك يدخـل علـيها وهي حاسر رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلّم لسهلة (المصدر : شرح الزرقاني على موطأ مالك)
هذا والله أعلم ،، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
البحث على ملف وورد
--------------------------------------------------------------------------------
(3)
رضاع الكبير .. عبدالله زقيل
http://www.saaid.net/Doat/Zugail/248.htm
أثر رضاع الكبير في تحليل الخلوة و تحريم النكاح .. د . أحمد عبد الكريم نجيب
http://www.saaid.net/Doat/Najeeb/f95.htm
مسألة رضاع الكبير .. سليمان سعود الصقر
http://www.saaid.net/bahoth/61.htm
فتوى في رضاع الكبير ... عبدالرحمن السحيم
http://www.saaid.net/Doat/assuhaim/fatwa/253.htm
هل شرب الزوج من لبن زوجته يحرمها عليه .. خالد بن سعود البليهد
http://www.saaid.net/Doat/binbulihed/f/137.htm
رضاع الكبير ... رفاعي سرور جمعة
http://www.saaid.net/Doat/riffa3i/1.htm

Heba Khled
08-19-2011, 05:40 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif
بحث عن حكم الانتحار


"أن المنتحر من أهل التوحيد لا يخلد في النار إذا لم يستحل الانتحار"





جمعه وقدمه
كتبه : ابو عمر السني



مقدمة :
بسم الله والحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله .. أما بعد :
إن مما ينزف له القلب ألماً في السنين الأخيرة انتشار ما يسمى بالانتحار أو إزهاق الروح عمداً وبدأ ينتشر هذا الوباء بين أوساط المسلمين بعدما كان معروفاً عند غير المسلمين فقط وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف الإيمان في هذا الزمان وخصوصا بعدما أصبح كثير من شبابنا وفتياتنا أسرى ما بين الإعلام الضال من حفلات وسهرات وبرامج ساقطة واختلاط محرم بين الجنسين وتآلف للرزيلة بشتى أنواعها فهذا كله أدى إلى انتشار ضعف الإيمان وانتشرت الأمراض النفسية وكثرة السفر بدون مبرر وهذا كله لأن الناس ابتعدوا عن الطريق المستقيم وزين لهم الشيطان أهواءهم ولكن الله تعالى قد حكم المسألة وقال (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا .. ) وبعض من أصبحت حياتهم ضنك لم يجد حل إلا الانتحار وهو من الكبائر العظيمة ولكن سبب بحثي هذا أن كثير من النار وحتى طلبة العلم تعتقد أن المنتحر مخلد في النار ولا يخرج منها أبداً وهذا الحكم غير صحيح من الناس ولهذا كان ما كان من هذا البحث لإيضاح المسألة وإن كان نشر هذا البحث لا ينصح به بين أوساط ضعفاء الإيمان ولكن لعل في هذا البحث تعليم وتصحيح لأحد الإخطاء المنتشرة عندنا ، وبهذا أقول وبلله التوفيق :
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب ما يؤدِّي إلى هلاكها في الدنيا أو الآخرة ولا يقتل بعضكم بعضاً.
الحديث الأول : قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أتيٌّ لا يُدرى من أين هو يقال له قزمان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول ـ إذا ذكر له ـ إنه لمن أهل النار، فلما كان يوم أُحد قاتل قتالاً شديداً فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين وكان ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر، فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر، قال: بماذا أبشر فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهماً من كنانته فقطع رواهشه فنزفه الدم فمات، فأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: «أشهد أني رسول الله حقاً» وذلك لأنه مات منتحراً.
شرح الحديث الأول : قوله: «شهدنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلّم»، لم يعين المشهد، فزعم ابن إسحاق والواقدي وآخرون: أن هذا كان بأحد، واسم الرجل: قزمان، وهو معدود في جملة المنافقين، وكان تخلف عن أحد فعيرته النساء، فلما احفضنه خرج وقتل سبعة ثم جرح فقتل نفسه، ورد عليهم بأن قصة قزمان كانت بأحد، وقد سلف ذكرها فيما قبل. وأما حديث أبي هريرة هذا فكان بخيبر، كما ذكره البخاري، ولهذا ذكر في بعض النسخ: شهدنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلّم خيبر، فقال لرجل... إلى آخره، وهذا هو الصحيح، لأنهما قصتان. قوله: «فلما حضر القتال» قال الكرماني: بالرفع والنصب. قلت: وجه الرفع على أنه فاعل حضر، ووجه النصب على المفعولية على التوسع، وفي: حضر، ضمير يرجع إلى الرجل، وهو فاعله. قوله: «الذي قلت: إنه من أهل النار» ويروى الذي قلت له: إنه، أي: الذي قلت فيه، واللام بمعنى: في قوله: «فكأن بعض الناس أراد» ويروى: فكاد بعض الناس، من أفعال المقاربة. قوله: «أن يرتاب» كذا في الأصل بإثبات: أن، وإثباتها مع: كاد، قليل. قال الكرماني: ويرتاب أي: يشك في صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلّم أي: يرتد عن دينه. قوله: «فأخبر النبي صلى الله عليه وسلّم» على صيغة المجهول. قوله: «إلاَّ نفس مسلمة» يدل على أن الرجل قد ارتاب وشك حين أصابته الجراحة، وقيل: هذا رجل ظاهر الإسلام قتل نفسه، وظاهر النداء عليه يدل على أنه كان ليس مسلماً، والمسلم لا يخرجه قتل نفسه عن كونه مسلماً فلا يحكم بكفره، ويصلى عليه. وأجيب: عن ذلك بأنه صلى الله عليه وسلّم اطلع من أمره على سره: فعلم بكفره لأن الوحي عنده عتيد. (المصدر عمدة القاري)
الحديث الثاني : حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَ إِسْحقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . جَمِيعا عَنْ سُلَيْمَانَ . قَالَ: أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ . حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ! هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ قَالَ حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَبَى ذلِكَ النَّبِيُّ . لِلَّذِي ذَخَرَ الله لِلأَنْصَارِ. فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَدِينَةِ. هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ. فَاجْتَبووا الْمَدِينَةَ. فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ. فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ. فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ. وَرَآهُ مُغَطِّيا يَدَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِجرَتي إِلَى بنيه . فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيا يَدَيْكَ؟ قَالَ قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ».
شرح الحديث الثاني : أحكام الحديث ففيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل هو في حكم المشيئة، وقد تقدم بيان القاعدة وتقريرها، وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر في النار، وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، فإن هذا عوقب في يديه ففيه رد على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضر، والله أعلم. (المصدر شرح النووي على صحيح مسلم)
الحديث الثالث : حدّثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا حماد عن يزيد عن سلمة قال: «كان عامر رجلاً شاعراً فنزل يحدو قال: ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ، ولا تصدَّقنا ولا صلينا ، فاغفر فدى لك ما أتينا ، وثبت الأقدام إن لاقينا ، وألقين سكينة علينا ، إنا إذا صيح بنا أتينا ، وبالصياح عوّلوا علينا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «من هذا الحادي؟ قالوا: ابن الأكوع قال: «يرحمه الله» قال: فقال رجل: وجبت يا رسول الله لولا أمتعتنا به، قال: «فأصيب، ذهب يضرب رجلاً يهودياً من آل فأصاب ذباب السيف عين ركبته، فقال الناس: حبط عمله قتل نفسه، قال: فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعد أن قدم المدينة وهو في المسجد فقلت: يا رسول الله يزعمون أن عامراً حبط عمله؟ قال: ومن يقول؟» قال: قلت: رجال من الأنصار منهم فلان وفلان، قال: «كذب من قاله إن له لأجرين بإصبعيه، وإنه لجاهد مجاهد وقل عربي ما مشى بها يريدك عليه».
شرح الحديث الثالث : أورد البخاري في كتاب الأدب «وكان سيف عامر قصيراً فتناول به يهودياً ليضربه فرجع ذبابه فأصاب ركبته» ، وقد ذكر عن يزيد بن أبي عبيد شيخ مكي بلفظ فيه «فلما تصاف القوم أصيب عامر بقائمة سيفه فمات» والمعنى أن من قتل نفسه خطأ في المعركة فهو شهيد وينطبق عليه أحكام الشهداء والله أعلم .
الحديث الرابع : وعن أبي سلام عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَغَرْنَا عَلَى حَيِّ مِنْ جُهَيْنَةَ فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمينَ رَجُلاً مِنْهُمُ فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ وَأَصَابَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ فَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ» رواه أبو داود.
الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وفي إسناده سلام بن أبي سلام وهو مجهول. وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلام المذكور: إنما هو عن زيد بن سلام عن جده أبي سلام انتهى. وزيد ثقة.
شرح الحديث الرابع : قوله: «فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ» ظاهره أنه لم يغسله ولا أمر بغسله، فيكون من أدلة القائلين بأن الشهيد لا يغسل كما تقدم، وهو يدل على أن من قتل نفسه في المعركة خطأ ، حكمه حكم من قتله غيره في ترك الغسل، وأما من قتل نفسه عمداً فإنه لا يغسل عند العترة والأوزاعي لفسقه لا لكونه شهيداً. (المصدر نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار)
الحديث الخامس : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ في هَذَا الْمَسْجِدِ، وَمَا نَسَيْنَا مُنْذُ حَدَّثَنَا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ، بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينا، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ، حَتَّى ماتَ، قالَ اللَّهُ تَعالَى: بادَرَني عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».
شرح الحديث الخامس : قوله: (قال الله عز وجل: بادرني عبدي بنفسه) هو كناية عن استعجال المذكور الموت، وسيأتي البحث فيه. وقوله: «حرمت عليه الجنة» جار مجرى التعليل للعقوبة لأنه لما استعجل الموت بتعاطي سببه من إنفاذ مقاتله فجعل له فيه اختياراً عصى الله به فناسب أن يعاقبه. ودل ذلك على أنه حزها لإرادة الموت لا لقصد المداواة التي يغلب على الظن الانتفاع بها. وقد استشكل قوله: «بادرني بنفسه» وقوله: «حرمت عليه الجنة» لأن الأول يقتضي أن يكون من قتل فقد مات قبل أجله لما يوهمه سياق الحديث من أنه لو لم يقتل نفسه كان قد تأخر عن ذلك الوقت وعاش، لكنه بادر فتقدم، والثاني يقتضي تخليد الموحد في النار. والجواب عن الأول أن المبادرة من حيث التسبب في ذلك والقصد له والاختيار، وأطلق عليه المبادرة لوجود صورتها، وإنما استحق المعاقبة لأن الله لم يطلعه على انقضاء أجله فاختار هو قتل نفسه فاستحق المعاقبة لعصيانه . وقال القاضي أبو بكر: قضاء الله مطلق ومقيد بصفة، فالمطلق يمضي على الوجه بلا صارف، والمقيد على الوجهين، مثاله أن يقدر لواحد أن يعيش عشرين سنة إن قتل نفسه وثلاثين سنة إن لم يقتل وهذا بالنسبة إلى ما يعلم به المخلوق كملك الموت مثلاً، وأما بالنسبة إلى علم الله فإنه لا يقع إلا ما علمه. ونظير ذلك الواجب المخير فالواقع منه معلوم عند الله والعبد مخير في أي الخصال يفعل، والجواب عن الثاني من أوجه: أحدها: أنه كان استحل ذلك الفعل فصار كافراً. ثانيها: كان كافراً في الأصل وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره. ثالثها: أن المراد أن الجنة حرمت عليه في وقت ما كالوقت الذي يدخل فيه السابقون أو الوقت الذي يعذب فيه الموحدون في النار ثم يخرجون. (المصدر فتح الباري) .
الحديث السادس : حدّثنا عَوْنُ بْنُ سَلاَّمٍ الْكُوفِيُّ . أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ. فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. ، وفي رواية : «أَنَّ رَجُلاً قَتَل نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: أَمَّا أَنَا فَلاَ أُصَلِّي عَلَيْهِ».
شرح الحديث السادس : قال السيوطي: قوله: «أن رجلاً قتل نفسه بمشاقص» جمع مشقص بكسر الميم وفتح القاف وهو نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم أما أنا فلا أصلي عليه» قال النووي أخذ بظاهره من قال لا يصلي على قاتل نفسه لعصيانه وهو مذهب الأوزاعي وأجاب الجمهور بأنه صلى الله عليه وسلّم لم يصل عليه بنفسه زجراً للناس عن مثل فعله وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلّم في أول أمره الصلاة على من عليه دين زجراً لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائها وأمر الصحابة بالصلاة عليه فقال: «صلوا على صاحبكم». (المصدر شرح السيوطي على السنن الصغرى)
الحديث السابع : حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَ أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا فِيهَا أَبَدا. وَمَنْ شَرِبَ سَمّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا مُخَلَّدا فِيهَا أَبَدا. وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا مُخَلَّدا فِيهَا أَبَدا».
شرح الحديث السابع : (خالداً مخلداً فيها أبدا). قال الطيبي [رحمه الله]: والظاهر أن المراد من هؤلاء الذين فعلوا ذلك مستحلين له: وإن أريد منه العموم فالمراد من الخلود، والتأبيد المكث الطويل المشترك بين دوام الانقطاع، له، واستمرار مديد ينقطع بعد حين بعيد لاستعمالهما في المعنيين. فيقال وقف وقفاً مخلداً مؤبداً، وأدخل فلان حبس الأبد. والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فيجب جعلهما للقدر المشترك بينهما للتوفيق بينه، وبين ما ذكرنا من الدلائل، فإن قلت: فما تصنع بالحديث الذي يتلوه مروياً عن جندب عن النبي: «بادرني عبدي بنفسه» الحديث. قلت: هو حكاية حال لا عموم فيها، إذ يحتمل أن الرجل كان كافراً، أو ارتد من شدة الجراحة، أو قتل نفسه مستبيحاً مع أن قوله: «فحرمت عليه الجنة»، ليس فيه ما يدل ظناً على الدوام، والأقناط الكلي فضلاً عن القطع. (المصدر مرقاة المفاتيح)
بعض أقوال العلماء في الصلاة على المنتحر :
حدّثنا جرير عن مغيرة عن حماد بن إبرٰهيم قال: يصلّى على الذي قتل نفسه وعلى النفساء من الزنا وعلى الذي يموت مريضًا من الخمر.
حدّثنا مروان بن معٰوية عن ابن عون عن عمران قال: سألت إبرٰهيم النخعي عن إنسان قتل نفسه أيصلّى عليه قال : نعم إنما الصلاة سنّة.
(صلوا على كل ميت) مسلم غير شهيد ولو فاسقاً ومبتدعاً (وجاهدوا) الكفار (مع كل أمير) ولو جائراً فاسقاً وأخذ من هذا الخبر وما قبله وما بعده وجوب الصلاة على الميت لكنه على الكفاية لأن ما هو الفرض وهو قضاء حقه يحصل بالبعض وفيه أن قاتل نفسه كغيره في وجوب الصلاة عليه وأما خبر مسلم أن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم لم يصل على الذي قتل نفسه فأجاب عنه ابن حبان بأنه منسوخ والجمهور بأنه للزجر عن مثل فعله.
ذِكْرُ الصَّلاةِ عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ، وَوَلَدِ الزِّنَا، ذكر الصلاة على من قتل في حد، وولد الزنا، ومن قتل نفسه وغير ذلك قال أبو بكر: واختلفوا في الصلاة على من قتل في حد، فروينا، عن علي بن أبي طالب أنه قال لأولياء شراحة المرجومة: اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم، وقال جابر بن عبد الله: صل على من قال لا إله إلا الله
حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين ، أن امرأة ، من جهينة اعترفت عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا ، فأمر بها فرجمت ، ثم صلى عليها ، فقال عمر : يا رسول الله رجمتها ثم تصلي عليها؟ فقال: « لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة وسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها؟ واختلفوا في الصلاة على ولد الزنا فقال أكثر أهل العلم: يصلى عليه كذلك قال عطاء، والزهري، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وكان قتادة يقول: لا يصلى عليه ، واختلف فيه عن ابن عمر فقيل: إنه صلى عليه، وروي عنه أنه كان لا يصلي عليه واختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه فكان الحسن، والنخعي ، وقتادة يرون الصلاة عليه، وقال الأوزاعي: لا يصلى عليه، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لم يصل عليه» .
حدثنا نصر بن القاسم الفرائضي ، قال: نا إسحاق بن أبي إسرائيل ، قال: نا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد ، عن إبراهيم ،: أنه كان يقول: يعني « يصلي على من قتله الحدود وعلى من قتل نفسه وعلى من مات غرقا في البحر» .
حدثنا الحسين ، قال: نا أبو مسعود الأصبهاني ، قال: أنا يزيد بن هارون ، عن المسعودي ، عن القاسم ، أن رجلا، قتل نفسه فسئل ابن مسعود : أيصلى عليه؟ قال: « نعم لو عقل لم يقتل نفسه قال سفيان الثوري: ولا تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة، حسابهم على ربهم عز وجل ؛ لأن الصلاة سنة قال مالك بن أنس: ويصلى على قاتل نفسه. قال الشافعي رحمه الله: ولا تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة برا كان أو فاجرا. وقال أبو حنيفة: لا تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة، وقال الأوزاعي: لا تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة وإن عمل أي عمل، قال عبيد الله بن الحسن فيمن خنق نفسه يصلى عليه وقال أحمد بن حنبل: لا يصلي الإمام على قاتل نفسه، ولا على غال، ويصلي الناس عليه، وقال إسحاق: يصلي على كل واحد والله أعلم» . (المصدر ناسخ الحديث ومنسوخه)
فوائد ذات صلة :
وبشكل عام فإن كلمة : «لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» فيه دليل على أن بعض أهل التوحيد لا يدخلون الجنة وهم مَن أقدم على معصية، صرّح الشارع بأن فاعلها لا يدخل الجنة كهؤلاء الثلاثة، ومن قتل نفسه، ومن قتل معاهداً ، وغيرهم من العصاة الفاعلين لمعصية، ورد النص بأنها مانعة من دخول الجنة، فيكون حديث أبي موسى المذكور وما ورد في معناه مخصصاً لعموم الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار ودخولهم الجنة.
قال الكوفيون وغيرهم: لا فرق بين صلاة الإمام وصلاة غيره، إلا أنهم قالوا فيمن قتل نفسه: لا يصلي عليه الإمام وحده عقوبة له، لأنه مطالب بنفسه كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالذي مات بخيبر، فقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأصحابه: صلوا على صاحبكم، فنظروا في متاعه فوجدوا خرزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين قالوا: فترك الصلاة عليه لما كان به مطالب من الغلول، وأمر غيره بالصلاة عليه قالوا: فكذلك الذي يقتل نفسه، لأنه مطالب بها إلا يقدر أحد من أهل الدنيا على تخليصه منها وعلى هذا حمل أهل العلم حديث سماك ابن حرب، عن جابر بن سمرة ـ أن رجلاً قتل نفسه بمشقص فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلّم حملوه على أنه صلى عليه غيره ـ والله أعلم ـ وذهبوا إلى أن كل من كان من أهل القبلة لا تترك الصلاة عليه، وعلى هذا جماعة العلماء إلا أبا حنيفة وأصحابه، فإنهم خالفوا في البغاة ـ وحدهم ـ فقالوا لا نصلي عليهم، لأن علينا منابذتهم واجتنابهم في حياتهم، قالوا: وبعد الموت أحرى لوقوع اليأس من توبتهم ، قال أبو عمر: ليس هذا بشيء، والذي عليه جماعة العلماء وجمهور الفقهاء من الحجازيين والعراقيين: أنه يصلي على ما قال: لا إله إلا الله ـ مذنبين وغير مذنبين مصرين، وقاتلي أنفسهم وكل من قال لا إله إلا الله إلا أن مالكًا خالف في الصلاة على أهل البدع، فكرهها للأئمة، ولم يمنع منها العامة، وخالف أبو حنيفة في الصلاة على البغاة، وسائر العلماء غير مالك يصلون على أهل الأهواء والبدع والكبائر والخوارج، وغيرهم. (المصدر التمهيد) .

المراجع من المكتبة الإلكترونية
1- عمدة القاري 2- فتح الباري شرح صحيح البخاري
3- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار 4- ناسخ الحديث ومنسوخه (ابن شاهين)
5- شرح السيوطي على السنن الصغرى 6- شرح النووي على صحيح مسلم
7- مرقاة المفاتيح 8- التمهيد

هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. والحمد لله رب العالمين

Heba Khled
08-19-2011, 05:44 PM
http://www.mezan.net/forum/g6/6%20(17).gif

تحذير أهل الطاعة من الهذيان المثبِّط عن صلاة الجماعة





بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه.

وبعد، ففي أوائل عام 1430هـ كتبت رسالة طُبعت بعنوان: ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم أسباب قيام الدولة السعودية وبقائها))، ذكرت فيها اثني عشر دليلاً على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعظم شأنهما، وأنه لهذه الأهمية العظيمة قام الملك عبد العزيز رحمه الله مؤسس المملكة العربية السعودية قبل مائة عام بإنشاء هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ــ وذلك من أجلِّ أعماله وأعظم حسناته ــ تحقيقاً لقول الله عز وجل: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران : 104]، وأن ابن كثير رحمه الله قال في تفسير هذه الآية: ((يقول تعالى: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))، وقال: ((والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه))، ثم ذكر حديث درجات تغيير المنكر، وأيضاً لما في ذلك من حفظ الله لهذه البلاد من الشرور؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((احفظ الله يحفظك))، ولأن ذلك من أعظم أسباب حصول النصر من الله والتمكين في الأرض، كما قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد : 7]، وقال: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} [الحج : 40 - 41]
وأنه منذ إنشاء تلك الهيئات استمرت مؤسسة من مؤسسات الدولة في عهده رحمه الله وعهود أبنائه الذين وَلُوا الأمر من بعده، وهي من الميزات التي تميزت بها هذه البلاد على غيرها من البلاد الأخرى التي لا توجد فيها مثل هذه المؤسسة، وقد حصل بسببها خير عظيم ومنافع، واندفع بها شرور كثيرة، وأنه قد جاء في المادة (23) من النظام الأساسي للحكم الذي صدر أخيراً في عهد الملك فهد رحمه الله: ((تحمي الدولة عقيدة الإسلام وتطبق شريعته وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقوم بواجب الدعوة إلى الله)).

وأنه مع عظم شأن هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه البلاد وعموم نفعها واهتمام ولاة الأمر بها، فقد وجد من بعض الكتَّاب من ينال منها ويتصيد أخطاءها ويقلل من شأنها، وأن من متبعي الشهوات من يتمنى أن يكون للهيئات تنظيم يقص أجنحتها ويشل حركتها ويحدُّ من نشاطها لتكون اسماً بدون مسمى وجسداً بلا روح، يكون المعروف فيه ما أُجمع على أنه معروف، والمنكر ما أُجمع على أنه منكر، يتسنَّى فيه لمن يهوى الانفلات واتباع الشهوات أن يقول مثلاً: إن كشف وجه المرأة واختلاطها بالرجال جائز، وإن حضور صلاة الجماعة في المساجد ليس بلازم، وإن في إغلاق الحوانيت لأداء صلاة الجماعة شلاًّ للحركة الاقتصادية ـ وقد قيل ذلك من قبل في بعض الصحف ـ بدعوى أن في ذلك خلافاً، فينتقي متبعو الشهوات ما يناسب نفوسهم الأمارة بالسوء، والواجب عند الخلاف التعويل على ما يؤيده الدليل لا الأخذ بما تشتهي النفوس وتميل إليه،ثم نقلت عن عشرة من العلماء نقولاً في ذلك، منها قول سليمان التيمي: ((إذا أخذتَ برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله))، وقول ابن عبد البر تعليقاً عليه: ((هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً))، ثم ذكرت بعض الأدلة على وجوب الحجاب وتحريم الاختلاط، وكتبت في ذلك أيضاً رسالة بعنوان: ((وجوب تغطية المرأة وجهها وتحريم اختلاطها بغير محارمها)) طُبعت في عام 1430هـ، وكتبت كلمة نشرت في 24/2/1431هـ بعنوان: ((دعاة التغريب ومصطلحهم ((التعددية)) و((الأحادية)) لانتقاء ما يوافق أهواءهم))، وأما صلاة الجماعة فقد أوردت تسعة أدلة على وجوب أدائها في المساجد وعدم التخلف عنها، وهي:

(1): قول الله عز وجل: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ... } الآية. [النساء : 102]
ففي هذه الآية أوضح دليل على وجوب صلاة الجماعة؛ لأنها لم تسقط حتى في حال الخوف، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه آداب المشي إلى الصلاة: ((وهي واجبة على الأعيان حضراً وسفراً حتى في خوف؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ } الآية))، وقال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان (1/420): ((تنبيهان:
الأول: آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة؛ لأن الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم، إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف؛ لأنه عذر ظاهر.
الثاني: لا تختص صلاة الخوف بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل مشروعيتها باقية إلى يوم القيامة، والاستدلال على خصوصها به صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ } الآية استدلال ساقط، وقد أجمع الصحابة وجميع المسلمين على رد مثله في قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} الآية، واشتراط كونه صلى الله عليه وسلم فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير: بيِّن لهم بفعلك لكونه أوضح من القول كما قاله ابن العربي وغيره)).
ثم ذكر أن أربعة شذُّوا في ذلك وقالوا: إن صلاة الخوف لم تشرع بعده صلى الله عليه وسلم واحتجوا بمفهوم الشرط في قوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ } الآية، ثم قال: ((ورُدَّ عليهم بإجماع الصحابة عليها بعده صلى الله عليه وسلم، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (صلّوا كما رأيتموني أصلي)، وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم)).
وأحد هؤلاء الأربعة الذين شذوا في هذه المسألة إبراهيم بن إسماعيل بن علية، قال فيه الذهبي في الميزان (1/20): ((جهمي هالك، كان يناظر ويقول بخلق القرآن)).
ومن أمثلة فعل الصحابة رضي الله عنهم صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء في سنن أبي داود (1246) والنسائي (1530) ـ واللفظ له ـ بإسناد صحيح عن ثعلبة بن زهدم قال: ((كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فقام حذيفة فصف الناس خلفه صفين: صفاً خلفه، وصفاً موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا))، وهذه الصفة إحدى صفات صلاة الخوف الست التي جاءت في أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أوردتها في شرحي كتاب آداب المشي إلى الصلاة المطبوع ضمن مجموع كتبي ورسائلي (5/246).

(2): قول الله عز وجل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة : 43]، ففي قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } الأمر بإقام الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وفي قوله: { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} الأمر بأدائها جماعة، قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية من سورة البقرة: ((وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة))، وقال ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنّة (7/273): ((وقيل: المراد به الصلاة في الجماعة؛ لأن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الركوع)).

(3): قوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده! لقد هممت أن آمر بحطب ليُحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذَّن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)) رواه البخاري (644) ومسلم (1481) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد أورده البخاري في (باب وجوب صلاة الجماعة)، وأورد في الباب أثراً معلقاً عن الحسن قال: ((إن منَعَتْه أمُّه عن العشاء في الجماعة شفقة عليه لم يُطعْها))، قال الحافظ ابن حجر في شرحه (2/125): ((ولم ينبه أحد من الشراح على وصل أثر الحسن، وقد وجدته بمعناه وأتم منه وأصرح في كتاب الصيام للحسين بن الحسن المروزي بإسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم ـ يعني تطوعاً ـ فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر ولا قضاء عليه وله أجر الصوم وأجر البر، قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة، قال: ليس ذلك لها؛ هذه فريضة)).
والعَرْق في الحديث العظم عليه بقية اللحم، والمرماتان ما بين ظِلفي الشاة من اللحم، والمعنى: أن المنافقين الذين يتخلفون عن الجماعة يزهدون في الثواب العظيم في صلاة الجماعة، ويحرصون على متاع الدنيا ولو كان شيئاً يسيراً، فهم لا يشهدون الجماعة ولو علموا أن لحماً يسيراً في المسجد في وقت صلاة العشاء لشهدوها؛ لأن همهم الدنيا دون الآخرة.

(4): قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) رواه البخاري (657) ومسلم (1482) عن أبي هريرة رضي الله عنه، والمعنى: أن الصلوات في الجماعة ثقيلة على المنافقين، ولكن العشاء والفجر أثقلها؛ لأن العشاء تقع في أول الليل بعد التعب والكدح في النهار، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبلها والحديث بعدها، رواه البخاري (568) ومسلم (1463) عن أبي برزة رضي الله عنه، والنوم قبل صلاة العشاء سبب في فواتها، والحديث بعدها قد يمتد فيكون سبباً في فوات الفجر، ولأن صلاة الفجر تقع في الوقت الذي يطيب فيه الفراش ويُتلذّذ فيه بالنوم، ولهذا جاء في أذانها: الصلاة خير من النوم، والمعنى: أن ما تُدعون إليه ـ وهو الصلاة ـ خير من النوم الذي أنتم متلذّذون فيه.

(5): حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: ((صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فقال: شاهد فلان؟ فقالوا: لا، فقال: شاهد فلان؟ فقالوا: لا، فقال: شاهد فلان؟ فقالوا: لا، فقال: إن هاتين الصلاتين من أثقل الصلوات على المنافقين، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً)) الحديث، رواه أحمد (21265) والدارمي (1273) وأبو داود (554) بإسناد حسن.

(6): حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ أعمى فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم، قال: فأجب)) رواه مسلم (1486)، وروى أبو داود (552) بإسناد صحيح عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا رسول الله! إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة)).
ففي هذين الحديثين دلالة واضحة على وجوب صلاة الجماعة، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في التخلف عنها لرجل أعمى، فمن باب أولى من يكون صحيحاً معافى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)) رواه البخاري (6412) عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو أول حديث عنده في كتاب الرقاق.

(7): قوله صلى الله عليه وسلم: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر)) رواه ابن ماجه (793) عن ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك (1/245) وقال: ((صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي.
والحديث يدل على تأكد وجوب صلاة الجماعة على الأعيان.

(8): حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((مَن سرَّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سُنَّة نبيكم، ولو تركتم سُنَّة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادَى بين الرجلين حتى يقام في الصف)) رواه مسلم (1488).
والحديث يدل على أن المحافظة على الصلوات الخمس في المساجد من أسباب لُقيِّ الله مسلماً والخروج من الدنيا على نهاية حسنة كما قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران : 102] ، ويدل على أن في التخلف عن صلاة الجماعة في المساجد وأدائها في البيوت تركاً لسنّة النبي صلى الله عليه سلم وأن ذلك من الضلال، ويدل على بيان عظم الأجر والثواب للمصلين في المساجد، ويدل على أن من علامات النفاق عند الصحابة رضي الله عنهم التخلف عن صلاة الجماعة، ويدل على أن الصحابة رضي الله عنهم يحافظون على الصلوات في المساجد ولو كانوا في شدة المرض لما يعلمونه من عظيم الأجر والثواب في صلاة الجماعة مع أنهم معذورون لو تخلفوا عنها، وهذا بخلاف المنافقين الذين قال النبي صلى الله عليه سلم عن تخلفهم عن صلاتي العشاء والفجر: ((ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً)).

(9): قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ((كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا به الظن)) رواه الحاكم في المستدرك (1/211) وقال: ((صحيح على شرطهما)) ووافقه الذهبي.
ومعنى قوله: ((أسأنا به الظن)) أي: اتهمناه بالنفاق، كما بيَّن ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله المتقدّم: ((ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق))، وقوله: ((ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنّة نبيكم، ولو تركتم سنّة نبيكم لضللتم)).

فهذه جملة من الأدلة على وجوب صلاة الجماعة، وأما قوله صلى الله عليه سلم: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) رواه البخاري (645) ومسلم (1477) عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقوله صلى الله عليه سلم: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً)) رواه البخاري (648) ومسلم (1472) عن أبي هريرة رضي الله عنه، فإنه يدل على أن من صلّى وحده صحّت صلاته وفاته أجر عظيم وسلم من أن يكون تاركاً للصلاة، ولكنه يكون آثماً لعدم أدائها جماعة؛ لدلالة النصوص المتقدّمة على ذلك.
ولا يسوغ لأحد من متبعي الشهوات التهوين من شأن صلاة الجماعة بدعوى أن في المسألة خلافاً؛ لأن الأدلة المذكورة واضحة الدلالة على وجوبها على الأعيان؛ وذلك للزومها على جميع أفراد الجيش حال الخوف، وهمِّ الرسول صلى الله عليه سلم بتحريق البيوت على أهلها المتخلفين عن الجماعة في الوقت الذي تؤدَّى فيه الجماعة في المسجد ولو أدَّوها جماعة في البيوت، ووصف المتخلفين عن صلاة الجماعة بالنفاق والضلال، وعدم ترخيص النبي صلى الله عليه سلم للرجل الأعمى بالصلاة في بيته، وكون سامع النداء إذا لم يُجب لا صلاة له إلا من عذر، وكون علامة النفاق عند الصحابة رضي الله عنهم التخلف عن صلاة الجماعة.

ودلَّ قول الله: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ َ} [العنكبوت : 45]، على أن المحافظة عليها لاسيما في الجماعة سبب للسلامة من الوقوع في الفحشاء والمنكر، وقد جاء في القرآن الكريم التلازم بين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات، قال الله عز وجل: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم : 59]، فلا يجوز لمسلم يرجو ثواب الله ويخشى عقابه أن يتهاون في الصلاة وأدائها جماعة أو يهوِّن من أمر صلاة الجماعة، كما فعل ذلك بعض الكُتَّاب في بعض الصحف.
وهاتان المسألتان اللتان مثلت بهما لانتقاء هواة الانفلات ما يوافق أهواءهم، وهما تهوين شأن السفور واختلاط النساء بالرجال، وتهوين شأن صلاة الجماعة كانت الكتابة عن هذا التهوين من التغريبيين ومن كان على شاكلتهم من الصحفيين، ثم حصل في أواخر العام الماضي (1430هـ) إقدام اثنين من المتكلفين ممن ينتسب إلى العلم الشرعي على الكتابة في الصحف في مسألة السفور والاختلاط رددت على الأول منهما بكلمة بعنوان: ((لماذا النشاط المحموم في تأييد اختلاط الجنسين في بلاد الحرمين؟!)) نشرت في 18/11/1430هـ، وعلى الثاني بكلمة بعنوان: ((أسوأ هذيان ظهر حتى الآن في فتنة اختلاط الجنسين في بلاد الحرمين)) نشرت في 10/1/1431هـ، وجاء بعدهما ثالث كتب في الموضوع في أول هذا العام رددت عليه بكلمة نشرت في 20/1/1431هـ بعنوان: ((وأخيراً وصلوا في استنطاقهم لتأييد اختلاط الجنسين إلى مؤسسة دينية ثالثة!)).

وفي يوم الأحد 4/5/1431هـ اتفقت صحيفتا المدينة وعكاظ على نشر مقتطعات من هذيان جديد لصاحب الهذيان الأسوأ وهو أحمد قاسم الغامدي، الذي وضع في موقع ليس له بأهل وهو مسئولية هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة، يهوِّن في هذا الهذيان من أمر صلاة الجماعة وإغلاق المتاجر في وقت أدائها، وذكرت الصحيفتان أنه عنون لهذا الهذيان بـ((قوافل الطاعة في حكم صلاة الجماعة))، وأشير إلى بعض ما جاء في هذا الهذيان الجديد إلى ما يلي:

(1): إن مجيء هذا الهذيان الجديد في التثبيط عن صلاة الجماعة بعد أسوأ هذيان حصل في تأييد اختلاط الجنسين في بلاد الحرمين هو من العقوبة على السيئة بسيئة أخرى لأن السيئة تجر إلى السيئة والزيغ يجر إلى الزيغ، ومن العقوبة على السيئة أن يبتلى المسيء بسيئة أخرى، ومن العقوبة على الزيغ أن يبتلى الزائغ عن الحق بإزاغة القلب كما قال الله عز وجل: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [الصف : 5]، وقال: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور : 63]، قال ابن كثير في تفسيره: ((أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطناً أو ظاهراً{ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ }، أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة،{ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، أي في الدنيا: بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك))، وفي مقابل ذلك فإن من الثواب على الحسنة أن يوفق المحسن إلى حسنة أخرى، فإن الحسنة تجرُّ إلى حسنة.

(2): تسمية هذا الهذيان باسم ((قوافل الطاعة في حكم صلاة الجماعة)) لا يطابق المسمى؛ لأن من شأن القوافل أنها تسير، وسيرها يناسب الذهاب إلى المساجد لأداء صلاة الجماعة، فيقال فيه قوافل الطاعة لأداء صلاة الجماعة، وأما بقاء الرجال في البيوت والحوانيت وقت أداء صلاة الجماعة فالذي يطابقه بقاء الدواب في حظائرها رابضة وباركة، فتكون التسمية المناسبة للتثبيط عن صلاة الجماعة ((البوارك والروابض عن الطاعة)) لا ((قوافل الطاعة)).

(3): جاء في صحيفة عكاظ: ((لا يصح الإنكار على من ينادي بعدم إغلاق المحال التجارية أوقات الصلاة))!! ولا أدري كيف لم يتصور هذا الكاتب فظاعة وقبح منظر حوانيت مفتوحة أمام أبواب المساجد في وقت أداء صلاة الجماعة؟! وما ذلك إلا من إيثار تجارة الدنيا على تجارة الآخرة، وقد قال الله عز وجل: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21)} وقال: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } ، وقد أورد البخاري في صحيحه في ((باب في الأمل وطوله)) من كتاب الرقاق أثراً عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ((ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل))، مع أن أداء الصلاة جماعة في المساجد لا يستغرق إلا وقتاً يسيراً، وقد جاء أن طلب الرزق يكون بعد أداء صلاة الجمعة والجماعة؛ كما في قول الله عز وجل: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } [الجمعة : 10] ، وكما في دعاء الخروج من المسجد وفيه: ((اللهم افتح لي أبواب فضلك))، وأيضاً فإن في البقاء في الحوانيت وقت صلاة الجماعة إيثاراً للبقاء في الأبغض إلى الله على الأحب إلى الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) رواه مسلم (1528)، وأيضاً فقد مدح الله الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله في المساجد وذم الذين تلهيهم الدنيا عن ذكر الله فقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)} [النور : 36 - 37] ، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون : 9]،

(4): وجاء فيها أيضاً: ((حكم صلاة الجماعة بالنظر إلى إقامتها فرض من فروض الإمام)) و((المعتبر هو إقامة صلاة الجماعة في الناس لا إقامة الناس فيها))!!
ومعنى هذا أن على المؤذن أن يؤذن وعلى الإمام أن يصلي بمن حضر ولو لم يكن معه إلا المؤذن، وأما غيرهما فمن شاء حضر ومن لم يشأ لم يحضر، وإذا كان للرجال أن يتخلفوا عن المساجد فما فائدة ((حي على الصلاة، حي الفلاح))؟! ومعنى هذا النداء هلموا وأقبلوا وليس أن يبقوا في بيوتهم وحوانيتهم.

(5): وجاء فيها: ((أدلة القائلين بوجوب الصلاة مع الجماعة لا ترتقي إلى القول بالوجوب))!
أقول: تقدم ذكر أدلة تسعة في ذلك وهي واضحة الدلالة على الوجوب، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت العلامة التي يعرف بها الصحابة رضي الله عنهم أهل النفاق التخلف عن صلاة الجماعة كما هو واضح من الأثرين المتقدمين عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم، وفي تعبير ابن مسعود بقوله: ((ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق)) وتعبير ابن عمر بقوله: ((كنَّا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا به الظن)) بضمير الجماعة ما يفيد إجماع الصحابة رضي الله عنهم على وجوب صلاة الجماعة.

(6): وجاء فيها أيضاً: ((إقامة الناس في صلاة الجماعة بعد إقامتها سنة مؤكدة))!
أقول: من قال بالسنية المؤكدة لصلاة الجماعة من العلماء يحافظون على صلاة الجماعة كما يحافظون على الوتر وركعتي الفجر وهما من السنن المؤكدة، ولا يهوِّنون من شأن صلاة الجماعة ولا يثبطون عنها، قال ابن القيم في كتاب الصلاة (ص 71): ((وقالت الحنفية والمالكية: هي سنة مؤكدة، ولكنهم يؤثِّمون تارك السنن المؤكدة ويصححون الصلاة بدونها، والخلاف بينهم وبين من قال: إنها واجبة لفظي، وكذلك صرح بعضهم بالوجوب))، وقال أيضاً (ص 89): ((ومن تأمل السنة حق التأمل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان)).

(7): وجاء فيها: ((وإذا فشا قول بعض أهل العلم في مسائل الاجتهاد وأطبق العموم عليه أدى إلى خفاء الحق)).
أقول: الحق هو ما أطبق عليه الناس في بلاد الحرمين من وجوب الصلاة جماعة في المساجد، فقد عشنا وعاش آباؤنا وأجدادنا في ولاية الملك عبد العزيز رحمه الله وولاية أبنائه من بعده على أداء صلاة الجماعة في المساجد وإغلاق الحوانيت وقت أدائها، وليس الحق في التخيير بين أداء الصلاة جماعة وعدم أدائها، ثم ما دام أن الناس في هذه البلاد سائرون على هذا المنهج الصحيح فلماذا الخروج على ذلك بنشر ما يثبِّط عن هذا الخير ويصرف الناس عن هذا العمل الصالح؟! وليس ببعيد أن يكون هذا الهذيان في التثبيط عن صلاة الجماعة، وكذا في تأييد اختلاط الجنسين في بلاد الحرمين داخلاً في جملة ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا أباؤكم، فإياكم وإياهم)) رواه مسلم في أول مقدمة صحيحه، ومن حسن حظ المرء أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر لا أن يكون مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير، ولو كان الحق فيما أظهره الكاتب لكان الأولى إخفاؤه ليبقى الناس على ما كانوا عليه من الخير وهو المحافظة على صلاة الجماعة، وما هذا التثبيط عن صلاة الجماعة في بلاد محافظة عليها إلا من الإفساد فيها بعد إصلاحها، كما قال الله عز وجل: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف : 56] ، في آيتين من سورة الأعراف، قال ابن كثير في تفسير الآية الأولى: ((ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد، فنهى الله عن ذلك))، والواجب الإعانة على ما يقوي الإيمان لا على ما فيه إضعافه والتثبيط عن الخير، ومن حالفه التوفيق لن يغتر بهذا الهذيان، ومن ضعف إيمانه ومرض قلبه لا يزيده هذا الهذيان إلا ضعفاً ومرضاً، ومن الآثار السيئة للتثبيط عن صلاة الجماعة أن يسمع بعض الناس الأذان لصلاة الفجر فيبقى في فراشه لأنه لا يريد الذهاب إلى المسجد، وقد يستمر في نومه حتى تطلع الشمس فيؤدي الصلاة في البيت بعد خروج وقتها، فيكون للمثبِّط مثل آثام من ثبَّطه لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) رواه مسلم (6804)، ومن القصص الجميلة في المحافظة على صلاة الجماعة أن شيخاً فاضلاً له تسع بنات وابن واحد، سمعته يقول في درسه: ((أحب أن يكون وحيدي محافظاً على صلاة الجماعة، ولو كان تحصيل رزقه بمشقة كبيرة، كالذين يصعدون باللبن على ظهورهم إلى الأدوار العالية في العمارات الشاهقة، وإذا سمع الأذان ترك العمل، وبادر بالذهاب إلى المسجد))، وكان اللبن يصعدن به إلى العمارات هكذا قبل أن تأتي الآلات الرافعة، وقصة أخرى أخبرت بها عن شخص من العوام أعرفه توفي قبل ربع قرن رحمه الله كان منزله بين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء، وكان محافظاً على الصلاة في المسجد، وفي يوم من الأيام غلبه النوم فلم يقم لصلاة الفجر إلا بعد انتهاء صلاة الجماعة فحزن حزناً شديداً وتألم ألماً عظيماً، فرأى أن يعوض عن ذلك بأن ذهب على رجليه إلى المسجد النبوي، وبقي فيه من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، وفي الكتاب الذي ترجم فيه الشيخ عبد الملك ابن محمد بن قاسم لأبيه رحمه الله قوله (ص 261): ((ولا أذكر يوماً فاتته صلاة الجماعة إلا مرة واحدة، كان نائماً القيلولة فأُذن لصلاة العصر وحسب أهل البيت أنه خرج للمسجد كالعادة، فما علموا إلا وهو يقوم من نومه بعد انتهاء الصلاة معاتباً من حوله على عدم إيقاظهم له، وعلاه من الحزن وسواد الوجه ما الله به عليم، كل ذلك حرصاً منه رحمه الله على صلاة الجماعة، والعجيب أنه لما توفي قريب له وكان تقياً ورعاً يحبه الوالد كثيراً ما رأينا ذلك السواد في وجهه كيوم فاتته صلاة الجماعة، فهل يعي المتهاون بصلاة الجماعة ولربما كان جاراً للمسجد ذلك؟! وهذه القصة تذكرنا بما جرى لحاتم الأصم عندما قال: فاتتني الصلاة في الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف، لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا!))

(8): وجاء فيها: ((وزيادة إن أثقل الصلاة على المنافقين ...)) وإن كان الشيخان أخرجاها في صحيحيهما إلا أن في النفس منها شيئاً))! و((حديث الأعمى وابن أم مكتوم رُويا عن عدة طرق لم يثبت منها شيء بإسناد صحيح ولا حسن))!
أقول: من أنت حتى يكون في نفسك شيء من حديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؟! وواجب المسلم إذا صح الحديث أن يستسلم وينقاد له ولا يكون في نفسه منه شيء، كما قال الله عز وجل: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء : 65]، وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب : 36]
وأما ما ذكره عن حديث الأعمى وابن أم مكتوم فقد ذكر النووي في شرحه لصحيح مسلم أن الأعمى في حديث مسلم هو ابن أم مكتوم كما جاء مفسَّراً عند أبي داود وغيره، وقد مر قريباً إيراد الحديث من صحيح مسلم وسنن أبي داود، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه وكثر احتجاج أهل العلم به على وجوب صلاة الجماعة فكيف يقول الكاتب عنه إنه لم يثبت بإسناد صحيح ولا حسن مع أنه في صحيح مسلم؟! ولو لم يخرجه في صحيحه وخرَّجه غيره وفي الإسناد عبيد الله بن الأصم الذي يُقبل حديثه إذا توبع فإنه يؤيده حديث ابن أم مكتوم في سنن أبي داود المتقدم ورجاله ثقات إلا عاصم بن بهدلة وأقل أحوال حديثه الحُسن فيكون مع الحديث الآخر صحيحاً لغيره، وقد ذكرني ما قاله هذا الكاتب هنا بكلام سمعته من شيخ فاضل من كبار العلماء شفاه الله قال: ((إن ولداً صغيراً عمره خمس عشرة سنه قال عن حديث صحيح: هذا الحديث لم يصح عندي))!! مع أن هذا الكاتب لم يعرفه المشتغلون بالعلم إلا بعد نشر هذيانه في تأييد اختلاط الجنسين وفي التثبيط عن صلاة الجماعة واحتفاء الصحف به وبهذيانه، وهذا الكاتب إن لم يدركه من الله هداية وتوفيق أو يتداركه ولاة الأمر بردع ومنع لقول عثمان رضي الله عنه: ((إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)) يُخشى أن يسطو على أحاديث الصحيحين فيخبط فيها كعادته خبط عشواء ويضعِّف بجهل وقلة حياء ما أمكنه تضعيفه منها، وكذا يُخشى أن يجرؤ على واجبات أخرى وطاعات فيهون من شأنها ويثبط عنها.

وقد كان العلماء يعظمون أحاديث الصحيحين ويهابون الكلام فيها، ومن ذلك قول الذهبي في الميزان في ترجمة خالد بن مخلد القطواني وقد جاء في إسناد حديث: ((من عادى لي ولياً)) في صحيح البخاري قال: ((لولا هيبة الجامع الصحيح لعَدُّوه في منكرات خالد بن مخلد، وما أشار إليه من وجود نكارة في الحديث غير مسلم وفيه نظر، وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري (ص 284): ((وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه))، وقال الشوكاني في شرح هذا الحديث في كتاب ((قطر الولي في شرح حديث الولي)) المطبوع ضمن كتاب ((ولاية الله والطريق إليها)) للدكتور إبراهيم هلال (ص218): ((ولا حاجة لنا في الكلام على رجال إسناده، فقد أجمع أهل هذا الشأن أن أحاديث الصحيحين أو أحدهما كلها من المعلوم صدقه، المتلقى بالقبول، المجمع على ثبوته، وعند هذه الإجماعات تندفع كل شبهة، ويزول كل شك،وقد دفع أكابر الأمة من تعرض للكلام على شيء فيهما، وردوه أبلغ رد، وبينوا صحته أكمل بيان، فالكلام على إسناده بعد هذا لا يأتي بفائدة يعتد بها، فكل رواته قد جاوزوا القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال، وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام، أو يتناولهم طعن طاعن، أو توهين موهِّن)).

وقد اقتصرت فيما كتبته على ما جاء عن الكاتب في صحيفة عكاظ، ولم أتعرض لما جاء عنه في صحيفة المدينة من تخبط في الكلام على بعض الأحاديث طلباً للاختصار واكتفاءً بما أوردته عنه في الكلمة السابقة من نماذج من تخبطه في التصحيح والتضعيف لبعض الأحاديث.

وفي الختام أشير إلى أمرين:
الأول: أن هذا الكاتب في إشهاره التثبيط عن صلاة الجماعة في بلاد محافظة عليها وكذا إظهاره فيما كتبه من قبل من تأييد اختلاط الجنسين في الدراسة والعمل وغير ذلك وأن لكلٍّ من الجنسين النظر إلى الآخر ومصافحته وأن الأجنبية تفلي رأس الأجنبي وتقص شعره وتحلقه وغير ذلك مما نقلته عنه في كلمة: ((أسوأ هذيان ظهر حتى الآن في فتنة اختلاط الجنسين في بلاد الحرمين))، كل ذلك يدل بوضوح على أن مثله لا يجوز أن يكون مسئولاً في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل ولا عضواً فيها؛ لأنه في واد وأعمال هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في واد آخر، وبقاء مثله في هذا العمل بعد ظهور أمره وانكشاف حاله من علامات الساعة، فقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: متى الساعة؟ فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((فإذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وًسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) رواه البخاري (59).

الثاني: أن من واجبات ولاة أمور المسلمين المنع من إظهار كل شيء يعود عليهم ضرره في دينهم وأخلاقهم، لاسيما الكلام في الشرع بغير علم والخوض في الفتوى ممن ليس أهلاً لها، قال ابن القيم في إعلام الموقعين (4/217): ((من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقرّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضاً، قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعيّن على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنّة ولم يتفقه في الدين؟! وكان شيخنا رضي الله عنه ـ يعني شيخ الإسلام ابن تيمية ـ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعلت محتسباً على الفتوى؟! فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟!))، وقال أيضاً (4/207): ((رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي مَن لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم، قال: ولَبعضُ مَن يفتي ههنا أحق بالسجن من السرَّاق، قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا وإقدام مَن لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها ومَدَّ باع التكلف إليها وتسلقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة؟! وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنَّة وآثار السلف نصيب!))، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الفتوى الحموية: ((وقد قال الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي؛ هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان)).

وأسأل الله عز وجل أن يحفظ هذه البلاد حكومة وشعباً من كل شر وأن يوفقها لكل خير وأن يقيها شر أعدائها قتلة الأنفس وقتلة الأخلاق، وأن يهدي من ضل إلى الصواب، إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Heba Khled
08-19-2011, 05:47 PM
http://www.mezan.net/forum/g6/6%20(17).gif


إغلاق المتاجر للصلاة هدي النبي وأمراء الإسلام


عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الحمدلله أحمده عوداً وبدءاً، وأصلى الله على المبعوث نبياً وعبداً، أما بعد ..
فإن للإسلام معالم، ولأحكامه أنساب لا تنكر بترك أهله لها عملاً، وبُعدهم عنه سلوكاً، ومن وُلد في خريف من الدهر فليس له أن ينكر فصوله، وكثير من أحوال البلدان تتناسى لأثر البيئة والظروف التي تلم بالشعوب، وشعائر الدين كذلك، وحقائق الشرائع ونوازل التاريخ، لا تملك النفوس صرفها فيما شاءت، لأنها في نفسها حقيقة خالدة لا تمسح ولا تموت بموتها في أذهان الناس، وقد رأيت كثيراً من يتنكر لبعض معالم الإسلام وشرائعه، لأنه لم يدرك الحقائق على ما هي عليه، ولو نظر من جهل شيئاً من ذلك في نصوص الشرع وتاريخ القرون، لبان له الحق، ولو سأل من يعلم عما استحال عليه فهمه، لعلم أن المستحيل على الأعمى هو أيسر الممكنات على المبصر، وأكثر بلاء فهم الإنسان من قبل جهله.

وقد قرأت مراراً من يتحدث عن "إغلاق المتاجر" لأجل الصلاة، والأمر بذلك في الأسواق والطرقات، ويتحدث عن عدم وجوده في الإسلام تارة، وتارة أخرى عن عدم توافقه مع مصلحة الناس، وكثير من الأقلام أتعسّر الرد عليها بالتوّقف، لجنوح الكاتب جنوحاً لا يستقر على ساق الفهم والإدراك، أو كونه كاتباً أجيراً لغيره يقول ما لا يعتقد، ويفعل ما يؤمر به، والصبر على تكرار ما تسطره تلك الأقلام متعذّر، كي لا ينطلي على العامة وسواد الناس، والتغافل عنه سوء اختيار بل سوء توفيق، حيث يطرح الكاتب ما يطرح وهو يرى تقاعس كثير من الناس عن ذات الصلاة فضلاً عن جماعتها .

وأما الحديث عن صلاة الجماعة، وإفراد مؤلفات ببحثها للعامة تزهيداً في الحضور إليها، بحجة وجود أقوال تجعلها من فروض الكفايات، ولم يُفرِّق بين وجود الأقوال في مباحث المطولات وإفراد المسائل في الصحافة بصورة الدعوة إلى الترك، فهذا المذهب من علامات شقاء الكاتب في دنياه، وآيات الخُسران في دينه، ولن يُقدِم على نهجه إلا من قد سمح بعرضه، واستهان بشنيع تبعت قوله، ويكفي في بيان حاله ما رواه مسلم في "الصحيح": عن ابن مسعود قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه و سلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف .

فإذا كان التارك في نفسه صلاة الجماعة منافقاً معلوم النفاق، فكيف بالمُزَهِّد فيها لدى العامة، وقد أمر الله بصلاة الجماعة حال التحام الصفين للقتال، فكيف حال التحام الصفين للبيع والشراء، أمروا بأدائها والسلاح باليدين، فكيف وما باليدين دنانير ودراهم: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم آمراً بها في حال الخوف: يقوم الأمير وطائفة من الناس معه فيسجدون سجدة واحدة، ثم تكون طائفة منهم بينهم وبين العدو. جاء من حديث ابن عمر رواه ابن جرير وغيره.
والحديث عن صلاة الجماعة يطول وأدلة فضلها ووجوبها معلومة، فهذا أمر مشى عليه المصطفون الأخيار المرضيون عند ربهم حتى قبل هذه الأمة كما حكى الله عن نبيه إسماعيل الرسول النبي المرضي مادحاً له أنه كان يأمر أهله -قومه- بالصلاة، وإنما الحديث هنا عن إغلاق المحلات التجارية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والقرون المفضلة والحديث فيه من ثلاث جهات :

الجهة الأولى:أمر أهل الأسواق بالصلوات، والمرور على متاجرهم وتنبيه النائمين وتذكير الناسي :
فهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهدي خلفائه وصحابته من بعده، وقد قال في حقهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) رواه الترمذي وغيره، وقال: (أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهبوا أتى أمتي ما توعد) رواه مسلم، والكلام على هذا ما يلي:

ففي زمن النبي صلى الله عليه وسلم: أولاً:
لم تكن الأسواق تفتح في المدينة بعد الأذان تعظيماً لهذه الشعيرة، فقد روى ابن مردويه في "تفسيره" عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله): كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما بأيديهم وقاموا إلى المساجد فصلوا.
ورواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه، ورواية علي عن ابن عباس من أصح نسخ التفاسير، قال أحمد بن حنبل: صحيفة بمصر في التفسير لو سافر إليها الرجل ما كان كثيراً يرويها علي عن ابن عباس .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار عن سالم عن ابن عمر: أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ثم دخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله).
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن ابن مسعود: أنه رأى ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا أمتعتهم وقاموا إلى الصلاة فقال : هؤلاء الذين قال الله: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) .
وكان هديه عليه الصلاة والسلام تنبيه الناس في الطريق وإقامتهم إلى الصلاة، وأن لا يكلهم إلى إيمانهم وصلاحهم، ولا إلى سماعهم النداء كما جاء عن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه و سلم لصلاة الصبح فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة أو حركه برجله. رواه أبو داود وسكت عليه محتجاً به، وقد قال في رسالته لأهل مكة: كل ما سكت عنه فهو صالح.
يعني للاحتجاج .
وروي هذا في أحاديث كثيرة بمعناه فقد روى أحمد في "مسنده" عن عبد الله بن طهفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا خرج يوقظ الناس الصلاة، الصلاة، الصلاة.
وقد كانت الأسواق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تفتح مع صلاة الفجر، فبين بعض الصحابة خطورة التخلف عن صلاة الجماعة، والمبادرة إلى الأسواق قبلها، فقد روى ابن أبي عاصم في الوحدان ومن طريقه أبو نعيم بسند صحيح عن ميثم رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال: يغدو الملك برايته مع أول من يغدو إلى المسجد فلا يزال بها معه حتى يرجع فيدخل باب منزله وإن الشيطان ليغدو برايته مع أول من يغدو إلى السوق.
قال ابن حجر: وهذا موقوف صحيح السند .
وكان عمل الصحابة رضي الله عنهم عدم البيع وقت الصلاة، بل الانصراف من السوق وتركه إلى المساجد فروى أحمد بسند جيد عن زيد بن خالد الجهني قال: كنا نصلى مع النبي صلى الله عليه و سلم المغرب وننصرف إلى السوق .
يعني أنهم قطعوا الضرب في الأسواق عصراً بدخول وقت المغرب ثم انصرفوا إلى سوقهم مرة أخرى .
وكان الأمر بذلك والطواف على الناس وتنبيههم في أول الأمر في المدينة وفي آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وفي أسفاره أيضاً، كما في حجة الوداع، كما رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة عن مسلم ِ بن يَسار عن أَبيه، قَالَ: خرجت مع مولاي فضالة بن هلال في حجة الوداع فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الصلاة الصلاة.
وقد جاء في أول الأمر ما رواه ابن خزيمة في " صحيحه" والطبراني عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: كانت الصلاة إذا حضرت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سعى رجل إلى الطريق، فنادى : الصلاة الصلاة .

ثانياً : كان هذا العمل في زمن الخلفاء الراشدين :
ينبهون على الصلوات في الأسواق والطرقات ويأمرونهم بذلك :
فقد اشتهر هذا في فعل الخلفاء عمر وعلي يقومون به بأنفسهم لا ينيبون عليه أحداً، قال أبو زيد المجاجي في شرحه على "مختصر ابن أبي جمرة": ذكر غير واحد ممن ألف في السير أن عمر بن الخطاب وعلياً كانا من عادتهما إذا طلع الفجر خرجا يوقظان الناس لصلاة الصبح.

أما عن عمر بن الخطاب :
فقد رواه كثير من أهل المسانيد والسير كالطبري وابن عساكر والخطيب بأسانيد أكثر من أن تُساق في موضع، ومتون أشهر من أن يَتطرق إليها احتمال الشك بضعف منها عن ثابت البناني عن أبي رافع: كان عمر إذا خرج يوقظ الناس للصلاة صلاة الفجر .
وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى الزهري خرج عمر يوقظ الناس الصلاة الصلاة وكان يفعل ذلك.
وإذا كان هذا حال النائم في زمنه، فكيف باليقظان يبيع ويشتري ويفترش الطرقات، وهل يُظن أن عمر يقيم النائم فيقول: قم صل، ويدع البائع اليقظان فلا يأمره، هذا محال، إلا في نظر بعيد الخطو في الجهل .
بل قد كان الأعرابي يقدم المدينة ومعه الجلب ليبيعه في سوق المدينة وقت الصلاة ولا يجد الناس في السوق، فيلزم الصلاة معهم ويَخرج بعدها إلى السوق، كما رواه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" عن أصبغ بن نُباتة قال: خرجت أنا و أبي من ذِرْوَد (وهي جبل من أطراف البادية) حتى ننتهي إلى المدينة في غلس والناس في الصلاة فانصرف الناس من صلاتهم فخرج الناس على أسواقهم ودفع إلينا رجل معه دِرة له فقال: يا أعرابي أتبيع ؟ فلم أزل أساوم به حتى أرضاه على ثمن وإذا هو عمر بن الخطاب فجعل يطوف في السوق يأمرهم بتقوى الله عز و جل يقبل فيها ويدبر .
وكان عمر لا يأذن لأحد يتخلف عن الصلاة من باعة السوق ولا غيره، بل يتفقد الأفراد في صلاة الفجر فكيف بغيرها، ويتبعهم في البيوت والدور، فكيف بالأسواق والدكاكين روى مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة: أن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح وأن عمر بن الخطاب غدا إلى السوق ومسكن سليمان بين السوق والمسجد النبوي فمر على الشفاء أم سليمان فقال لها: لم أر سليمان في الصبح فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في الجماعة أحب إلى من أن أقوم ليلة.
وهو خبر صحيح، وأحاديث أبي بكر عن أهل بيت أبيه كأبيه .
بل يستحب في حق الوالي أن يمنح الأعمى والعاجز ما يوصله إلى المسجد جماعة من قائد ومركب، ما تيسر على المسلمين المال ولم يشُق على المصلي، فقد روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة قال: جاء عمر رضي الله عنه سعيد بن يربوع إلى منزله فعزاه في ذهاب بصره وقال: لا تدع الجمعة ولا الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ليس لي قائد، فقال الفاروق: فنحن نبعث إليك بقائد . فبعث إليه بغلام من السبي .

وأما عن علي بن أبي طالب :
فقد رواه من طرق كثيرة في كتب السنة والتواريخ جماعة كابن حبان والطبري وابن شبة وابن عساكر والخطيب والبلاذري في الأنساب وبأسانيد متعددة صحيحة بمجموعها منها عن ابن الحنفية عن الحسن بن علي: أن علياً إذا خرج من باب بيته للصلاة نادى أيها الناس الصلاة الصلاة كذلك كان يصنع في كل يوم يخرج ومعه دِرته يوقظ الناس .
الدرة لم تُذكر هنا إلا لمناسبة تعزير المتخلف عن أمره بها .
وروى ابن ابي الدنيا في "مقتل علي" عن حصين عن هلال بن يساف قال: كان علي ابن أبي طالب يخرج إلى صلاة الفجر فيقول: الصلاة الصلاة .
وروى الشافعي وابن أبي شيبة عن أبي ظبيان قال :كان علي يخرج إلينا ونحن ننتظر تباشير الصبح فيقول: الصلاة الصلاة .
وكان هذا الأمر الذي يعمله علي حينما كان في العراق، كما رواه ابن جرير الطبري أن ابن الحنفية قال: والله إني لأصلي الليلة التي ضرب علي فيها في المسجد الأعظم إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس، الصلاة، الصلاة.

ثالثاً : كان هذا العمل ماضياً في زمن بني أمية في نصف القرن الأول والقرن الثاني:
يحكيه سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب وقد توفي في خلافة هشام على المدينة عام (106هـ) كما وراه ابن جرير الطبري في "تفسيره" عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله أنه نظر إلى قوم من السوق، قاموا وتركوا بياعاتهم إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه (لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) .

رابعاً : وكان هذا العمل مستفيضاً لدى فقهاء التابعين وأجلتهم، لا تُقام الأسواق والصلاة حاضرة في الحواضر، وإذا قدم أهل البوادي أخذوا حُكم الحواضر، كما رواه أحمد في "مسنده" والبيهقي في "الشعب" واللفظ له وغيرهما عن المغيرة بن عبد الله اليشكري عن أبيه قال: قدمت الكوفة أنا و صاحب لي لأجلب منها نعالاً فغدونا إلى السوق ولما تقم فقلت لصاحبي: لو دخلنا المسجد.
وكما ثبت هذا عن غير واحد منهم، كأيوب بن أبي تميمة السختياني كما رواه البيهقي في الشعب عن ضمرة عن ابن شوذب قال : كان أيوب يؤم أهل مسجده –يعني في البصرة- و يقول هو للناس: الصلاة الصلاة.
يعني يطوف عليهم مذكراً لهم .
وروي عن الحسن: والله لقد كانوا يتبايعون في الأسواق فإذا حضر حق من حقوق الله بدأوا بحق الله حتى يقضوه ثم عادوا إلى تجارتهم.
وروى ابن سعد عن عمران بن عبد الله عن سعيد بن المسيب قال: كان سعيد يكثر الاختلاف إلى السوق وما فاتته صلاة الجماعة منذ أربعين سنة ولا نظر في أقفائهم.

خامساً: على هذا أجلة الأئمة من أتباع التابعين :
ففي "الحلية" لأبي نعيم عن سفيان الثوري: كانوا يتبايعون ولا يدعون الصلوات المكتوبات في الجماعة.
وكان المفسرون من التابعين على تباين بلدانهم، يحملون قول الله تعالى: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) . على ترك البيع والشراء والانصراف للصلوات .
في مكة عطاء بن أبي رباح
وفي البصرة رفيع بن مهران أبو العالية وأيوب والحسن وقتادة ومطر الوراق والربيع بن أنس.
وفي الكوفة السدي والثوري وغيرهما .
وفي خراسان مقاتل بن حيان والضحاك بن مخلد .
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدوا، ولا تكونوا كالذين قال الله عنهم : (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً).

سادساً : مضى هذا عملاً وهدياً متبعاً في ممالك المسلمين وحواضر الإسلام، على اختلاف الآفاق، وتباين القرون.
قال أبو طالب المكي (ت:386) في "قوت القلوب" (2/437) ذاكراً حال الأسواق السالفين: إذا سمعوا الأذان ابتدروا المساجد، وكانت الأسواق تخلوا من التجار، وكان في أوقات الصلاة معايش للصبيان وأهل الذمة، وكانوا يستأجرونهم التجار بالقراريط والدوانيق يحفظون الحوانيت إلى أوان انصرافهم من المساجد .
وقال أبو حامد الغزالي (ت: 505) في "الإحياء" (2/85): كانوا يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات.
وقال ابن تيمية (ت:728) في "الفتاوى" (23/411): إذا تعمد الرجل أن يقعد هناك ويترك الدخول إلى المسجد كالذين يقعدون في الحوانيت فهؤلاء مخطئون مخالفون للسنة .
وأكثر المؤرخين لا ينصون عليه لاشتهاره، وإنما يذكرونه على سبيل مناقب الأفراد المخصوصين ببعض الولايات، وبلغ عمل الحكام به أقاصي بلاد الإسلام حتى بلاد المغرب الأقصى كالسلطان أبي عنان المريني حاكم المغرب الاوسط كله، في القرن الثامن كما ذكره أبو زيد الفاسي في "تاريخه" "تاريخ بيوتات فاس" لدى كلامه على بيت بني زَنْبَق ذكر أن السلطان ينيب أبا المكارم منديل بن زنبق ليحرض الناس في الأسواق على الصلاة في أوقاتها ويضرب عليها بالسياط والمقاريع بأمر أمير المؤمنين أبي عنان .
وبقي معمولاً به في جزيرة العرب في الدولة السعودية منذ نشأتها، كما ذكره أحمد معنينو السلوي، في كتابه "الرحلة الحجازية" عام 1348 هـ، حيث ذكر أن الملك عبد العزيز أعاد الناس إلى الطريق القويم: فعندما ينادي حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، يظهر بالأسواق رجال بيدهم عصي يتجولون بالأسواق منادين: الصلاة الصلاة، ويترك أصحاب الدكاكين أمتعتهم وأموالهم والأماكن مفتوحة، ولا أحد يستطيع أن يمد يده إلى الأمتعة والمال.
والأمر بذلك إلى اليوم يؤمر به ويعمل، وأكثر الناس يدعون متاجرهم رغبة لا رهبة .

سابعاً : لما كان الخلفاء الراشدون يأمرون أهل الأسواق بالصلاة جمعة وجماعة، ويؤدبون على التخلف، أخذ بالتأديب والتعزير غير واحد من الخلفاء، فقد ذكر سحنون في "نوازله" أن عمر بن عبدالعزيز يأمر إذا فرغ من صلاة الجمعة من يخرج، فمن وجد لم يحضر الجمعة، ربطه بعمد المسجد .
وكان مالك يخالف قول عمر بن عبدالعزيز بالربط في المسجد، وإنما ينبغي أن يؤدب على ذلك بالسجن أو الضرب، كما نبه عليه ابن رشد في "البيان والتحصيل" (17/185).

الجهة الثانية : ما زال البشر على اختلاف أديانهم وبلدانهم يَسُنون لأنفسهم قوانين في البيع والشراء في اليوم والليلة، لمصالح الناس في النوم، حتى لا تضطرب الحياة، من غير نكير، فإذا كان هذا أمراً يُعاقب عليه ولي الأمر لمصلحة النوم ونحوه، والشرع أوقظ النائم لأجل الصلاة وهو يغط في نومه، عُلم أن الأمر بإغلاق المتاجر لمصلحة الصلاة آكد، في حق ولي الأمر، وحق التاجر.

الجهة الثالثة: أن كثيراً ممن يُسَوِّغ فتح المتاجر وقت الصلاة، يورد مصالحَ متوهمة، كحاجة الناس المالية والصحية، والصلوات لا تأخذ إلا دقائق معدودة في كل وقت، وما سمع الناس على مر العصور أن تاجراً خسر وأفلس لإغلاق متجره لأداء صلاته، والناس يُغلقون المتاجر لأجل مصالح الإنسان كالنوم والطعام ونحوهما ليلاً ونهاراً في اليوم الواحد وقتاً طويلاً يجتمع فيه وقت صلوات أسبوع تام وزيادة، وما تحدثوا عن مواضع الربح والخسارة في طلب صحة الأبدان واتباع النظام، فكيف بسلامة الدين.
ولم ير الناس فرداً مات جوعاً على أعتاب المطاعم والمتاجر يطلب الشراب والطعام، والناس منصرفون عن متاجرهم في صلاتهم .
وهذا أمر لا يُحتاج إلى ذكره، ولكننا في كثير من الأحيان نطلب الإقرار بما تراه العيون، وقد كان طلب الإقرار بما يظهر للعيان ضعة، إذ أننا في زمن أقوى الناس فيه حجة أرفعهم صوتاً.

Heba Khled
08-19-2011, 05:51 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

{ تنبيهُ الأنامِ لما في الأذانِ من أخطاءَ وأوهامْ }




( الأَذَانُ )

الأذانُ والإقامةُ من شعائرِ الإسلامِ التعبديَّة الظاهرةِ، المعلومةِ من الدينِ بالضَّرورةِ بالنصِّ وإجماعِ المسلمينَ، ولهذا فالأذانُ من العلاماتِ الفارقةِ بَينَ بلادِ الإسلامِ وبلادِ الكُفرِ، وتوارَثَ الأجيالُ على مدِّ العصورِ من قديمٍ على فعلِه, كما حُكي الاتِّفاقُ على أنه لو اتفق أهلُ بلدٍ على ترْكهما لقُوتلوا. قال الشيخ الحنبلي مراد شكري في نونيتِهِ :

إن الأذان كما الإقامةِ لازمٌ *** أهل القرَى للخمس والبلدانِ

كما قد شُرع الأذانُ في السنةِ الأولَى مِن الهجرةِ, لذا أحببت وضع تنبيهات مهمَّة مقتبسةٍ من كلام العلماء المتقدمين والمعاصرين لما رأيت من العجب الكبير الذي يفعله المؤذنون, ثم ذكرتُ بعض الأحاديث الواردة في فضله, وإن لم أوافِ حق الأذان من أدلة ومسائل وأقاويل للفقهاء –رحمهم الله- وتعريفاتهم, لكن أردت بهذا العمل (مذكرةً) لتذكير إخواني المؤذنين بتأذينهم الذي قد يوصل إلى البطلان .

( شُروطُ الأذانِ والمؤذِّن)

1- أن يكون عالماً بدخولِ الوقتِ, فلا يصح الأذانُ قبلَه أو بعدَه, لأنَّ الأذانَ بمعنى الإعلام , أيْ : إعلامُ الناسِ أنَّ الوقتَ قد دخلَ . ولا بأسَ بالعمل (بالتقويمات) لأنها مبنيّةٌ على العلمِ والنظرِ, فتكون بمنـزلةِ المخبر, ما لم يثْبتْ تقديمُها الأذانَ كما في بعض الدولِ. قال الشيخ الألباني –رحمه الله- بعد بيانه تفريط الناس في وقت أذانهم وربطهم بمواقيت ملزمة قد تكون خاطئة, وسببه "الجهل" : لعل من كان يملك أذانه من المؤذنين، ومن كان من الحكام الغيورين على أحكام الدين يهتمون بالمؤذنين وتوجيههم أحكام دينهم وأذانهم، ويمكنونهم من أداء الأمانة التي أنيطت بهم، وهم يعلمون قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". الصحيحية (15/16) .
2- وجودُ النـيَّة, فلا يصح من الصبيِّ غير المميّز, والمجنونِ والسكرانِ .
3- أن يكونَ ذكراً, لأنه ليسَ على المرأةِ أن تُؤذن على الصَّحيح, لأنَّ ذلك لم يُعهد إسنادُه إليها ولا تَولّيها إياهُ زمنَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ولا في زمنِ الخلفَاءِ الراشدينَ -رضي الله عنهم-, وهو ليس من أعمَالها, وأذانهُا لا يُجزئُ عند الجمهور .
4- أن يكون عدلاً أميناً, فقد ثبت "المؤذن مؤتمنٌ", ويكره أذان الفاسق غير المجاهر بفسقه عند شيخ الإسلام. كما أنّ الأولى أن يكون هناك مؤذنٌ راتبٌ مسئولٌ . قال الشيخ الحنبلي مراد شكري جامعاً شروط ما ذكرنا :

مِن مسلم ذكرٍ وعدلٍ عاقلٍ *** ومميّزٍ بل ناطقٍ بلسـانِ

5- عدم التطويل في الأذان والتمطيط والتلحين فلا نعلم له أصلاً، بل السنة أن يؤذن الأذان الشرعي بحيث يكون معتدلاً . قال الشيخ صالح الفوزان:ويستحبُ أن يتمهَّلّ بألفاظ الأذان من غيـر تمطيط ولا مد مفرط.اهـ ولا يستدل جوازه بقوله "أندى صوتا" .
6- الترتيب في الأذان، لأن المقصود منه يختل بعدم الترتيب وهو الإعلام , فإنه إذا لم يكن مرتبا لم يعلم أنه أذان ولأنه شرع في الأصل مرتبا, وعّلمه النبي - صلى الله عليه وسلم- أبا محذورة مرتباً, والترتيب أن يبدأ بالتكبير، ثم التَّشهُّد، ثم الحيعلة، ثم التَّكبير، ثم التَّوحيد، فلو نَكَّسَ لم يجزئ, ووجب الإعادة .
7- الموالاة, حيث إن كلَّ واحد منهما عبادة، فاشترطت الموالاة بين أجزائها كالوُضُوء، فلو كبَّر أربع تكبيرات ثم انصرف وتوضَّأ ثم أتى فأتمَّ الأذان، فإن هذا الأذان لا يصحُّ، بل يجب أن يَبْتَدِئَهُ من جديد . إلا إذا قَصُر الفصل كعارض فإنه لا يلزم الإعادة .
8- وجوده من الشخص بذاته, فلا يصح من مسجّلٍ أو مذياع أو رجال يتناوبونه, وهو ما يعرف "بالموحد" لما فيه من المخالفات الشرعية الكثيرة, ومن البدع المحدثة, منها: أنه قد يُبدأ به وقد صار في نصفِ إذانهِ. ومنها: قد يصحبُه في آخره أو أثنائه أو حينَ ابتدائه بعضاً من الأصوات المحرمة. لذا كانت العبادات توقيفية, فلا يردّ خلفه إنما هو صدى تأذين أمّا الأذان المسجل الذي يذكر بوقت الصلاة لا بأس به. أما إن كان أذاناً شرعياً يُعرف به دخول الوقت، ويؤذن به لجميع الناس، ويكون بديلاً للمؤذن فلا يصح، وليس هو الأذان المطلوب شرعاً. وهذا قرار علمائنا المعاصرين والمجمع الفقهي الإسلامي .
قال الشيخ مراد شكري الحنبلي جامعا ما ذكرنا:

ومرتّباً متوالياً في وقتـه *** من واحدٍ والصوتُ ذو رفعانِ

9- عدم الزيادة أو النقص أو تغيير المعنى المبطل أو المؤثم, وذلك مثل : "حي على خير العمل" و " أشهد أنّ عليا وليّ الله" و بعد الأذان "أقبلوا هداكم الله" وغيرها.
كذلك قول المؤذن "التصبيح" : أصبح ولله الحمد . و"التحضير" : حضرت الصلاة رحمكم الله . و"التأهيب" قبل صلاة الجمعة : الوضوء للصلاة . و"الترقية" بعد الأذان الثاني من يوم الجمعة : إن الله وملائكته... وحديث : إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت . و"الترضي" بعد أذان الفجر : رضي الله عليك يا شافعي أو حسين ....ونظمُ بعد الأذان : أمّة خير الأنام . وقل ما شئت من البدع المحدثة (والله المستعان) .

( تَنبِيهَاتٌ ومُستَحَباتٌ قبلَ الأذانِ )

1- أن يكون المؤذن صيّتاً, وذا صوت جميل قال النبي عليه السلام عن أذان بلال "هو أندى صوتاً" وذلك أنَّه أبلغُ في الإعلامِ .
2- يفضّل للمؤذن أن يختار مكانا مناسبا يسمع فيه الناس الأذان ذلك إن لم يكن ثمة ميكرفونات بل في الفيافي والصحاري والقفار أو لافتقار وجود مكبرات صوت, كذا مع وجودها فقد ثبت في الحديث "يغفر للمؤذن مدى صوته" .
3- قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" ( 1/ 248 ):" الْمُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْجَنَابَةِ جَمِيعًا " ويدخل المسجد ولو كان جنباً على القول الراجح .
4- لا يجوز عقد إجارة للتأذين، بأن يستأجرَ شخصاً يؤذِّن أو يُقيم؛ لأنهما قُربة من القُرَب وعبادةٌ من العبادات، والعبادات لا يجوز أخذ الأجرة عليها. أما الجعَالة؛ بأن يقول: من أذَّن في هذا المسجد فله كذا وكذا دُونَ عقدٍ وإلزام فهذه جائزة؛ لأنَّه لا إلزام فيها، فهي كالمكافأة لمن أذَّن، ولا بأس بالمكافأة لمن أذَّن، وكذا الإقامة, لكن إن لم يوجد متطوعونَ فيحلَّ وضع مؤذّن بنفقةِ بيت المال.
5- السنة أن يؤذن المؤذنُ قائماً، كما كان يفعل مؤذنو رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكما سار عليه المسلمون إلى يومنا هذا، وانعقد عليه إجماع الكافة، فإن أذن قاعدا أو مضجعا لغير عذر، صح أذانه مع الكراهة .
6- يتأخر بعضهم عن الأذان إذا كان يوم صومٍ بشغله بأكل وشرب , والناس تنتظر أذانه , فلا يحق له الأكل والشرب كثيراً بحيث يتأخر, أما إن كان يسيراً كشربة ماء, أو كان في الحيّ وحده فيؤخر الأذان , فلا حرج في ذلك .
7- قراءة القرآن في مكبرات الصوت قبُيل الأذان بزمن من البدع المحدثة في هذا الزمان, وهو تشويشٌ وإزعاجٌ . كذلك الأذان على الميت في القبر بدعة محدثة , والأولى : الدعاء له .
8- التعوّذ والبسملة قبل الأذان, فلم تنقل كتب الحديث والآثار أيّ أصل يمكن أن يُعتمد عليه في الحكم بمشروعيته، سواء بالنسبة للمؤذن أو لمن يسمعه، ويتعذر القياس في التعبدات لعدم إدراك العلة الجامعة بين الأصل والفرع، وعليه فلا يشرع ذلك .
9- يستحبُّ أن يكون الأذان في المسجد, والمؤذن هو من يقيم, وحديث "من أذن فليقم" ضعيف الإسناد, ويقيم في موضع أذانـه, ويرفع بصره ووجهه إلى ناحية السماء .
10- قال ابن قدامة في "المغني": وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَذَانِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ شَخْصَيْنِ، كَالصَّلَاةِ " انتهى منه بلفظه .

( تنبيهاتٌ ومستحباتٌ في الأذان )

(أ) يفضّل للمؤذن أن يكون سليمَ النطق فلا يكون عنده لُكنة أو لَثغة في لسانه أو تغنٍ أو تلحين, والسليم أولى من غيره, والمؤذنون كثير منهم لا يحسن الأذان باللفظ الصحيح فأخطاءهم على مراتب:

1- قولهم: آآللهَ أكبرَ, بمد "آلله" فبمدِّ ألف لفظ الجلالة إشعارٌ بالاستفهام. كذلك نصب" أكبرَ " فهذا لحنٌ . وإعرابه/ اللهُ : مبتدأ مرفوع. وأكبرُ: خبر مرفوع. فلا يصح بحال نصبه . وأمَّا ما رويَ " التكبير جزمٌ " فيظنّها بعضهم حديثا للنبي عليه السلام, وهذا لا أصل له البتة, بل هي مقولة عند أهل اللغة عن إبراهيم بن يزيد النخعي, وهو تابعي صغير -يروي عن بعض أصحاب ابن مسعود- وليس معناه : اجزم في تكبيرك بقول " اللهْ أكبرْ " لأنه مخالفٌ للّغةِ! . والصحيح في معناه : التكبير جزم أي اخطفْ فلا يمد بـ اآلله .
2- قال الإمام النووي رحمه الله : " قال أصحابنا يستحب للمؤذن أن يقول :كل تكبيرتين بنفس واحد , فيقول في أول الأذان " الله اكبر الله اكبر" بنفس واحد , ثم يقول: " الله اكبر الله اكبر" بنفس اخر .ثم قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" : " وهذا إنما يتأتى في أول الأذان, لا في التكبير الذي في آخره". كما في الصحيح عند مسلم .
3- مدّ الألف من اسم "الله" ومن "الصلاة" و"الفلاح" زائداً على ما تكلمت به العرب فهذا لحن وتطريب .
4- قولهم: أكبار بالتمديد , ومعناه : الطبل. أو إكبار فهو في بعض اللغات معنى للحيض , ومنه قول الشاعر : ........ ولا *** يأتي النساء إذا أكبرن اكباراً . فهذا لا يحل وإن لم يقصد فعله ويجب التنبّه لمثلِهِ .
5- إشباع حركة الضم في قوله ( اللهُ أكبر) فتجده يقول: (الله وكبر) والصحيح أن يظهر النطق بالهمز في قوله ( الله أكبر الله أكبر) ولكن لا يبطل به الأذان.
6- قولهم ( أشهد أنْ لا إله إلى الله ) فيقف عند "أن" والصواب أن تقول " أنْ لا إله إلا الله " بسكون النون مدغمة، ف (أنْ) هنا مخففة من الثقيلة، وإذا خففت وهي ساكنة ووليتها اللام فإنها تدغم في اللام فيقال أشهد ألا إله إلا الله . كذلك تشديدها "أنَّ " من الأخطاء في الأذان .
7- نطق الشهادة بصيغة الأمر"اشهدووا" والمشروع مضارعةُ الفعلِ بـ " أشهدُ " .
8- نطقُ ألفِ التنوينِ من " محمدا رسول الله " وهو صحيحٌ خطا لا لفظا إذ النطق الصحيح : إدغام بـ "محمد رَّسول الله" .
9- قولُهم (أشهد أن محمدٌ رسولَ الله) فيقلب الإعراب وهذا خطأ لُغوي, والصحيح قول (أشهد أن محمداً رسولُ الله ) بنصب "محمد" وضم "رسول" فالإعراب يكون: أن: حرف توكيد ولها اسم وخبر. فاسمها المنصوب : محمداً. وخبرها المرفوع : رسولُ الله .
10- أن لا ينطق الهاء في قوله (حيّ على الصلاة) فيقول (حيّ على الصلى) فيصير دعوةً إلى النار وهو من أكثر الأخطاء شيوعاً .
11- أن ينطق الهاءَ تاءاً فيقول عند الوقف : حيّ على الصلاة . والأصل في وفقه أن يكون على هاء .
12- قولهُم (حيا على الصلاة) الظاهر أنّه لا بأس به إن لم يُبالغ به, لأنَّ غايته أنه أشبع الفتحة حتى جعلها ألفاً .
13- الالتفات بالجسم كله عند قولِ "حيّ على الصلاة" و"حيّ على الفلاح" لمخالفته الحديث الذي عند أبي داود "عن أبي جحيفةَ قال: رأيتُ بلالاً يؤذن يتتبَّع فاهُ هاهنا وهاهنا.. وفي لفظ "لوى عنقَه لما بلغ "حي على الصلاة" يمينا وشمالا ولم يستـدر" وهو صحيح.
14- الالتفات وقت الفراغ من الحيعلتين, والمشروع الالتفات وقت الشروع فيهما .
15- زيادة بعضهم حرف العطف "و" في الأذان كقولهم : ولا إله إلا الله والله أكبر . فهذا غير مشروع , ولكن لا تبطل الأذان لكونها لا تغيّر المعنى .
16- إدماج الحروف بعضها ببعض, كأن يقول "حيَّعصَّلا" و"أشّـَد"ُ بحذف الهاء .
17- قولهم في إقامة الصلاة "قد قامتُ الصلاة" والصحيح" قد قامتِ الصلاة" لأن تاء التأنيث في (قامتْ) ساكنة، لكنها حركت هنا بالكسر للاتقاء الساكنين. قال الإمام ابن مالك في "الكافية" :

إن ساكـنِان ِ التقيـَا اكسر ما سـبقْ ** وإن يكنْ ليْنا ً فـحذفَه استحقّ


(ب) لا يشرعُ الأذانُ ثلاث مرات للجمعة فهوَ أمرٌ محدثٌ, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " وبقولِهِ -عليه الصلاة والسلام- " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " .
(ج) وُجدت في عصرنا (مكبِّرات الصوتِ) فهي غنيّةٌ عن أشياء :
1- الالتفاتُ يميناً وشمالاً 2- وضع الأصبُوع في الأذن 3- اختيار مكان مرتفع للصوت. لأنَّ الالتفات مقصودُه إيصالُ الصوتِ, ووضعُ الأصبوع لتجميل الصوت ولارتفاعه, ولكن يفضّل للمؤذن أن يضع أصبعه على أذنه في الصحراء, أو بغير وجود (المكبرات) لأنّ هذا ممّا يقوي الصوت, لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : "فَلُيؤَذَّن لكم أحدكم" وقوله "لكم" يشير إلى رفع الصوت ليسمع الآخرين، فمن خفت صوته كان أذانه لنفسه, وورد في البخاري أنّه "لا يسمعُ مدَى صوتَ المؤذَّن جنُّ ولا إنَسُ ولا شيءُ إلا شَهِد لَهُ يومَ القيامِة" , كما أنّه لا يصح الإسرار بالأذان .
(د) لا يحقُّ للمؤذنِ أن يتكلم في أذانه بأمر لا ضرورة فيه, فإن طالَ في الكلام فقد حكى بعضهم بطلانه ما لم يقصُر, كما لو تكلّم بأمر محرّمٍ كالسب أو الضرب فلا يصح . أمَّا إن تكلمَ لحاجة كالعطاس جاز, ولو طال الفصل بين الأذان لزم إعادته ما لم يكن يسيراً .
(هـ) يُخطئ بعضهم بإعادة الأذان إذا انقطع التيار الكهربائي وكان هناك ثمة مساجد قد أذنت وسمع منها, بل يكمل من حيث أنشأ, أما إذا كان المسجد وحيداً فإنه يعيد الأذان حتى يَسمعَ النَّاس .
(ز) ما يفعله بعض المؤذنين من الإسراع في الأذان وحدرِ ألفاظه على وجه يشقّ على السامعين متابعته وإجابته أو الترديد معه, فالسنّة الترسل في الأذان, والحدر في الإقامة, قال –عليه السلام-: إذا أذنت فترسل وإذا أقمتَ فاحدر .
(ح) (التصلية) وهي : الصلاة على النبي –صلى الله عليه وسلم- وآله وأزواجه –جهراً- من البدع المحدثة في هذا الزمن. والمشروع : السرُّ به من غير صوت الأذان.
(ط) التثويب في أذان الفجر (الصلاة خير من النوم) يكون في الأذان الثاني الذي هو إعلام الناس لدخول الفجر, خلافا لبعض العلماء القلال, لأن الحديثَ نصّ من "الأول من الصبح" ويقال : هو الأذان الحقيقي, والإقامة الأذان الثاني, وهذا واردٌ في الشرع, فقد كان أذان بلال بدون ترجيع وأبي محذورة بترجيع كما جاء في الأثر, ونقل ابن هبيرة في "الإفصاح" الإجماع على ذلك .
(ي) "سنّةٌ مهجورةٌ" قولهم (ألا صلّوا في الرحال) في حالة البرد الشديدة والمطر, وهو ثابت في الأدلّة الصحيحة, وتقال بعد الأذان حضراً وسفراً. ولا بأس بقول "صلّوا في بيوتكم" بدل "صلّوا في رحالكم" لكون الناس قد لا يتفهمون معناها, ولكنهم يعلَّمون على هذا حتى يعمل ما عمل به من قبل .
(ك) الأذان الأول في يوم الجمعة لا يصحّ على الراجح, وإنما فعله عثمان -رضي الله عنه- لحاجةٍ, وهذه الحاجة قد زالت, فإن وجدت بمثلها صح العمل بها, وسنة الخلفاء متَّبعة, وفائدة ما ذكرناه: أنه لو جاء إنساناً إلى المسجدِ يوم الجماعة وهذا الأذان يُؤذَّن فصلِّ ولا حرج. والأذان الثاني يُؤتى به عند صعود الإمام المنبر, وهذا ما كان العمل به زمنَ الرسول –عليه السلام- وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب –رضي الله عنهما- .
(ل) يشرع الأذان والإقامة للمقيم والمسافر, أما المقيم فإن كان منفردا جاز له وإن كانوا جماعة أو قرية فهو فرض كفاية لأنه شعار للمسلمين, ويكره تركهما عمداً ونسياناً عند الجمهور. وإن جاء الجماعة وقد فاتته شُرع له الأذان والإقامة, وشرع له تركهما والشروع في الصلاة . أما المسافر "قال ابن عبد البر: أجمعوا أنّه جائز له, محمودٌ عليه, مأجورٌ فيه".
(م) لا يشرعُ الأذان في كلٍّ من ( الكسوف,الاستسقاء,الجنازة,العيدين,التراويح, ,وقت الحرب,عند إنزال القبر الميت,في أذن المهموم أو منذر الجيش, وما لا يشرع له الاجتماع من الصلوات) والقياس على غيرها من الصلوات فاسدُ الاعتبارِ, لأنه تكرَّر كثيرا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين, ولم ينقل فعل الأذان. وأجاز بعضهم الأذان في أذن المصروع لطرد الشيطان وإبعاده كما ورد عن السف –رحمهم الله- فعله .
(ن) الأذان الجماعي : ويسمّى "أذان الجوق" أو "الأذان السلطاني" باختلاف المذاهب والآراء, فلم يعلم ذلك من الإسلام, وتوافق الأديان, وهو من الاختلاف والتشتت الكبير.

( فضلُ وعِظَم الأَذانِ )

• عَنْ مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ». رواه مسلم .
• قال العلماء: لَيْسَ إِنَّ أَعْنَاقَهُمْ تَطُولُ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يَعْطَشُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِذَا عَطِشَ الإِنْسَانُ انْطَوَتْ عُنُقُهُ وَالْمُؤَذِّنُونَ لاَ يَعْطَشُونَ فَأَعْنَاقُهُمْ قَائِمَةٌ.
• عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ ». قَالَ سُلَيْمَانُ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّوْحَاءِ. فَقَالَ هِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلاَثُونَ مِيلاً. رواه مسلم .
• عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ أَحَالَ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ صَوْتَهُ فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ صَوْتَهُ فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ ». رواه مسلم . ومعنى أحال : تحوّل من موضعه .
• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا . رواه البخاري ومسلم .
• عن أبي سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يسمع مدى صوت المؤذن شجر ولا مدر ولا حجر ولا جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة . ورواية : وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون حسنة ويكفر عنه ما بينهما . صححه الألباني .
• عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يغفر للمؤذن منتهى أذانه ويستغفر له كل رطب ويابس سمعه . وعند النسائي رواية : وله مثل أجر من صلى معه . "صحيح الترغيب والترهيب" .
• عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يعجب ربك من راعي غنم على رأس شظية للجبل يؤذن بالصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة . صححه الألباني .
• عن أبي أمامة –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : المؤذن مؤتمن, اللهم اغفر للمؤذنين .. انظر حديث رقم (2787) في صحيح الجامع .
• قَالَ الْبُخَارِىُّ : وَيُذْكَر أَنَّ قَوْمًا اخْتَلَفُوا فِى الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ. وقال ابن عمر : "كنا نحدث أن أبواب السماء تفتح عند كل أذان" وقال ابن مسعود – رضي الله عنه-: لو كنت مؤذنا ما باليت أن لا أحج ولا أغزو .
• والأذان أفضل من الإمامة, لما سبق ذكر فضائل الحميدة الكثيرة, ودعاء النبي –صلى الله عليه وسلّم- بأن يغفر له وللأئمة بأن يرشدهم, والدعاء لهم بالمغفرة أكثر كمالاً من دعاء النبي لهم بالرشد .

وأخيراً / عَلى المسلمِ أن يتقيَ الله في أذانه, فيعملَ بالمشروعِ ويترُك المحدَث –قدرَ استطاعته- ما لم تكن تلزِمه وجهةُ في البلدِ , فيبادرُ المرء لهم بالنصحِ , فالدينُ النصيحةُ .قال تعالى : {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} .
وعلى المسلمِ أن يطلبَ العلمَ في أوانه وارتحالهِ , ويتفقَه في دينِه ودنياهُ , فالمرءُ من أجل العبادةِ والعملِ خُلق .

Heba Khled
08-19-2011, 05:52 PM
http://www.mezan.net/forum/g5/0%20(9).gif

صلاة الكسوف





* يطلق الكسوف والخسوف على الشمس والقمر جميعا.

حكم صلاة الكسوف:
* صلاة كسوف الشمس والقمر سنة مؤكدة
* ويسن فعلها جماعة كما فعلها صلى الله عليه وسلم، وليست شرطاً فيها بل تصح فرادى،
* والسنة أن يصليها في المسجد ؛ قالت عائشة : خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد ، فصف الناس وراءه. رواه البخاري .
* وتشرع في حق النساء ؛ لأن عائشة وأسماء صلتا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد. رواه البخاري.

وقتها:
* وقتها من ابتداء الكسوف إلى ذهابه ولا تصلى حتى يرى الناس الكسوف لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا حتى ينجلي) رواه مسلم.
* تفوت الصلاة بانجلاء الكسوف كليةً ، فإن انجلى البعض فله الشروع في الصلاة للباقي.
* إذا لم يعلم بالكسوف إلا بعد زواله فلا يقضى؛ لأنها مقيدة بسبب تزول بزواله، ولا يشرع قضائها.

النداء لها:
* عن عبد الله بن عمرو ، قال : لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي بالصلاة جامعة. متفق عليه .
* ويُكرِّر المنادي ذلك، حتى يظن أنه قد أسمع الناس.
* ولا يسن لها أذان ولا إقامة اتفاقاً.

كيفيتها وما يقرأ فيها:
* هي ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان .
* يقرأ في الأولى جهراً -ليلاً كانت أو نهاراً- الفاتحة، وسورة طويلة، ثم يركع طويلاً، ثم يرفع، فيسمع، ويحمد، ولا يسجد، بل يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يصلى الثانية كالأولى، لكن دونها في كل ما يفعل، ثم يتشهد ويسلم.
* عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه فاقترأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعا طويلا ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأول ثم قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة } رواه مسلم وفي رواية (ثم سجد سجودا طويلاً)
* ويجهر بالقراءة سواء كانت بالنهار أو بالليل لحديث عائشة في الصحيحين (جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته)، ويرى بعض العلماء الإسرار لكسوف الشمس والأمر واسع والأول أصح.
* وجاء تقدير طول القيام الأول في حديث ابن عباس ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم قام قياما طويلا ، نحوا من سورة البقرة } متفق عليه.
* وعن أبى موسى الاشعري في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " فأتى المسجد فصلي بأطول قيام وركوع وسجود رأيته يفعله في صلاته " رواه البخاري ومسلم
* ولا يطيل الرفع من الركوع الثاني ولا الجلوس بين السجدتين ولا التشهد.
* وتصح الصلاة بأي قدر من القراءة ولكن يستحب إطالتها.
* ويسن أن يكثر ذكر الله ، والاستغفار ، والتكبير والصدقة ، والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع من القرب ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا. متفق عليه.
* ومن العلماء من يرى أنه لو صلاها ركعتين كالنافلة صحت وأجزأته للكسوف وفاتته السنة، والله أعلم.

الخطبة:
* ويسن أن يعظ الإمام الناس بعد صلاة الكسوف ويحذِّرهم من الغفلة ويأمرهم بالإكثار من الدعاء والاستغفار؛ لفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقد خطب الناس بعد الصلاة وقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكَبِّروا، وصلوا وتصدقوا) رواه البخاري.

انجلاء الكسوف:
* السنة أن تستمر صلاة الكسوف حتى ينكشف ، ويعود كما كان .
* فإذا انتهت الصلاة قبل الانجلاء فلا تعاد، بل يذكر الله، ويكثر من دعائه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِي) رواه البخاري. فدلَّ على أنه إنْ سَلَّمَ من الصلاة قبل الانجلاء تشاغل بالدعاء.
* وإذا تم الانجلاء وهو في الصلاة أتمها خفيفة، ولا يقطعها.

المسبوق
* وما بعد الركوع الأول لا تدرك به الركعة، فعلى هذا لو دخل مسبوق مع الإِمام بعد أن رفع رأسه من الركوع الأول فإن هذه الركعة تعتبر قد فاتته فيقضيها.
* تقضى الركعات الفائتة على هيئة الصلاة فتكون الركعة بقرائتين وركوعين وسجودين يطيلهما إذا كان الكسوف مازال مستمرا ويخففهما إذا كان قد انقضى.

والله تعالى أعلم
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

Heba Khled
08-19-2011, 05:56 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

حكم بيع رصيد الهاتف





الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ...

أما بعد :

فيقول المولى سبحانه وتعالى ((إقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علقٍ ، إقرأ وربك الأكرم ، الذي علم الإنسان ما لم يعلم)) ...

فبعد أن فجر الإنسان طاقات عقله ، الذي منحه له ربه ، وصار يعلمُ ما لم يكنْ يعلمه من قبل ، وأصبح هذا الإنسان يخرجُ لنا كُلَّ يوم بجديدٍ من هذه الاختراعات التي سهلت كثيراً من أُمور الحياة ، وصار هذا الإنسان يتمتع بنعم الله تعالى في الأرض .

ومن هذه النعم التي أنعمها الله علينا في هذا الزمان ، هذه القفزةُ الهائلة في عالم الاتصالات ، والتي لم تكن في أسلافنا من قبل ، وفعلاً علم الإنسان ما لم يعلم .
هذه القفزة العظيمة ، كانت خدمة الاتصالات لشركتي المدار الجديد ، ولبيانا ، اللتان هما من نِعم الله علينا ، والتي وجب علينا جميعاً أن نشكُر الله تعالى عليها ، وأن نسخرهُما في طاعته ، وقد وعدَّ سبحانه بالمزيد إن شكرناه على نعمه ((وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم)) ...

وأيضاً من فضل الله علينا أن قامت شركتي الاتصال : المدار الجديد ، ولبيانا ، بفتح ميزة جديدة ، ألا وهي خدمة تحويل أو نقل الرصيد .

وبعد ذلك ، قامت كثيرٌ من المحلات التجارية ، بِبيع الدينار والدينارين من الرصيد الذي قيمته من شركة الاتصالات عشرة دنانير .

ولكن المسألة ليست في مضمون هذه الميزة ، بل إن المسألة أن أصحاب هذه المحلات التجارية صاروا يبيعون الدينار والدينارين بقيمةٍ تزيدُ قليلاً عن قيمة الرصيد .

وبقى هذا العمل جارياً فترة من الزمن ، إلى أن ظهر سعادة الدكتور الصادق عبد الرحمن الغرياني عضو هيئة التدريس جامعة ناصر سدده الله ، وأفتى بأن هذه المعاملة لا تجـوز .

وهذا إدعاء ، ومن ادعى أمراً وجب عليه الدليـل .

وقد قام سعادته بتفصيل المسألة في بيانٍ له نُشر في موقعه على الإنترنت صدر يوم الخميس بتاريخ 15/صفر/1429هـ ، وفصل فيها أيضاً في برنامج الإسلام والحياة الذي بُثَ يوم الجمعة بتاريخ 16/صفر/1429 هـ .

وتطرق في بحثه إلى كافة الصور الفقهية على رأي المذهب المالكي ، واستخلص منه على التحريم ، وأن هذه المعاملة ربوية .

وقد كانت لهذه الفتوى أصداءً في الشارع الليبي ، إذا أن هذه المعاملة منتشرة في جميع الأقطار .

فما كان من بعض الحرصين وفقهم الله إلا بالاتصال بأهل العلم ؛ للاستفسار منهم حول هذه المسألة .

فجاء السؤال أكثر من مرة لفضيلة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية سدده الله .
وسمعته بأذني يُفتي بجواز هذه المعاملة ، وأنه لا حرج فيها ، ولله الحمد والمنة .

وليس سماحته وحده من رأى بالجواز ، بل إن كثيراً من طلبة العلم المعروفين بسلامة المعتقد واستقامة المنهج رأوا بالجواز .

تفصيل سعادة الدكتور الصادق الغرياني للمسألة :
عندما تطلع على بحث الشيخ الموجود على موقعه عل الإنترنت ، تجده فعلاً قد فصل في المسألة ، وذلك من حيث بناء الاحتمالات ، والضامن ، وبيع السلم ... إلى غير ذلك من النقاشات التي قد يدوخ فيها من يطلع عليها ، خصوصاً إن كان ممن لم يدرس الفقه .

ومما ذكره سعادته في بداية بحثه :
((أن هناك من يقول أن المسألة بيع نقد بخدمة))
قلت : وهذا هو الواقع المعروف في المسألة ، والذي تطرق إليه سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، وبعض طلبة العلم .

ومما ذكره في بحثه :
((لابد من بيان قاعدة عامة وهي أن العقود يُحكم عليها بألفاظها التي تُعبـر عنها))
قلت : وهنا بدأ الخلاف مع سعادته في المسألة .
وقال أيضاً :
((فإذا كانت شركة الهواتف تُخبر صاحب الرصيد ، تقول له باللسان المبين ، وبالكتب المرقوم على شاشة جواله رصيـدك الآن عشرة دينارات معناه أن صاحب الرصيد عنده لديها دينارات وليس خدمة))
وقال أيضاً :
((وكذلك من قال لغيره حول لي دينارين من رصيدك بدينارين ونصف لا يُفهم منه إلا بيع دينارين بدينارين ونصف))
قلت : فهنا يُفهم من رأي سعادته أنه لا يجــوز بيع الرصيد بأكثر من ثمنه .

مناقشة سعادته فيما توصل إليه :

اعتمد سعادته على آن العقد باللفظ ، والاسطوانة تُخبرك أيها الزبون أن رصيدك عشرة دينار ، فالحاصل أن الشركة أعطتك عشرة دنانير حكماً على لفظ الاسطوانة .
فأقول : أن المعتبر في الفقه ، وسعادته أعلم بذلك ، أن العبرة بالمقصد والمعنى .
فالشركة وإن كانت تُعطي الرصيد بالتقرير النقدي ، لا يعني أنها تؤدي القيمة نقداً بالدينارات والدراهم .
بل إنها تؤدي القيمة بالدقائق .

وهذا الأمر ليس مُبهماً ولا يحتاج إلى إثبات وتفسير ، فهو واضح ومُفسر .
والدليل على بطلان القول القائل أن قيمة البطاقة (الكرت) بالدنانير وليست بالدقائق ، هو أنك لا تستطيع أن تشتري بهذه البطاقة (الكرت) أشياء أخرى .
بمعنى أن البطاقة (الكرت) إن كان معتمد نقداً لاستطعتُ أن أذهب إلى أي محل تجاري وأشتري منه أي سلعة بقيمة البطاقة (5 أو 10 دينار) وأعطيه البطاقة .
ولاستطعتُ أن أخذ سيارتي إلى محطة الوقود وأملأ سيارتي بالوقود وأعطيه بطاقة التعبئة (الكرت) ....
إلى غير ذلك من التفسيرات التي تُثبت أن قيمة البطاقة ليست نقداً ، وإنما قيمتها بالدقائق .

وبما أن أثبتنا أن قيمة البطاقة (الكرت) بالدقائق ، وليست نقداً ، نتقل بعدها إلى نقل جزء من هذا الرصيد (قيمة الكرت) .

فالبائع عنده بطاقة قيمتها (10 دنانير) ، وجاءه زبون وقال له :
أريد رصيداً (2 دينار) .
أعطني رصيداً (2 دينار) .
دزلي رصيداً (2 دينار) .
أرسل لي رصيداً (2 دينار) .
بيع لي رصيداً (2 دينار) .
أنقل لي رصيداً (2 دينار) .
فمهما أختلف اللفظ فنحن نحكم على المعنى .
وفي هذا ردٌ على أن اسطوانة الشركة إن قالت لك أن رصيدك (كذا دينار) فهذا لفظ ، والمعنى : أن عندك قيمة مكالمات بقدر (كذا دينار) .
الشاهد :
يقوم البائع بإرسال رسالة إلى منظومة الشركة ، يُعلمهم فيها أن يُخصموا من رصيده (2 دينار) ، ويرسلوها إلى رقم الزبون ، الذي أرسله لهم في رسالة نصية .
فتقوم منظومة الشركة بما يلي :
1. خصم قيمة الرسالة النصية من رصيد البائع .
2. إرسال رسالة إلى البائع تُعلمه فيها بأن عملية النقل تمت .
3. إرسال رسالة إلى الزبون تعلمه فيها بقيمة رصيده .

نأتي هنا إلى ما الذي إستفاده البائع ؟
البائع خُصم من رصيده قيمة مكالمات قدرها دينارين التي باعهما للزبون ، وليس خُصم منه دينارين ، وخُصم من رصيده أيضاً قيمة الرسالة التي إرسالها لمنظومة الشركة .
فهو بالمعنى أدى خدمة للزبون وأعطاه قيمة مكالمات قدرها دينارين .
فتكون العملية بيع خدمة (وهي نقل قيمة الدقائق من رصيده) بمقابل مال يكون إتفق عليه مع الزبون .
فالحاصل :
أن العملية ليست بيع نقد بنقد حتى نقول عنها ربوية ، بل إن العملية باللفظ الشرعي بيع منفعة بنقد .

الملخص :
المسألة من باب البيوع (وأحل الله البيع وحرم الربا) .... وهي بيع خدمة (تحويل دقائق) بمال ، وليست بيع مال بمال ، حتى نقول أن الزيادة لا تجوز .
فيُستخلص أن للبائع أن ينقل الرصيد بمثله أو بنقص أو بزيادة أو بدون مقابل .
وأن يُكمل البيع بشروط البيوع وهو التراض ((إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم)) .
ولحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إنما البيع عن تراض))
[صححه الألباني في صحيح الجامع (2323)] .

وأمـا إن جعلنا من لفظ الاسطوانة ، التي تخبرك بقيمة الرصيد ، سبباً في الاعتماد على أن العملية ربوية ، لأنها تخبرني بقيمة الرصيد نقداً ، فلا يسعنا في هذه الحالة إلا أن ننتظر من شركة الاتصالات أن تقوم بتغيير اللفظ إلى دقائق ...
والله المستعان .

Heba Khled
08-19-2011, 05:59 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif


حكم الإسبال في الشرع





حكم الإسبال :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ...

أما بعد :

الباب الأول : تعريف الإسبال :
الإسبال هو الإرخاء والإرسال من غير تقيد .
[لسان العرب (6/163) طبعة دار إحياء التراث ، والمصباح المنير (ص134) طبعة دار الغد الجديد ، ومختار القاموس (ص248) طبعة الدار العربية ، ومختار الصحاح (ص156) طبعة دار الغد الجديد] .

الباب الثاني : حكم الإسبال للخيلاء :
إذا كان الإسبال للخيلاء فلا خلاف عند الفقهاء في تحريمه وذلك لثبوت أحاديث كثيرة فيها وعيد لكل مسبل أسبل لأجل الخيلاء .
[ أنظر الفتاوى الهندية (5/333) طبعة دار الفكر ، والمجموع (3/176) طبعة دار الفكر ، والمغني (2/298) طبعة دار الهجرة] .

بل إن العلماء أعدوه كبيرة من كبائر الذنوب .
[أنظر الزواجر عن اقتراف الكبائر للإمام إبن حجر الهيتمي (1/351) الكبيرة (109) طبعة دار الحديث ، والكبائر للإمام الذهبي (ص388) طبعة مكتبة الفرقان] .

واستدلوا على أنه محرم وأنه من كبائر الذنوب بما يلي :
أولاً : حديث ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة))
[رواه البخاري في صحيحه (3/96) (5783) كتاب اللباس ، باب من جر إزاره من غير خيلاء ، طبعة مكتبة الصفا ، ومسلم (5/14) (2085) كتاب الزينة واللباس ، باب تحريم جر الثوب خيلاء ، طبعة دار الريان للتراث ، ومالك في الموطأ (1648) (ص537) كتاب اللباس ، باب ما جاء في إسبال الرجل ثوبه ، طبعة مكتبة الصفا ، والنسائي في سننه (5338) (ص844) كتاب الزينة ، التغليظ في جر الإزار ، طبعة دار الكتب العلمية] .

ثانياً : حديث جابر بن سليم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة ... ))
[رواه أبي داود في سننه (11/139) (3562) ما جاء في إسبال الإزار ، طبعة دار الفكر ، وصححه ابن القيم في زاد المعاد (2/420) طبعة مؤسسة الرسالة] .

ثالثاً : حديث هُبيب بن مغفل رضي الله عنه أنه قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((من وطئه خيلاء وطئه في النار))
[رواه أحمد في مسنده (3/237) طبعة دار صادر ، وصححه الهيتمي في مجمع الزوائد (5/218) طبعة دار الفكر ، وصححه المنذري في الترغيب والترهيب (3/132) (13) طبعة دار الفجر للتراث ، وحسنه أحمد شاكر في تحقيق المسند (12/246) (15544) طبعة دار الحديث ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6592) طبعة المكتب الإسلامي] .

قال إبن عثيمين :
\"الذي يجرُ ثوبه خيلاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له أربع عقوبات والعياذ بالله لا يكلمه الله يوم القيامة ، ولا ينظر إليه (يعني نظرة رحمة) ولا يُزكيه ، وله عذابٌ أليم ... أربع عقوبات يُعاقب بها المرءُ إذا جر ثوبه خيلاء\"
[شرح رياض الصالحين (2/475) طبعة مكتبة الصفا] .

الباب الثالث : حكم الإسبال لغير الخيلاء :
إذا كان الإسبال لغير الخيلاء ، بمعنى أن المسلم يُرخي لباسه متجاوزاً الحد المقرر شرعاً ، بسبب تساهل منه أو زيٌ متعارف عليه في بلده ، لكنه لا يقصد بذلك الكبر ولا البطر ولا الرياء ...
ففي هذه الحالة اختلف العلماء في حكمه على قولين :

القول الأول : أن ذلك حرام .
وهذا رواية عند الحنابلة [الآداب الشرعية (3/521) طبعة مكتبة ابن تيمية] ، ومذهب الظاهرية [المحلى (4/73) طبعة دار التراث] .
واستدلوا :
استدل أصحاب هذا القول على أن الأحاديث التي تدل على تحريم الإسبال جاءت على ثلاثة أنواع :

النوع الأول : أحاديث جاءت بالوعيد بالنار للمسبل من غير تقييد ذلك بالخيلاء وهي :
1. حديث أبي هريرة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار))
[رواه البخاري في صحيحه (3/96) (5787) كتاب اللباس ، باب ما أسفل الكعبين فهو في النار ، طبعة مكتبة الصفا ، والنسائي في سننه (5341) (844) كتاب الزينة ، ما تحت الكعبين من الإزار ، طبعة دار الكتب العلمية] .

2. حديث أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ((وما أسفل من ذلك (الإزار) ففي النار))
[رواه مالك في الموطأ (1649) (537) كتاب اللباس ، باب ما جاء في إسبال الرجل ثوبه ، طبعة مكتبة الصفا ، وصححه البغوي في شرح السنة (12/12) طبعة المكتب الإسلامي ، والنووي في المجموع (4/456) طبعة دار الفكر] .
قال الخطابي :
\"قوله ففي النار يتأول على وجهين أحدهما أن ما دون الكعبين من قدم صاحبه في النار عقوبة له على فعله ، والوجه الأخر أن يكون معناه أن صيغة ذلك وفعله الذي فعله في النار على معنى أنه معدود ومحسوب من أفعال أهل النار\"
[معالم السنن (4/183) طبعة المكتبة العلمية] .

النوع الثاني : الأحاديث التي جاءت بالنهي عن الإسبال مُطلقاً من غير تقييد لذلك الإسبال بأنه من الخيلاء ومنها :
1. حديث جابر بن سليم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة ... ))
[رواه أبي داود في سننه (11/139) (3562) ما جاء في إسبال الإزار ، طبعة دار الفكر ، وصححه ابن القيم في زاد المعاد (2/420) طبعة مؤسسة الرسالة] .
2. حديث المغير بن شعبة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقول لسفيان بن أبي سهل ((لا تسبل إزارك فإن الله لا يحبُ المسبلين))
[رواه ابن ماجه في سننه (2/372) باب موضع الإزار أين هو ، طبعة دار الجيل ، وإبن حبان في صحيحه (12/259) ذكر الزجر عن إسبال المرء إزاره ، طبعة مؤسسة الرسالة ، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة (ص467) طبعة دار الكتب العلمية ، والألباني في الصحيحة (3081) (ص559) طبعة مكتبة المعارف] .
الشاهد من الحديثين السابقين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسبال مُطلقاً ولم يقيده هنا بالخيلاء .
قال إبن حجر :
\"وبين عليه السلام من حديث جابر بن سليم رضي الله عنه أن الإسبال من المخيلة ، وذلك لأن الإسبال يستلزم جر الثوب ، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء\"
[فتح الباري (10/264) طبعة دار الفكر] .

النوع الثالث : الأحاديث التي فيها الأمر برفع الإزار فوق الكعبين ومنها :
1. حديث الشريد بن السويد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل يجر إزاره ((ارفع إزارك واتق الله)) فقال الرجل إني أحنف فقال ((ارفع إزارك فكل خلق الله حسن))
[رواه أحمد في مسنده (4/390) طبعة دار صادر ، وصححه الألباني في الصحيحة (3010) (ص550) طبعة مكتبة المعارف ، وفي الثمر المستطاب (1/273) طبعة غراس للنشر] .
2. حديث عبد الله بن عمر أنه مرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزاره استرخاء فقال له ((يا عبد الله إرفع إزارك)) فرفعه ثم قال ((زد)) فزدت ... الحديث
[رواه مسلم (5/14) طبعة دار الريان للتراث ] .

وقالوا مع ذلك :
الإسبال مظنة للخيلاء ، وذريعة إليها ، وهو إسراف ولو كان بغير قصد ، والإسبال يسبب في تعلق النجسات .

القول الثاني : أن ذلك مكروه كراهة تنزيه .
وهذا مذهب الحنفية [الفتاوى الهندية (5/333) طبعة دار الفكر] ، ومذهب المالكية [المنتقى شرح الموطأ (7/226) طبعة دار الكتاب العربي] ، ومذهب الشافعية [المجموع (4/454) طبعة دار الفكر ، ومغني المحتاج (1/309) طبعة دار الفكر] ، ومذهب الحنابلة [المغني (2/298) طبعة دار الهجرة ، والآداب الشرعية (3/521) طبعة مكتبة ابن تيمية] .

واستدلوا :
إستدل أصحاب هذا القول بالأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول ، ولكن اختلفوا في تفسير الأمر ، حيث قالوا إن الأمر برفع الإزار للاستحباب ، وليس للوجوب .
ودليلهم في تفسير ذلك أنهم حملوا النصوص التي فيها النهي عن الإسبال مُطلقاً على النصوص المقيدة لذلك بحال الخيلاء .
واستدلوا بما يلي :
1. حديث ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لست ممن يصنعه خيلاء))
[رواه البخاري في صحيحه (3/96) (5783) كتاب اللباس ، باب من جر إزاره من غير خيلاء ، طبعة مكتبة الصفا ، ومسلم (5/14) (2085) كتاب الزينة واللباس ، باب تحريم جر الثوب خيلاء ، طبعة دار الريان للتراث ، ومالك في الموطأ (1648) (ص537) كتاب اللباس ، باب ما جاء في إسبال الرجل ثوبه ، طبعة مكتبة الصفا ، والنسائي في سننه (5338) (ص844) كتاب الزينة ، التغليظ في جر الإزار ، طبعة دار الكتب العلمية] .
فالشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر ((لست ممن يصنعه خيلاء)) تصريح بأن الوعيد المذكور إنما هو مختص بمن يفعل ذلك على وجه الخيلاء .
فإذاً يدل على أن الإسبال لغير الخيلاء غير محرم .
2. ما جاء عن عبد الله بن مسعود أنه كان يُسبل إزاره ، فقيل له في ذلك فقال إني رجل حمش الساقين .
[رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (6/27) طبعة دار الفكر ، وصححه ابن حجر في فتح الباري (10/264) طبعة دار الفكر] .

مناقشة الأدلة :
أما أدلة القول الأول فهي صريحة قوية صحيحة ، خاليه من الإعترضات .
أما أدلة القول الثاني فهي ضعيفة لا تسعف للإستدلال ...
وذلك لآن استدلالاهم بحديث إبن عمر رضي الله عنه ، وحجتهم بما قاله أبو بكر رضي الله عنه .
فالرد على ذلك :
إن أبو بكر رضي الله عنه قال (إن أحد شقي يسترخي) ولم يقل (إن إزاري جعلته طويلاً) وكذلك قوله (إلا أن أتعاهد ذلك منه) فهذا يدلُ على أن أبا بكر لم يكن يقصد استرخاء الإزار .

وكذلك الإستدلال بما جاء عن ابن مسعود فهذا محمول على أن إسباله كان زيادة على المستحب ، أي زيادة على نصف الساق ، ولا يُظن أنه جاوز به الكعبين .
[راجع فتح الباري (10/264) طبعة دار الفكر] .

الملخص مما ذكرنا :
يتلخص لنا مما ذكرنا أن الراجح في المسألة هو القول الأول القائل بالتحريم .

يقول الشيخ ابن عثيمين :
\"والصحيح أنه (الإسبال) حرام سواءً كان للخيلاء أم اغير الخيلاء\"
[شرح رياض الصالحين (2/476) طبعة مكتبة الصفا] .

واللــه تعالى أعلم.

Heba Khled
08-19-2011, 06:02 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

إذا اجتمعت صلاة الكسوف وصلاة الجمعة في وقت واحد





الحمد لله،والصلاة السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

أولا:
إذا كسفت الشمس يوم الجمعة ، فإن كان ذلك قبل الجمعة بوقت يسع صلاة الكسوف المعتادة ، كما لو كان الكسوف في الضحى أو قريبا منه ، بدئ بالكسوف ، ثم صليت الجمعة في وقتها ، وإن وقع الكسوف في وقت الجمعة ، فإن خيف فوات الجمعة ، قدمت اتفاقا .

وإن أمن فواتها ، فالجمهور على تقديم الكسوف ، وذهب الحنابلة في قول اختاره ابن قدامة رحمه الله إلى تقديم الجمعة ؛ لأن البدء بالكسوف يفضي إلى المشقة ، ويقتضي حبس الناس لأجله وإلزامهم بصلاته ، وهي غير واجبة في الأصل .
قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (2/146) : " وإذا اجتمع صلاتان , كالكسوف مع غيره من الجمعة , أو العيد , أو صلاة مكتوبة , أو الوتر , بدأ بأخوفهما فوتا , فإن خيف فوتهما بدأ بالصلاة الواجبة , وإن لم يكن فيهما واجبة كالكسوف والوتر أو التراويح , بدأ بآكدهما , كالكسوف والوتر , بدأ بالكسوف ; لأنه آكد , ولهذا تسن له الجماعة , ولأن الوتر يقضى , وصلاة الكسوف لا تقضى .

فإن اجتمعت التراويح والكسوف , فبأيهما يبدأ ؟ فيه وجهان ، هذا قول أصحابنا ، والصحيح عندي أن الصلوات الواجبة التي تصلى في الجماعة مقدمة على الكسوف بكل حال ; لأن تقديم الكسوف عليها يفضي إلى المشقة , لإلزام الحاضرين بفعلها مع كونها ليست واجبة عليهم , وانتظارهم للصلاة الواجبة , مع أن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخفيف الصلاة الواجبة , كي لا يشق على المأمومين , فإلحاق المشقة بهذه الصلاة الطويلة الشاقة , مع أنها غير واجبة , أولى ، وكذلك الحكم إذا اجتمعت مع التراويح , قدمت التراويح لذلك , وإن اجتمعت مع الوتر في أول وقت الوتر قدمت ؛ لأن الوتر لا يفوت , وإن خيف فوات الوتر قدم ; لأنه يسير يمكن فعله وإدراك وقت الكسوف , وإن لم يبق إلا قدر الوتر , فلا حاجة بالتلبس بصلاة الكسوف ; لأنها إنما تقع في وقت النهي ، وإن اجتمع الكسوف وصلاة الجنازة , قدمت الجنازة وجها واحدا ; لأن الميت يخاف عليه , والله أعلم " انتهى .

وقال النووي رحمه الله في "المجموع" (5/61) : " قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : إذا اجتمع صلاتان في وقت واحد قدم ما يخاف فوته , ثم الأوكد , فإذا اجتمع عيد وكسوف , أو جمعة وكسوف وخيف فوت العيد أو الجمعة لضيق الوقت قدم العيد والجمعة ؛ لأنهما أوكد من الكسوف وإن لم يخف فوتهما فالأصح وبه قطع المصنف [أبو إسحاق الشيرازي] والأكثرون: يقدم الكسوف ، لأنه يخاف فوته " انتهى بتصرف .
والذي يظهر رجحان ما ذهب إليه ابن قدامة رحمه الله ؛ لما ذكر من المشقة ، ولأن الجمعة آكد وأهم .

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : إذا اجتمعت صلاتان صلاة الكسوف مع غيرها ، كصلاة الفريضة ، أو الجمعة ، أو الوتر ، أو التراويح ، فأيهما يقدم ؟
فأجاب : " الفريضة مقدمة على الكسوف والخسوف ؛ لأنها أهم ، ولأن الله تعالى قال في الحديث القدسي: ( ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ) " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (16/307) .


ثانيا:
إذا بدأ الإمام بالجمعة ، خطب لها وصلاها ، ثم صلى الكسوف وخطب له ، وإذا بدأ بصلاة الكسوف وفرغ منها ، خطب للجمعة ، وذكّر فيها بالكسوف ، ثم صلى الجمعة ، واستغنى بخطبتي الجمعة عن الخطبة للكسوف .
قال النووي رحمه الله في الموضع السابق : " ولو اجتمع جمعة وكسوف واقتضى الحال تقديم الجمعة خطب لها ثم صلى الجمعة , ثم الكسوف , ثم خطب للكسوف .
وإن اقتضى الحال تقديم الكسوف بدأ بها , ثم خطب للجمعة خطبتها , وذكر فيهما شأن الكسوف وما يندب في خطبتيه ولا يحتاج إلى أربع خطب , وقال أصحابنا : ويقصد بالخطبتين الجمعة خاصة ، وكذا نص عليه الشافعي في الأم " انتهى . والله أعلم .

راجع : حاشية ابن عابدين - (2 / 167)،الذخيرة - (2 / 431) ،مواهب الجليل لشرح مختصر خليل - (2 / 204) ،الأم - (1 / 243)، المجموع - (5 / 57)،روضة الطالبين وعمدة المفتين - (2 / 87)، المنهاج للنووي - (1 / 72) ،المغني - (2 / 280) ،الفروع وتصحيح الفروع - (2 / 122) ،شرح منتهى الإرادات - (1 / 333) ،الفقه الإسلامي وأدلته - (2 / 558) .

المذهب الحنفية :
حاشية ابن عابدين - (2 / 167)
وأما إذا اجتمع كسوف وجمعة أو فرض وقت لم أره وينبغي تقديم الفرض إن ضاق الوقت وإلا فالكسوف لأنه يخشى فواته بالانجلاء ...

المذهب المالكي :
مواهب الجليل لشرح مختصر خليل - (2 / 204)
قال القرافي إذا اجتمع كسوف وجمعة قدمت الجمعة عند خوف فواتها وإن أمن قدم الكسوف ....
الذخيرة - (2 / 431)
فإن اجتمع كسوف وجمعة قدمت الجمعة عند خوف فواتها وإن آمن قدم الكسوف ..

المذهب الشافعي :
الأم - (1 / 243)
قال الشَّافِعِيُّ ) وَإِنْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ في وَقْتِ الْجُمُعَةِ بَدَأَ بِصَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَخَفَّفَ فيها فَقَرَأَ في كل وَاحِدَةٍ من الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ في الرَّكْعَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ { قُلْ هو اللَّهُ أَحَدٌ } وما أَشْبَهَهَا ثُمَّ خَطَبَ في الْجُمُعَةِ وَذَكَرَ الْكُسُوفَ في خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَجَمَعَ فيها الْكَلَامَ في الْخُطْبَةِ في الْكُسُوفِ وَالْجُمُعَةِ وَنَوَى بها الْجُمُعَةَ ثُمَّ صلى الْجُمُعَةَ ( قال ) وَإِنْ كان أَخَّرَ الْجُمُعَةَ حتى يَرَى أَنَّهُ صلى صَلَاةَ الْكُسُوفِ كَأَخَفَّ ما تَكُونُ صَلَاتُهُ لم يُدْرِكْ أَنْ يَخْطُبَ ويجمع ( ( ( يجمع ) ) ) حتى يَدْخُلَ وَقْتُ الْعَصْرِ بَدَأَ بِالْجُمُعَةِ فَإِنْ فَرَغَ منها وَالشَّمْسُ كَاسِفَةٌ صلى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَإِنْ فَرَغَ منها وقد تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَتَتَامَّ تَجَلِّيهَا حتى تَعُودَ كما كانت قبل الْكُسُوفِ لم يُصَلِّ الْكُسُوفَ ولم يَقْضِ لِأَنَّهُ عَمَلٌ في وَقْتٍ فإذا ذَهَبَ الْوَقْتُ لم يَعْمَلْ ....

المجموع - (5 / 57)
ولو اجتمع جمعة وكسوف واقتضي الحال تقديم الجمعة خطب لها ثم صلى الجمعة ثم الكسوف ثم خطب للكسوف وان اقتضي الحال تقديم الكسوف بدأ بها ثم خطب للجمعة خطبتها وذكر فيهما شأن الكسوف وما يندب في خطبتيه ولا يحتاج إلى أربع خطب قال أصحابنا ويقصد بالخطبتين الجمعة خاصة وكذا نص عليه الشافعي في الام قال اصحابنا ولا يجوز أن يقصد الجمعة والكسوف معا لانه تشريك بين فرض ونفل بخلاف العيد والكسوف فانه يقصد هما بالخطبتين لانهما سنتان هكذا قالوه وفيه نظر لان السنتين إذا لم تتداخلا لا يصح أن ينوبهما بصلاة واحدة ولهذا لو نوى بر كعتين صلاة الضحى وقضاء سنة الصبح لا تنعقد صلاته ولو ضم إلى فرض أو نفل نية تحية المسجد لم يضر لانها تحصل ضمنا فلا يضر ذكرها ...
روضة الطالبين وعمدة المفتين - (2 / 87)، المنهاج للنووي - (1 / 72)

المذهب الحنبلي:
المغني - (2 / 280)
فصل : وإذا اجتمع صلاتان كالكسوف مع غيره من الجمعة أو العيد أو صلاة مكتوبة أو الوتر بدأ بأخوفهما فوتا فإن خيف فوتها بدأ بالصلاة الواجبة وإن لم يكن فيهما واجبة كالكسوف والوتر أو التراويح بدأ بآكدهما كالكسوف ...

الفروع وتصحيح الفروع - (2 / 122)
فصل تقدم الجنازة على الكسوف ويقدم هو على الجمعة إن أمن فوتها ( و ) أو لم يشرع في خطبتها وكذا على العيد والمكتوبة في الأصح ...
شرح منتهى الإرادات - (1 / 333)
ومتى اجتمع كسوف وجنازة قدمت جنازة على كسوف لأنها فرض كفاية ويخشى على الميت بالانتظار فتقدم صلاة جنازة على ما يقدم عليه كسوف من الصلوات بالأولى ولو كانت جمعة أمن فوتها ولم يشرع في خطبتها أو كانت عيدا وأمن الفوات أو كانت مكتوبة وأمن الفوت فيقدم الكسوف على ذلك خشية تجليه قبل الصلاة فإن خيف فوت الجمعة أو كان شرع في خطبتها أو خيف فوت عيد أو مكتوبة قدمت لتعين الوقت لها إذ السنة لا تعارض فرضا أو كانت الصلاة وترا فيقدم عليه كسوف ولو خيف فوته لأنه يقضي بخلافها وأيضا هي آكد من الوتر وتقدم جنازة على عيد وجمعة أمن فوتهما قلت ولم يشرع في خطبة الجمعة لأنه يخشى على الميت بالانتظار وتقدم تراويح على كسوف إن تعذر فعلهما في وقتهما لأن التراويح تختص برمضان بخلاف الكسوف فتفوت بفواته ..

والحمد لله

Heba Khled
08-19-2011, 06:04 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

مناظرة في الجهر والإسرار في صلاة الكسوف





جاءني شاب من طلبة الفقه النابهين ، فقال : هل قرأت مجلة التوحيد عدد رجب ؟
قلت : خيرًا ، ماذا فيها ؟
قال : هل قرأت مقال الشيخ صفوت عن صلاة الكسوف ؟
قلت : نعم .
قال : لقد اختار الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف فخالف بذلك الإمام أبا حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله .
قلت : يا أخي الكريم ما اختاره الشيخ هو الصواب .
قال : كيف ذلك ؟
قلت : الحق أن يجهر الإمام في القراءة في صلاتي الكسوف والخسوف ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة في صلاة الكسوف كما ثبت في ( الصحيحين ) ( خ رقم 1065 ) ، ومسلم ( 6 / 203 ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس وجهر بالقراءة فيها .. ) .
وهذا قول :
1- على بن أبي طالب .
2- عبد الله بن يزيد الخطمي .
3- البراء بن عازب .
4- زيد بن أرقم - رضي الله عنهم .
5- أحمد بن حنبل .
6- إسحاق بن راهوية .
7- ابن المنذر .
8- أبي يوسف .
9- محمد بن الحسن .
01- داود - رحمهم الله . [ المجموع ( 5 / 58 ) .
قال صاحبي : لكن القول الثاني أقوى .
قلت : أي قول تعني ؟
قال صاحبي : الإسرار في صلاة الكسوف ، والجهر في صلاة الخسوف ، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله .
قلت : لماذا ؟
قال صاحبي : لأن صلاة كسوف الشمس نهارية فينبغي أن تكون سرًّا كالصلوات النهارية ، وصلاة خسوف القمر ليلية فينبغي أن تكون جهرًا كالصلوات الليلة .
قلت : كيف تعارض نصًّا ثابتًا بتحليل عقلي ، ألم تعلم أن النقل مقدم على العقل ؟
وها أنا ذكرت لك آنفًا الحديث الثابت في ( الصحيحين ) عن أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس .
قال صاحبي : معاذ الله أن أرد حديثًا صحيحًا برأي عقلي .
قلت : إذًا هل معك دليل من الكتاب أو السنة ؟
قال صاحبي : نعم معي دليلان .
قلت : ما هما ؟
قال صاحبي : الدليل الأول ما رواه البخاري ومسلم [ خ رقم ( 1052 ) ، ومسلم في الكسوف ( 17 ) ] عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : ( انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام قيامًا طويلاً نحوًا من قراءة سورة البقرة ، ثم ركع .. ) ، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة لأخبر ابن عباس بالسورة التي قرأ ولم يقدر ذلك بغيره .
قلت : لا دلالة في هذا الحديث من ثلاثة وجوه .
- الأول : يحتمل أن ابن عباس كان في الصفوف الأخيرة فلم يسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ، لا سيما وقد ثبت أن المسجد اكتظ بالناس من الزحام .
- الثاني : أن ابن عباس لم ينف الجهر فلم يقل : ( لم يجهر ) ، وإنما قال نحوًا من سورة البقرة ، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم قرأ من سورة أخرى ، فقدرها ابن عباس بسورة البقرة .
- الثالث : أن عائشة ، رضي الله عنها ، معها زيادة علم ، وهو إثبات الجهر حيث صرحت بذلك ، ومن علم حجة على من لم يعلم ، وهذا أمر لابد منه جمعًا بين الأحاديث .
قال صاحبي : نعم لقد سلمت لك بهذا فهو جمع جيد ، ولكن معي دليل صريح في إثبات الإسرار في صلاة الكسوف .
قلت : حسنًا ، نسمعه .
قال صاحبي : ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف الشمس لا نسمع له صوتًا .
فهذا حديث صريح في إثبات الإسرار في صلاة الكسوف .
قلت : نعم هو حديث صريح في إثبات حكم لو صح سنده ، لكنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة .
قال صاحبي : كيف ذلك وقد رواه الحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين .
قلت : رحم الله الحاكم فقد وهم في ذلك ؛ فإنه قد رواه من طريق ثعلبة بن عباد العبدي ، وثعلبة هذا لم يخرج له الشيخان ولا أحدهما ، فكيف يكون على شرطهما ؟
قال صاحبي : وما سبب ضعفه ؟
قلت : قد رواه أحمد ( 6 / 189 رباني ) ، أبو داود ( 4/ 34 عون ) ، والترمذي ( 2/ 451 شاكر ) ، والنسائي ( 3/ 140 ، 3/ 149 ) ، وابن ماجه ( 1/ 402 ) ، وابن المنذر في ( الأوسط ) ( 5/ 98 ) ، وابن خزيمة ( 2/ 325 ) ، والحاكم ( 1/ 478 ) والبيهقي ( 3/ 335 ) ، وابن حبان ( 7 / 94 إحسان ) ، والطبراني في ( الكبير ) ( 7 / 224 ) من طرق عن الأسود بن قيس عن ثعلبة بن عباد العبدي عن سمرة ابن جندب به .
وثعلبة بن عباد مجهول ، ومدار الإسناد عليه كما ترى ؛ فهو إسناد ضعيف .
قال صاحبي : ومن الذي حكم على ثعلبة بن عباد بالجهالة ؟
قلت : ابن المديني ، وابن حزم ، وابن القطان ، والعِجلي ، والذهبي .
قال صاحبي : سلمت لك بضعف هذا الحديث ، وأنه لا يصلح للاستدلال ، ولكن بقى دليل آخر .
قلت : ما هو ؟
قال صاحبي : إن صلاة الكسوف نهارية ومن المعلوم أن الصلوات النهارية سرية مثل الظهر والعصر فتقاس عليها .
قلت : يرحمك الله يا أخي ، إن هذا خطأ من وجهين :
- الوجه الأول : إن صح القياس في هذا المسألة فقياسها على الصلوات التي يجتمع لها المسلمون كالجمعة والعيدين أولى من قياسها على الظهر والعصر ، والجمعة والعيدان صلوات نهارية ويجهر فيها بالقراءة .
- الوجه الثاني : أن القياس لا يصح في هذه المسألة ، وذلك لأن في مقابلة نص صحيح صريح وهو ما ثبت في ( الصحيحين ) عن أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة في صلاة الكسوف .
قال صاحبي : جزاك الله عني خيرًا ، فقد أوقفتني على الدليل والتعليل ، وها أنا أعلن أنني رجعت عن قولي الأول إلى قولك اتباعًا للحق .

Heba Khled
08-19-2011, 06:10 PM
http://www.mezan.net/forum/g6/6%20(17).gif


مناظرة في رفع اليدين في تكبيرات الجنازة





قضية رفع اليدين مع تكبيرات الجنازة من القضايا الخلافية ، وقد كنت قديمًا أقول بعدم الرفع استدلالاً بحديث ابن عباس ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود ، ثم تبين لي ضعفه ، فبحثت الموضوع بشيء من الاستقصاء ، ثم اختصرته في هذه المناظرة ، وهذه الطريقة استقيتها من كتاب شيخ شيوخنا الشيخ عبد الرحمن السعدي ، رحمه الله ، ومن قبله ابن القيم ، رحمه الله .
والمناظرة هاكم نصها :
قال أبو الفضل :الأولى للمسلم أن يرفع يديه مع تكبيرات الجنازة ؛ لأن ذلك وارد عن بعض الصحابة ، رضوان الله عليهم ، والعمل بقول الصحابي عند عدم وجود الدليل المرفوع أولى من الأخذ بالرأي ، لا سيما إذا لم يعارضه قول صحابي آخر .
قال أبو المجد : بل الأولى للمسلم أن لا يرفع يديه مع تكبيرات الجنازة إلا مع التكبيرة الأولى فقط ، ثم يضع اليمنى على اليسرى ولا يرفع يديه بعد .
قال أبو الفضل : وهل هناك دليل على ذلك يا أخي ؟
قال أبو المجد : نعم هناك دليلان مرفوعان ، وآخران موقوفان .
قال أبو الفضل : هات هذه الأدلة .
قال أبو المجد : أولاً ؛ حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، الذي رواه الترمذي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع يده اليمنى على اليسرى .
فهي دليل صريح على عدم الرفع فيما عدا التكبيرة الأولى .
قال أبو الفضل : نعم هو صريح في عدم الرفع كما ذكرت إن صح إسناده ، ولكن إسناده ضعيف جدًا لا تقوم به حجة .
قال أبو المجد :وما سبب ضعفه ؟
قال أبو الفضل : هذا الحديث أخرجه الترمذي (3 / 388 شاكر) ، والدارقطني (2/75) ، والبيهقي (4/38) من طريق يحيى بن يعلى ، عن يزيد بن سنان ، عن زيد بن أبي أنيْسة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة به .
وهذا إسناد ضعيف جدًا فيه ثلاث علل :
الأولى : يحيى بن يعلى الأسلمي ضعيف .
الثانية : يزيد بن سنان التميمي ضعيف .
الثالثة : الاضطراب ، فإنه قد روي على ثلاثة أوجه :
الوجه الأولى : يحيى بن يعلى عن يزيد بن سنان عن زيد بن أبي أنيسة عن الزهري به ، وهذا الوجه رواه الترمذي (1077) ، والدارقطني (2/75) ، والبيهقي (4/38) .
الوجه الثاني : يحيى بن يعلى عن يزيد بن سنان عن الزهري به ؛ أخرجه الدارقطني (2/74) ، وابن عدي (7/271) ، فأسقط زيد بن أبي أنيسة .
الوجه الثالث : يحيى بن يعلى عن يونس بن خباب عن الزهري به ، ذكره المزي في (التحفة) (10/9) ، ورواه أبو الشيخ في (طبقات المحدثين بأصبهان) (4/258) من هذا الطريق ، فتبين لك الآن أن الحديث ضعيف جدًا لا تقوم به حجة في الفضائل ، فضلاً عن الأحكام التي نحن بصددها .
قال أبو المجد : جزاك الله خيرًا يا شيخ ، لقد أوقفتني على علل عزيزة في هذا الحديث ، ولكن تتوقع ممن يكون هذا الاضطراب في الإسناد ؟
قال أبو الفضل : الظاهر ، والله أعلم ، أن يكون الاضطراب من يحيى بن يعلى الأسلمي ؛ لأن البخاري ، رحمه الله ، قال فيه : مضطرب الحديث ، وقال البزار ، رحمه الله : يغلط في الأسانيد .
قلت : فلعل هذا من أغلاطه .
قال أبو المجد : هل تسمح لي يا شيخ أن أسرد لك باقي الأدلة .
قال أبو الفضل : تفضل يا أخي الكريم ، بارك الله فيك .
قال أبو المجد : ما جاء عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ، ثم لا يعود ، رواه الدارقطني (2/75) .
قال أبو الفضل :هذا الحديث رواه الدارقطني (2/75) ، والعقيلي (3/ 449) من طريق الفضل بن السكن الكوفي ، حدثنا هشام بن يوسف عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس به .
وهذا إسناد ضعيف فيه علتان :الأولى : الفضل بن السكن مجهول ، قال عنه الذهبي في (الميزان) (3/352) : لا يعرف ، وضعفه الدارقطني .
الثانية : الاضطراب بين الرفع والوقف ، فقد جاء على وجهين :
الوجه الأول : الفضل بن السكن الكوفي ، حدثنا هشام بن يوسف ، عن معمر ، عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (مرفوعًا) عند الدارقطني (2/75) والعقيلي (3/ 449) .
الوجه الثاني : إبراهيم بن موسى الفراء عن هشام بن يوسف عن معمر عن بعض أصحابه عن ابن عباس من فعله (موقوفًا) .هكذا رواه العقيلي (3/449) ، وهو عند عبد الرزاق (3/470) عن معمر به سواء .
فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة ، ولذلك ضعفه الحافظ في (التلخيص الحبير) (2/291) ، ومن هنا يتبين لنا أنه لم يصح حديث مرفوع إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه كان لا يرفع يديه في تكبيرات الجنازة .
قال أبو المجد : قد جاء عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، أنه كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى في الجنازة ثم لا يرفع بعد .
وعبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، من فقهاء الصحابة ، فالأخذ بفعله أولى من العمل بالرأي ، فماذا تقول في ذلك ؟
قال أبو الفضل : نعم ؛ العمل بقول الصحابي أولى من العمل بالرأي المحض ؛ لأنهم أعلم منا بالتنزيل وبالأحكام وبلغة العرب فضلا عن معاشرتهم للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، في حَلِّهِ وتَرْحَالِه .
ولكن هل صح ذلك عن ابن مسعود ؟قال أبو المجد : لا أدري .
قال أبو الفضل : هذا الأثر رواه عبد الرزاق في (مصنفه) (3/470) عن معمر قال : بلغه ذلك عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، فهذا إسناد ضعيف ، منقطع بن معمر وابن مسعود كما ترى ، فلا يجوز حينئذ أن ننسبه إلى ابن مسعود حتى يصح إسناده إليه ، والله المستعان .
قال أبو المجد : وماذا تقول - بارك الله فيك - فيما يُعزى إلى عبد الله بن عباس ، رضي الله عنه ، أنه كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى ثم لا يرفع بعد ؟ قال أبو الفضل : اعلم يا أخي - علمك الله ما ينفعك - أن القول في هذا الأثر كالقول في سابقه ، فقد رواه عبد الرزاق ، رحمه الله ، في (المصنف) (3/430) عن معمر عن بعض أصحابنا أن ابن عباس كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى ثم لا يرفع بعد .
وهذا إسناد ضعيف لجهالة أصحاب معمر كما هو واضح من الإسناد المذكور .
فلا يجوز أيضًا أن ننسبه إلى عبد الله بن عباس إلا بعد التيقن من صحته ، ومن هنا يتبين لنا أنه لم يصح عن أحد من أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في عدم الرفع شيء .
قال أبو الفضل : ولكن قد صح عن بعض أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنهم كانوا يرفعون أيديهم مع تكبيرات الجنازة .
قال أبو المجد :ثبت عمن من الصحابة ؟
قال أبو الفضل :أولاً : عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، فقد روى ابن أبي شيبة (2/490) ، والبخاري في (رفع اليدين) (رقم 110) ، وابن المنذر في (الأوسط) (5/ 426) ، والبيهقي في (الكبرى) (4/44) من طريق نافع عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة .
وإسناده صحيح ، وذكره البخاري في (صحيحه) معلقًا بصيغة الجزم (3/226 فتح / ريان) .
ثانيًا : الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما ، قال الحافظ في (التخليص) (2/291) : وقد صح عن ابن عباس أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة ، ورواه سعيد بن منصور . اهـ .
قُلْتُ : ولأن (سنن) سعيد بن منصور مفقودة - إلا الجزة المطبوع وهو قليل - فسوف نعتمد كلام الحافظ على الإسناد فهو من الأئمة في هذا الشأن ، والله المستعان .ثالثًا : يبدو أن رفع اليدين في تكبيرات الجنازة كان مشهورًا عند أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،ويدلك على ذلك صنيع الإمام أبي عيسى الترمذي ، رحمه الله ، في (سننه) ، حيث قال (3/ 388) : واختلف أهل العلم في هذا ، فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وغيرهم ، أن يرفع الرجل يديه في تكبيره على الجنازة ، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق .
وقال بعض أهل العلم : لا يرفع يديه إلا في أول مرة ، وهو قول الثوري وأهل الكوفة . اهـ .
قال أبو المجد:يبدو أن رفع اليدين في تكبيرات الجنازة هو قول جمهور أهل العلم .
قال أبو الفضل : أجل هو كذلك .
قال أبو المجد: هل يمكن أن تجمل لنا من أخذ بهذا القول من أهل العلم من الصحابة وغيرهم ؟
قال أبو الفضل :سوف أذكر لك من أعلمه منهم :
1 - عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما .
2 - عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما .
3 - قيس بن أبي حازم ، رحمه الله .
4 - نافع بن جبير ، رحمه الله .
5 - موسى بن نعيم ، رحمه الله .
6 - محمد بن سيرين ، رحمه الله .
7 - الحسن البصري ، رحمه الله .
8 - عطاء بن أبي رباح ، رحمه الله .
9 - مكحول الشامي ، رحمه الله .
10 - ابن شهاب الزهري ، رحمه الله .
11 - الإمام مالك ، رحمه الله .
12 - الإمام الشافعي ، رحمه الله .
13 - الإمام أحمد ، رحمه الله .
14 - داود بن علي الظاهري ، رحمه الله .15
- عبد الله بن المبارك ، رحمه الله .
16 - إسحاق بن راهويه ، رحمه الله .
قال أبو المجد:
علمك الله كما علمتني ، وفهمك الله كما فهمتني ، وجزاك الله عني خيرًا .
نعم ؛ الأولى أن نأخذ بما ثبت عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن جمهور أهل العلم ، ونرفع أيدينا مع تكبيرات الجنائز .
قال أبو المجد:ولكن يبدو أنك تقول بحجية قول الصحابي ، وهذا القول فيه ما فيه .
قال أبو الفضل : هذه مسألة يطول النقاش فيها ، ولكن في مسألتنا هذه نأخذ بقول الصحابي لأمور .
1 - أن ابن عمر وابن عباس لم يوجد لهما معارض من الصحابة الآخرين - فيما نعلم - فكان إجماعًا سكوتيًا ؛ لأن الصحابة لا يقرون المنكر والباطل ، لا سيما في العبادات .
2 - أن الصحابة رافقوا النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وسمعوا أقواله وأفعاله وتقريراته وأحكامه ، فكانوا بذلك أعرف الأمة بربها ، وأعلم الناس بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهم أكثر الناس إخلاصًا وحرصًا على الخير ، فالأخذ بقولهم أولى من الأخذ بقول غيرهم .
3 - أن فعل الصحابي الجليل عبد الله بن عمر له مزية خاصة لما عُرِفَ عنه من شدة التحري في اتباع السنة كما هو معروف عند علماء الحديث وغيرهم ، وقد ثبت عنه - كما مر - أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات الجنازة ، فيبعد جدًا - والحالة هذه - أن يكون عبد الله بن عمر قد استحسن ذلك من قبل نفسه ، بل الغالب على الظن - إن لم يكن اليقين - أن يكون ابن عمر قد رأى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يرفع فرفع.
والله المستعان .

Heba Khled
08-19-2011, 06:13 PM
http://www.mezan.net/forum/g6/6%20(17).gif

العلاقة بين تطور أنظمة القضاء والعلم الشرعي




بسم الله الرحمن الرحيم

العلاقةُ بين تطوُّرِ أنظمةِ القضاءِ والعلمِ الشرعيِّ
إعداد/ د. عبدالعزيز بن سطام بن عبدالعزيز
الأستاذ المساعد بالمعهد العالي للقضاء
ورقة مقدَّمة إلى ملتقى :
\\\"ما يحتاجه طالب الشريعة من مقرَّرات دراسية في مجال القضاء\\\"
5 - محرم - 1431هـ
المنعقد في
كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية



--------------------------------------------------------------------------------


الحمد لله وحدَه، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد :

فنظرًا لصدور نظام القضاء الجديد عام (1428هـ)، ولما تقتضيه المصلحةُ العامة من مواءمة العمل القضائي وَفْقَ الأنظمة الجديدة مع العلم الشرعي، وتلبيةً للمستجدات المعاصرة، بما يفي بمتطلباتِ القضاء الشرعي في المملكة العربية السعودية، القائمِ على تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع مناحي الحياة، ولحرص خادم الحرمين الشريفين، الملكِ عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - على تأصيل هذا الأمر، والحرص على أن يكون ذلك في جميع جوانب القضاء، مع التأكيد على استمرارها واعتمادها على الكتاب والسنة - لهذا كلِّه يُستحسن دراسة درجة المواءمة بين تطوُّر الأنظمة القضائية والتأسيس الشرعي اللازم.
وقبل بيان المقصود من ذلك، لا بد من استعراضِ الحال الواقع اليوم.

الواقع العملي :

قبل خمسين سنةً كان الغالب الأعمُّ من القضايا المنظورة أمام القضاء أن تكون بين أشخاص حقيقيين، وفي قضايا يسيرة ، لا يحكمها نظامٌ، أو معيار مهني، أو عرفٌ خاصٌّ، فلا يتطلب الحكمُ فيها سوى معلوماتٍ يسيرة ، ودرجة التخصص فيها منخفضة، واستنباط الحكم فيها لا يتطلب - في الغالب - سوى تحقيقِ مَناطه، بينما الآن نلحظ أنه - في الغالب - يكون أحد المتقاضيَيْنِ - على الأقل - شخصيةً اعتبارية، وأن القضية يحكمها نظامٌ، ومعيار مهني، وعرف خاص؛ ولهذا كلِّه فكميات المعلومات التي يستهلكها القاضي لدراسة القضية تكون أضعافًا مضاعفة عمَّا كان عليه الحال قبل خمسين سنة خلتْ، بالإضافة إلى أن استنباط الحكم يتطلب تنقيحَ مناطه، وتخريجه، وتحقيقه، في الكثير من الأحيان، ولا بد من ذِكر توصيف وتسبيب الحكم ، وأن يتمَّ جميعُ ذلك وَفْقَ شكل معيَّن متعارَفٍ عليه.

الواقع العلمي :

إن طاقة الإنسان لتحصيل العلوم محدودةٌ، بينما تنوُّعُ المسائل التي تَعرِض لأي إنسان في حياته العملية غيرُ محدود، ولا يمْكن حصرها؛ ولهذا لا تستطيع أيُّ جامعة أو كلية أن تعلِّم طلابَها جميعَ المعارف التي سيحتاجونها في وظائفهم العملية؛ لأجل ذلك فالبرنامجُ العلمي المتميِّز: هو البرنامج الذي يؤسِّس الطالبَ علميًّا ومنهجيًّا، تأسيسًا رصينًا وقويًّا؛ ليتعلَّم الطالبُ كيف يتعلم كلَّ ما له علاقة بمجاله العلمي والعملي، وَفْق منهج علمي صحيح.

الواقع الإداري :

التأسيس العلمي الرصين في جميع مجالات المهنة يتطلب وقتًا طويلاً جدًّا، لا تملكه الجامعة أو الكلية، ولهذا قُسِّم العلم بين تخصصات مختلفة، وقُسِّمت التخصصات إلى أفرع مختلفة أكثرَ تخصُّصًا.

فعلى سبيل المثال: لو فرضنا أن كل تخصصٍ يتطلب في مرحلة الماجستير - وعلى أقل تقدير - سنةً دراسية للإعداد العام، وسنة دراسية للإعداد المتخصص، بينما البرامج العلمية المتاحة الآن تتبنَّى سياسةَ التأهيل الشامل، وهي التي يُنظَر بها إلى الخرِّيج على أنه مؤهَّل لجميع الأعمال القضائية، الأمر الذي يثير تساؤلاً مفاده : كم سنةً نحتاج لتأهيل الطالب على التخصصات القضائية التي نصَّ عليها نظامُ القضاء الجديد، وعددُها ستة ؟
الجواب - وعلى أقل تقدير -: سنة للإعداد العام، وست سنوات للإعداد المتخصص، فيكون المجموع سبعَ سنين، هذا بالإضافة إلى الوقت اللازم للانتهاء من رسالة الماجستير، التي لا يمكن أن تكون شاملةً لجميع التخصصات الست، وهو وقت لا تملكه الكليات الشرعية الآن، ولا يُتصوَّر أن تملكه في المستقبل.

التخصصات القضائية:

استحدث النظامُ تخصصاتٍ قضائيةً جديدة، ويتطلب ذلك إعدادَ القضاة من خلال برامج دراسات عليا متخصصة، متوافقة مع ما جاء في النظام القضائي الجديد، الذي حدَّد التخصصاتِ القضائيةَ في الآتي:
1- تخصص القضاء الجزائي.
2- تخصص قضاء الأحوال الشخصية.
3- تخصص القضاء الإداري.
4- تخصص القضاء التِّجاري.
5- تخصص القضاء العمالي.
6- تخصص القضاء العام.

ويستوجب ذلك استحداثَ تطوُّراتٍ جديدة تواكب هذه التخصصات، وتلبِّي حاجتَها، بحيث تكون الجودة الشرعية في البرامج العلمية مرتفعةً، فلا يصلح أن يُترك أمرُ التأهيل الشرعي لبرامجَ غيرِ مدقَّـقة، وربما أنها لا تتوافق تمامًا مع ما يراد منها؛ مثلُ ما يحدث كثيرًا في قضايا الابتعاث للدراسة في الخارج، عندما تكون العلاقة بين التخصص والعمل المراد من الفقيه أو القاضي ضعيفةً، فتتحوَّل الوسيلة - التي هي الدراسة في الخارج - إلى مقصد، ويتحول المقصد - الذي هو التخصص في مجال نافع لعمل محدد - إلى وسيلة، كذلك يجب أن تخضع الدراسة في الداخل للتدقيق والضبط العلمي والمهني، وَفْق التطورات النظامية الجديدة.

الإعداد العام :

يفترض أن تخصُّصَيِ: الفقهِ وأصوله، في كليات الشريعة، في المرحلة الجامعية - يُعِدَّان الطالبَ إعدادًا علميًّا مناسبًا، كمقدِّمة لتخصصات القضاء كلِّها، ولأجل ذلك يَجدر التركيز في المرحلة الجامعية على الإعداد العام الرَّصين والقوي، وعدم التشتُّت في تخصصات ضيقة؛ فإنَّ توسُّع العلم وتطبيقاته في هذا العصر، وكثرة التخصُّصات الجديدة والناشئة - يستدعي توسيع قاعدة الإعداد العام، وتعميقها، الأمر الذي يزيد من المتطلبات السابقة؛ بحيث تستغرق جميعَ المرحلة الجامعية، فلا يكون هناك مَجال للتخصُّص سوى التخصصات العامة، التي تُعتبر من الإعداد العام، مثل الفقه وأصوله.

الإعداد المتخصص :

تبدأ الدِّراسة المتخصصة في القضاء في مرحلة الماجستير، وذلك على النحو الآتي:

السنة الأولى : تكون هذه السنة للإعداد العام في تخصص القضاء بجميع مَجالاته، ويدرس الطالب فيها الجوانبَ القضائية من المواضيع الشرعية؛ للرفع من مستواه في: أصول الفقه، والسياسة الشرعية، والأنظمة العدلية، وتوصيف الأقضية، وتسبيب الأحكام، وما يرتبط بهذه المقرَّرات من مقررات مساعدة، ويُمكن للطالب تسجيل بحث الماجستير فور الانتهاء من متطلبات السنة الأولى.

السنة الثانية: سنة التخصص: ويدرس فيها الطالب أحكام التخصص بتفصيل وتوسُّع، ويدرس كذلك ما جدَّ من وسائلِ الإثبات، ونوازلَ قضائيةٍ، وطرق التعامُل معها، والأنظمة والتعليمات المتعلقة بها.

بحث الماجستير : لا بد من تدريس موادَّ في منهج البحث الموضوعي أو النوعي، وأنْ يكون موضوع البحث ذا علاقة مباشرة بالتخصُّص الدقيق، وأن يُميَّز بين المطلوب من بحوث الماجستير، التي تُعْنى بالتدريب على البحث العلمي بالدَّرجة الأولى، وبين بحوث الدكتوراه، التي تُعنى بالتدريب على الإضافة العلمية بالدرجة الأولى.

الواقع السياسي :

تَوجُّهُ الدولة يؤيِّد ما سبق بيانه، ولا سيَّما بعد صدور الأنظمة القضائية الجديدة، ومما يدل على هذا التوجُّه صدور قرار مجلس الوزراء رقم (167)، بتاريخ 14/09/1421هـ، الذي وجَّه بتدريس الأنظمة في كليات الشريعة، وقرار مجلس التعليم العالي، رقم (6/25/1423)، في جلسته الخامسة والعشرين في 23/03/1423هـ، الذي تضمَّن تخصيص برنامج في مرحلة الماجستير بكليات الشريعة لتدريس الأنظمة.

الواقع المهني :

أيضًا فإن الاعتماد الأكاديمي، والجودة العلمية، وقرار مجلس التعاون إنشاءَ جهة خليجية تُعنى بالاعتماد العلمي في الخليج - يجعل هذا الأمرَ من الأمور الضَّرورية في هذا العصر؛ ولكن المشكلة تكمُن في عدم وجود معيار مهني علمي خاص بالجودة في التخصصات القضائية، لا من حيث المضمونُ، ولا من حيث الشكل، وغاية الموجود هو معاييرُ شكليَّة تصلح لأغلب التخصصات والكليات والجامعات، أضفْ إلى ذلك عدمَ وجود أي جهة في العالم متخصِّصة في إصدار معاييرِ الاعتماد الأكاديمي، والجودة العلمية للتخصصات الشرعية، على غرار ما هو موجود في التخصصات الأخرى، والاعتماد الخاص بالجامعات والكليات ليس بالضرورة صادقًا أو صالحًا لتخصص بعَينه ولأجل ذلك يكون الاقتصارُ على اعتماد الجانب الإداري في الجامعات غيرَ كافٍ، ولا يُغني عن إصدار معاييرَ متخصصةٍ في مجال علمي بعينه، وثَمَّةَ جهودٌ قامت بها جامعتا القاهرة والأزهر، عبر الهيئة القوميَّة المصرية للجودة والاعتماد الأكاديمي، وكذلك جامعة ماليزيا الإسلامية العالمية، التي عقدت اتِّفاقية مع جامعة الإمام، لا أدري إن كان هذا التعاون سيشمل هذا المجال أم لا ؟

استشراف المستقبل :

التغيُّر التِّقْنِيُّ :

نتيجةً للتغيُّرات الجذرية التي تحدثها تقنية المعلومات في البيئة الإدارية؛ ستضطر الإدارة إلى التخلِّي عن الكثير من الموظَّفين، واستبدالهم بتقنيات مُختلفة؛ للقيام بنفس الأعمال، والعمل الذي كان يتطلب في الماضي عشَرة أشخاص أو أكثر للقيام به، يستطيع أن يقوم به شخصٌ واحد، مستخدمًا تِقْنية المعلومات، وقد توصلت بعضُ الدراسات إلى أن حجم التغيُّر قد يصل إلى 60% من موظفي الإدارة الوُسطى، وهذا يعني أن 60% من الموظفين في الإدارة الوسطى يواجهون أحدَ ثلاثة احتمالات :

الأول : الترقية إلى الإدارة العليا، وهذا لن يشمل إلاَّ العدد القليل جدًّا منهم.

الثاني : الانتقال إلى العمل في الأساس الفني للإدارة، ويشمل كلَّ عملٍ أو عاملٍ له عَلاقة مُباشرة بتحويل المدخَلات إلى مُخرجَات؛ أي: تحويل الموارد التي صرفتها الدَّولة على القضاء والقضايا إلى أحكام صالحة للتطبيق، مُتفقةٍ مع الشريعة، من أمثلة موظَّفي الأساس الفني: القُضاة، وملازموهم، وأعوانهم، والعاملون معهم.
وهذا يعني : أنَّ الأساس الفني نتيجةً للتقدُّم التقني سيتوفَّر له عدد أكبرُ من المتخصصين للعمل فيه؛ لذا فجميع أعماله ستقسَّم إلى أجزاء أصغر، وبتخصص أكبر، فالتقنية الرقمية مكَّنت من تقسيم العمل إلى أجزاء مُتخصصة بدرجة أكبرَ عددًا، وأعمق تخصصًا، دون أن يتسبب ذلك بمشكلة في مشكلة تنسيق بين الأعمال المقسمة، ومن الأمثلة على ذلك: كونُ عمل القاضي في النِّظام الجديد أصبحَ مقسَّمًا إلى تخصصات أكبر عددًا، وأكثر تخصصًا، بالمقارنة مع ما كان عليه العمل في السابق، بالإضافة إلى أنَّ أي ترقية أو تحوُّل في العمل سيتطلب في المستقبل إعادة تأهيل للعمل من جديد، ونفس الشيء يُمكن أن يَحدث للموظفين عند إعادة توزيعهم على المساندة الفنية والمساندة الإدارية.

الثالث : الخروج من المنظَّمة والبَحث عن عمل آخر، وفي الغالب إذا كانت ظاهرة استخدام تقنية معلومات بكثافة مُنتشرة في الأعمال، فسينتج عن ذلك بطالة في مؤهَّلي الإدارة الوسطى، الأمر الذي سيتطلب منهم إعادة التدريب والتأهيل؛ للحصول على عمل جديد.
وجميع الخيارات تؤدي إلى استحداث برامجَ علميةٍ عليا مُتخصصة في إعادة التأهيل، أو تغيير التأهيل العلمي للوظائف الجديدة والمستحدثة.

تطوُّر المجتمعات:
يُعرَّف تطور المجتمعات بالسِّمةِ الدائمة فيه، وهي الانتقال من حالة يسيرة إلى حالة أكثرَ تعقيدًا؛ لذا فمن المتوقع أنْ يستمر التطوُّر في الاتجاه نفسه، وهو صدور أنظمة حكومية جديدة في مختلف مناحي الحياة، وصدور معاييرَ مهنيةٍ جديدة، تصدرها جهات مهنية أهلية غير حكومية في مختلف الأعمال، وسيؤدي ذلك إلى مزيد من تنوع الأعراف الخاصة، وهذا كله سيجعل عدد القضايا يزيد، وكذلك كَمِّية المعلومات اللازمة لدراسة كل قضية ستزيد، وكذلك سَعة وعُمق العمليات الاستنباطية - من تنقيحٍ وتخريج وتحقيق للمناط – سيزيد.
لذا؛ فمن المتوقع أن تؤدي الزيادة العددية والتمايز النوعي للقضايا إلى إنشاء محاكمَ جديدةٍ، وهذا بدوره قد يُؤدي إلى إنشاء تخصُّصات قضائية جديدة، يتبعها إنشاء أقسام علمية جديدة وكليات.

التوصية:
للاستعداد لوتيرة التغيُّرات السريعة والتطوُّر المتنوِّع، ولكسب الوقت وعدم تضييع الفرص، ولترك التشتُّت الإداري في عمل الجامعات - أتقدَّم بالتوصية بأن يشكَّلَ مجلسٌ علميٌّ بين مختلف الكليات التي تدرس الشريعة في المملكة العربية السعودية؛ للعمل على إصدار معاييرَ خاصةٍ بالجودة والاعتماد الأكاديمي في التخصصات الشرعية بصفة عامَّة، ومعايير خاصة بالجودة والاعتماد الأكاديمي في كلِّ تخصص بعينه من التخصصات في العلوم الشرعية بصفة خاصة عبر جهاز متخصص.

هذا ما لزم بيانُه، وتيسَّرَ إيرادُه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

Heba Khled
08-19-2011, 06:19 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

ماذا تفعل عند خروجك للبحر..؟





بسم الله الرحمن الرحيم

ماذا تفعل عند خروجك للبحر..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد :
اعتاد بعض الناس الخروج في الصيف وفي غيره (للبحر) للتنزه أو للصيد, وهناك آداب وأحكام كثيرة تتعلق بمن يذهب (للبحر), يجهلها البعض من الناس ويغفل عنها البعض الآخر, وسؤورد بإذن الله بعض هذه الآداب والأحكام المتعلقة لمن أراد الخروج (للبحر), وجميع الأحكام الفقهية هي من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله تعالى، وأسأل الله التوفيق والسداد.

مقدمة:
إذا تأملت عجائب البحر وما فيه من الحيوانات، على اختلاف أجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانها، حتى إن فيها حيواناً أمثال الجبال لا يقوم له شيء، وحتى إن فيه من الحيوانات ما يرى ظهورها فيظن أنها جزيرة، فينزل الركاب عليها فتحس بالنار إذا أوقدت فتتحرك فيعلم أنه حيوان، وما من صنف من أصناف حيوان البر إلا وفي البحر أمثاله حتى الإنسان والفرس والبعير وأصنافها، وفيه أجناس لا يعهد لها نظير في البر أصلا، هذا مع ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان، فترى اللؤلؤة كيف أودعت في كن كالبيت لها، وهي الصدفة تكنها وتحفظها، ومنه اللؤلؤ المكنون وهو الذي في صدفه لم تمسه الأيدي، وتأمل كيف نبت المرجان في قعره في الصخرة الصماء تحت الماء على هيئة الشجر، هذا مع ما فيه من العنبر وأصناف النفائش.أهـ أنظر مفتاح دار السعادة [1/204 ].
وقد قسمت البحث إلى قسمين.
أولاً: الأحكام الفقهية لمن كان في (وسط) البحر.
وثانياً: الأحكام الفقهية لمن كان في (خارج) البحر.

فائدة:
لم يركب النبي صلى الله عليه وسلم البحر ولا أبو بكر رضي الله عنه ولا عمر رضي الله عنه . أنظر مجموع الفتاوى [21/316 ].

الأحكام لمن كان في (وسط) البحر

الدعاء عند ركوب المركب "القارب- الطراد- اليخت- السفينة":
قول (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، الحمد لله الحمد لله الحمد لله، والله أكبر والله أكبر والله أكبر، سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) رواه أحمد والترمذي وأبو داود عن علي، قال الشيخ الألباني (صحيح)، أنظر مشكاة المصابيح [2/44 ] والكلم الطيب [1/144] ومختصر الشمائل [1/123].

الدعاء عند وصول جزيرة:
قالت خولة بنت حكيم رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شي حتى يرتحل من منزله ذلك ) رواه مسلم، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/81 ] صحيح الترغيب والترهيب [3 / 119 ].

الأذان للصلاة في البحر:
• عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ) قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري .
وزاد ابن ماجه ( ولا حجر ولا شجر إلا شهد له). أنظر صحيح الترغيب والترهيب [1/56].
• وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يغفر للمؤذن منتهى أذانه ويستغفر له كل رطب ويابس سمعه) رواه أحمد والطبراني في الكبير، وصححه الشيخ الألباني كما في صحيح الترغيب والترهيب.
- حكم الأذان.. إذا كان منفرد (لا يوجد غيره) لا يلزمه ولا يجب عليه الأذان والإقامة، بل هما سنة في حقه.
- أما إذا كان معه أحد، فالأذان والإقامة واجبان عليهم، لقوله صلى الله عليه وسلم (إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما) رواه البخاري ومسلم.
- فلأذان والإقامة واجبان على (جماعة الرجال) فقط.
- أما النساء فيستحب في حقهم الإقامة فقط، ولا يشرع لهم الأذان، لأن الأذان من خصائص الرجال.

تحري القبلة للصلاة في البحر:
- يلزم من أراد أن يصلي أن يجتهد في تحري القبلة, لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء واستقبل القبلة فكبر). رواه البخاري ( 1 / 145)(4 / 172) ومسلم ( 2 / 11 ). انظر حديث رقم: [738] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/74 ].
- فإن صلى (بغير اجتهاد) وأخطأ فعليه القضاء[يعيد صلاته].
- فإن صلى (بغير اجتهاد) وأصاب فصلاته صحيحة على (القول الراجح).
- وإن (اجتهد في تحري القبلة) فصلى فتبين بعد الصلاة أنه صلى إلى غير القبلة فلا يلزمه الإعادة لأنه صلى باجتهاد حسب ما أُمر به.
- لذلك ينبغي لمن يخرج للبحر أن يحتاط لصلاته ويأخذ معه "البوصلة" لمعرفة اتجاه القبلة.
- فيجب استقبال القبلة في "صلاة الفرض" من أول الصلاة حتى أخرها، ويستدير إلى القبلة حيث استدارت به السفينة، كما في حديث ابن عمر  قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض). رواه البخاري ومسلم، مشكاة المصابيح [1/299 ].
- فقوله في الحديث السابق: (إلا الفرائض) يدل على أن صلاة الفريضة يشترط لها استقبال القبلة، فلايجوز ولا يصح الصلاة بدون استقبال القبلة.
- أما في "صلاة النفل" فلا يجب عليه استقبال القبلة لا في أول الصلاة ولا في أخرها، فيجوز أن يصلي النافلة بدون استقبال القبلة، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر  قال ( كان صلى الله عليه وسلم في السفر يصلي النوافل على راحلته ويوتر عليه حيث توجهت به شرقا وغربا ) رواه البخاري ومسلم.
- وفي رواية لمسلم (وفي ذلك نزل قوله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله). انظر حديث رقم: [4965] في صحيح انظر الجامع الصغير وزيادته [1/910] وصفة الصلاة للألباني [1/75] ومشكاة المصابيح [1/299 ].
- فيجب ويشترط في صلاة الفريضة استقبال القبلة، أما صلاة النافلة فيجوز أن يصلي بدون استقبال القبلة لفعله صلى الله عليه وسلم. انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام [23/128-235 ][24/37 ] والفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام [1/340 ] .

وجوب القيام في للصلاة:
يجب القيام في "الصلاة المفروضة"، لعموم قول الله تعالى (وقوموا لله قانتين)، ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب)، رواه البخاري عن عمران بن حصين. انظر حديث رقم : 3778 في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/723].
- فيجب عليه أن يقوم في الصلاة ولو كان معتمداً على عصا أوممسك بعمود أوبحبل، ولو كان على هيئة المنحني قليلاً، ولو كان على هيئة الراكع، فيجب عليه القيام لعموم الأدلة السابقة، وهي قوله تعالى (وقوموا لله قانتين)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب).
- إلا إذا خشي السقوط أو الضرر أو لايستطيع القيام لمرض أوغيره فيصلي جالساً، لعموم قول الله تعالى }ولا تلقوا بأيديكم إلا التهلكة{، وقوله}فاتقوا الله ما استطعتم{، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب).رواه البخاري عن عمران بن حصين، انظر حديث رقم: [3778] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/723 ]، وإرواء الغليل [2/8 ]... ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (صل قائماً إلا أن تخاف الغرق).رواه الحاكم عن ابن عمر. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [3777] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/723 ].
- وقوله صلى الله عليه وسلم (إلا أن تخاف الغرق) أي إلا إن خفت من دوران الرأس والإضطراب وتحرك السفينة والسقوط في البحر لو وقفت، فإنه يجوز لك القعود للضرورة. أنظر فيض القدير [4/198 ] بتصرف.
أما في "صلاة النافلة" فيجوز للمصلي أن يصلي جالساً ولو كان يستطيع القيام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ومن صلى قائماً فله نصف أجر القاعد) رواه البخاري انظر إرواء الغليل [2/206 ] وهذا في صلاة النافلة، ولفعله صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسا فيقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأ وهو قائم ثم ركع) رواه مسلم، انظر مختصر الشمائل [1/151 ].
لكن الأفضل والأكمل والأحسن أن يصلي قائماً لكي ينال الأجر كاملاً، كما قال صلى الله عليه وسلم (صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم)، رواه البخاري ومسلم، عن عمران بن حصين، انظر حديث رقم: [6363] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1131] وإرواء الغليل [2/8 -206 ].

حكم جعل الإمام في الوسط والمأمومين عن يمينه وشماله في نفس الصف:
- الأصل أن الإمام يقف أمام المصلين والمأمومين خلفه.
- فإذا كان لايمكن الوقوف خلف الإمام لضيق المكان، وكان عددهم [اثنين] يقف أحدهما عن يمين الإمام والأخر عن شماله للحاجة ويكون الإمام وسطهما، وصلاتهم صحيحة إن شاء الله تعالى، ولا يصح أن يقفا جميعاً عن يمين الإمام.
- وإذا كان لايمكن الوقوف خلف الإمام لضيق المكان، وكان عددهم [أكثر من ثلاثة] يقفوا جميعاً عن يمين الإمام ويساره للحاجة ويكون الإمام وسطهم، وصلاتهم صحيحة إن شاء الله تعالى، ولا يصح أن يقفا جميعاً عن يمين الإمام.

هل يجوز أن يقف الرجل وحده خلف الصف:
- الأصل والواجب أن يقف المصلي مع الصف ولايجوز له أن يصلي منفرد خلف الصف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فلا صلاة لمن صلى خلف الصف وحده)، رواه ابن أبي شيبة وابن ماجه، عن علي بن شيبان. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [949] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/96 ] وإرواء الغليل [2/329 ].
- لكن يجوز أن يقف الرجل وحده خلف الصف، إذا وجد الصفوف "تامة ومكتملة" ولم يجد مكاناً في الصف، لكونه معذور في مثل هذه الحالة، لأنه لم يتمكن من دخول الصف مع المصلين، لعموم قول الله تعالى:}لايكلف الله نفساً إلا وسعها{ والواجبات تسقط بالعذر والعجز عنها، وصلاته خلف الصف صحيحة إن شاء الله تعالى.

ستر العورة في الصلاة:
يجب على المصلي أن يستر عورته أثناء الصلاة، لعموم قول الله تعالى:}يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{.
- وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، فيجب ستر هذه المنطقة.
- ولابد للثوب أن لا يكون شفافاً يصف البشرة، بل لابد أن يكون صفيقاً لايصف البشرة، فإذا كان هذا الثوب الذي على البدن يبين تماماً لون الجلد فيكون واضحاً، فإن هذا ليس بساتر، وأما اذا كان يبين منتهى السروال من بقية العضو فهذا ساتر.
- ومن صلى وهو لابس سراويل قصيرة منتصف الفخذ، وفوقها ثياب تصف البشرة (الفخذين)، حكم صلاة هذا حكم من صلى بغير ثوب، فوجودها كعدمها.

الصلاة بالإزار:
يصح الصلاة والشخص لابس الإزار، ولكن بثلاثة شروط:
1- أن يكون طاهراً.
2- أن يكون ساتراً للعورة.
3- أن لايكون شفافاً يصف البشرة (الفخذين).

الصلاة (بالشورت) السروال القصير:
لاتصح الصلاة والشخص لابس (الشورت) السروال القصير، لعموم قول الله تعالى: }يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{.
- فأمر الله تعالى أن نتزين ونتجمل عند ملاقاته سبحانه وتعالى والوقوف بين يديه، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل ملكاً بثياب رثه، أونصف بدنه ظاهر، فكيف لايستحي أن يقف بين يدي ملك الملوك عز وجل بثياب غير مطلوبه منه أن يلبسها.؟!
- وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، فيجب ستر هذه المنطقة.
- فلا يجوز أن يصلى الرجل مكشوف الفخذين سواء قيل هما عورة أو لا، كما أنه لو صلى وحده فى بيت كان عليه تغطية ذلك بإتفاق العلماء. أنظر مجموع الفتاوى [22/116 ]بتصرف.
- وإذا صلاة الرجل بادى الفخذين مع القدرة على سترهما، فهذا لا يجوز ويجب عليه أن يعيد صلاته. أنظر مجموع الفتاوى [22/116 ]بتصرف.
- وهذا الحكم عام في صلاة الفرض والنفل.

هل الفخذ عورة..؟
- ينبغي للشاب أن يستر فخذه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت) رواه ابو داود عن علي. قال الشيخ الألباني: (صحيح ) انظر حديث رقم: [7440] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1340 ].
ولقوله صلى الله عليه وسلم (غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته) رواه الامام احمد والحاكم عن ابن عباس. قال الشيخ الألباني: (صحيح ) انظر حديث رقم: [4158] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/761 ].
- وهو من كمال الحياء والمروءة.

ستر العاتقين في الصلاة:
- على من يصلي أن يستر عاتقيه بأي شي، سواء كان بلبسه للفانيلة الساترة للعاتق بكامله، أو بالفانيلة الساترة لجزء من العاتق (العلاقية)، أو رداء، أو أي أمر يستر به عاتقه، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. انظر حديث رقم: [7726] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1369].
- وفي لفظ (لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شيء) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أنظر صحيح أبي داود [1/124 ].
- وهي من الزينة التي أُمر المصلي بتخاذها كما قال الله تعالى: }يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{.
- ومعنى قوله تعالى: (عند كل مسجد) أي عند كل صلاة. أنظر تفسير الجلالين [1/196 ]، وتفسير البغوي [1/225 ]، وتفسير أبي السعود [3/224]، وتفسير البيضاوي [1/17].
- وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق (على منكبيه منه شيء) (على عاتقه منه شيء) كلمة (شيء) تعم كل شيء على العاتقين ولو كان يسيراً، ولو كانت فانيلة بخيط (علاقية).
- فإن سَتَرَ عاتقيه جميعاً يكون أفضل وأكمل وأحسن وأجمل وخروجاً من الخلاف، وإن ستر عاتق واحد والآخر مكشوفاً فلا شي عليه.
- ومن صلى وهو مكشوف العاتقين ولم يغطيهما، فصلاته صحيحة إن شاء الله تعالى لأن ستر العاتقين سنة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر  (إذا صليت في ثوب واحد إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه، و إذا كان ضيقاً فاشدده على حقويك) وفي رواية (وإذا كان ضيقاً فاتزر به). رواه البخاري ومسلم عن جابر. انظر حديث رقم: [7904] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1387].
- وكونه لابد أن يكون على العاتقين شيء من الثوب، ليس لأن العاتقين عورة، بل من أجل تمام اللباس والتزين والتجمل عند ملاقاته سبحانه وتعالى والوقوف بين يديه، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل ملكاً بثياب رثه، أونصف بدنه ظاهر، فكيف لايستحي أن يقف بين يدي ملك الملوك عز وجل بثياب غير مطلوبه منه أن يلبسها.؟!

السجود للابس النظارة:
- يصح للمصلي أن يسجد وهو لابس النظاراة، لكن بشرط وهو أن يُمّكن جبهته وأنفه من الأرض، أما اذا كان مُجرد ملامسه لجبهته وأنفه للأرض فلا يصح وصلاته غير صحيحة، بل لابد من تمكين الجبهة والأنف من الأرض، لقول النبي صلى الله عليه وسلم [أمرت أن أسجد (وفي رواية: أمرنا أن نسجد) على سبع أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين (وفي لفظ: الكفين) والركبتين وأطراف القدمين] رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم وكان يقول: (إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه). أنظر صفة الصلاة [1/143 ] للشيخ الألباني.
- ومعنى (آراب) الإرب هو العضو. أنظر فتح الباري - ابن حجر [1/77 ][2/296 ].

السجود للابس الكاب (الكبوس- القبعة):
- لايصح أن يسجد المصلي وهو لابس الكاب (الكبوس)، لأنه يمنعه من تمكين جبهته وأنفه من الأرض، والمصلي مأمور أن يمكن جبهته وأنفه من الأرض لقول النبي صلى الله عليه وسلم [أمرت أن أسجد ( وفي رواية: أمرنا أن نسجد ) على سبع أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين (وفي لفظ : الكفين ) والركبتين وأطراف القدمين] رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم وكان يقول: ( إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه ). أنظر صفة الصلاة [1/143 ] للشيخ الالباني.
- ولآبس الكاب "الكبوس- القبعة"، لايمكنه من تمكين جبهته على الأرض.

إقامة جماعتين في القارب:
- الأصل إقامة جماعة واحدة فقط.
- ويصح ويجوز أن تقام في القارب أكثر من جماعة للحاجة، كضيق المكان، فتصلي الجماعة الأولى، وإذا انتهت الجماعة الأولى تأتي الجماعة الثانية وتصلي، ومثله لو كان العدد أكبر والمكان ضيق يصح جماعة ثالثة ورابعة.

تأدية الصلاة في وقتها:
- على من يذهب للبحر، وبخاصة الذين ينزلون في قاع البحر للصيد، أن يحتاطوا لصلاتهم فلا ينزلون للصيد في وقت الصلاة حتى لايترتب عليه تأخير الصلاة عن وقتها، فالصلاة يجب أن تؤدى في وقتها ولا يجوز للمسلم أن يؤخرها عن وقتها، كما قال الله تعالى }إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا{، وكما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها). رواه البخاري ومسلم، انظر إرواء الغليل [5/19 ] صحيح الترغيب والترهيب [1/95 ].
- فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لمريد الجمع. انظر فتح الباري - ابن حجر [2/57 ] وعمدة القاري [5 /91 ] وشرح النووي على مسلم [5/130 ] ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام [21/432 - 463 ] وبدائع الفوائد لأبن القيم [3/792 ].

إقامة صلاة الجمعة في القارب:
- من شروط إقامة صلاة الجمعة أن يكونوا مستوطنين، ومن كان في البحر فهو غير مستوطن، فتسقط عنهم صلاة الجمعة فيصلونها ظهراً.

القصر والجمع لمن ذهب للبحر:
- إذا كان المكان الذي يسذهبون إليه مما يعد في عرف الناس سفراً، فأنتم مسافرون فيجوز لكم أن تترخصوا برخص السفر الأربع وهي: الجمع بين الصلاتين، والقصر(قصر الصلاة الرباعية)، والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، والفطر في نهار رمضان.
- وفي حال اختلاف النظر أو التردد في الإطلاق العرفي، "فقال البعض نحن مسافرون، وقال البعض لسنا بمسافرين"، ففي هذه الحال يُرجع إلى المسافة ، فإن كان المكان الذي أنتم فيه يبعد عن بلدكم أكثر من (ثمانين كيلاً)، فأنتم مسافرون فيجوز أن تترخصوا برخص السفر الأربع: وهي الجمع بين الصلاتين، والقصر(قصر الصلاة الرباعية)، والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، والفطر في نهار رمضان.
- يجوز لكم بل الأفضل لكم القصر (قصر الصلاة الرباعية) إلى ركعتين، أما الجمع الأفضل أن لا تجمعوا، إلا أن يشق عليكم ترك الجمع فاجمعوا، وإن جمعتم بدون مشقة فلا حرج لأنكم تسمون مسافرين.
- الراجح، أن الشخص مادام مفارق لمحل إقامته وفي عرف الناس أنه مسافر، فهو مسافر حتى يرجع ولو طالت المدة أكثر من أربعة أيام، لفعله صلى الله عليه وسلم حينما أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً وهو يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يوماً وهو يقصر الصلاة، وأقام في حجة الوداع عشرة أيام وهو يقصر الصلاة، وما ورد عن الصحابة والتابعين ما يدل على السفر لا ينقطع بنية إقامة مدة معينة وإن طالت، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أنه لا يحدد للمسافر أيام معينة، فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقيد المسافر بأيام محددة، فتحديده بالمسافة والأيام لا أصله له في الشرع ولا في اللغة ولا بالعرف ولا بالعقل، هذا هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
- من دخل الصلاة وهو ينوي الإتمام، ثم تذكر وهو في الصلاة أنه مسافر فإنه لا يلزمه الإتمام، بل يجوز له أن يقصر ولو لم ينوي القصر من أول الصلاة، لأن الأصل في صلاة المسافر القصر، كما قالت عائشة رضي الله عنها (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ) رواه البخاري ومسلم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .
- من دخل بنية القصر ثم نسي وقام لثالثة، عليه أن يرجع لأن هذا الرجل دخل في الصلاة على أنه يريد أن يصلي ركعتين فليصلي ركعتين، ولا يجوز له أن يزيد، وفي هذه الحال يلزمه الرجوع من الركعة الثالثة يسجد للسهو بعد السلام لأنه زاد في الصلاة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
- لا يشترط الموالاة بين المجموعتين فيجوز الفصل بين الصلاتين إما:
أ/ بصلاة نافلة.
ب/ بأذكار.
ج/ بكلام ولو لم يكن في صلب الصلاة .
(لكن الأفضل والأولى والأحسن والأكمل أن لا يفصل بين الصلاتين خروجاً من خلاف أهل العلم) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
- الأذان والإقامة للمسافر.. إذا كان منفرد (لا يوجد غيره) لا يلزمه ولا يجب عليه الأذان والإقامة، بل هما سنة في حقه.
- أما إذا كان معه أحد فالأذان والإقامة واجبان عليهم، لقوله صلى الله عليه وسلم (إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما) رواه البخاري ومسلم.
- فلأذان والإقامة واجبان على (جماعة الرجال) فقط.
- أما النساء فيستحب في حقهم الإقامة فقط، ولا يشرع لهم الأذان، لأن الأذان من خصائص الرجال.
- إذا أرادوا الجمع بين الصلاتين، مأمورون أن يؤذنوا أذان واحد فقط ويقيموا لكل صلاة، لفعله صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.. وكذالك المقيمين إذا أرادوا الجمع بين الصلاتين مأمورون أن يؤذنوا أذان واحد فقط ويقيموا لكل صلاة في حال جمعهم للصلاتين.
- الأذكار لمن جمع بين الصلاتين .. لا يخلوا من أمرين:
أ/ إذا كان الإمام (يترك مجال) للأذكار بعد الصلاة الأولى فتقال بعد الصلاة الأولى.
ب/ إذا كان الإمام (لا يترك مجال) للأذكار بعد الصلاة الأولى فتكون الأذكار بعد صلاة العشاء وتكون بنية واحدة لصلاة المغرب والعشاء ، ومثله في الجمع بين الظهر والعصر..
والأحوط: أن يأتي بأذكار الصلاة الأولى ثم يأتي بعدها بأذكار الصلاة الثانية، هذا هو الأحوط والأفضل، وإن اقتصر على الأذكار الصلاة الأخيرة منها دخلت فيها أذكار الصلاة الأولى.
- المسافر تسقط عنه صلاة الجمعة، فلا يقيم وينشأ صلاة للجمعة، بل ولا تصح منه إقامة وإنشاء الجمعة، ولو أقامها وأنشأ وصلى الجمعة في السفر فصلاته لا تصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقيم الجمعة في السفر، فمن أقامها في السفر فقد خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون عمله مردوداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه البخاري ومسلم.
- السفر يوم الجمعة.. إذا أذن الأذان الثاني لصلاة الجمعة، فيحرم السفر لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله...) .. أما إذا كان قبل الأذان الثاني فجائز، وقال بعض أهل العلم بكراهيته لئلا يفوت على الإنسان فضل الجمعة.

إذا أصاب الإنسان دم على ملابسه أو جسده:
• الدماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- طاهر كثيره وقليله[كدم الإنسان – والدم الذي يبقى في المذكاة "كالدم الذي يكون في العروق والقلب والطحال والكبد" - ودم السمكة – ودم الجراد]لا يجب غسله ولو كان كثير.
2- نجس لا يعفى عن شيىء منه[كالدم الخارج من السبيلين - ودم الحيض – والدم المسفوح "هو الدم الخارج من الذبيحة أول ما تذبح" - ودم الكلب]يجب غسله.
3- نجس ويعفى عن يسيره[كدم البعوضة والذباب]لا يجب غسله.
- الحكم لو صلى الإنسان ثم وجد في ملابسه أثر النجاسة.؟
(الجواب) من صلى ثم وجد في ملابسه أثر النجاسة هو لا يخلو من خمس حالات:
- لو صلى في الملابس النجسة (جاهلاً بالنجاسة)لم يعلم بها إلا بعد الإنتهاء من الصلاة، أو(جاهلاً بالحكم) فصلاته صحيحة ولا يجب عليه الإعادة.
- كان يعلم بها قبل الصلاة لكن نسي أن يغسلها، فصلاته صحيحة ولا يجب عليه الإعادة، لقول الله تعالى }ربنا لا تؤآخذنا إن نسينآ أو أخطأنا{.
- كان يعلم بها قبل الصلاة ولكن سوّف وأخّر في غسلها حتى نسي أن يغسلها، فصلاته صحيحة ولا يجب عليه الإعادة، لقول الله تعالى }ربنا لا تؤأخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا{.
- لو علم بالنجاسة في أثناء الصلاة، فإنه يزيل الملابس التي فيها النجاسة وهو في الصلاة ويكمل صلاته (كأّن تكون النجاسة في طاقيتة أو في عِمامته أو في شماغه أو في جواربه أو في نعاله) يزيلها وهو يصلي لفعله صلى الله عليه وسلم ، كما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعها عن يساره .... ثم قال إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا أوأذى فأكمل صلاته. رواه أبو داود قال الشيخ الألباني صحيح، انظر إرواء الغليل [1/ 57 ] وشكاة المصابيح [1/168] وتمام المنة [1/55].
- لو علم بالنجاسة في أثناء الصلاة، لكن لا يستطيع إزالة النجاسة من الملابس في أثناء الصلاة، فيقطع الصلاة ويزيل النجاسة ثم يعيد صلاته.

صلاة الشخص وعلى ملابسه شي من دم السمك:
- دم السمك طاهر، لا يجب غسله ولو كان كثير، ومن صلى وفي ملابسه أثر الدم فصلاته صحيحة ولو كان يعلم بالدم قبل الصلاة، لأن دم السمك طاهر، ولكن الأفضل والأكمل والأحسن والأجمل، أن يغسل أثر الدم قبل الصلاة، لعموم قول الله تعالى }يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{، وهذا من تمام وكمال الزينة، لأنه سيقابل الله عز وجل ويقف بين يدبه.
- ولو أن الشخص أحتاط لصلاته وجعل لها ملابس خاصة، إن حضر وقت الصلاة لبسها وإن انتهت الصلاة خلعها، يكون أفضل وأكمل وأحسن وأجمل، من أجل تمام اللباس والتزين والتجمل عند ملاقاته سبحانه وتعالى والوقوف بين يديه، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل ملكاً بثياب رثه، فكيف لايستحي أن يقف بين يدي ملك الملوك عز وجل بثياب غير مطلوبه منه أن يلبسها.؟!

هل خروج الدم من الإنسان ناقض للوضوء.؟
- خروج الدم من البدن سواء كان "قليلاً أو كثيراً" لا ينتقض الوضوء، وليس بنجس، إلا ما خرج من السبيلين من محل البول أو الغائط فإنه نجس وينقض الوضوء ولو كان يسير، فلم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بغسل الدم إلا دم الحيض، مع كثر ما يصيب الإنسان من جروح أو رعاف أو حجامة وغير ذلك، ولو كان نجساً أو ناقض للوضوء لنيبه صلى الله عليه وسلم لدعاء الحاجة إلى ذلك.
- والأدلة على أن خروج الدم من البدن سواء كان قليلاً أو كثيراً لا ينتقض الوضوء، وليس بنجس كثيرة منها:
1- قصة عباد بن بشر وعمار بن ياسر، أن النبي صلى صلى الله عليه وسلم نزل بشعب فقال من يحرسنا الليلة فقام عباد بن بشر رضي الله عنه وعمار بن ياسر رضي الله عنه فباتا بفم الشعب فاقتسما الليل للحراسه فنام عمار بن ياسر رضي الله عنه وقام عباد بن بشر رضي الله عنه يصلي فجاء رجل من العدو فرأى الأنصاري فرماه بسهم فأصابه فنزعه واستمر في صلاته ثم رماه بثان فصنع كذلك ثم رماه بثالث فانتزعه وركع وسجد وقضى صلاته ثم أيقظ عمار بن ياسر رضي الله عنه فلما رأى ما به من الدماء قال له لم لا انبهتني أول ما رمى قال كنت في سورة الكهف فأحببت أن لا اقطعها. رواه البخاري معلقاً، ورواه أبو داود عن جابر رضي الله عنه، قال الشيخ الألباني (حسن) أنظر صحيح أبي داود [1/40 ].
2- وقال الحسن البصري [ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم]. رواه البخاري معلقاً، أنظر أنظر فتح الباري - ابن حجر [1/282].
3- ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم، ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بغسله، ولم يرد أنهم كانوا يتحرزون عنه.
4- وقد صح أن عمر "صلى وجرحه يثعب دماً". رواه الإمام مالك والدارقطني والبخاري معلقاً، قال الشيخ الألباني (صحيح) أنظر إرواء الغليل [1/225].
5- وقال طاوس بن كيسان التابعي المشهور وأثره هذا وصله بن أبي شيبة بإسناد صحيح ولفظه "أنه كان لا يرى في الدم وضوءا يغسل عنه". أنظر الاستذكار [1/231 ] وفتح الباري - ابن حجر [1/ 281 ] وعمدة القاري [3/51 ].
6- وقال محمد بن علي وعطاء وأهل الحجاز "ليس في الدم وضوء". رواه البخاري معلقاً، أنظر فتح الباري - ابن حجر [1/253 ] وعمدة القاري [3 / 51 ].
7- ومن القياس أن أجزاء الأدمي وأعضائه طاهره، فالدم الذي ينفصل منه طاهر.. وغير ذلك من الأدلة. أنظر فتح الباري - ابن حجر [1/ 282 ] ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام [21/223 ].

الوضوء والغسل من ماء البحر:
- ماء البحر طاهر مطهر لغيره، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود و الترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن ابي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح) أنظر صحيح الجامع [1/1301] والسلسلة الصحيحة [1/104] وإرواء الغليل [1/42].
- فيصح للشخص أن يتوضا ويغتسل منه، والبحر طاهر بالإجماع. أنظر الفتاوى الكبرى [1/242 ].

هل يصح في غَسل الرِجل في الوضوء، غمسها في البحر فقط من غير دلكها.؟
يصح أن الشخص في الوضوء يغمس رجله في الماء من غير أن يدلكها، فلا يوجد دليل يدل على وجوب الدلك، لكن بشرط أن ينوي أنه أدخل رجله في الماء لغسل الرجل.

التبول وقضاء الحاجة في البحر:
- يصح التبول والتغوط في البحر بلا خلاف بين العلماء، فماء البحر لا ينجسه شيء بالنص بكلام النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع. أنظر مجموع الفتاوى [20/338 ] [21/499 ].
- أما النص هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله "إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود و الترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن ابي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح) أنظر صحيح الجامع [1/1301] والسلسلة الصحيحة [1/104] وإرواء الغليل [1/42].

الوضوء من البحر وهو يلقى فيه النجاسات والفضلات:
- البحر لا ينجسه شيء بالنص وبالإجماع، فيصح أن يتوضأ منه وهو يعلم بأنه تلقى فيه النجاسات والفضلات. أنظر الفتاوى الكبرى [1/242 ]
- أما النص هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله "إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود و الترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن ابي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح) أنظر صحيح الجامع [1/1301] والسلسلة الصحيحة [1/104] وإرواء الغليل [1/42].

أحكام الغسل من الجنابة:
• يجب على من يخرجون (للبحر) ويبيتون فيها الليلة والليلتان أن يحتاطوا ويستعدوا لو احتاج الشخص للغُسل من الجنابة وذلك بأمور:
- أن يعدوا مكاناً مناسباً مستوراً ومُحاطاً لمن أراد الغسل من الجنابة.
- يجب عليه أن يغتسل بالماء ويعمم سائر جسده بالماء.
- إذا كان الماء بارداً جاز له أن يسخن الماء.
• وإذا إراذ الشخص أن يغتسل في البحر من أثر الجنابة، فيجوز له أن ينغمس في البحر، ولكن بشرط أن ينوي بنغماسه أنه سيغتسل من أثر الجنابة.

عدم غمس اليد في (الإناء) إذا استيقظ من النوم:
لايجوز غمس اليد في (الإناء) إذا استيقظ الشخص من النوم.
- لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) رواه البخاري ( 1 / 54 ) ومسلم ( 1 / 160 - 161 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، انظر إرواء الغليل [1/187 ] مشكاة المصابيح [1/84 ].
إذا غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها هل ينجس الماء أم لا.؟ ، وهل يتغير الماء.؟ ، وهل يجوز الوضوء منه.؟
الجواب: الراجح أن الماء يبقى طهور لا ينجس ولا يتغير ويجوز الوضوء منه، ويأثم من غمس يده في الإناء وهو ذاكراً عالماً بالحكم.

هل النوم ناقض للوضوء.؟
- النوم ناقض للوضوء، إذا كان النوم كثيراً بحيث لا يشعر النائم لو أحدث.
- أما إذا كان النوم يسيراً بحيث يشعر النائم بنفسه لو أحدث فإنه لا ينقض الوضوء.
- ولا فرق في ذلك أن يكون نائماً مضطجعاً أو قاعداً معتمداً أو قاعداً غير معتمد.
- المهم حالة حضور القلب، فإذا كان حال نومه لو أحدث لأحس بنفسه فإن وضوءه لا ينقض، وإذا كان في حال لو أحدث لم يحس بنفسه، فإنه يجب عليه الوضوء، "وذلك لأن النوم نفسه ليس بناقض وإنما هو مظنة الحدث". انظر فتح الباري لابن حجر [1 / 314-239] ومجموع الفتاوى لشيخ الاسلام [21/228 ] وشرح العمدة لشيخ الاسلام [1/299 ].

البول قائماً:
• جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه أتى سباطة قوم فبال قائماً) رواه البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه . انظر إرواء الغليل [1/95 ] مشكاة المصابيح [1/78].
• معنى سباطة: وهي ملقى القمامة والتراب والأوساخ وما يكنس من المنازل.
• يجوز البول قائماً بشرطين:
1- أن يأمن من تلويث لملابسه.
2- أن يأمن من نظر الغير إلى عورته.
• والأفضل البول قاعداً لأن هذا هو أكثر هديه صلى الله عليه وسلم.

لو أصابه شيء (يسير جداً) من رشاش البول على ملابسه:
إذا أصابه شيء يسير جداً من رشاش البول، فإنه يعفى عن يسيره، والأفضل والأكمل والأحسن والأحوط، أن يغسله قبل أن يصلي إتمام للزينة التي أمر المصلي بها في قوله تعالى:}يآبني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{، وخروجاً من خلاف أهل العلم، لكن لو صلى وعليه هذا الرشاش البول اليسير جداً فصلاته صحيحه. انظر مجموع الفتاوى [21/482 -534 ] وشرح العمدة لشيخ الاسلام [1/104- 105] وإغاثة اللهفان لبن القيم [1/151 ].

النهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة:
• عن سلمان رضي الله عنه قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ....) رواه مسلم، انظر إرواء الغليل [1/82 ] ومشكاة المصابيح [1/72 ].
• وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (....لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول ولكن شرقوا أو غربوا) رواه البخاري ومسلم، انظر إرواء الغليل [1/99 ] مشكاة المصابيح [1/72 ] .
- والحكمة من النهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة هي:
إجلال واحترام وتعظيم للكعبة، وهي من تعظيم شعائر الله، والله عز وجل يقول:}ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب{ }ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه{.

طريقة التكش عند قضاء الحاجة (في البحر):
- عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ) رواه أبوداود، قال الشيخ الألباني (صحيح) انظر صحيح أبي داود .
- محافظة على التستر واحترازاً عن كشف العورة وهذا من الأدب. انظر تحفة الأحوذي [1/ 61 ] وفيض القدير [5/92 ] وشرح العمدة لشيخ الاسلام [1/401 ].

ذكر الخلاء:
- يُقال ذكر الخلاء وهو (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، انظر إرواء الغليل [1/90 ] والسلسلة الصحيحة [3 /58 ].
- في البحر يقول هذا الذكر عندما يريد الشخص أن يرفع ملابسه لقضاء الحاجة.
- وإذا انتهى وفرغ من حاجته يقول "غفرانك" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن عائشة، قال الشيخ الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: [4707] في الجامع الصغير وزيادته [1/884 ].
- بعد الإنتهاء من قضائه للحاجة، إذا خطا من المكان الذي كان يقضي حاجته فيه، لأنه فارق المحل.

الحكمة من كون الماء مالحاً:
الحكمة من تمليح البحر، له سبباً وحكمة فسببه سبوخة أرضه وملوحتها، فهي توجب ملوحة مائه، وحكمتها أنها تمنع نتن الماء بما يموت فيه من الحيتان العظيمة، وهو يموت فيه كثيرا ولا يُقبر، فإنه لولا ملوحة مائه لأنتن، ولو أنتن لفسد الهواء لملاقاته له، فهلك الناس والبهائم بهذه الريح بفساده، هذه من حكمة الله المشهودة في خلقه أن جعله كالملاحة، التي لو ألقي فيه جيف العالم كلها وأنتانه وأمواته لم تغيره شيئا، ولا يتغير على مكثه من حين خلق وإلى أن يَطوي الله العالم، فهذا هو السبب الغائي الموجب لملوحته، والإغتسال به نافع من آفات عديدة في ظاهر الجلد. أنظر الجواب الصحيح [6/396 ]لشيخ الاسلام ابن تيمية والنبوات [1/250-251 ] لشيخ الاسلام ابن تيمية، وزاد المعاد [4/356 ] لأبن القيم، وتفسير ابن كثير [2/841] [3/429 ] .

المد والجزر في البحر:
البحار تختلف في المد والجزر:
بعض البحار منها ما يأخذ في الإزدياد ففي أول كل شهر، يحصل منها مد وفيض فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الأخر شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة، ثم تشرع في النقص.
ومن البحار ما يحصل فيه المد والجزر في كل يوم وليلة مع طلوع القمر وغروبه، وذلك موجود في بحر فارس وبحر الهند وكذلك بحر الصين، وكيفيته أنه إذا بلغ القمر مشرقاً من مشارق البحر ابتدأ البحر بالمد، ولا يزال كذلك إلى أن يصير القمر إلى وسط سماء ذلك. أنظر مفتاح دار السعادة [2/164 ]لأبن القيم، وتفسير ابن كثير [3/429].

أجمعت الأمة على حل السمك:
قال تعالى }أُحل لكم صيد البحر وطعامه{.
وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على حل السمك كله. أنظر منهاج السنة النبوية [8 /200] لشيخ الاسلام، وشرح العمدة [1/134] لشيخ الاسلام، إعلام الموقعين [4/382] لأبن القيم.

أحكام مايعيش في البحر من "حية وعقرب وكلب وسَبُع وتماسيح وضفادع":
- جميع حيوانات البحر حلال وليست نجسة ولو ماتت سواء كان على صورة آدمي، أوصورة سَبُع، أوثعبان (حية)، أوصورة كلب، أوضفدع، أوتمساح، أو سلحفاء، لعموم الأدلة كقول الله تعالى{ أُحل لكم صيد البحر وطعامه}، ولقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، قال الشيخ الألباني (صحيح) أنظر صحيح الجامع [1/519-1301] والسلسة الصحيحة [1/864].
- قوله: }أُحل لكم صيد البحر وطعامه{ مطلقاً، وقد فرق الله بين صيد البحر وطعامه فعُلِم أن المصيد هو ما إصطيد منه والطعام ما لم يصطد منه إما لكونه قد طفأ أو لكونه قد ملُح. أنظر شرح العمدة لشيخ الاسلام [3/ 126 ] [3/179 ].
- ولشيخ الإسلام كلام في موضع آخر يُفهم من كلامه أن "الضفدع والتمساح" مُحرم لايجوز أكله. أنظر شرح العمدة [1/135 ].
- المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم (الحيل ميتته) المراد بميتته: أي ميتة ما لايعيش إلا في البحر، وليس المراد مامات في البحر، ولهذا لو سقطت شاة في البحر وماتت فهي حرام.

حكم التداوي بدم الضفدع:
- يحرُم التداوي بدم الضفدع، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك (نهى عن قتل الضفدع للدواء). رواه الإمام أحمد وأبوداود والنسائي عن عبدالرحمن بن عثمان التيمي. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [6971] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1293 ].
وجاء أن طبيباً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء (فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها). رواه أبو داود عن عبدالرحمن بن عثمان قال الشيخ الألباني: (صحيح ) أنظر مشكاة المصابيح [2/529 ] وصحيح الترغيب والترهيب [3/86 ].
- وجاء أن نقيق الضفادع تسبيح، ولكن هذا ما يصح نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث الوارد في ذلك ضعيف لايصح وهو: (نهى عن قتل الضفدع وقال: نقيقها تسبيح). قال الشيخ الألباني: ( ضعيف) أنظر السلسلة الضعيفة [10/290 ]، وضعيف الجامع رقم: [6252].

أحكام الأطعمة والصيد:
أولاً: يقال الأصل في الأطعمة أنها حلال فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والأطعمة المحرمة مُبينّة ومفصلة في القران والسنة وما عداها فهو حلال على الأصل لقول الله تعالى }وقد فصل لكم ما حرم عليكم { ويدل على هذا قوله تعالى }يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات{.
والأطعمة المباحة: كل ما لم يرد الشرع بتحريمه من الأطعمة فهو مباح وهي أنواع كثيرة لا حصر لها وذلك لما تقدم أن الأصل في الأطعمة الإباحة إلا ما ورد الشرع بالمنع منه ولكن يمكن أن نذكر قاعدة جامعة لأنواع المباح وهي: [كل طيب طاهر من الأطعمة والأشربة لا ضرر فيه مباح] فالأطعمة المباحة غير محصورة ويصعب حصرها لكثرتها.
أما الأطعمة المحرمة فهي محصورة وهذا من رحمة الله ومنته.

الأطعمة المحرمة التي حرمها الله:
الطيور
1- ما له مخلب من الطيور يصيد به [ العقاب والباز والصقر والنسر والشاهين ] لقول ابن عباس y (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير) رواه مسلم، انظر إرواء الغليل [5 / 141 ] الجامع الصغير وزيادته [1/211 ].
2- ما كان مستخبثاً في نفسه كالخفاش (الوطواط)، أو لأكله الجيف كالرخم والخطاف (طائر أسود صغير أغبر) لقول الله تعالى (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث).
3- ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وهي الفواسق التي جاء الأمر بقتلها في الحل والحرم وهي من الطيور الحدأة والغراب كما قال صلى الله عليه وسلم (خمس من الدواب لا جناح على من قتلهن العقرب والغراب والحدياة والفأرة والكلب العقور) رواه البخاري و مسلم، عن ابن عمر وعائشة، انظر إرواء الغليل [4/223 ] الجامع الصغير وزيادته [1/556 ].
4- ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله بعينه وهما من الطيور: الهدهد والصرد (طائر أكبر من العصفور ضخم الرأس والمنقار) لحديث ابن عباس  (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد) رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه صححه الشيخ الألباني، انظر مشكاة المصابيح [2/442 ] وصحيح الترغيب والترهيب [3 /85 ].

حالات تحرم فيها بعض الأطعمة:
قد يعرض لبعض الأطعمة التي أصلها مباح حالات تتحول بها إلى أطعمة محرمة ممنوعة التناول ويدخل تحت ذلك أنواع:
منها: الميتات بأنواعها ، وضابطها أن كل ما لم يذك الذكاة الشرعية فهو ميتة.
ويستثنى من الميتات ما يلي: [ ميتة البحر – والجراد – وما لا دم له سائل من البرمائيات].

الصيد بالبندقية:
البندقية هي الآلات الدافعة للرصاص بقوة انفجار البارود كبنادق البارود أو بقوة دفع الهواء كبنادق الهوائية.
وحكم الصيد بالبندقية حلال لما يلي:
- (إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فلا تأكله) رواه مسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنظر حديث رقم: [580] في صحيح الجامع.
- وهذه البندقية تخزق الجسم أي تنفذ فيه وتجرحه.
قوله صلى الله عليه وسلم ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ) رواه البخاري ومسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه ، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1051 ] ومشكاة المصابيح [2/426 ] ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد رتب حل الأكل على إنهار الدم والتسمية، والرصاص الصادر من هذه الآلات ينفذ في الجسم وينهر الدم فيحل.

أحكام الذكاة:
- والذكاة شرط لحل الحيوان فلا يحل شيئ من الحيوان المأكول إذا لم يذك لقول الله تعالى ( إلا ما ذكيتم ) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) رواه البخاري ومسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه ، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1051 ] ومشكاة المصابيح [2/426 ].
- إلا الجراد والسمك ومالا يعيش إلا في الماء لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان: فالحوت والجراد و أما الدمان: فالكبد و الطحال) رواه أحمد وابن ماجه وصححه الشيخ الألباني، انظر مشكاة المصابيح [2 /439 ] والسلسلة الصحيحة [3/111 ].

توجيهات أخيرة في الصيد:
1- على المسلم أن لا يمضي الأوقات الكثيرة في الصيد وقد جاء في الحديث (من اتبع الصيد غفل) رواه الامام احمد أبوداود والترمذي والنسائي، قال الشيخ الألباني (صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1107 -1125 ] ومشكاة المصابيح [2/342 ] وصحيح الترغيب والترهيب [2/268 ] والسلسلة الصحيحة [3 /267 ].
2- على من يصيد أن يؤدي العبادات في وقتها كالصلاة ولا يؤخرها عن وقتها لمتابعة الصيد.
3- على من يصيد أن يجتنب قتل ما لا يريد أكله من الحيوانات والطيور وما لا يحل قتله.
4- على من يصيد أن يستغل وقته حال الصيد بالتسبيح، والتهليل، والإستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ القران:
- قال صلى الله عليه وسلم (من قال: سبحان الله و بحمده في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [6431] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1138 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. انظر مشكاة المصابيح [2/18 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال سبحان الله العظيم و بحمده غرست له بها نخلة في الجنة) رواه الترمذي والحاكم عن جابر . قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: 6429 في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/ 1138].
- وقال صلى الله عليه وسلم (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، انظر حديث رقم: [4572] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/871 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (ألا أدلك على غراس هو خير من هذا ؟ تقول: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر يغرس لك بكل كلمة منها شجرة في الجنة) رواه ابن ماجه والحاكم، عن أبي هريرة، قال الشيخ الألباني: (صحيح ) انظر حديث رقم : [2613] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/438 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم [(من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير) في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك]. رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [6437] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1139 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من قال لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله ولا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، يعقدهن خمسا بأصابعه ثم قال من قالهن في يوم أو في ليلة أو في شهر ثم مات في ذلك اليوم أو في تلك الليلة أو في ذلك الشهر غفر له ذنبه) قال الشيخ الألباني: (صحيح لغيره ) صحيح الترغيب والترهيب [3/198 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (يا عبد الله بن قيس ، ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة ؟ ، لا حول و لا قوة إلا بالله) رواه البخاري ومسلم، عن أبي موسى . انظر حديث رقم: [7944] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1391 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من قرأ { قل هو الله أحد } عشر مرات، بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه الإمام أحمد عن معاذ بن أنس . قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم : [6472] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1 /1142 ].. وفي رواية [ بنى الله له قصراً في الجنة]، قال الشيخ الألباني: ( حسن ) انظر السلسلة الصحيحة [2/136 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من قال رضيت بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد نبيا وجبت له الجنة) رواه أبوداود والحاكم، عن أبي سعيد، قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم : 6428 في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1138 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف ) رواه أبوداود والترمذي عن بلال بن يسار بن زيد رضي الله عنه وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال الشيخ الألباني: ( صحيح لغيره ) انظر: صحيح الترغيب والترهيب [2/125].

إذا هاجت الريح وتحريم سبها:
• عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به) راوه البخاري ومسلم، انظر مشكاة المصابيح [1/341 ] والسلسلة الصحيحة [6/259 ].
• عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة [6/259] حديث رقم: (2756)، وفي صحيح الجامع [1/1328] حديث رقم: [7315]
• (كان إذا اشتدت الريح قال اللهم لقحاً لا عقيماً) صححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة المجلد (5) حديث رقم: (2058 ) وحسنه في صحيح الجامع (4670)‌.
• وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنوا الريح فإنها مأمورة وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه) رواه الترمذي، وصححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة المجلد (2 ) حديث رقم: (528).
• أما حديث (اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) فهذا الحديث قال عنه الشيخ الألباني (ضعيف جداً) انظر السلسلة الضعيفة [9/ 218 ] ومشكاة المصابيح [1/343 ].
الحديث هو: عن ابن عباس رضي الله عنه قال ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: (اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً ) قال ابن عباس رضي الله عنه في كتاب الله تعالى ( إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ) و(أرسلنا عليهم الريح العقيم ) ( وأرسلنا الرياح لواقح) و( أن يرسل الرياح مبشرات ). رواه الشافعي والبيهقي في الدعوات الكبير . السلسلة الضعيفة المجلد ( 9 ) حديث رقم: ( 4217 ).
وهذا الحديث ضعيف سنداً ومتناً أما متناً ففي القران ما يدل على خلاف ذلك وأنه قد ورد لفظ (الريح) في سياق الرحمة والخير كقوله تعالى: (وجرين بهم بريح طيبة ) وكقوله تعالى (فسخرنا له الريح تجري بأمره...).

هل في ما يخرج من البحر فيه زكاة:
وأما ما يخرج من البحر كاللؤلو والمرجان فلا زكاة فيه عند الجمهور. أنظر مجموع الفتاوى [25/19 ].

الإسعافات الأولية( ):
حيث من يخرج (للبحر) قد ينغمسوا في البحر ويسبحوا، وقد يتعرض البعض للغرق لاقدر الله، فما هي الطرق والوسائل في الوقاية من الغرق.؟ ، وما هو علاج من أصيب بالغرق.؟

الطرق والوسائل في الوقاية من الغرق:
1- تعلم السباحة مبكراً والتدريب عليها، فذلك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
2- عدم الأكل والشرب قبل السباحة.
3- المواظبة على التمارين التي تحافظ على لياقة العظلات والدورة الدموية، فحتى الذي يجيد السباحة إذا لم يكن لائقاً رياضياً قد يتعرض لشد عضلي وإرهاق شديد وهو في وسط الماء، مما يعرضه لخطر الغرق.
4- عدم سباحة الشخص لوحده تحت الماء، أو يحاول قطع مسافة معينة، أو وقت معين تحت الماء، فقد يفقد وعيه فوراً دون انذار وهوتحت الماء.
5- ارتداء معاطف السلامة الهوائية.

العلاج الإسعافي لمن أصيب بالغرق:
1- من ينقذه فقط الشخص المدرب لإنقاذ الغرقى، هو الذي يحاول الوصول للغريق وإنقاذه، لأن الكثير من الغرقى يشد المنقذ بعنف وقوة إلى داخل الماء، إلى حد الذي لا يستطيع المنقذ إنقاذه أو تخليص نفسه، فتحصل حوادث الغرق المزدوج.
2- إذا كان الغريق قريباً تستطيع شده بحبل إنقاذ أو أن ترمى له أداة تطفو على الماء مثل سلم الخشب أو وسادة هوائية، وما إلى ذلك من المواد التي تطفو على الماء.
3- ومجرد إنقاذ الغريق من الماء يجب أن تقوم بالتنفس الصناعي إذا لم يكن يتنفس.
4- إذا كان في حالة غيبوبة قم بإمالة رأسه إلى الجانب وتأكد من سلامة الممرات الهوائية.
5- تأكد من سلامة الدورة الدموية بفحص النبض وإذا كان يحتاج إلى انعاش قلبي قم بذلك فوراً.
6- انقل المصاب للمستشفى بينما تواصل الإسعافات الأولية.
7- كل من تعرض للغرق عليه أن يراجع المستشفى للفحص والعلاج حتى وإن كانت صحته تبدو جيده بعد إنقاذه.

الإسعافات الأولية( ):
وحيث من يخرج (للبحر) قد يتعرضون للشمس كثير، فترتفع حرارة الجسم بشدة بسبب ضربة الشمس، فما هي الطرق والوسائل في الوقاية ضربات الشمس.؟ ، وما هو علاج من أصيب ضربات الشمس.؟

الطرق والوسائل في الوقاية من ضربات الشمس:
1- عدم الوقوف طويلاً في الشمس، وعدم بذل المجهود الشاق في الحر الشديد.
2- إذا اضطر الإنسان إلى الوقوف طويلاً في الشمس، بذل المجهود الشاق في الحر، فعليه الإكثار من شرب السؤائل الباردة والأملاح، حيث إن ذلك يساهم في تبريد الجسم ويعوضه ما يفقده من أملاح عن طريق العرق.

العلاج الإسعافي لمن أصيب ضربات الشمس:
1- ينقل المصاب فوراً إلى مكان بارد ومتحرك الهواء، وتحل ملابس الضاغطه على الجسم.
2- يُرش بماء بارد، أو يوضع على جلده مناشف مغمورة بالثلج وتسلط عليه مروحة كهربائية إن تيسر.
3- يتم مراقبة نبض المريض وتنفسه ودرجة حرارته، ويعالج تبعاً لذلك.
4- يُعطى كمية كبيرة من السوائل والأملاح.

ولو كانت مثل زبد البحر:
- قال صلى الله عليه وسلم (ما على الأرض أحد يقول [لا إله إلا الله و الله أكبر و لا حول و لا قوة إلا بالله] إلا كفرت عنه خطاياه ولوكانت مثل زبد البحر). رواه الترمذي والامام احمد عن ابن عمرو. قال الشيخ الألباني: ( حسن ) انظر حديث رقم: [5636] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1058].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من قال: سبحان الله و بحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [6431] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1138 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم: من قال حين يأوي إلى فراشه ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) غفرت له ذنوبه أو خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر. رواه النسائي وابن حبان في صحيحه واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه .
- وعند النسائي (غفرت له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر)، رواه النسائي، صحيح الترغيب والترهيب [1/148 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من سبح الله في دبر كل صلاة [ثلاثاً و ثلاثين و حمد الله ثلاثاً و ثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين فتلك تسع وتسعون وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير] غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه . قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [6286] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1124 ].

معنى زبد البحر:
والمراد بقوله (وان كانت مثل زبد البحر) زبد البحر الزبد ما يعلو الماء وغيره من الرغوة، وهنا كناية عن المبالغة في الكثرة، نحو قول: ما طلعت عليه الشمس كناية عبر بها عن الكثرة عرفاً، والذنوب التي تحط وتغفر وتمحى هي الذنوب الصغائر. أنظر فتح الباري - ابن حجر [11/206 ] وعمدة القاري [23/ 26 ] وفيض القدير [6/114-190] وتحفة الأحوذي [9/241 - 300].

أحاديث ورد فيها ذكر البحر:
- قال صلى الله عليه وسلم (إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير) رواه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة، قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [1838] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/272 ].
- قال صلى الله عليه وسلم (الخلق كلهم يصلون على معلم الخير حتى نينان البحر) قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [3343] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/566 ].
- ومعنى (نينان البحر) أي الحيتان. أنظر فتح الباري - ابن حجر [1/200 ] وشرح النووي على مسلم [3/227 ].
- قال صلى الله عليه وسلم (كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليّ غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاماً يعلمه فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه; فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا جئت الساحر فقل: حبسني أهلي وإذا جئت أهلك فقل: حبسني الساحر; فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب ؟ فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فرماها فقتلها ومضى الناس; فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فلا تدل علي; وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا أجمع لك إن أنت شفيتني قال: إني لا أشفي أحد إنما يشفي الله عز وجل فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله; فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك ؟ قال: ربي قال: ولك رب غيري ؟ قال: ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما يبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل ! فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل; فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار على مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم به ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه; فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك ؟ فقال: كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك ؟ فقال: كفانيهم الله; فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به ! قال: وما هو ؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: بسم الله رب الغلام ثم ارم فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني; فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه موضع السهم فمات فقال الناس: آمنا برب الغلام; آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر ؟ قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس ! فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها ففعلوا حتى جاءت امرأة و معها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق) رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه . قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم : [4461] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/859].
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإن رجلا ممن كان قبلكم جلب خمراً إلى قرية فشابها بالماء فأضعف أضعافاً فاشترى قرداً فركب البحر حتى إذا لجج فيه أَلهم الله القرد صرة الدنانير فأخذها فصعد الدقل ففتح الصرة وصاحبها ينظر إليه فأخذ ديناراً فرمى به في البحر وديناراً في السفينة حتى قسمها نصفين) قال الشيخ الألباني (صحيح لغيره ) صحيح الترغيب والترهيب [2/159 ] السلسلة الصحيحة [7/45 ].
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ائتني بالشهداء أشهدهم فقال كفى بالله شهيداً، قال فائتني بالكفيل قال كفى بالله كفيلاً، قال صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركباً يركبه ويقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركباً فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبها ثم زجج موضعها ثم أتى بها البحر فقال اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلاناً ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت كفى بالله كفيلاً فرضي بك فسألني شهيداً فقلت كفى بالله شهيداً فرضي بك وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر وإني أستودعكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله فإذا الخشبة التي فيها المال فأخذها لاهله حطباً فلما نشرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الذي كان أسلفه وأتى بالألف دينار فقال والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي جئت فيه قال هل كنت بعثت إلي بشيء قال أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه قال فإن الله قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة فانصرف بالألف الدينار راشداً) رواه البخاري معلقا مجزوما، والنسائي وغيره مسندا، أنظر صحيح الترغيب والترهيب [2/167 ].
- وعن حديث جابر  قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عيرا لقريش فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فسمي جيش الخبط فنحر رجل ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم إن أبا عبيدة نهاه فألقى إلينا البحر دابة يقال لها: العنبر فأكلنا منها نصف شهر وادهنا من ودكها حتى ثابت إلينا أجسامنا وصلحت وأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمل عليه ومر تحته وتزودنا من لحمه وشائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ذلك فقال: [ هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شئ تطعمونا ؟ ] فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكل . رواه البخاري ومسلم، أنظر مشكاة المصابيح [2/436 ] وزاد المعاد [3/343 ].

صحيح مسلم [ جزء 3 - صفحة 1535 ]
عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة رضي الله عنه نتلقى عيرا لقريش وزودنا جراباً من تمر لم يجد لم غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة قال فقلت كيف كنتم تصنعون بها ؟ قال نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله قال وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر قال قال أبو عبيدة ميتة ثم قال لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا قال فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاث مائة حتى سمنا قال ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ونقتطع منه الفدر كالثور ( أو كقدر الثور ) فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال ( هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ؟ ) قال فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله
[ ش ( عيرا ) العير هي الإبل التي تحمل الطعام وغيره
( جرابا ) بكسر الجيم وفتحها الكسر أفصح وهو وعاء من جلد
( نمصها ) بفتح الميم وضمها الفتح أفصح وأشهر
( الخبط ) ورق السلم
( الكثيب ) هو الرمل المستطيل المحدودب
( وقب ) هو داخل عينه ونقرتها
( بالقلال ) جمع قلة وهي الجرة الكبيرة التي يقلها الرجل بين يديه أي يحملها
( الفدر ) هي القطع
( كقدر الثور ) رويناه بوجهين مشهورين في نسخ بلادنا أحدهما بقاف مفتوحة ودال ساكنة أي مثل الثور والثاني كفدر جمع فدرة والأول أصح
( رحل ) أي جعل عليه رحلا
( وشائق ) قال أبو عبيد هو اللحم يؤخذ فيغلى إغلاء ولا ينضج ويحمل في الأسفار يقال وشقت اللحم فاتشق والوشيقة الواحدة منه والجمع وشائق ووشق وقيل الوشيقة القديد ]



--------------------------------------------------------------------------------


الأحكام لمن كان (خارج) البحر

الدعاء عند وصول البحر:
قالت خولة بنت حكيم رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شي حتى يرتحل من منزله ذلك ) رواه مسلم، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/81 ] صحيح الترغيب والترهيب [3 / 119 ].

وضع شي على موضع السجود إذا كانت الأرض حارة:
جاء عن أنس رضي الله عنه قال: [كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود] رواه البخاري ومسلم، أنظر إرواء الغليل [2/16].
وعن جابر y قال:[كنت أصلي الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر]. رواه أبو داود وروى النسائي نحوه، قال الشيخ الألباني (صحيح) أنظر مشكاة المصابيح [1/221 ] وصحيح أبي داود [1/82].
وجاء[وكان أصحابه صلى الله عليه وسلم يصلون معه في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدهم أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه] رواه الإمام أحمد قال الشيخ الألباني ( صحيح ) أنظر صفة الصلاة [1/150 ].
- وكان هذا في أول الأمر ثم أمر بالإبراد بالصلاة، كما قال صلى الله عليه وسلم (أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وعن المغيرة بن شعبة  انظر حديث رقم: [30] فى الجامع الصغير وزيادته [1 /3 ].
وقال صلى الله عليه وسلم:(إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة و عن أبي ذر وعن ابن عمر  انظر حديث رقم: [339] في الجامع الصغير وزيادته [1/ 34 ].
وجاء عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، ثم أراد أن يؤذن فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، ثم أراد أن يؤذن فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، مرتين أو ثلاثاً حتى رأينا فيء التلول ثم قال :صلى الله عليه وسلم (إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) رواه البخاري ومسلم، أنظر الجامع الصغير وزيادته [1/34 ] وصحيح أبي داود [1/82 ].

يستحب تأخير صلاة الظهر إذا كان الجو حاراً:
جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وعن المغيرة بن شعبة  انظر حديث رقم: [30] فى الجامع الصغير وزيادته [1 /3 ].
وقال صلى الله عليه وسلم (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة و عن أبي ذر وعن ابن عمر  انظر حديث رقم: [339] في الجامع الصغير وزيادته [1/ 34 ].
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، ثم أراد أن يؤذن فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، ثم أراد أن يؤذن فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، مرتين أو ثلاثاً حتى رأينا فيء التلول ثم قال :صلى الله عليه وسلم (إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) أخرجه البخاري ومسلم أنظر الجامع الصغير وزيادته [1/34 ] وصحيح أبي داود [1/82 ].
- فإذا كان وقت الظهر شديد الحرارة فينبغي الإبراد إلى قريب من صلاة العصر، لأن هذا الوقت هو الذي يحصل به الإبراد.
- والبعض يصلي صلاة الظهر بعد أذان الظهر بنصف ساعة أو ساعة، ويقول هذا إبراد، وفي الحقيقة هذا ليس إبراد بل هو إحرار، لأنه معروف أن الحر يكون أشد بعد الزوال (بعد دخول وقت الظهر) بنحو بساعة، لكن ينبغي الإبراد إلى قريب من صلاة العصر، لأن هذا الوقت هو الذي يحصل به الإبراد.
ويجوز للفرد أن يبرد بالصلاة ولو كان يصلي لوحده، ويجوز للنساء أن تبرد بالصلاة، فالحكم عام للرجال والنساء، والعلة واحدة كما قال صلى الله عليه وسلم: (فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة و عن أبي ذر وعن ابن عمر  انظر حديث رقم: [339] في الجامع الصغير وزيادته [1/ 34 ].

الصلاة في النعال:
• جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم) رواه أبوداود والبزار والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، قال الشيخ الألباني (صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/553 ] مشكاة المصابيح [1/168 ] صفة الصلاة [1/80 ].
• وجاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا صلى أحدكم فليلبس نعليه أو ليخلعهما بين رجليه ولا يؤذي بهما غيره) رواه ابن خزيمة صححه الشيخ الألباني انظر صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/66 ] وصفة الصلاة [1/80 ].
• فحكم الصلاة بالنعال سنة، ولكن لا يصلي فيهما إلا بعد التأكد من نظافتهما، فإن رأى فيهما نجاسة حكهما بالتراب أو بأي أمر، حتى يزيل النجاسة ثم يصلي فيهما.

السترة عند الصلاة:
• السترة هي: ما يضعه المصلي بين يديه ليتقي به مرور المار.
• قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصلِ إلا إلى سترة ولا تدع أحداً يمر بين يديك فإن أبى فلتقاتله فإن معه القرين) رواه ابن خزيمة وصححه، قال الشيخ الألباني (صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/76 ] وصحيح الترغيب والترهيب [1/136 ] وصفة الصلاة [1/82 ].
• وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها ولا يقطع الشيطان عليه صلاته) رواه أبوداود والبزار والحاكم وصححه ووافقه الذهبي والنووي، قال الشيخ الألباني (صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/64 ] ومشكاة المصابيح [1/172 ] والسلسلة الصحيحة [3/374 ] وصفة الصلاة [1/82 ] .
• يضع المصلي أمامه ستره بشرط أن يكون ارتفاع السترة [ثلثي ذراع] فصاعداً تقريباً كما قاله أهل العلم، استدلالاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما سُؤال عن السترة قال: (مثل مؤخرة الرحل). انظر الجامع الصغير وزيادته [1/48- 83 ] ومشكاة المصابيح [1/171].
• وحكم السترة في الصلاة سنة مؤكدة على القول الراجح، سواء خشي ماراً أولم يخش ماراً، وإن كان هناك من أهل العلم من قال بالوجوب.
• من لم يجد ستره يضعها بين يديه للصلاة، فليخط خطاً، كما قال صلى الله عليه وسلم (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا فإن لم يكن فليخط خطا ولا يضره ما مر بين يديه) رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان قال الحافظ بن حجر "حديث حسن"، وابن المديني وأحمد بن حنبل (صححاه)، انظر التمهيد [4/199 ] والاستذكار [2/281 ] وعمدة القاري [4/291 ]، قال الشيخ محمد بن عثيمين "الحديث حجة".
• قال صلى الله عليه وسلم (يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كمؤخرة الرحل المرأة و الحمار و الكلب الأسود، فقال أبوذر مابال الأسود من الأحمر فقال: الكلب الأسود شيطان) رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجه والنسائي عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال الشيخ الألباني: ( صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1410] حديث رقم : 8131 في صحيح الجامع.
- ومعنى (يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كمؤخرة الرحل المرأة والحمار والكلب الأسود، قيل: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر ؟ قال: الأسود شيطان) أي تبطل الصلاة ويُلزم بإعادة الصلاة، هذا إذا لم يضع له سترة، ولم يمنع هؤلاء الثلاثة من المرور، ولم يدافع فإنه يعيد الصلاة.
- أمام إذا كان واضع له سترة، وحاول أن يمنعه ولكنه غلبه ومر، أوكان غافلاً، فليس عليه شي ولا تقطع صلاته، لعموم قول الله عز وجل }لايكلف الله نفساً إلا وسعها{، ولقوله تعالى}ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا{.

النهي عن تغطية الفم ( في الصلاة ):
• جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم (نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة) رواه أبوداود والترمذي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم, قال الشيخ الألباني (حسن) أنظر أنظر الجامع الصغير وزيادته [1/1284 ] ومشكاة المصابيح [1/168].
• يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (يكره أن يغطي الإنسان وجهه وهو يصلي, ولكن لو أنه احتاج إليه لسبب من الأسباب جاز له، ومنه العطاس فإن المكروه تبيحه الحاجة, وإذا تثاءب ليكظم التثاؤب فهذا لا بأس به وإذا كان حوله رائحة كريهة تؤذيه في الصلاة واحتاج إلى اللثام فهذا جائز وكذا لو كان به زكام وصار معه حساسية إذا لم يتلثم فهذا أيضا جائز), أو كان هناك ريح شديدة وغبار جاز أيضا.

الصلاة إلى النار ( كالمدفأة – شمعة – حطب ):
• الصلاة إلى النار بالحطب: لا يجوز لأنه من التشبه بعباد النار ( وهم المجوس ).
• المدفأة والشمعة فيه خلاف:
- بعض أهل العلم يمنعه لأنه من التشبه بعباد النار المجوس, ولأنه يُلهيه.
- وبعض أهل العلم يجوزه وهو الراجح، إلا إذا كان ذلك يشوش ويُلهي المصلي فيُقال بكراهة الصلاة إليها.

التستر عند قضاء الحاجة:
• عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم (خذ الإداوة فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته) رواه البخاري ومسلم، انظر فتح الباري - ابن حجر [1/307 ] وعمدة القاري [3 / 99 ] وعمدة القاري [4/70 ].
• عن جابر رضي الله عنه قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد) رواه أبوداود، قال: الشيخ الألباني (صحيح) انظر مشكاة المصابيح [1/74 ] وصحيح أبي داود [1/4 ]. .
• وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أتى الغائط فليستتر) رواه أبو داوود ، قال الشيخ الألباني: ( ضعيف ) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1225] حديث رقم : 5468 في ضعيف الجامع ، والسلسلة الضعيفة [3/98] ، وضعيف أبي داود [1/8] ، ومشكاة المصابيح [1/76].
• وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب المذهب أبعد ) رواه أبو داود والترمذي وابن خزيمة وصححه , وقال الشيخ الألباني (صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/886 ] والسلسلة الصحيحة [3/149 ] .
• والبعد حال قضاء الحاجة "من كمال الحياء والأدب والذوق".

النهي عن قضاء الحاجة في طريق الناس أو ظلهم أو في أماكن جلوسهم:
• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم ) رواه مسلم، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/11 ] والسلسلة الصحيحة [5/459 ] ومشكاة المصابيح [1 /73 ].
• وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وقال الشيخ الألباني (حسن) انظر إرواء الغليل [1/100 ] والجامع الصغير وزيادته [1/12 ] وصحيح الترغيب والترهيب [1/35 ].
• ومثله المنع من قضاء الحاجة تحت الأشجار، وضفة النهر الجاري، أو نقع الماء، أو أي مكان ينتفع منه الناس.
• الحكمة من النهي عن قضاء الحاجة في طريق الناس أو ظلهم أو في أماكن جلوسهم هي:
1- لأن رائحة الخلاء خبيثة ومنتنة فيتأذى بها الناس.
2- من حيث التقزز والتكره، لأن الناس إذا رأى الخلاء فإنه يتكره هذا الشيء ويتبرم ويتقزز.
3- أنه يؤذيهم من حيث تلوثهم وتنجسهم به.
4- حرمان الناس من هذا المجلس الذي يجلسون إليه.
5- من أسباب اللعن، أي أن الناس يلعنونه بسبب ذلك.

الإهتمام بالفراش قبل النوم وتفقده ونفضه:
- جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليضطجع على شقه الأيمن ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة . انظر الجامع الصغير وزيادته [1 / 41 ] حديث رقم: 407 ومشكاة المصابيح [2/37 ].
- وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه حث بنفض الفراش "ثلاث مرات" فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه بصنفة إزاره ثلاث مرات فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعده) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة انظر الجامع الصغير وزيادته[1/72 ] حديث رقم: [716].
• فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه أي (ما صار بعده خلفاً وبدلاً عنه ولا يدري ما وقع في فراشه بعد ما خرج منه من تراب أوقذاة أوهوام من حية أوعقرب أوغيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر فتؤذيه وهذا من الحذر ومن النظر في أسباب دفع سوء القدر ومن باب اعقلها وتوكل .. ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره لئلا يحصل في يده مكروه إن كان شيء هناك ). انظر فتح الباري لأبن حجر [11/127 ] وعمدة القاري[22/289 ].
• وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي امامة رضي الله عنه قال: [إن الشيطان ليأتي إلى فراش الرجل بعدما يفرشه أهله ويتهيئه فيلقي العود والحجر ليغضبه على أهله فإذا وجد أحدكم ذلك فلا يغضب على أهله فإنه عمل الشيطان] قال الشيخ الألباني (حسن) أنظر شرح سنن ابن ماجه[1/276] الأدب المفرد [1/407 ].

إماطة الأذى عن طريق الناس أوظلهم:
- فقد يجد الشخص في أماكن جلوس الناس وفي ظلهم [أشجار ساقطة – أكياس نفايات – حجارة ] وغيرها مما هو مؤذي.
- أو في طريقه [إطار مسلوخ – سيارات متعطلة – مخلفات مقاولين – بقايا حوادث – إبل – زيت منسكب ] وغيرها مما هو مؤذي.
- فليزيلها حتى لا تؤذي الناس وينوي بذلك الأجر والمثوبة، وتربية النفس على هذه العبادة العظيمة وهي إماطة الأذى عن طريق الناس.. فإماطة الأذى عن طريق الناس أوظلهم (من الصدقات) التي يثاب عليها المسلم إذا نوى إبعاد الأذى عن المسلمين:
جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (عرضت علي أمتي بأعمالها حسنها وسيئها فرأيت في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق) رواه مسلم عن ابي ذر رضي الله عنه أنظر الجامع الصغير وزيادته [1 / 745 ] حديث رقم: [4003] وصحيح الترغيب والترهيب [3/ 80 ] ومشكاة المصابيح [1/156 ].
وقال صلى الله عليه وسلم (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة) رواه أبو داود عن أبي ذر قال الشيخ الألباني: ( صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1406 ] حديث رقم: [8096].
وقال صلى الله عليه وسلم (وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة) رواه الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه عن ابي ذر رضي الله عنه قال الشيخ الألباني: ( صحيح) انظر صحيح الترغيب والترهيب [3 / 14 ] ومشكاة المصابيح [1/430 ].
وقال صلى الله عليه وسلم (إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين و ثلاثمائة مفصل فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس أوشوكة أوعظما عن طريق الناس وأمر بمعروف أونهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى فإنه يمسي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار) رواه مسلم عن عائشة، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/416 ] حديث رقم: [2391].
- بل إن إماطة الأذى عن طريق الناس أوظلهم ولو كان شيئاً يسيراً جداً سبباً لدخول الجنة إذا نوى المسلم بإبعاده حتى لا يؤذي المسلمين:
جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة . انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1081 ] حديث رقم: [5863]
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت شجرة تؤذي الناس فأتاها رجل فعزلها عن طريق الناس قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم (فلقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة) رواه أحمد وأبو يعلى ولا بأس بإسناده في المتابعات قال الشيخ الألباني ( حسن صحيح ) أنظر: صحيح الترغيب والترهيب [3/82]

هداية ودلالة الضال والحاير في الطريق:
- إن هداية الضال والحاير في الطريق لمن الصدقات التي يثيب الله عليها.
جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل سلامى من الناس عليه صدقة ..... و دل الطريق صدقة) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/866 ] حديث رقم: [4528].
- وقوله: [دل الطريق بفتح الدال أي بيانه لمن أحتاج إليه وهو بمعنى الدلالة] أنظر فتح الباري ابن حجر[6 / 85 ] وعمدة القاري [14/175].
- وقال صلى الله عليه وسلم (وهديك الرجل في أرض الضالة صدقة) قال الشيخ الألباني: ( صحيح لغيره ) أنظر: صحيح الترغيب والترهيب [3 / 80 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (على كل نفس في كل يوم طلعت عليه الشمس صدقة منه على نفسه من أبواب الصدقة: ..... وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها ......كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك) رواه الإمام أحمد والنسائي عن أبي ذر، قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر الجامع الصغير وزيادته[1/749 ] حديث رقم: [4038]

وأخيراً:
هذا ما تيسر جمعه فما أصبت فيه فمن فضل الله عز وجل وتوفيقه وله الحمد والشكر ، وما أخطأت فيه فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله العلي العظيم ، وأسال الله أن يجعلنا من التوابين المنيبين إليه وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، والحمد لله رب العالمين .

Heba Khled
08-19-2011, 06:19 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

ماذا تفعل عند خروجك للبحر..؟
بسم الله الرحمن الرحيم
ماذا تفعل عند خروجك للبحر..
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد :
اعتاد بعض الناس الخروج في الصيف وفي غيره (للبحر) للتنزه أو للصيد, وهناك آداب وأحكام كثيرة تتعلق بمن يذهب (للبحر), يجهلها البعض من الناس ويغفل عنها البعض الآخر, وسؤورد بإذن الله بعض هذه الآداب والأحكام المتعلقة لمن أراد الخروج (للبحر), وجميع الأحكام الفقهية هي من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله تعالى، وأسأل الله التوفيق والسداد.
مقدمة:
إذا تأملت عجائب البحر وما فيه من الحيوانات، على اختلاف أجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانها، حتى إن فيها حيواناً أمثال الجبال لا يقوم له شيء، وحتى إن فيه من الحيوانات ما يرى ظهورها فيظن أنها جزيرة، فينزل الركاب عليها فتحس بالنار إذا أوقدت فتتحرك فيعلم أنه حيوان، وما من صنف من أصناف حيوان البر إلا وفي البحر أمثاله حتى الإنسان والفرس والبعير وأصنافها، وفيه أجناس لا يعهد لها نظير في البر أصلا، هذا مع ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان، فترى اللؤلؤة كيف أودعت في كن كالبيت لها، وهي الصدفة تكنها وتحفظها، ومنه اللؤلؤ المكنون وهو الذي في صدفه لم تمسه الأيدي، وتأمل كيف نبت المرجان في قعره في الصخرة الصماء تحت الماء على هيئة الشجر، هذا مع ما فيه من العنبر وأصناف النفائش.أهـ أنظر مفتاح دار السعادة [1/204 ].
وقد قسمت البحث إلى قسمين.
أولاً: الأحكام الفقهية لمن كان في (وسط) البحر.
وثانياً: الأحكام الفقهية لمن كان في (خارج) البحر.
فائدة:
لم يركب النبي صلى الله عليه وسلم البحر ولا أبو بكر رضي الله عنه ولا عمر رضي الله عنه . أنظر مجموع الفتاوى [21/316 ].
الأحكام لمن كان في (وسط) البحر
الدعاء عند ركوب المركب "القارب- الطراد- اليخت- السفينة":
قول (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، الحمد لله الحمد لله الحمد لله، والله أكبر والله أكبر والله أكبر، سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) رواه أحمد والترمذي وأبو داود عن علي، قال الشيخ الألباني (صحيح)، أنظر مشكاة المصابيح [2/44 ] والكلم الطيب [1/144] ومختصر الشمائل [1/123].
الدعاء عند وصول جزيرة:
قالت خولة بنت حكيم رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شي حتى يرتحل من منزله ذلك ) رواه مسلم، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/81 ] صحيح الترغيب والترهيب [3 / 119 ].
الأذان للصلاة في البحر:
• عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ) قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري .
وزاد ابن ماجه ( ولا حجر ولا شجر إلا شهد له). أنظر صحيح الترغيب والترهيب [1/56].
• وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يغفر للمؤذن منتهى أذانه ويستغفر له كل رطب ويابس سمعه) رواه أحمد والطبراني في الكبير، وصححه الشيخ الألباني كما في صحيح الترغيب والترهيب.
- حكم الأذان.. إذا كان منفرد (لا يوجد غيره) لا يلزمه ولا يجب عليه الأذان والإقامة، بل هما سنة في حقه.
- أما إذا كان معه أحد، فالأذان والإقامة واجبان عليهم، لقوله صلى الله عليه وسلم (إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما) رواه البخاري ومسلم.
- فلأذان والإقامة واجبان على (جماعة الرجال) فقط.
- أما النساء فيستحب في حقهم الإقامة فقط، ولا يشرع لهم الأذان، لأن الأذان من خصائص الرجال.
تحري القبلة للصلاة في البحر:
- يلزم من أراد أن يصلي أن يجتهد في تحري القبلة, لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء واستقبل القبلة فكبر). رواه البخاري ( 1 / 145)(4 / 172) ومسلم ( 2 / 11 ). انظر حديث رقم: [738] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/74 ].
- فإن صلى (بغير اجتهاد) وأخطأ فعليه القضاء[يعيد صلاته].
- فإن صلى (بغير اجتهاد) وأصاب فصلاته صحيحة على (القول الراجح).
- وإن (اجتهد في تحري القبلة) فصلى فتبين بعد الصلاة أنه صلى إلى غير القبلة فلا يلزمه الإعادة لأنه صلى باجتهاد حسب ما أُمر به.
- لذلك ينبغي لمن يخرج للبحر أن يحتاط لصلاته ويأخذ معه "البوصلة" لمعرفة اتجاه القبلة.
- فيجب استقبال القبلة في "صلاة الفرض" من أول الصلاة حتى أخرها، ويستدير إلى القبلة حيث استدارت به السفينة، كما في حديث ابن عمر  قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض). رواه البخاري ومسلم، مشكاة المصابيح [1/299 ].
- فقوله في الحديث السابق: (إلا الفرائض) يدل على أن صلاة الفريضة يشترط لها استقبال القبلة، فلايجوز ولا يصح الصلاة بدون استقبال القبلة.
- أما في "صلاة النفل" فلا يجب عليه استقبال القبلة لا في أول الصلاة ولا في أخرها، فيجوز أن يصلي النافلة بدون استقبال القبلة، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر  قال ( كان صلى الله عليه وسلم في السفر يصلي النوافل على راحلته ويوتر عليه حيث توجهت به شرقا وغربا ) رواه البخاري ومسلم.
- وفي رواية لمسلم (وفي ذلك نزل قوله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله). انظر حديث رقم: [4965] في صحيح انظر الجامع الصغير وزيادته [1/910] وصفة الصلاة للألباني [1/75] ومشكاة المصابيح [1/299 ].
- فيجب ويشترط في صلاة الفريضة استقبال القبلة، أما صلاة النافلة فيجوز أن يصلي بدون استقبال القبلة لفعله صلى الله عليه وسلم. انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام [23/128-235 ][24/37 ] والفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام [1/340 ] .
وجوب القيام في للصلاة:
يجب القيام في "الصلاة المفروضة"، لعموم قول الله تعالى (وقوموا لله قانتين)، ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب)، رواه البخاري عن عمران بن حصين. انظر حديث رقم : 3778 في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/723].
- فيجب عليه أن يقوم في الصلاة ولو كان معتمداً على عصا أوممسك بعمود أوبحبل، ولو كان على هيئة المنحني قليلاً، ولو كان على هيئة الراكع، فيجب عليه القيام لعموم الأدلة السابقة، وهي قوله تعالى (وقوموا لله قانتين)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب).
- إلا إذا خشي السقوط أو الضرر أو لايستطيع القيام لمرض أوغيره فيصلي جالساً، لعموم قول الله تعالى }ولا تلقوا بأيديكم إلا التهلكة{، وقوله}فاتقوا الله ما استطعتم{، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب).رواه البخاري عن عمران بن حصين، انظر حديث رقم: [3778] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/723 ]، وإرواء الغليل [2/8 ]... ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (صل قائماً إلا أن تخاف الغرق).رواه الحاكم عن ابن عمر. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [3777] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/723 ].
- وقوله صلى الله عليه وسلم (إلا أن تخاف الغرق) أي إلا إن خفت من دوران الرأس والإضطراب وتحرك السفينة والسقوط في البحر لو وقفت، فإنه يجوز لك القعود للضرورة. أنظر فيض القدير [4/198 ] بتصرف.
أما في "صلاة النافلة" فيجوز للمصلي أن يصلي جالساً ولو كان يستطيع القيام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ومن صلى قائماً فله نصف أجر القاعد) رواه البخاري انظر إرواء الغليل [2/206 ] وهذا في صلاة النافلة، ولفعله صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسا فيقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأ وهو قائم ثم ركع) رواه مسلم، انظر مختصر الشمائل [1/151 ].
لكن الأفضل والأكمل والأحسن أن يصلي قائماً لكي ينال الأجر كاملاً، كما قال صلى الله عليه وسلم (صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم)، رواه البخاري ومسلم، عن عمران بن حصين، انظر حديث رقم: [6363] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1131] وإرواء الغليل [2/8 -206 ].
حكم جعل الإمام في الوسط والمأمومين عن يمينه وشماله في نفس الصف:
- الأصل أن الإمام يقف أمام المصلين والمأمومين خلفه.
- فإذا كان لايمكن الوقوف خلف الإمام لضيق المكان، وكان عددهم [اثنين] يقف أحدهما عن يمين الإمام والأخر عن شماله للحاجة ويكون الإمام وسطهما، وصلاتهم صحيحة إن شاء الله تعالى، ولا يصح أن يقفا جميعاً عن يمين الإمام.
- وإذا كان لايمكن الوقوف خلف الإمام لضيق المكان، وكان عددهم [أكثر من ثلاثة] يقفوا جميعاً عن يمين الإمام ويساره للحاجة ويكون الإمام وسطهم، وصلاتهم صحيحة إن شاء الله تعالى، ولا يصح أن يقفا جميعاً عن يمين الإمام.
هل يجوز أن يقف الرجل وحده خلف الصف:
- الأصل والواجب أن يقف المصلي مع الصف ولايجوز له أن يصلي منفرد خلف الصف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فلا صلاة لمن صلى خلف الصف وحده)، رواه ابن أبي شيبة وابن ماجه، عن علي بن شيبان. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [949] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/96 ] وإرواء الغليل [2/329 ].
- لكن يجوز أن يقف الرجل وحده خلف الصف، إذا وجد الصفوف "تامة ومكتملة" ولم يجد مكاناً في الصف، لكونه معذور في مثل هذه الحالة، لأنه لم يتمكن من دخول الصف مع المصلين، لعموم قول الله تعالى:}لايكلف الله نفساً إلا وسعها{ والواجبات تسقط بالعذر والعجز عنها، وصلاته خلف الصف صحيحة إن شاء الله تعالى.
ستر العورة في الصلاة:
يجب على المصلي أن يستر عورته أثناء الصلاة، لعموم قول الله تعالى:}يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{.
- وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، فيجب ستر هذه المنطقة.
- ولابد للثوب أن لا يكون شفافاً يصف البشرة، بل لابد أن يكون صفيقاً لايصف البشرة، فإذا كان هذا الثوب الذي على البدن يبين تماماً لون الجلد فيكون واضحاً، فإن هذا ليس بساتر، وأما اذا كان يبين منتهى السروال من بقية العضو فهذا ساتر.
- ومن صلى وهو لابس سراويل قصيرة منتصف الفخذ، وفوقها ثياب تصف البشرة (الفخذين)، حكم صلاة هذا حكم من صلى بغير ثوب، فوجودها كعدمها.
الصلاة بالإزار:
يصح الصلاة والشخص لابس الإزار، ولكن بثلاثة شروط:
1- أن يكون طاهراً.
2- أن يكون ساتراً للعورة.
3- أن لايكون شفافاً يصف البشرة (الفخذين).
الصلاة (بالشورت) السروال القصير:
لاتصح الصلاة والشخص لابس (الشورت) السروال القصير، لعموم قول الله تعالى: }يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{.
- فأمر الله تعالى أن نتزين ونتجمل عند ملاقاته سبحانه وتعالى والوقوف بين يديه، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل ملكاً بثياب رثه، أونصف بدنه ظاهر، فكيف لايستحي أن يقف بين يدي ملك الملوك عز وجل بثياب غير مطلوبه منه أن يلبسها.؟!
- وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، فيجب ستر هذه المنطقة.
- فلا يجوز أن يصلى الرجل مكشوف الفخذين سواء قيل هما عورة أو لا، كما أنه لو صلى وحده فى بيت كان عليه تغطية ذلك بإتفاق العلماء. أنظر مجموع الفتاوى [22/116 ]بتصرف.
- وإذا صلاة الرجل بادى الفخذين مع القدرة على سترهما، فهذا لا يجوز ويجب عليه أن يعيد صلاته. أنظر مجموع الفتاوى [22/116 ]بتصرف.
- وهذا الحكم عام في صلاة الفرض والنفل.
هل الفخذ عورة..؟
- ينبغي للشاب أن يستر فخذه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت) رواه ابو داود عن علي. قال الشيخ الألباني: (صحيح ) انظر حديث رقم: [7440] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1340 ].
ولقوله صلى الله عليه وسلم (غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته) رواه الامام احمد والحاكم عن ابن عباس. قال الشيخ الألباني: (صحيح ) انظر حديث رقم: [4158] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/761 ].
- وهو من كمال الحياء والمروءة.
ستر العاتقين في الصلاة:
- على من يصلي أن يستر عاتقيه بأي شي، سواء كان بلبسه للفانيلة الساترة للعاتق بكامله، أو بالفانيلة الساترة لجزء من العاتق (العلاقية)، أو رداء، أو أي أمر يستر به عاتقه، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. انظر حديث رقم: [7726] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1369].
- وفي لفظ (لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شيء) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أنظر صحيح أبي داود [1/124 ].
- وهي من الزينة التي أُمر المصلي بتخاذها كما قال الله تعالى: }يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{.
- ومعنى قوله تعالى: (عند كل مسجد) أي عند كل صلاة. أنظر تفسير الجلالين [1/196 ]، وتفسير البغوي [1/225 ]، وتفسير أبي السعود [3/224]، وتفسير البيضاوي [1/17].
- وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق (على منكبيه منه شيء) (على عاتقه منه شيء) كلمة (شيء) تعم كل شيء على العاتقين ولو كان يسيراً، ولو كانت فانيلة بخيط (علاقية).
- فإن سَتَرَ عاتقيه جميعاً يكون أفضل وأكمل وأحسن وأجمل وخروجاً من الخلاف، وإن ستر عاتق واحد والآخر مكشوفاً فلا شي عليه.
- ومن صلى وهو مكشوف العاتقين ولم يغطيهما، فصلاته صحيحة إن شاء الله تعالى لأن ستر العاتقين سنة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر  (إذا صليت في ثوب واحد إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه، و إذا كان ضيقاً فاشدده على حقويك) وفي رواية (وإذا كان ضيقاً فاتزر به). رواه البخاري ومسلم عن جابر. انظر حديث رقم: [7904] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1387].
- وكونه لابد أن يكون على العاتقين شيء من الثوب، ليس لأن العاتقين عورة، بل من أجل تمام اللباس والتزين والتجمل عند ملاقاته سبحانه وتعالى والوقوف بين يديه، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل ملكاً بثياب رثه، أونصف بدنه ظاهر، فكيف لايستحي أن يقف بين يدي ملك الملوك عز وجل بثياب غير مطلوبه منه أن يلبسها.؟!
السجود للابس النظارة:
- يصح للمصلي أن يسجد وهو لابس النظاراة، لكن بشرط وهو أن يُمّكن جبهته وأنفه من الأرض، أما اذا كان مُجرد ملامسه لجبهته وأنفه للأرض فلا يصح وصلاته غير صحيحة، بل لابد من تمكين الجبهة والأنف من الأرض، لقول النبي صلى الله عليه وسلم [أمرت أن أسجد (وفي رواية: أمرنا أن نسجد) على سبع أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين (وفي لفظ: الكفين) والركبتين وأطراف القدمين] رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم وكان يقول: (إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه). أنظر صفة الصلاة [1/143 ] للشيخ الألباني.
- ومعنى (آراب) الإرب هو العضو. أنظر فتح الباري - ابن حجر [1/77 ][2/296 ].
السجود للابس الكاب (الكبوس- القبعة):
- لايصح أن يسجد المصلي وهو لابس الكاب (الكبوس)، لأنه يمنعه من تمكين جبهته وأنفه من الأرض، والمصلي مأمور أن يمكن جبهته وأنفه من الأرض لقول النبي صلى الله عليه وسلم [أمرت أن أسجد ( وفي رواية: أمرنا أن نسجد ) على سبع أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين (وفي لفظ : الكفين ) والركبتين وأطراف القدمين] رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم وكان يقول: ( إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه ). أنظر صفة الصلاة [1/143 ] للشيخ الالباني.
- ولآبس الكاب "الكبوس- القبعة"، لايمكنه من تمكين جبهته على الأرض.
إقامة جماعتين في القارب:
- الأصل إقامة جماعة واحدة فقط.
- ويصح ويجوز أن تقام في القارب أكثر من جماعة للحاجة، كضيق المكان، فتصلي الجماعة الأولى، وإذا انتهت الجماعة الأولى تأتي الجماعة الثانية وتصلي، ومثله لو كان العدد أكبر والمكان ضيق يصح جماعة ثالثة ورابعة.
تأدية الصلاة في وقتها:
- على من يذهب للبحر، وبخاصة الذين ينزلون في قاع البحر للصيد، أن يحتاطوا لصلاتهم فلا ينزلون للصيد في وقت الصلاة حتى لايترتب عليه تأخير الصلاة عن وقتها، فالصلاة يجب أن تؤدى في وقتها ولا يجوز للمسلم أن يؤخرها عن وقتها، كما قال الله تعالى }إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا{، وكما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها). رواه البخاري ومسلم، انظر إرواء الغليل [5/19 ] صحيح الترغيب والترهيب [1/95 ].
- فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لمريد الجمع. انظر فتح الباري - ابن حجر [2/57 ] وعمدة القاري [5 /91 ] وشرح النووي على مسلم [5/130 ] ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام [21/432 - 463 ] وبدائع الفوائد لأبن القيم [3/792 ].
إقامة صلاة الجمعة في القارب:
- من شروط إقامة صلاة الجمعة أن يكونوا مستوطنين، ومن كان في البحر فهو غير مستوطن، فتسقط عنهم صلاة الجمعة فيصلونها ظهراً.
القصر والجمع لمن ذهب للبحر:
- إذا كان المكان الذي يسذهبون إليه مما يعد في عرف الناس سفراً، فأنتم مسافرون فيجوز لكم أن تترخصوا برخص السفر الأربع وهي: الجمع بين الصلاتين، والقصر(قصر الصلاة الرباعية)، والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، والفطر في نهار رمضان.
- وفي حال اختلاف النظر أو التردد في الإطلاق العرفي، "فقال البعض نحن مسافرون، وقال البعض لسنا بمسافرين"، ففي هذه الحال يُرجع إلى المسافة ، فإن كان المكان الذي أنتم فيه يبعد عن بلدكم أكثر من (ثمانين كيلاً)، فأنتم مسافرون فيجوز أن تترخصوا برخص السفر الأربع: وهي الجمع بين الصلاتين، والقصر(قصر الصلاة الرباعية)، والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، والفطر في نهار رمضان.
- يجوز لكم بل الأفضل لكم القصر (قصر الصلاة الرباعية) إلى ركعتين، أما الجمع الأفضل أن لا تجمعوا، إلا أن يشق عليكم ترك الجمع فاجمعوا، وإن جمعتم بدون مشقة فلا حرج لأنكم تسمون مسافرين.
- الراجح، أن الشخص مادام مفارق لمحل إقامته وفي عرف الناس أنه مسافر، فهو مسافر حتى يرجع ولو طالت المدة أكثر من أربعة أيام، لفعله صلى الله عليه وسلم حينما أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً وهو يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يوماً وهو يقصر الصلاة، وأقام في حجة الوداع عشرة أيام وهو يقصر الصلاة، وما ورد عن الصحابة والتابعين ما يدل على السفر لا ينقطع بنية إقامة مدة معينة وإن طالت، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أنه لا يحدد للمسافر أيام معينة، فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقيد المسافر بأيام محددة، فتحديده بالمسافة والأيام لا أصله له في الشرع ولا في اللغة ولا بالعرف ولا بالعقل، هذا هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
- من دخل الصلاة وهو ينوي الإتمام، ثم تذكر وهو في الصلاة أنه مسافر فإنه لا يلزمه الإتمام، بل يجوز له أن يقصر ولو لم ينوي القصر من أول الصلاة، لأن الأصل في صلاة المسافر القصر، كما قالت عائشة رضي الله عنها (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ) رواه البخاري ومسلم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .
- من دخل بنية القصر ثم نسي وقام لثالثة، عليه أن يرجع لأن هذا الرجل دخل في الصلاة على أنه يريد أن يصلي ركعتين فليصلي ركعتين، ولا يجوز له أن يزيد، وفي هذه الحال يلزمه الرجوع من الركعة الثالثة يسجد للسهو بعد السلام لأنه زاد في الصلاة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
- لا يشترط الموالاة بين المجموعتين فيجوز الفصل بين الصلاتين إما:
أ/ بصلاة نافلة.
ب/ بأذكار.
ج/ بكلام ولو لم يكن في صلب الصلاة .
(لكن الأفضل والأولى والأحسن والأكمل أن لا يفصل بين الصلاتين خروجاً من خلاف أهل العلم) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
- الأذان والإقامة للمسافر.. إذا كان منفرد (لا يوجد غيره) لا يلزمه ولا يجب عليه الأذان والإقامة، بل هما سنة في حقه.
- أما إذا كان معه أحد فالأذان والإقامة واجبان عليهم، لقوله صلى الله عليه وسلم (إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما) رواه البخاري ومسلم.
- فلأذان والإقامة واجبان على (جماعة الرجال) فقط.
- أما النساء فيستحب في حقهم الإقامة فقط، ولا يشرع لهم الأذان، لأن الأذان من خصائص الرجال.
- إذا أرادوا الجمع بين الصلاتين، مأمورون أن يؤذنوا أذان واحد فقط ويقيموا لكل صلاة، لفعله صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.. وكذالك المقيمين إذا أرادوا الجمع بين الصلاتين مأمورون أن يؤذنوا أذان واحد فقط ويقيموا لكل صلاة في حال جمعهم للصلاتين.
- الأذكار لمن جمع بين الصلاتين .. لا يخلوا من أمرين:
أ/ إذا كان الإمام (يترك مجال) للأذكار بعد الصلاة الأولى فتقال بعد الصلاة الأولى.
ب/ إذا كان الإمام (لا يترك مجال) للأذكار بعد الصلاة الأولى فتكون الأذكار بعد صلاة العشاء وتكون بنية واحدة لصلاة المغرب والعشاء ، ومثله في الجمع بين الظهر والعصر..
والأحوط: أن يأتي بأذكار الصلاة الأولى ثم يأتي بعدها بأذكار الصلاة الثانية، هذا هو الأحوط والأفضل، وإن اقتصر على الأذكار الصلاة الأخيرة منها دخلت فيها أذكار الصلاة الأولى.
- المسافر تسقط عنه صلاة الجمعة، فلا يقيم وينشأ صلاة للجمعة، بل ولا تصح منه إقامة وإنشاء الجمعة، ولو أقامها وأنشأ وصلى الجمعة في السفر فصلاته لا تصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقيم الجمعة في السفر، فمن أقامها في السفر فقد خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون عمله مردوداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه البخاري ومسلم.
- السفر يوم الجمعة.. إذا أذن الأذان الثاني لصلاة الجمعة، فيحرم السفر لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله...) .. أما إذا كان قبل الأذان الثاني فجائز، وقال بعض أهل العلم بكراهيته لئلا يفوت على الإنسان فضل الجمعة.
إذا أصاب الإنسان دم على ملابسه أو جسده:
• الدماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- طاهر كثيره وقليله[كدم الإنسان – والدم الذي يبقى في المذكاة "كالدم الذي يكون في العروق والقلب والطحال والكبد" - ودم السمكة – ودم الجراد]لا يجب غسله ولو كان كثير.
2- نجس لا يعفى عن شيىء منه[كالدم الخارج من السبيلين - ودم الحيض – والدم المسفوح "هو الدم الخارج من الذبيحة أول ما تذبح" - ودم الكلب]يجب غسله.
3- نجس ويعفى عن يسيره[كدم البعوضة والذباب]لا يجب غسله.
- الحكم لو صلى الإنسان ثم وجد في ملابسه أثر النجاسة.؟
(الجواب) من صلى ثم وجد في ملابسه أثر النجاسة هو لا يخلو من خمس حالات:
- لو صلى في الملابس النجسة (جاهلاً بالنجاسة)لم يعلم بها إلا بعد الإنتهاء من الصلاة، أو(جاهلاً بالحكم) فصلاته صحيحة ولا يجب عليه الإعادة.
- كان يعلم بها قبل الصلاة لكن نسي أن يغسلها، فصلاته صحيحة ولا يجب عليه الإعادة، لقول الله تعالى }ربنا لا تؤآخذنا إن نسينآ أو أخطأنا{.
- كان يعلم بها قبل الصلاة ولكن سوّف وأخّر في غسلها حتى نسي أن يغسلها، فصلاته صحيحة ولا يجب عليه الإعادة، لقول الله تعالى }ربنا لا تؤأخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا{.
- لو علم بالنجاسة في أثناء الصلاة، فإنه يزيل الملابس التي فيها النجاسة وهو في الصلاة ويكمل صلاته (كأّن تكون النجاسة في طاقيتة أو في عِمامته أو في شماغه أو في جواربه أو في نعاله) يزيلها وهو يصلي لفعله صلى الله عليه وسلم ، كما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعها عن يساره .... ثم قال إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا أوأذى فأكمل صلاته. رواه أبو داود قال الشيخ الألباني صحيح، انظر إرواء الغليل [1/ 57 ] وشكاة المصابيح [1/168] وتمام المنة [1/55].
- لو علم بالنجاسة في أثناء الصلاة، لكن لا يستطيع إزالة النجاسة من الملابس في أثناء الصلاة، فيقطع الصلاة ويزيل النجاسة ثم يعيد صلاته.
صلاة الشخص وعلى ملابسه شي من دم السمك:
- دم السمك طاهر، لا يجب غسله ولو كان كثير، ومن صلى وفي ملابسه أثر الدم فصلاته صحيحة ولو كان يعلم بالدم قبل الصلاة، لأن دم السمك طاهر، ولكن الأفضل والأكمل والأحسن والأجمل، أن يغسل أثر الدم قبل الصلاة، لعموم قول الله تعالى }يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{، وهذا من تمام وكمال الزينة، لأنه سيقابل الله عز وجل ويقف بين يدبه.
- ولو أن الشخص أحتاط لصلاته وجعل لها ملابس خاصة، إن حضر وقت الصلاة لبسها وإن انتهت الصلاة خلعها، يكون أفضل وأكمل وأحسن وأجمل، من أجل تمام اللباس والتزين والتجمل عند ملاقاته سبحانه وتعالى والوقوف بين يديه، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل ملكاً بثياب رثه، فكيف لايستحي أن يقف بين يدي ملك الملوك عز وجل بثياب غير مطلوبه منه أن يلبسها.؟!
هل خروج الدم من الإنسان ناقض للوضوء.؟
- خروج الدم من البدن سواء كان "قليلاً أو كثيراً" لا ينتقض الوضوء، وليس بنجس، إلا ما خرج من السبيلين من محل البول أو الغائط فإنه نجس وينقض الوضوء ولو كان يسير، فلم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بغسل الدم إلا دم الحيض، مع كثر ما يصيب الإنسان من جروح أو رعاف أو حجامة وغير ذلك، ولو كان نجساً أو ناقض للوضوء لنيبه صلى الله عليه وسلم لدعاء الحاجة إلى ذلك.
- والأدلة على أن خروج الدم من البدن سواء كان قليلاً أو كثيراً لا ينتقض الوضوء، وليس بنجس كثيرة منها:
1- قصة عباد بن بشر وعمار بن ياسر، أن النبي صلى صلى الله عليه وسلم نزل بشعب فقال من يحرسنا الليلة فقام عباد بن بشر رضي الله عنه وعمار بن ياسر رضي الله عنه فباتا بفم الشعب فاقتسما الليل للحراسه فنام عمار بن ياسر رضي الله عنه وقام عباد بن بشر رضي الله عنه يصلي فجاء رجل من العدو فرأى الأنصاري فرماه بسهم فأصابه فنزعه واستمر في صلاته ثم رماه بثان فصنع كذلك ثم رماه بثالث فانتزعه وركع وسجد وقضى صلاته ثم أيقظ عمار بن ياسر رضي الله عنه فلما رأى ما به من الدماء قال له لم لا انبهتني أول ما رمى قال كنت في سورة الكهف فأحببت أن لا اقطعها. رواه البخاري معلقاً، ورواه أبو داود عن جابر رضي الله عنه، قال الشيخ الألباني (حسن) أنظر صحيح أبي داود [1/40 ].
2- وقال الحسن البصري [ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم]. رواه البخاري معلقاً، أنظر أنظر فتح الباري - ابن حجر [1/282].
3- ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم، ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بغسله، ولم يرد أنهم كانوا يتحرزون عنه.
4- وقد صح أن عمر "صلى وجرحه يثعب دماً". رواه الإمام مالك والدارقطني والبخاري معلقاً، قال الشيخ الألباني (صحيح) أنظر إرواء الغليل [1/225].
5- وقال طاوس بن كيسان التابعي المشهور وأثره هذا وصله بن أبي شيبة بإسناد صحيح ولفظه "أنه كان لا يرى في الدم وضوءا يغسل عنه". أنظر الاستذكار [1/231 ] وفتح الباري - ابن حجر [1/ 281 ] وعمدة القاري [3/51 ].
6- وقال محمد بن علي وعطاء وأهل الحجاز "ليس في الدم وضوء". رواه البخاري معلقاً، أنظر فتح الباري - ابن حجر [1/253 ] وعمدة القاري [3 / 51 ].
7- ومن القياس أن أجزاء الأدمي وأعضائه طاهره، فالدم الذي ينفصل منه طاهر.. وغير ذلك من الأدلة. أنظر فتح الباري - ابن حجر [1/ 282 ] ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام [21/223 ].
الوضوء والغسل من ماء البحر:
- ماء البحر طاهر مطهر لغيره، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود و الترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن ابي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح) أنظر صحيح الجامع [1/1301] والسلسلة الصحيحة [1/104] وإرواء الغليل [1/42].
- فيصح للشخص أن يتوضا ويغتسل منه، والبحر طاهر بالإجماع. أنظر الفتاوى الكبرى [1/242 ].
هل يصح في غَسل الرِجل في الوضوء، غمسها في البحر فقط من غير دلكها.؟
يصح أن الشخص في الوضوء يغمس رجله في الماء من غير أن يدلكها، فلا يوجد دليل يدل على وجوب الدلك، لكن بشرط أن ينوي أنه أدخل رجله في الماء لغسل الرجل.
التبول وقضاء الحاجة في البحر:
- يصح التبول والتغوط في البحر بلا خلاف بين العلماء، فماء البحر لا ينجسه شيء بالنص بكلام النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع. أنظر مجموع الفتاوى [20/338 ] [21/499 ].
- أما النص هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله "إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود و الترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن ابي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح) أنظر صحيح الجامع [1/1301] والسلسلة الصحيحة [1/104] وإرواء الغليل [1/42].
الوضوء من البحر وهو يلقى فيه النجاسات والفضلات:
- البحر لا ينجسه شيء بالنص وبالإجماع، فيصح أن يتوضأ منه وهو يعلم بأنه تلقى فيه النجاسات والفضلات. أنظر الفتاوى الكبرى [1/242 ]
- أما النص هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله "إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود و الترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن ابي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح) أنظر صحيح الجامع [1/1301] والسلسلة الصحيحة [1/104] وإرواء الغليل [1/42].
أحكام الغسل من الجنابة:
• يجب على من يخرجون (للبحر) ويبيتون فيها الليلة والليلتان أن يحتاطوا ويستعدوا لو احتاج الشخص للغُسل من الجنابة وذلك بأمور:
- أن يعدوا مكاناً مناسباً مستوراً ومُحاطاً لمن أراد الغسل من الجنابة.
- يجب عليه أن يغتسل بالماء ويعمم سائر جسده بالماء.
- إذا كان الماء بارداً جاز له أن يسخن الماء.
• وإذا إراذ الشخص أن يغتسل في البحر من أثر الجنابة، فيجوز له أن ينغمس في البحر، ولكن بشرط أن ينوي بنغماسه أنه سيغتسل من أثر الجنابة.
عدم غمس اليد في (الإناء) إذا استيقظ من النوم:
لايجوز غمس اليد في (الإناء) إذا استيقظ الشخص من النوم.
- لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) رواه البخاري ( 1 / 54 ) ومسلم ( 1 / 160 - 161 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، انظر إرواء الغليل [1/187 ] مشكاة المصابيح [1/84 ].
إذا غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها هل ينجس الماء أم لا.؟ ، وهل يتغير الماء.؟ ، وهل يجوز الوضوء منه.؟
الجواب: الراجح أن الماء يبقى طهور لا ينجس ولا يتغير ويجوز الوضوء منه، ويأثم من غمس يده في الإناء وهو ذاكراً عالماً بالحكم.
هل النوم ناقض للوضوء.؟
- النوم ناقض للوضوء، إذا كان النوم كثيراً بحيث لا يشعر النائم لو أحدث.
- أما إذا كان النوم يسيراً بحيث يشعر النائم بنفسه لو أحدث فإنه لا ينقض الوضوء.
- ولا فرق في ذلك أن يكون نائماً مضطجعاً أو قاعداً معتمداً أو قاعداً غير معتمد.
- المهم حالة حضور القلب، فإذا كان حال نومه لو أحدث لأحس بنفسه فإن وضوءه لا ينقض، وإذا كان في حال لو أحدث لم يحس بنفسه، فإنه يجب عليه الوضوء، "وذلك لأن النوم نفسه ليس بناقض وإنما هو مظنة الحدث". انظر فتح الباري لابن حجر [1 / 314-239] ومجموع الفتاوى لشيخ الاسلام [21/228 ] وشرح العمدة لشيخ الاسلام [1/299 ].
البول قائماً:
• جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه أتى سباطة قوم فبال قائماً) رواه البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه . انظر إرواء الغليل [1/95 ] مشكاة المصابيح [1/78].
• معنى سباطة: وهي ملقى القمامة والتراب والأوساخ وما يكنس من المنازل.
• يجوز البول قائماً بشرطين:
1- أن يأمن من تلويث لملابسه.
2- أن يأمن من نظر الغير إلى عورته.
• والأفضل البول قاعداً لأن هذا هو أكثر هديه صلى الله عليه وسلم.
لو أصابه شيء (يسير جداً) من رشاش البول على ملابسه:
إذا أصابه شيء يسير جداً من رشاش البول، فإنه يعفى عن يسيره، والأفضل والأكمل والأحسن والأحوط، أن يغسله قبل أن يصلي إتمام للزينة التي أمر المصلي بها في قوله تعالى:}يآبني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{، وخروجاً من خلاف أهل العلم، لكن لو صلى وعليه هذا الرشاش البول اليسير جداً فصلاته صحيحه. انظر مجموع الفتاوى [21/482 -534 ] وشرح العمدة لشيخ الاسلام [1/104- 105] وإغاثة اللهفان لبن القيم [1/151 ].
النهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة:
• عن سلمان رضي الله عنه قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ....) رواه مسلم، انظر إرواء الغليل [1/82 ] ومشكاة المصابيح [1/72 ].
• وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (....لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول ولكن شرقوا أو غربوا) رواه البخاري ومسلم، انظر إرواء الغليل [1/99 ] مشكاة المصابيح [1/72 ] .
- والحكمة من النهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة هي:
إجلال واحترام وتعظيم للكعبة، وهي من تعظيم شعائر الله، والله عز وجل يقول:}ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب{ }ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه{.
طريقة التكش عند قضاء الحاجة (في البحر):
- عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ) رواه أبوداود، قال الشيخ الألباني (صحيح) انظر صحيح أبي داود .
- محافظة على التستر واحترازاً عن كشف العورة وهذا من الأدب. انظر تحفة الأحوذي [1/ 61 ] وفيض القدير [5/92 ] وشرح العمدة لشيخ الاسلام [1/401 ].
ذكر الخلاء:
- يُقال ذكر الخلاء وهو (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، انظر إرواء الغليل [1/90 ] والسلسلة الصحيحة [3 /58 ].
- في البحر يقول هذا الذكر عندما يريد الشخص أن يرفع ملابسه لقضاء الحاجة.
- وإذا انتهى وفرغ من حاجته يقول "غفرانك" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن عائشة، قال الشيخ الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: [4707] في الجامع الصغير وزيادته [1/884 ].
- بعد الإنتهاء من قضائه للحاجة، إذا خطا من المكان الذي كان يقضي حاجته فيه، لأنه فارق المحل.
الحكمة من كون الماء مالحاً:
الحكمة من تمليح البحر، له سبباً وحكمة فسببه سبوخة أرضه وملوحتها، فهي توجب ملوحة مائه، وحكمتها أنها تمنع نتن الماء بما يموت فيه من الحيتان العظيمة، وهو يموت فيه كثيرا ولا يُقبر، فإنه لولا ملوحة مائه لأنتن، ولو أنتن لفسد الهواء لملاقاته له، فهلك الناس والبهائم بهذه الريح بفساده، هذه من حكمة الله المشهودة في خلقه أن جعله كالملاحة، التي لو ألقي فيه جيف العالم كلها وأنتانه وأمواته لم تغيره شيئا، ولا يتغير على مكثه من حين خلق وإلى أن يَطوي الله العالم، فهذا هو السبب الغائي الموجب لملوحته، والإغتسال به نافع من آفات عديدة في ظاهر الجلد. أنظر الجواب الصحيح [6/396 ]لشيخ الاسلام ابن تيمية والنبوات [1/250-251 ] لشيخ الاسلام ابن تيمية، وزاد المعاد [4/356 ] لأبن القيم، وتفسير ابن كثير [2/841] [3/429 ] .
المد والجزر في البحر:
البحار تختلف في المد والجزر:
بعض البحار منها ما يأخذ في الإزدياد ففي أول كل شهر، يحصل منها مد وفيض فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الأخر شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة، ثم تشرع في النقص.
ومن البحار ما يحصل فيه المد والجزر في كل يوم وليلة مع طلوع القمر وغروبه، وذلك موجود في بحر فارس وبحر الهند وكذلك بحر الصين، وكيفيته أنه إذا بلغ القمر مشرقاً من مشارق البحر ابتدأ البحر بالمد، ولا يزال كذلك إلى أن يصير القمر إلى وسط سماء ذلك. أنظر مفتاح دار السعادة [2/164 ]لأبن القيم، وتفسير ابن كثير [3/429].
أجمعت الأمة على حل السمك:
قال تعالى }أُحل لكم صيد البحر وطعامه{.
وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على حل السمك كله. أنظر منهاج السنة النبوية [8 /200] لشيخ الاسلام، وشرح العمدة [1/134] لشيخ الاسلام، إعلام الموقعين [4/382] لأبن القيم.
أحكام مايعيش في البحر من "حية وعقرب وكلب وسَبُع وتماسيح وضفادع":
- جميع حيوانات البحر حلال وليست نجسة ولو ماتت سواء كان على صورة آدمي، أوصورة سَبُع، أوثعبان (حية)، أوصورة كلب، أوضفدع، أوتمساح، أو سلحفاء، لعموم الأدلة كقول الله تعالى{ أُحل لكم صيد البحر وطعامه}، ولقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، قال الشيخ الألباني (صحيح) أنظر صحيح الجامع [1/519-1301] والسلسة الصحيحة [1/864].
- قوله: }أُحل لكم صيد البحر وطعامه{ مطلقاً، وقد فرق الله بين صيد البحر وطعامه فعُلِم أن المصيد هو ما إصطيد منه والطعام ما لم يصطد منه إما لكونه قد طفأ أو لكونه قد ملُح. أنظر شرح العمدة لشيخ الاسلام [3/ 126 ] [3/179 ].
- ولشيخ الإسلام كلام في موضع آخر يُفهم من كلامه أن "الضفدع والتمساح" مُحرم لايجوز أكله. أنظر شرح العمدة [1/135 ].
- المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم (الحيل ميتته) المراد بميتته: أي ميتة ما لايعيش إلا في البحر، وليس المراد مامات في البحر، ولهذا لو سقطت شاة في البحر وماتت فهي حرام.
حكم التداوي بدم الضفدع:
- يحرُم التداوي بدم الضفدع، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك (نهى عن قتل الضفدع للدواء). رواه الإمام أحمد وأبوداود والنسائي عن عبدالرحمن بن عثمان التيمي. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [6971] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1293 ].
وجاء أن طبيباً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء (فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها). رواه أبو داود عن عبدالرحمن بن عثمان قال الشيخ الألباني: (صحيح ) أنظر مشكاة المصابيح [2/529 ] وصحيح الترغيب والترهيب [3/86 ].
- وجاء أن نقيق الضفادع تسبيح، ولكن هذا ما يصح نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث الوارد في ذلك ضعيف لايصح وهو: (نهى عن قتل الضفدع وقال: نقيقها تسبيح). قال الشيخ الألباني: ( ضعيف) أنظر السلسلة الضعيفة [10/290 ]، وضعيف الجامع رقم: [6252].
أحكام الأطعمة والصيد:
أولاً: يقال الأصل في الأطعمة أنها حلال فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والأطعمة المحرمة مُبينّة ومفصلة في القران والسنة وما عداها فهو حلال على الأصل لقول الله تعالى }وقد فصل لكم ما حرم عليكم { ويدل على هذا قوله تعالى }يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات{.
والأطعمة المباحة: كل ما لم يرد الشرع بتحريمه من الأطعمة فهو مباح وهي أنواع كثيرة لا حصر لها وذلك لما تقدم أن الأصل في الأطعمة الإباحة إلا ما ورد الشرع بالمنع منه ولكن يمكن أن نذكر قاعدة جامعة لأنواع المباح وهي: [كل طيب طاهر من الأطعمة والأشربة لا ضرر فيه مباح] فالأطعمة المباحة غير محصورة ويصعب حصرها لكثرتها.
أما الأطعمة المحرمة فهي محصورة وهذا من رحمة الله ومنته.
الأطعمة المحرمة التي حرمها الله:
الطيور
1- ما له مخلب من الطيور يصيد به [ العقاب والباز والصقر والنسر والشاهين ] لقول ابن عباس y (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير) رواه مسلم، انظر إرواء الغليل [5 / 141 ] الجامع الصغير وزيادته [1/211 ].
2- ما كان مستخبثاً في نفسه كالخفاش (الوطواط)، أو لأكله الجيف كالرخم والخطاف (طائر أسود صغير أغبر) لقول الله تعالى (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث).
3- ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وهي الفواسق التي جاء الأمر بقتلها في الحل والحرم وهي من الطيور الحدأة والغراب كما قال صلى الله عليه وسلم (خمس من الدواب لا جناح على من قتلهن العقرب والغراب والحدياة والفأرة والكلب العقور) رواه البخاري و مسلم، عن ابن عمر وعائشة، انظر إرواء الغليل [4/223 ] الجامع الصغير وزيادته [1/556 ].
4- ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله بعينه وهما من الطيور: الهدهد والصرد (طائر أكبر من العصفور ضخم الرأس والمنقار) لحديث ابن عباس  (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد) رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه صححه الشيخ الألباني، انظر مشكاة المصابيح [2/442 ] وصحيح الترغيب والترهيب [3 /85 ].
حالات تحرم فيها بعض الأطعمة:
قد يعرض لبعض الأطعمة التي أصلها مباح حالات تتحول بها إلى أطعمة محرمة ممنوعة التناول ويدخل تحت ذلك أنواع:
منها: الميتات بأنواعها ، وضابطها أن كل ما لم يذك الذكاة الشرعية فهو ميتة.
ويستثنى من الميتات ما يلي: [ ميتة البحر – والجراد – وما لا دم له سائل من البرمائيات].
الصيد بالبندقية:
البندقية هي الآلات الدافعة للرصاص بقوة انفجار البارود كبنادق البارود أو بقوة دفع الهواء كبنادق الهوائية.
وحكم الصيد بالبندقية حلال لما يلي:
- (إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فلا تأكله) رواه مسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنظر حديث رقم: [580] في صحيح الجامع.
- وهذه البندقية تخزق الجسم أي تنفذ فيه وتجرحه.
قوله صلى الله عليه وسلم ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ) رواه البخاري ومسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه ، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1051 ] ومشكاة المصابيح [2/426 ] ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد رتب حل الأكل على إنهار الدم والتسمية، والرصاص الصادر من هذه الآلات ينفذ في الجسم وينهر الدم فيحل.
أحكام الذكاة:
- والذكاة شرط لحل الحيوان فلا يحل شيئ من الحيوان المأكول إذا لم يذك لقول الله تعالى ( إلا ما ذكيتم ) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) رواه البخاري ومسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه ، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1051 ] ومشكاة المصابيح [2/426 ].
- إلا الجراد والسمك ومالا يعيش إلا في الماء لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان: فالحوت والجراد و أما الدمان: فالكبد و الطحال) رواه أحمد وابن ماجه وصححه الشيخ الألباني، انظر مشكاة المصابيح [2 /439 ] والسلسلة الصحيحة [3/111 ].
توجيهات أخيرة في الصيد:
1- على المسلم أن لا يمضي الأوقات الكثيرة في الصيد وقد جاء في الحديث (من اتبع الصيد غفل) رواه الامام احمد أبوداود والترمذي والنسائي، قال الشيخ الألباني (صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1107 -1125 ] ومشكاة المصابيح [2/342 ] وصحيح الترغيب والترهيب [2/268 ] والسلسلة الصحيحة [3 /267 ].
2- على من يصيد أن يؤدي العبادات في وقتها كالصلاة ولا يؤخرها عن وقتها لمتابعة الصيد.
3- على من يصيد أن يجتنب قتل ما لا يريد أكله من الحيوانات والطيور وما لا يحل قتله.
4- على من يصيد أن يستغل وقته حال الصيد بالتسبيح، والتهليل، والإستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ القران:
- قال صلى الله عليه وسلم (من قال: سبحان الله و بحمده في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [6431] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1138 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. انظر مشكاة المصابيح [2/18 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال سبحان الله العظيم و بحمده غرست له بها نخلة في الجنة) رواه الترمذي والحاكم عن جابر . قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: 6429 في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/ 1138].
- وقال صلى الله عليه وسلم (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، انظر حديث رقم: [4572] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/871 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (ألا أدلك على غراس هو خير من هذا ؟ تقول: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر يغرس لك بكل كلمة منها شجرة في الجنة) رواه ابن ماجه والحاكم، عن أبي هريرة، قال الشيخ الألباني: (صحيح ) انظر حديث رقم : [2613] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/438 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم [(من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير) في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك]. رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [6437] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1139 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من قال لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله ولا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، يعقدهن خمسا بأصابعه ثم قال من قالهن في يوم أو في ليلة أو في شهر ثم مات في ذلك اليوم أو في تلك الليلة أو في ذلك الشهر غفر له ذنبه) قال الشيخ الألباني: (صحيح لغيره ) صحيح الترغيب والترهيب [3/198 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (يا عبد الله بن قيس ، ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة ؟ ، لا حول و لا قوة إلا بالله) رواه البخاري ومسلم، عن أبي موسى . انظر حديث رقم: [7944] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1391 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من قرأ { قل هو الله أحد } عشر مرات، بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه الإمام أحمد عن معاذ بن أنس . قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم : [6472] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1 /1142 ].. وفي رواية [ بنى الله له قصراً في الجنة]، قال الشيخ الألباني: ( حسن ) انظر السلسلة الصحيحة [2/136 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من قال رضيت بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد نبيا وجبت له الجنة) رواه أبوداود والحاكم، عن أبي سعيد، قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم : 6428 في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1138 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف ) رواه أبوداود والترمذي عن بلال بن يسار بن زيد رضي الله عنه وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال الشيخ الألباني: ( صحيح لغيره ) انظر: صحيح الترغيب والترهيب [2/125].
إذا هاجت الريح وتحريم سبها:
• عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به) راوه البخاري ومسلم، انظر مشكاة المصابيح [1/341 ] والسلسلة الصحيحة [6/259 ].
• عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة [6/259] حديث رقم: (2756)، وفي صحيح الجامع [1/1328] حديث رقم: [7315]
• (كان إذا اشتدت الريح قال اللهم لقحاً لا عقيماً) صححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة المجلد (5) حديث رقم: (2058 ) وحسنه في صحيح الجامع (4670)‌.
• وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنوا الريح فإنها مأمورة وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه) رواه الترمذي، وصححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة المجلد (2 ) حديث رقم: (528).
• أما حديث (اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) فهذا الحديث قال عنه الشيخ الألباني (ضعيف جداً) انظر السلسلة الضعيفة [9/ 218 ] ومشكاة المصابيح [1/343 ].
الحديث هو: عن ابن عباس رضي الله عنه قال ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: (اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً ) قال ابن عباس رضي الله عنه في كتاب الله تعالى ( إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ) و(أرسلنا عليهم الريح العقيم ) ( وأرسلنا الرياح لواقح) و( أن يرسل الرياح مبشرات ). رواه الشافعي والبيهقي في الدعوات الكبير . السلسلة الضعيفة المجلد ( 9 ) حديث رقم: ( 4217 ).
وهذا الحديث ضعيف سنداً ومتناً أما متناً ففي القران ما يدل على خلاف ذلك وأنه قد ورد لفظ (الريح) في سياق الرحمة والخير كقوله تعالى: (وجرين بهم بريح طيبة ) وكقوله تعالى (فسخرنا له الريح تجري بأمره...).
هل في ما يخرج من البحر فيه زكاة:
وأما ما يخرج من البحر كاللؤلو والمرجان فلا زكاة فيه عند الجمهور. أنظر مجموع الفتاوى [25/19 ].
الإسعافات الأولية( ):
حيث من يخرج (للبحر) قد ينغمسوا في البحر ويسبحوا، وقد يتعرض البعض للغرق لاقدر الله، فما هي الطرق والوسائل في الوقاية من الغرق.؟ ، وما هو علاج من أصيب بالغرق.؟
الطرق والوسائل في الوقاية من الغرق:
1- تعلم السباحة مبكراً والتدريب عليها، فذلك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
2- عدم الأكل والشرب قبل السباحة.
3- المواظبة على التمارين التي تحافظ على لياقة العظلات والدورة الدموية، فحتى الذي يجيد السباحة إذا لم يكن لائقاً رياضياً قد يتعرض لشد عضلي وإرهاق شديد وهو في وسط الماء، مما يعرضه لخطر الغرق.
4- عدم سباحة الشخص لوحده تحت الماء، أو يحاول قطع مسافة معينة، أو وقت معين تحت الماء، فقد يفقد وعيه فوراً دون انذار وهوتحت الماء.
5- ارتداء معاطف السلامة الهوائية.
العلاج الإسعافي لمن أصيب بالغرق:
1- من ينقذه فقط الشخص المدرب لإنقاذ الغرقى، هو الذي يحاول الوصول للغريق وإنقاذه، لأن الكثير من الغرقى يشد المنقذ بعنف وقوة إلى داخل الماء، إلى حد الذي لا يستطيع المنقذ إنقاذه أو تخليص نفسه، فتحصل حوادث الغرق المزدوج.
2- إذا كان الغريق قريباً تستطيع شده بحبل إنقاذ أو أن ترمى له أداة تطفو على الماء مثل سلم الخشب أو وسادة هوائية، وما إلى ذلك من المواد التي تطفو على الماء.
3- ومجرد إنقاذ الغريق من الماء يجب أن تقوم بالتنفس الصناعي إذا لم يكن يتنفس.
4- إذا كان في حالة غيبوبة قم بإمالة رأسه إلى الجانب وتأكد من سلامة الممرات الهوائية.
5- تأكد من سلامة الدورة الدموية بفحص النبض وإذا كان يحتاج إلى انعاش قلبي قم بذلك فوراً.
6- انقل المصاب للمستشفى بينما تواصل الإسعافات الأولية.
7- كل من تعرض للغرق عليه أن يراجع المستشفى للفحص والعلاج حتى وإن كانت صحته تبدو جيده بعد إنقاذه.
الإسعافات الأولية( ):
وحيث من يخرج (للبحر) قد يتعرضون للشمس كثير، فترتفع حرارة الجسم بشدة بسبب ضربة الشمس، فما هي الطرق والوسائل في الوقاية ضربات الشمس.؟ ، وما هو علاج من أصيب ضربات الشمس.؟
الطرق والوسائل في الوقاية من ضربات الشمس:
1- عدم الوقوف طويلاً في الشمس، وعدم بذل المجهود الشاق في الحر الشديد.
2- إذا اضطر الإنسان إلى الوقوف طويلاً في الشمس، بذل المجهود الشاق في الحر، فعليه الإكثار من شرب السؤائل الباردة والأملاح، حيث إن ذلك يساهم في تبريد الجسم ويعوضه ما يفقده من أملاح عن طريق العرق.
العلاج الإسعافي لمن أصيب ضربات الشمس:
1- ينقل المصاب فوراً إلى مكان بارد ومتحرك الهواء، وتحل ملابس الضاغطه على الجسم.
2- يُرش بماء بارد، أو يوضع على جلده مناشف مغمورة بالثلج وتسلط عليه مروحة كهربائية إن تيسر.
3- يتم مراقبة نبض المريض وتنفسه ودرجة حرارته، ويعالج تبعاً لذلك.
4- يُعطى كمية كبيرة من السوائل والأملاح.
ولو كانت مثل زبد البحر:
- قال صلى الله عليه وسلم (ما على الأرض أحد يقول [لا إله إلا الله و الله أكبر و لا حول و لا قوة إلا بالله] إلا كفرت عنه خطاياه ولوكانت مثل زبد البحر). رواه الترمذي والامام احمد عن ابن عمرو. قال الشيخ الألباني: ( حسن ) انظر حديث رقم: [5636] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1058].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من قال: سبحان الله و بحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [6431] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1138 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم: من قال حين يأوي إلى فراشه ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) غفرت له ذنوبه أو خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر. رواه النسائي وابن حبان في صحيحه واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه .
- وعند النسائي (غفرت له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر)، رواه النسائي، صحيح الترغيب والترهيب [1/148 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (من سبح الله في دبر كل صلاة [ثلاثاً و ثلاثين و حمد الله ثلاثاً و ثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين فتلك تسع وتسعون وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير] غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه . قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [6286] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/1124 ].
معنى زبد البحر:
والمراد بقوله (وان كانت مثل زبد البحر) زبد البحر الزبد ما يعلو الماء وغيره من الرغوة، وهنا كناية عن المبالغة في الكثرة، نحو قول: ما طلعت عليه الشمس كناية عبر بها عن الكثرة عرفاً، والذنوب التي تحط وتغفر وتمحى هي الذنوب الصغائر. أنظر فتح الباري - ابن حجر [11/206 ] وعمدة القاري [23/ 26 ] وفيض القدير [6/114-190] وتحفة الأحوذي [9/241 - 300].
أحاديث ورد فيها ذكر البحر:
- قال صلى الله عليه وسلم (إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير) رواه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة، قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [1838] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/272 ].
- قال صلى الله عليه وسلم (الخلق كلهم يصلون على معلم الخير حتى نينان البحر) قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: [3343] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/566 ].
- ومعنى (نينان البحر) أي الحيتان. أنظر فتح الباري - ابن حجر [1/200 ] وشرح النووي على مسلم [3/227 ].
- قال صلى الله عليه وسلم (كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليّ غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاماً يعلمه فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه; فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا جئت الساحر فقل: حبسني أهلي وإذا جئت أهلك فقل: حبسني الساحر; فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب ؟ فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فرماها فقتلها ومضى الناس; فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فلا تدل علي; وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا أجمع لك إن أنت شفيتني قال: إني لا أشفي أحد إنما يشفي الله عز وجل فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله; فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك ؟ قال: ربي قال: ولك رب غيري ؟ قال: ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما يبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل ! فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل; فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار على مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم به ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه; فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك ؟ فقال: كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك ؟ فقال: كفانيهم الله; فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به ! قال: وما هو ؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: بسم الله رب الغلام ثم ارم فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني; فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه موضع السهم فمات فقال الناس: آمنا برب الغلام; آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر ؟ قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس ! فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها ففعلوا حتى جاءت امرأة و معها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق) رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه . قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم : [4461] في صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/859].
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإن رجلا ممن كان قبلكم جلب خمراً إلى قرية فشابها بالماء فأضعف أضعافاً فاشترى قرداً فركب البحر حتى إذا لجج فيه أَلهم الله القرد صرة الدنانير فأخذها فصعد الدقل ففتح الصرة وصاحبها ينظر إليه فأخذ ديناراً فرمى به في البحر وديناراً في السفينة حتى قسمها نصفين) قال الشيخ الألباني (صحيح لغيره ) صحيح الترغيب والترهيب [2/159 ] السلسلة الصحيحة [7/45 ].
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ائتني بالشهداء أشهدهم فقال كفى بالله شهيداً، قال فائتني بالكفيل قال كفى بالله كفيلاً، قال صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركباً يركبه ويقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركباً فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبها ثم زجج موضعها ثم أتى بها البحر فقال اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلاناً ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت كفى بالله كفيلاً فرضي بك فسألني شهيداً فقلت كفى بالله شهيداً فرضي بك وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر وإني أستودعكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله فإذا الخشبة التي فيها المال فأخذها لاهله حطباً فلما نشرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الذي كان أسلفه وأتى بالألف دينار فقال والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي جئت فيه قال هل كنت بعثت إلي بشيء قال أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه قال فإن الله قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة فانصرف بالألف الدينار راشداً) رواه البخاري معلقا مجزوما، والنسائي وغيره مسندا، أنظر صحيح الترغيب والترهيب [2/167 ].
- وعن حديث جابر  قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عيرا لقريش فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فسمي جيش الخبط فنحر رجل ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم إن أبا عبيدة نهاه فألقى إلينا البحر دابة يقال لها: العنبر فأكلنا منها نصف شهر وادهنا من ودكها حتى ثابت إلينا أجسامنا وصلحت وأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمل عليه ومر تحته وتزودنا من لحمه وشائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ذلك فقال: [ هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شئ تطعمونا ؟ ] فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكل . رواه البخاري ومسلم، أنظر مشكاة المصابيح [2/436 ] وزاد المعاد [3/343 ].
صحيح مسلم [ جزء 3 - صفحة 1535 ]
عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة رضي الله عنه نتلقى عيرا لقريش وزودنا جراباً من تمر لم يجد لم غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة قال فقلت كيف كنتم تصنعون بها ؟ قال نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله قال وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر قال قال أبو عبيدة ميتة ثم قال لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا قال فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاث مائة حتى سمنا قال ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ونقتطع منه الفدر كالثور ( أو كقدر الثور ) فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال ( هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ؟ ) قال فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله
[ ش ( عيرا ) العير هي الإبل التي تحمل الطعام وغيره
( جرابا ) بكسر الجيم وفتحها الكسر أفصح وهو وعاء من جلد
( نمصها ) بفتح الميم وضمها الفتح أفصح وأشهر
( الخبط ) ورق السلم
( الكثيب ) هو الرمل المستطيل المحدودب
( وقب ) هو داخل عينه ونقرتها
( بالقلال ) جمع قلة وهي الجرة الكبيرة التي يقلها الرجل بين يديه أي يحملها
( الفدر ) هي القطع
( كقدر الثور ) رويناه بوجهين مشهورين في نسخ بلادنا أحدهما بقاف مفتوحة ودال ساكنة أي مثل الثور والثاني كفدر جمع فدرة والأول أصح
( رحل ) أي جعل عليه رحلا
( وشائق ) قال أبو عبيد هو اللحم يؤخذ فيغلى إغلاء ولا ينضج ويحمل في الأسفار يقال وشقت اللحم فاتشق والوشيقة الواحدة منه والجمع وشائق ووشق وقيل الوشيقة القديد ]
--------------------------------------------------------------------------------
الأحكام لمن كان (خارج) البحر
الدعاء عند وصول البحر:
قالت خولة بنت حكيم رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شي حتى يرتحل من منزله ذلك ) رواه مسلم، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/81 ] صحيح الترغيب والترهيب [3 / 119 ].
وضع شي على موضع السجود إذا كانت الأرض حارة:
جاء عن أنس رضي الله عنه قال: [كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود] رواه البخاري ومسلم، أنظر إرواء الغليل [2/16].
وعن جابر y قال:[كنت أصلي الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر]. رواه أبو داود وروى النسائي نحوه، قال الشيخ الألباني (صحيح) أنظر مشكاة المصابيح [1/221 ] وصحيح أبي داود [1/82].
وجاء[وكان أصحابه صلى الله عليه وسلم يصلون معه في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدهم أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه] رواه الإمام أحمد قال الشيخ الألباني ( صحيح ) أنظر صفة الصلاة [1/150 ].
- وكان هذا في أول الأمر ثم أمر بالإبراد بالصلاة، كما قال صلى الله عليه وسلم (أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وعن المغيرة بن شعبة  انظر حديث رقم: [30] فى الجامع الصغير وزيادته [1 /3 ].
وقال صلى الله عليه وسلم:(إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة و عن أبي ذر وعن ابن عمر  انظر حديث رقم: [339] في الجامع الصغير وزيادته [1/ 34 ].
وجاء عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، ثم أراد أن يؤذن فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، ثم أراد أن يؤذن فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، مرتين أو ثلاثاً حتى رأينا فيء التلول ثم قال :صلى الله عليه وسلم (إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) رواه البخاري ومسلم، أنظر الجامع الصغير وزيادته [1/34 ] وصحيح أبي داود [1/82 ].
يستحب تأخير صلاة الظهر إذا كان الجو حاراً:
جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وعن المغيرة بن شعبة  انظر حديث رقم: [30] فى الجامع الصغير وزيادته [1 /3 ].
وقال صلى الله عليه وسلم (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة و عن أبي ذر وعن ابن عمر  انظر حديث رقم: [339] في الجامع الصغير وزيادته [1/ 34 ].
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، ثم أراد أن يؤذن فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، ثم أراد أن يؤذن فقال صلى الله عليه وسلم (أبرد)، مرتين أو ثلاثاً حتى رأينا فيء التلول ثم قال :صلى الله عليه وسلم (إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) أخرجه البخاري ومسلم أنظر الجامع الصغير وزيادته [1/34 ] وصحيح أبي داود [1/82 ].
- فإذا كان وقت الظهر شديد الحرارة فينبغي الإبراد إلى قريب من صلاة العصر، لأن هذا الوقت هو الذي يحصل به الإبراد.
- والبعض يصلي صلاة الظهر بعد أذان الظهر بنصف ساعة أو ساعة، ويقول هذا إبراد، وفي الحقيقة هذا ليس إبراد بل هو إحرار، لأنه معروف أن الحر يكون أشد بعد الزوال (بعد دخول وقت الظهر) بنحو بساعة، لكن ينبغي الإبراد إلى قريب من صلاة العصر، لأن هذا الوقت هو الذي يحصل به الإبراد.
ويجوز للفرد أن يبرد بالصلاة ولو كان يصلي لوحده، ويجوز للنساء أن تبرد بالصلاة، فالحكم عام للرجال والنساء، والعلة واحدة كما قال صلى الله عليه وسلم: (فإن شدة الحر من فيح جهنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة و عن أبي ذر وعن ابن عمر  انظر حديث رقم: [339] في الجامع الصغير وزيادته [1/ 34 ].
الصلاة في النعال:
• جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم) رواه أبوداود والبزار والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، قال الشيخ الألباني (صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/553 ] مشكاة المصابيح [1/168 ] صفة الصلاة [1/80 ].
• وجاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا صلى أحدكم فليلبس نعليه أو ليخلعهما بين رجليه ولا يؤذي بهما غيره) رواه ابن خزيمة صححه الشيخ الألباني انظر صحيح الجامع الصغير وزيادته [1/66 ] وصفة الصلاة [1/80 ].
• فحكم الصلاة بالنعال سنة، ولكن لا يصلي فيهما إلا بعد التأكد من نظافتهما، فإن رأى فيهما نجاسة حكهما بالتراب أو بأي أمر، حتى يزيل النجاسة ثم يصلي فيهما.
السترة عند الصلاة:
• السترة هي: ما يضعه المصلي بين يديه ليتقي به مرور المار.
• قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصلِ إلا إلى سترة ولا تدع أحداً يمر بين يديك فإن أبى فلتقاتله فإن معه القرين) رواه ابن خزيمة وصححه، قال الشيخ الألباني (صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/76 ] وصحيح الترغيب والترهيب [1/136 ] وصفة الصلاة [1/82 ].
• وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها ولا يقطع الشيطان عليه صلاته) رواه أبوداود والبزار والحاكم وصححه ووافقه الذهبي والنووي، قال الشيخ الألباني (صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/64 ] ومشكاة المصابيح [1/172 ] والسلسلة الصحيحة [3/374 ] وصفة الصلاة [1/82 ] .
• يضع المصلي أمامه ستره بشرط أن يكون ارتفاع السترة [ثلثي ذراع] فصاعداً تقريباً كما قاله أهل العلم، استدلالاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما سُؤال عن السترة قال: (مثل مؤخرة الرحل). انظر الجامع الصغير وزيادته [1/48- 83 ] ومشكاة المصابيح [1/171].
• وحكم السترة في الصلاة سنة مؤكدة على القول الراجح، سواء خشي ماراً أولم يخش ماراً، وإن كان هناك من أهل العلم من قال بالوجوب.
• من لم يجد ستره يضعها بين يديه للصلاة، فليخط خطاً، كما قال صلى الله عليه وسلم (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا فإن لم يكن فليخط خطا ولا يضره ما مر بين يديه) رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان قال الحافظ بن حجر "حديث حسن"، وابن المديني وأحمد بن حنبل (صححاه)، انظر التمهيد [4/199 ] والاستذكار [2/281 ] وعمدة القاري [4/291 ]، قال الشيخ محمد بن عثيمين "الحديث حجة".
• قال صلى الله عليه وسلم (يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كمؤخرة الرحل المرأة و الحمار و الكلب الأسود، فقال أبوذر مابال الأسود من الأحمر فقال: الكلب الأسود شيطان) رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجه والنسائي عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال الشيخ الألباني: ( صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1410] حديث رقم : 8131 في صحيح الجامع.
- ومعنى (يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كمؤخرة الرحل المرأة والحمار والكلب الأسود، قيل: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر ؟ قال: الأسود شيطان) أي تبطل الصلاة ويُلزم بإعادة الصلاة، هذا إذا لم يضع له سترة، ولم يمنع هؤلاء الثلاثة من المرور، ولم يدافع فإنه يعيد الصلاة.
- أمام إذا كان واضع له سترة، وحاول أن يمنعه ولكنه غلبه ومر، أوكان غافلاً، فليس عليه شي ولا تقطع صلاته، لعموم قول الله عز وجل }لايكلف الله نفساً إلا وسعها{، ولقوله تعالى}ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا{.
النهي عن تغطية الفم ( في الصلاة ):
• جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم (نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة) رواه أبوداود والترمذي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم, قال الشيخ الألباني (حسن) أنظر أنظر الجامع الصغير وزيادته [1/1284 ] ومشكاة المصابيح [1/168].
• يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (يكره أن يغطي الإنسان وجهه وهو يصلي, ولكن لو أنه احتاج إليه لسبب من الأسباب جاز له، ومنه العطاس فإن المكروه تبيحه الحاجة, وإذا تثاءب ليكظم التثاؤب فهذا لا بأس به وإذا كان حوله رائحة كريهة تؤذيه في الصلاة واحتاج إلى اللثام فهذا جائز وكذا لو كان به زكام وصار معه حساسية إذا لم يتلثم فهذا أيضا جائز), أو كان هناك ريح شديدة وغبار جاز أيضا.
الصلاة إلى النار ( كالمدفأة – شمعة – حطب ):
• الصلاة إلى النار بالحطب: لا يجوز لأنه من التشبه بعباد النار ( وهم المجوس ).
• المدفأة والشمعة فيه خلاف:
- بعض أهل العلم يمنعه لأنه من التشبه بعباد النار المجوس, ولأنه يُلهيه.
- وبعض أهل العلم يجوزه وهو الراجح، إلا إذا كان ذلك يشوش ويُلهي المصلي فيُقال بكراهة الصلاة إليها.
التستر عند قضاء الحاجة:
• عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم (خذ الإداوة فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته) رواه البخاري ومسلم، انظر فتح الباري - ابن حجر [1/307 ] وعمدة القاري [3 / 99 ] وعمدة القاري [4/70 ].
• عن جابر رضي الله عنه قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد) رواه أبوداود، قال: الشيخ الألباني (صحيح) انظر مشكاة المصابيح [1/74 ] وصحيح أبي داود [1/4 ]. .
• وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أتى الغائط فليستتر) رواه أبو داوود ، قال الشيخ الألباني: ( ضعيف ) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1225] حديث رقم : 5468 في ضعيف الجامع ، والسلسلة الضعيفة [3/98] ، وضعيف أبي داود [1/8] ، ومشكاة المصابيح [1/76].
• وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب المذهب أبعد ) رواه أبو داود والترمذي وابن خزيمة وصححه , وقال الشيخ الألباني (صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/886 ] والسلسلة الصحيحة [3/149 ] .
• والبعد حال قضاء الحاجة "من كمال الحياء والأدب والذوق".
النهي عن قضاء الحاجة في طريق الناس أو ظلهم أو في أماكن جلوسهم:
• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم ) رواه مسلم، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/11 ] والسلسلة الصحيحة [5/459 ] ومشكاة المصابيح [1 /73 ].
• وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وقال الشيخ الألباني (حسن) انظر إرواء الغليل [1/100 ] والجامع الصغير وزيادته [1/12 ] وصحيح الترغيب والترهيب [1/35 ].
• ومثله المنع من قضاء الحاجة تحت الأشجار، وضفة النهر الجاري، أو نقع الماء، أو أي مكان ينتفع منه الناس.
• الحكمة من النهي عن قضاء الحاجة في طريق الناس أو ظلهم أو في أماكن جلوسهم هي:
1- لأن رائحة الخلاء خبيثة ومنتنة فيتأذى بها الناس.
2- من حيث التقزز والتكره، لأن الناس إذا رأى الخلاء فإنه يتكره هذا الشيء ويتبرم ويتقزز.
3- أنه يؤذيهم من حيث تلوثهم وتنجسهم به.
4- حرمان الناس من هذا المجلس الذي يجلسون إليه.
5- من أسباب اللعن، أي أن الناس يلعنونه بسبب ذلك.
الإهتمام بالفراش قبل النوم وتفقده ونفضه:
- جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليضطجع على شقه الأيمن ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة . انظر الجامع الصغير وزيادته [1 / 41 ] حديث رقم: 407 ومشكاة المصابيح [2/37 ].
- وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه حث بنفض الفراش "ثلاث مرات" فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه بصنفة إزاره ثلاث مرات فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعده) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة انظر الجامع الصغير وزيادته[1/72 ] حديث رقم: [716].
• فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه أي (ما صار بعده خلفاً وبدلاً عنه ولا يدري ما وقع في فراشه بعد ما خرج منه من تراب أوقذاة أوهوام من حية أوعقرب أوغيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر فتؤذيه وهذا من الحذر ومن النظر في أسباب دفع سوء القدر ومن باب اعقلها وتوكل .. ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره لئلا يحصل في يده مكروه إن كان شيء هناك ). انظر فتح الباري لأبن حجر [11/127 ] وعمدة القاري[22/289 ].
• وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي امامة رضي الله عنه قال: [إن الشيطان ليأتي إلى فراش الرجل بعدما يفرشه أهله ويتهيئه فيلقي العود والحجر ليغضبه على أهله فإذا وجد أحدكم ذلك فلا يغضب على أهله فإنه عمل الشيطان] قال الشيخ الألباني (حسن) أنظر شرح سنن ابن ماجه[1/276] الأدب المفرد [1/407 ].
إماطة الأذى عن طريق الناس أوظلهم:
- فقد يجد الشخص في أماكن جلوس الناس وفي ظلهم [أشجار ساقطة – أكياس نفايات – حجارة ] وغيرها مما هو مؤذي.
- أو في طريقه [إطار مسلوخ – سيارات متعطلة – مخلفات مقاولين – بقايا حوادث – إبل – زيت منسكب ] وغيرها مما هو مؤذي.
- فليزيلها حتى لا تؤذي الناس وينوي بذلك الأجر والمثوبة، وتربية النفس على هذه العبادة العظيمة وهي إماطة الأذى عن طريق الناس.. فإماطة الأذى عن طريق الناس أوظلهم (من الصدقات) التي يثاب عليها المسلم إذا نوى إبعاد الأذى عن المسلمين:
جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (عرضت علي أمتي بأعمالها حسنها وسيئها فرأيت في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق) رواه مسلم عن ابي ذر رضي الله عنه أنظر الجامع الصغير وزيادته [1 / 745 ] حديث رقم: [4003] وصحيح الترغيب والترهيب [3/ 80 ] ومشكاة المصابيح [1/156 ].
وقال صلى الله عليه وسلم (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة) رواه أبو داود عن أبي ذر قال الشيخ الألباني: ( صحيح) انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1406 ] حديث رقم: [8096].
وقال صلى الله عليه وسلم (وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة) رواه الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه عن ابي ذر رضي الله عنه قال الشيخ الألباني: ( صحيح) انظر صحيح الترغيب والترهيب [3 / 14 ] ومشكاة المصابيح [1/430 ].
وقال صلى الله عليه وسلم (إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين و ثلاثمائة مفصل فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس أوشوكة أوعظما عن طريق الناس وأمر بمعروف أونهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى فإنه يمسي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار) رواه مسلم عن عائشة، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/416 ] حديث رقم: [2391].
- بل إن إماطة الأذى عن طريق الناس أوظلهم ولو كان شيئاً يسيراً جداً سبباً لدخول الجنة إذا نوى المسلم بإبعاده حتى لا يؤذي المسلمين:
جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة . انظر الجامع الصغير وزيادته [1/1081 ] حديث رقم: [5863]
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت شجرة تؤذي الناس فأتاها رجل فعزلها عن طريق الناس قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم (فلقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة) رواه أحمد وأبو يعلى ولا بأس بإسناده في المتابعات قال الشيخ الألباني ( حسن صحيح ) أنظر: صحيح الترغيب والترهيب [3/82]
هداية ودلالة الضال والحاير في الطريق:
- إن هداية الضال والحاير في الطريق لمن الصدقات التي يثيب الله عليها.
جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل سلامى من الناس عليه صدقة ..... و دل الطريق صدقة) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، انظر الجامع الصغير وزيادته [1/866 ] حديث رقم: [4528].
- وقوله: [دل الطريق بفتح الدال أي بيانه لمن أحتاج إليه وهو بمعنى الدلالة] أنظر فتح الباري ابن حجر[6 / 85 ] وعمدة القاري [14/175].
- وقال صلى الله عليه وسلم (وهديك الرجل في أرض الضالة صدقة) قال الشيخ الألباني: ( صحيح لغيره ) أنظر: صحيح الترغيب والترهيب [3 / 80 ].
- وقال صلى الله عليه وسلم (على كل نفس في كل يوم طلعت عليه الشمس صدقة منه على نفسه من أبواب الصدقة: ..... وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها ......كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك) رواه الإمام أحمد والنسائي عن أبي ذر، قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر الجامع الصغير وزيادته[1/749 ] حديث رقم: [4038]
وأخيراً:
هذا ما تيسر جمعه فما أصبت فيه فمن فضل الله عز وجل وتوفيقه وله الحمد والشكر ، وما أخطأت فيه فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله العلي العظيم ، وأسال الله أن يجعلنا من التوابين المنيبين إليه وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، والحمد لله رب العالمين .

Heba Khled
08-19-2011, 06:21 PM
http://www.mezan.net/forum/g6/6%20(17).gif

النوم وأثره في الطهارة





بسم الله الرحمن الرحيم,
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, أما بعد:
لما كان النوم صفة ملازمة للإنسان, وقد جاءت الشريعة الإسلامية بشمول جوانب الحياة, ومن هذه الجوانب المهمة هي:(هل النوم له تأثير في طهارة الإنسان؟ وما هو ضابط هذا النوم – إن كان له تأثير في الطهارة-؟).
روى الصحابي الجليل صفوان بن عسال المرادي-رضي الله عنه- قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم. أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي واللفظ له وصححه ابن خزيمة والترمذي وابن حبان والنووي وابن حجر.
وروى ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. رواه مسلم وأبو داوود.
وفي رواية لابن عباس في صحيح مسلم:(فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني).
ومن هذين الحديثين اختلف العلماء هل النوم ناقض للطهارة أم لا؟ فمن أخذ بحديث ابن عباس قال أنه ليس بناقض للطهارة مطلقاً, ومن أخذ بحديث صفوان قال أنه ناقض للطهارة, والصواب –والله أعلم- أن النوم ناقض للطهارة وسيأتي سبب الترجيح إن شاء الله في ذكر ضابط النوم حيث أنه يمكن الجمع بين الحديثين, وإذا أمكن الجمع فلا حاجة لترك حديث صحيح.
واختلف القائلون بأن النوم ناقض للطهارة هل النوم حدث أم مظنة الحدث؟ فمن يقول بأنه حدث كالبول مثلاً فيقول أنه ينقض قليله وكثيره ولا تفريق بينهما, واستدل بحديث صفوان السابق, حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر النوم مطلقاً دون تقييد, ومن قال بأنه مظنة الحدث فاستدل بحديث علي-رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(العين وكاء السه, فمن نام فليتوضأ).أخرجه الإمام أحمد وأبو داوود وابن ماجه والدارقطني والبيهقي والطحاوي في مشكل الآثار, وقد حسنه المنذري وابن الصلاح والنووي.
واستدلوا أيضاُ بحديث معاوية-رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(العين وكاء السه, فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) أخرجه أحمد والطبراني, وقال الإمام أحمد: وحديث علي أثبت من حديث معاوية في هذا الباب.
فأصحاب هذا القول استدلوا بهذين الحديثين, حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر العلة وهو أن النائم ينحل عنده الوكاء فلا يشعر بخروج الحدث منه.
والذي يظهر – والله أعلم- أن النوم مظنة الحدث وليس هو حدثاً في نفسه جمعاً بين الأدلة.
فبعد أن عرفنا أن النوم ناقض للطهارة وعرفنا أنه مظنة الحدث فإذاً ما هو ضابطه؟ والحنفية يقولون: إذا نام على هيئة من هيئات المصلي كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه, وإن نام مضطجعاً أو مستلقياً على قفاه انتقض, واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:(ليس على المحتبي النائم, ولا على القائم النائم ولا على الساجد وضوء حتى يضطجع, فإذا اضطجع توضأ) رواه البيهقي وجوده الحافظ ابن حجر.
وعند الإمام مالك: كثير النوم ينقض بكل حال, وقليله لا ينقض بكل حال.
وعند الشافعية: أن النائم الممكن مقعدته من الأرض أو نحوها لا ينتقض وضوؤه, وغيره ينتقض سواء كان في صلاة أو غيرها وسواء طال نومه أم لا.
والحنابلة يقولون: بأنه لا يعفى في النوم عن شئ منه إلا ما كان بعيداً فيه الحدث كاليسير من نوم القاعد والقائم.
قال الشيخ ابن باز-رحمه الله- في جواب سؤال كما في كتاب فتاوى إسلامية جمع محمد المسند جزاه الله خيراً: النوم ينقض الوضوء إذا كان مستغرقاً قد أزال الشعور, لما روى صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائظ وبول ونوم. أخرجه النسائي والترمذي واللفظ له وصححه ابن خزيمة.
ولما روى معواية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم, أنه قال:(العين وكاء السه, فإذا نامت العينان استطلق الوكاء). رواه أحمد والطبراني وفي سنده ضعف, لكن له شواهد كحديث صفوان المذكور وبذلك يكون حديثاً حسناً.
إلى أن قال: أما النعاس فلا ينقض الوضوء لأنه لا يذهب معه الشعور, وبذلك تجتمع الأدلة الواردة في هذا الباب. والله ولي التوفيق.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع: القول الرابع –وهو اختيار شيخ الإسلام-, وهو
الصحيح: أن النوم مظنة الحدث, فإذا نام بحيث لو انتقض وضوءه أحس بنفسه, فإن وضوءه باق, وإذا نام بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فقد انتقض وضوءه.
وقال: وبهذا تجتمع الأدلة, فإن حديث صفوان بن عسال دل على أن النوم ناقض, وحديث أنس رضي الله عنه دل على أنه غير ناقض. فيحمل ما ورد عن الصحابة على ما إذا كان الإنسان لو أحدث أحس بنفسه,ويحمل حديث صفوان على ما إذا كان لو أحدث لم يحس بنفسه.
ويؤيد هذا الجمع الحديث المروي:(العين وكاء السه, فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) فإذا كان الإنسان لم يحكم وكاءه بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فإن نومه ناقض, وإلا فلا.
هذا ما تيسر لي جمعه, والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Heba Khled
08-19-2011, 06:26 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif


أبواب الحرية



قال المفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد : "شرع الإسلام العتق، ولم يُشرِّع الرق"(1). ومع تقديرنا الكامل لأستاذنا العقاد إلا أننا نرى أن الأدق أن نقول: "شرع الآخر الرق وشرع الإسلام العتق" . فكما رأينا انتشر الرق واستعباد الأقوياء للضعفاء في كل الأمم ، ثم جاء الإسلام ليوقف انتشار هذا السرطان في جسد البشرية بتجفيف ينابيعه ، ثم الإحسان إلى المماليك ، مع فتح أبواب الحرية أمامهم على أوسع نطاق ممكن ، في منظومة تشريعية متكاملة بالغة الدقة والإحكام أثمرت القضاء على الرق تماماً خلال بضعة أجيال في كل أرض طُبِّقَت عليها أحكام الإسلام ..
وتكفي نظرة إلى أحكام العتق في الإسلام ليدرك الجميع أن هذا ليس أبداً تشريعاً من عند البشر، وأن هذا القرآن العظيم هو كلام الرحمن الرحيم بعباده حقاً وصدقاً .
ونلاحظ أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي ورد فيه تعبير الـ"تحرير" صراحة وبكل وضوح 5 مرات في 3 آيات ، وكما يقول الإمام النسفى فإن:"كل تكرير ورد فى القرآن فالمطلوب منه تمكين المكرر فى النفوس وتقريره" . وسيأتي في الكلام عن الكفارات . كما يتضمن آية أخرى خالدة تحض على : "فك رقبة" سورة البلد الآية:13، كما تحدثت اّيتان اّخريان عن دفع الزكاة والصدقات لتحريرالرقاب . وهكذا فان الذكر الحكيم أمر بالعتق والتحرير فى 8 مواضع ، أى 8 مرات . ولم يعهد الناس طوال عمر البشرية كلاماً صريحاً قاطعاً وواضحاً عن التحرير وفك الرقاب المعذبة في الأرض قبل نزول القرآن على سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم . وكذلك ورد لفظ "العتق" صراحة - والأمر به - في عشرات من الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة . فهل يبقى بعد كلهذه النصوص – أدنى شك في كراهية الإسلام للرق وسعيه بكل السبل لتحرير العبيد في كل أرجاء الأرض ؟ .
ونكرر التنبيه هنا مرة أخرى على أن النصوص الأخرى التي تناولت كافة شئون العبيد ، والإحسان إليهم والأحكام الخاصة بهم كانت فقط لتنظيم "الفترة الانتقالية" بين العبودية والتحرير، ولم تكن أبداً لترسيخ أو تثبيت دعائم الرق . إذ أنه كما قلنا من قبل يستحيل التحرير بضربة واحدة هكذا في التو واللحظة ، ومنهج الإسلام هو التدرج في إحداث التغيير في المجتمع ،حفاظاً على الأمن والاستقرار ، وحقناً للدماء، لذلك لم يكن هناك مفر من تنظيم أحوال العبيد في الفترة التي لا مفر من اجتيازها ، إلى أن يأذن الله بتحريرهم على مراحل محسوبة بدقة وبوسائل شتى . ومن المسلم به في دنيا الناس أن كثيراً من القوانين التي تصدرها المجالس التشريعية تنص غالباً على "أحكام انتقالية" تنظم المعاملات- قبل بدء سريان القانون - خلال الفترة ما بين صدوره ودخوله مرحلة التطبيق الكامل . فهناك فترة انتقالية غالبا بين تطبيق التشريع القديم الملغي وبين بدء سريان التشريع الجديد .
ومن بين أهداف تلك الفترة الانتقالية بأحكامها "المؤقتة" تهيئة المناخ الضروري للتغيير ، وأن يعتاد الناس على الأحكام الجديدة ، لاسيما إذا كانت التغييرات جوهرية وشاملة . وهذا بالضبط هو ما تهدف إليه الأحكام المنظمة لشئون وأحوال الرقيق - ملك اليمين - في الإسلام ، فهى مجرد أحكام مؤقتة لفترة محدودة تنتهي حتماً بتحرير كل العبيد طبقاً لتلك المنظومة الإلهية العظيمة .
والآن نستعرض حالات التحرير وأسبابه الكثيرة . وسوف يلاحظ القارئ العزيز أنها في مجموعها تكفل فعلاً – بمرور الوقت – تحرير كل العبيد في المجتمع ، بشرط واحد بديهي هو أن تطبّق أحكام الإسلام كاملة على أرض الواقع . أما إذا امتنع البشر عن تطبيق المنهج الإلهي ، وعصوا أمر الله ، فما يكون العيب في الإسلام ، بل العيب كله في طبائع الناس وظلمهم وتمردهم على ما فيه خير دنياهم وآخرتهم . و الخلل الذي يحدث بسبب عدم التطبيق، يُشَكِّل دليلاً آخر على صدق الرسالة وأنها من عند الله ، إذ أن الكوارث وقعت لأنهم عصوا أوامر ربهم . وهذا يثبت صواب المنهج الإلهي وإعجازه وأنه وحده الذي تستقيم معه أحوال البشر . ونلاحظ أيضاً أن حالات وأسباب التحرير منها ما هو وجوبي – وسوف نذكرها حالاً – أي لا خيار للسادة فيه، بل هو مفروض عليهم بحكم الإسلام . ومن حالات العتق ما هو سُنَّة وتقرب إلى الله تطوعاً من المالك طمعاً في عفو الله عنه ورحمته به وهرباً من عذاب الجحيم . وهذه حالات "اختيارية" للسيد أن يُعتق فيها أو يبقى على عبده ، وسوف نتناولها بعد حالات العتق الوجوبى.
1- كفّارة القتل الخطأ
قال تعالى "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطئا ومن قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلّمة الى أهله وتحرير رقبة مؤمنة.." الآية 92 سورة النساء.. قال الإمام القرطبي :" أي فعليه تحرير رقبة ، وهذه الكفّارة هى التي أوجبها الله تعالى في كفّارة القتل" ، ونقل خلاف العلماء فيما يجزئ منها ، فقال ابن عباس والحسن وقتادة غيرهم : الرقبة المؤمنة – التي يجزئ تحريرها في الكفّارة – هي التي صَلَّت وعَقَلت الإيمان، ولا تُجزئ في ذلك الصغيرة ، وقال القرطبي : هذا هو الصحيح في هذا الباب . وقال عطاء بن أبي رباح : يجزئ عتق الصغير المولود بين المسلمين، وقال مالك والشافعي : يجزئ كل من حكم له بالصلاة عليه إن مات ودفنه في مقابر المسلمين ، ولا يجزئ من به عاهة تعجزه تماماً كالأعمى والمقعد ومقطوع اليدين والرجلين، ويجزئ الأعور والأعرج عند الأكثرين . ونلاحظ أن الآية ذكرت تحرير الرقبة قبل أن تذكر الدية ، مما يشير إلى أهمية التحرير في الإسلام . كما تكرر فيها ذكر تعبير "فتحرير رقبة" ثلاث مرات ، والتكرار – فى القراّن- للتمكين فى النفوس والتأكيد والتثبيت كما قال الإمام النسفى (فى بداية تفسيره لسورة البقرة) .
وللعلماء كلام عن أسباب فرض هذه الكفارة ، فقيل أوجبت على القاتل تطهيراً لذنبه لأنه أهمل ولم يتخذ الاحتياط والتحفظ فهلك على يديه إنسان محقون الدم . وقيل بل وجبت الكفّارة لأنه عَطَّل حق الله تعالى في نفس القتيل ، فإنه كان يعبد الله ، وكان ممكناً أن ينجب أولاداً يعبدون الله كذلك ، كما أن القاتل عطَّل على القتيل حقه في التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل الله له طوال عمره واكتساب الحسنات والخيرات . وقال الامام النسفي : "لمّا أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسًا مثلها فى جملة الأحرار ، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها ، من قِبل أن الرقيق ملحق بالأموات ، إذ الرق أثر من آثار الكفر ، والكفر موت حكمًا" . انتهى ما ذكره الإمام العبقرى فى تفسير الاّية . ولا يوجد أروع ولا أوضح من هذا الكلام النفيس لبيان كراهية الإسلام للرق ، اذ هو كالموت تمامًا ، و أهمية العتق ، اذ الحرية للعبد كالحياة للميت . ويقول الإمام القرطبي عن هذه العلة- سواء فوات حق العبد في حياته أو حق الله في حياة عبده المؤمن- : "أي واحد من هذين المعنيين كان ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمداً مثله بل أولى بوجوب الكفَّارة منه" .
2- كفّارة القتل العمد
ولهذا أورد الإمام القرطبي في تفسير الآية التي بعدها : "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً" النساء 93 ، ما ذهب اليه مالك والشافعي من أنه : علي قاتل العمد الكفارة – تحرير عبد أو جارية – كما في القتل الخطأ . وقال الشافعي : إذا وجبت الكفارة في الخطأ فإن وجوبها في العمد أولى، وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة العمد بمسقط ما قد وجب في الخطأ . وقد قيل أن القاتل عمداً إنما تجب عليه الكفارة إذا عُفي عنه فلم يقتل ، فإذا قتل قيل تؤخذ الكفارة من ماله وقيل لا تؤخذ . ومن قتل نَفْسَه فعليه كفارة تحرير رقبة تؤخذ من ماله (2) . والواقع أننا نرجح أن على القاتل عمداً تحرير رقبة ، فهو أشد إجرامًا وأجدر بأن يجبر على تحرير نفس مؤمنة للتكفير عن ذنبه و لتعويض المجتمع عن المسلم الذي قتله . ويشهد لذلك ما حدث عندما جاء أقارب قاتل عمد إلى النبي ليسألوه كيف ينقذونه من النار ، فأرشدهم عليه السلام إلى أن يعتقوا عنه عبداً ، فيعتق الله بكل عضو منه عضواً من القاتل من النار" (سنن أبي داود 3964) .
3- كفّارة الاجهاض
أورد ابن قدامة في "المغني" رأياً سديداً مفاده : أنه إذا ضرب شخص بطن امرأة فأجهضها – قتل جنينها – فإن عليه – فضلاً عن دية الجنين – كفارة عتق رقبة .
ونحن نؤيد هذا الرأي لسببين : أولهما تشديد الحماية للنفس البشرية حتى ولو كان ما زال جنيناً في بطن أمه، فالإسلام جاء لحفظ وحماية الأرواح ، والسبب الثاني أن في هذا الحكم تحريراً لنفس أخرى تهفو الى الحرية ، ومنهج الإسلام هو التوسع لأقصى حد ممكن في تلمس أسباب التحرير، والتلهف على انقاذ المعذبين فى الارض و القضاء على الرق البغيض .
4- كفّارة الظِهَار
إذا قال الرجل لزوجته : أنت عليَّ كظهر أمي فإنه يأثم بذلك ويجب عليه تحرير رقبة قبل أن يعاود مجامعتها . قال تعالى : "والذين يظاهرون من نسائهم ثميعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا" المجادلة : 3 . وقد توسع العلماء في مفهوم الظهار وما يُشَبِّه الرجل به امرأته في تلك الحالات . قال الصنعاني – كتاب الطلاق ص 615 - أنه إذا شَبَّه الرجل زوجته بعضو من أمه غير الظهر فذهب الأكثرون إلى أنه يكون ظهاراً أيضاً . وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة أنه إذا شبَّه زوجته بغير الأم من المحارم – كالجدة والخالة والعمة – فإنه يكون ظهاراً ولو شبّهها بمحرم من الرضاع- ودليلهم القياس- فإن العلة هي التحريم المؤبد وهو ثابت في المحارم كثبوته في الأم . وقال مالك وأحمد إنه ينعقد ولو لم يكن المشبّه به مؤبد التحريم كالمرأة الأجنبية . وفائدة التوسع فى مفهوم الظهار تكمن فى أنه يترتب عليها كثرة حالاته ، وبالتالى كثرة أعداد الرقاب التى تتحررتكفيرًا عنه . وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد عن سلمة بن صخر رضي الله عنه قال دخل رمضان، فخفت أن أصيب امرأتي – أجامعها – فظاهرت منها، فانكشف لي ليلة شيء منها فوقعت عليها، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "حَرِّر رقبة" ، فقلت: ما أملك إلا رقبتي ، قال : "فصم شهرين متتابعين" ، وصحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن الجارود (3) .
ويقول الصنعاني تعليقاً على الحديث : أنه دل على ما دلت عليه الآية من ترتيب خصال أنواع الكفّارات – والترتيب إجماع بين العلماء . وأطلقت الرقبة في الآية وفي الحديث أيضاً، ولم تقيّد بالإيمان كما قيّدت به في كفارة القتل الخطأ. وذهب أبو حنيفة وزيد بن علي والزمخشري إلى عدم صحة القياس هنا لعدم الاشتراك في العلة ، ففي القتل أخرج نفساً مؤمنة من الحياة إلى الموت ، فكانت كفارته إدخال رقبة مؤمنة في حياة الحرية ، وإخراجها من موت الرق، فإن الرق سلب التصرف من المملوك ، فأشبه الموت الذي يسلب التصرف من الميت ، فكان في إعتاقه إثبات التصرف ، فأشبه الإحياء الذي يقتضي التصرف للحى ، وليس الأمر كذلك فى الظهار، فلا يشترط فيه أن تكون الرقبة مؤمنة .
ويستنبط الصنعاني وغيره من ترتيب الكفارات في الآية والحديث أنه لا ينتقل إلى التكفير بصيام شهرين متتابعين إلا عند العجز عن وجدان الرقبة ليعتقها – يحرّرها – حتى لو كان عنده رقبة واحدة – عبد أو جارية واحدة – لكنه يحتاجها لخدمته للعجز، فإنه لا يصح منه الصوم ، ويجب عليه تحرير تلك الرقبة الوحيدة التي يملكها . فهل رأى أحد حرصاً على "التحرير" كهذا الحرص الإسلامي ؟!!
5- كفّارة التحريم
إذا قال الرجل لأمته أو زوجته : أنت حرام عليَّ، فإنها لا تحرم عليه بمجرد هذا القول ، وله أن يجامعها بشرط تحرير رقبة أيضاً في هذه الحالة . وهذا مستمد من قصة تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لجاريته السيدة مارية على نفسه ثم عودته إليها بعد نزول سورة التحريم ، وعتاب الله تعالى له بسبب تحريمه ما أحل الله له ، وقد أعتق عليه السلام رقبة قبل أن يعود إلى مباشرة السيدة مارية كما سيأتي في قصتها في الفصل الأخير من هذا الكتاب . وكذلك روي أن رجلاً قال لابن عباس قلت لامرأتي : أنت حرام عليَّ . فأجابه ابن عباس رضي الله عنهما : كذبت ليس عليك بحرام، وعليك أغلظ الكفَّارات عتق رقبة . وأورد الإمام القرطبي في تفسير الآيتين الأوليين من سورة التحريم 18 رأيًا للعلماء حول هذه المسألة – تحريم الرجل لزوجته أو جاريته – وما يهمنا هنا هو أن أكثر العلماء ذهبوا إلى وجوب الكفّارة عليه بتحرير رقبة .
6- كفّارة الحنث فى اليمين
إذا حنث الرجل في يمين حلفه ، وأراد التكفير عن هذا اليمين فإنه مُخَيَّر بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق – تحرير رقبة – وأساس ذلك قوله تعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام" المائدة : 89 . وقال بهاء الدين المقدسي في "العُدّة شرح العمدة": الإجماع على تخيير الحانث في يمينه بين الإطعام أو الكسوة أو تحرير عبد أو جارية أي عتق رقبة . وهناك رأيان بالنسبة لمن يعتق النصف من عبدين بدلاً من العتق الكامل لعبد واحد (4) . ونرى أنه يجوز لأنه سوف يتسبب في تيسير عتق اثنين بدلاً من الواحد، فسيكون أيسر عليهما المكاتبة والسعي لدفع نصف القيمة لكل منهما بدلاً من القيمة كاملة. و من ناحية اخرى سوف يكون الأيسر على سيد كل منهما أن يعتق النصف بدلاً من الكل ، أو يوصي بعتقه ، كما يكون تدبيره للنصف أيسر من تدبير الكل .
7- كفّارة الضرب
إذا ضَرَبَ السيد عبده – أو جاريته – أو لَطَمَه أو صَفَعَه فإن كفارته أن يعتقه. وفي هذه الحالة يتحرر العبد فور وقوع هذا الاعتداء عليه بلا أي مقابل يحصل عليه المالك . فعتق العبد هنا بمثابة عقاب فوري للسيد على قسوته . لأن الله سبحانه وتعالى قد كرَّم بني آدم : "ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" (الإسراء : 70) .
والضرب أو الصفع أو اللطم أو الركل هو إهانة للعبد المسكين يأباها الله ورسوله وصالح المؤمنين ، ولهذا فان أفضل عقاب للسيد القاسي القلب هو أن يُحْرَم فوراً من ملكيته للعبد المجني عليه ، فلم يعد جديراً بأمانة المسئولية عنه، وحق للإسلام أن يطلق سراح ذلك الرقيق المسكين حتى لا يظل عُرضة لغضب ذلك المالك الأهوج يضربه كما يحلو له . وأساس ذلك الحديث الشريف الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما : "من ضرب غلامه حدًّا لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه" المحلي 9/209 ، وابن أبي شيبة 1/161 ب ، ورواه الإمام مسلم كذلك بلفظ مختلف .
وكذلك الحديث الآخر الذي رواه أبو داود عن الصحابي الجليل أبى مسعود رضي الله عنه، فقد كان يضرب غلاماً له يوماً فسمع صوتاً من خلفه : "اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك عليه" ، فالتفت فإذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو مسعود: هو حُرٌّ يا رسول الله ، فأجابه النبي عليه السلام : "لو لم تفعل للفحتك – أو لمسّتك النار" .
والرسول صلى الله عليه وسلم لا يخبر عن عقوبة على عدم الفعل إلا إذا كان هذا الفعل فرضاً واجباً ، فيدل ذلك على وجوب تحرير العبد ككفارة عن ضربه، ولو كان العتق هنا مندوباً فقط لما استحق السيد الضارب أن تلفحه النار إن لم يفعل .
وروى ابن أبى حاتم – فى الجرح والتعديل 8/306 – أن حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه ضرب جارية على وجهها فقال له النبى عليه السلام : "اعتقها" . و عن سويد بن مقرن رضى الله عنه أن أحد إخوته لطم جارية لهم فأمرهم النبى أن يعتقوها . رواه أبو داود فى باب حق المملوك .
8- كفّارة الجُرْح أو قطع عضو أو التعذيب
إذا كان مجرد لطم العبد أو ضربه باليد أو صفعه يوجب عتقه فورا ً، فمن باب أولى إذا جرحه سيده أو قطع من جسده عضواً أو أحدث به عاهة . ومثال ذلك الجَبْ – قطع عضو الذكورة – أو الخصي – إزالة الخصيتين من الذكر- أو الجدع -قطع الأذن أو الأنف أو غير ذلك - ففي هذه الحالات وأمثالها يتحرر العبد أو الجارية – فوراً وبلا أي مقابل . وفي حديث زنباع الذي جبَّ غلامه قال النبي للغلام المجني عليه : "اذهب فأنت حُرّ"، لأن سيده قطع منه عضو الذكورة (الحديث مذكور في سنن أبى داود تحت رقم 4519) . وروى الإمام مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعتق جارية أحرقها سيدها – كواها بالنار – وأدَّبه (الموطأ – كتاب العتاقة والولاء) ، وكذلك لو عذَّب السيد الرقيق بأية وسيلة أخرى فإنه يتحرر فورًا .
9- كفّارة اللعن أو الشتم
اللعن كالضرب في الحكم لأن في كل منهما إساءة للرقيق بغير حق . قال سالم بن عبد الله : ما لعن ابن عمر خادماً – عبداً – له قط إلا واحداً فأعتقه. رواه عبد الرزّاق( 10/)413 وكذا ورد فى موسوعة فقه عبد الله بن عمر (5) .
ويرى الإمام الزهري رضي الله عنه أن من قال لغلامه : أخزاك الله فهو حُرّ بذلك . ويمكننا أن نقيس على رأي هذين الإمامين الجليلين – ابن عمر والزهري – كل كلام يعتبر سباً أو شتماً أو قذفاً أو لعناً أو إهانة أو إساءة للعبد أو الجارية .
فقد كَرَّم الإسلام بني آدم ، أحراراً كانوا أم عبيداً – كما أسلفنا عند الكلام على الضرب – وأمر الله ورسوله بالإحسان إلى المماليك ، فأية إهانة لهم بالفعل أو بالقول توجب التكفير عن ذلك الذنب العظيم بتحريرهم فوراً بلا مقابل .
10- إكراه الجارية على الزنا
وكذلك يجب على الحاكم المسلم تحرير الجارية فوراً إذا أجبرها سيدها على ممارسة البغاء أى الدعارة . فقد حرص الإسلام على صيانة عرض الإماء – الجواري - فلا يعبث بهن كل من أراد كما يحدث لدى غير المسلمين . فلا يجوز لأحد أن يجامعها سوى سيدها- أو زوجها إن تزوجها غير السيد- ويكون أولادها أحراراً مثل السيد أو الزوج إن كان حراً .
فإذا حاول السيد التكسب بفرج الجارية بإكراهها على ممارسة الدعارة ، أو تقديمها لضيوفه كما كانوا يفعلون في الجاهلية ، وما زالوا يفعلون ببعض البلاد غير الإسلامية، فإن على الحاكم أن يرفع يد السيد عن تلك الجارية المسكينة فوراً ، وذلك لا يتم إلا بعتقها – تحريرها – رغم أنف المالك الفاسق . وهذا كله عملاً بقوله تعالى : "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" (النور : 33) . وذكرنا في نهاية الفصل الرابع "الاتجار بالبشر" أن سبب نزول هذه الآية الكريمة كان محاولة المنافق عبدالله بن أبي سلول إجبار جارية له على ممارسة الدعارة لجلب الأموال ، فشكته إلى النبي فنزلت الآية، و أمر الرسول صلى الله عليه وسلم برفع يد المنافق عن الجارية وأعتقها. وتبدو أهمية هذا الموقف العظيم في عصرنا الحاضر، حيث ما تزال عصابات الإجرام – المافيا – الدولية تخطف ملايين الفتيات من الدول الفقيرة إلى الغرب لتشغيلهن إجبارياً في شبكات الدعارة . ولابد من تحرك عاجل للدول الإسلامية لإنقاذ رعاياها من أنياب تلك الوحوش المسعورة . (راجع الفصل الرابع من هذا الكتاب) .
11- الجماع في نهار رمضان
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت يا رسول الله، قال "وما أهلكك ؟" قال : وقعت على امرأتي في رمضان – نهار رمضان - قال : "هل تجد ما تعتق رقبة" ؟ قال : لا، قال : "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟" قال : لا، قال "فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً" قال : لا ، ثم جلس . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر فقال: "تصدق بهذا" فقال الرجل : أعلى أفقر منَّا ؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال : "اذهب فأطعمه أهلك" رواه السبعة أصحاب السنن والصحيحين واللفظ لمسلم . (انظر مثلا البخاري 4/163 – مسلم في الصيام حديث رقم 1111) .
قال الصنعاني في "سبل السلام": الحديث دليل على وجوب الكَفَّارة على من جامع في نهار رمضان عامداً. وذكر النووي أنه إجماع سواء كان موسراً – غنياً – أم معسرا – فقيراً – فالمعسر تثبت ديناً في ذمته . والحديث ظاهر في أن الكفارة مرتّبة، أي يبدأ أولاً بعتق الرقبة ولا ينتقل إلى الصيام إلا إن لم يجد رقبة يعتقها . كما لا ينتقل إلى الإطعام إلا إذا لم يجد رقبة ولم يستطع صيام شهرين متتاليين . و نقل الصنعاني الاختلاف في الرقبة التي تعتق هل لابد أن تكون مؤمنة أم لا . والرأي أنها مُطْلَقة هنا فيجزئه أن يحرر عبداً نصرانياً أو يهودياً طبقاً للرأي الذي لا يشترط الإيمان . ولكن الجمهور يذهب إلى ضرورة أن تكون الرقبة التي يعتقها مؤمنة حملاً للمُطلق هنا على المُقيد في كَفَّارة القتل، وقالوا : لأن كلام الله تعالى في حكم الخطاب الواحد فيترتب فيه المطلق على المقيد . وقال الأحناف : لا يحمل المطلق على المقيد مطلقاً فتجزئ عندهم الرقبة الكافرة . (سبل السلام ص 378 – 380) .
والمهم هنا أن على من يجامع في نهار رمضان أن يعتق رقبة ، وذهب الجمهور إلى أن على زوجته كَفَّارة أيضاً، فإذا أخذنا بهذا الرأي نجد أنهما – الزوج والزوجة - مكلّفان بتحرير رقبتين في هذه الحالة . وقال آخرون ليس على المرأة كفارة .
11- كفّارة جماع الحائض
إذا جامع الرجل زوجته أو جاريته وهى حائض فإن عليه كفّارة تحرير رقبة . فقد روى ابن حجر العسقلانى – فى تلخيص الحبير – والهيثمى فى مجمع الزوائد : أن الرسول عليه السلام أمر رجلاً جامع زوجته الحائض بأن يعتق رقبة تكفيرًا عن ذلك.
ونلاحظ عظمة نظام الكفَّارات في الإسلام . إذ أن السادة بشر، ولأن كل بني آدم خطَّاء – كثير الخطأ - فلابد أن يرتكبوا أفعالاً تستوجب التكفير بعتق الرقاب . ويؤدي هذا حتماً على مر الأيام إلى تحرير أعداد هائلة من الرقيق تكفيراً عن ذنوب السادة الكثيرة والمتكررة . وهو ما حدث بالفعل ، فقد تحررت أعداد لا حصر لها من العبيد في صدر الإسلام بموجب نظام الكفَّارات العظيم .
13- تحرير ذوي الأرحام
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "لا يجزئ ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه" أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود وآخرون . وقال عليه السلام في حديث آخر : "من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ" رواه أبو داود والترمذي . وبهذين الحديثين الشريفين استدل جمهور العلماء على أنه إذا تملك الرجل الأقارب فإنهم يعتقون عليه وجوبا ً، ولا عبرة بموافقته على ذلك أو امتناعه (6) . والعلة واضحة هنا ، إذ أنه لا يمكن تصور أن يكون المرء سيّداً على أبيه أو أمه ، ويستخدمهما في الأعمال ، أويبيعهما لآخرين في السوق، فهذا أبشع ألوان العقوق والإجرام في حق من ربّياه صغيراً .
واختلف العلماء بعد ذلك في تحديد الأقارب الذين يُعتقون على المالك في هذه الحالة . ويرى الإمام مالك أنه يُعْتَق على الرجل ثلاثة أنواع من الأقارب ، الأول أصوله ويشملون الأبوين والأجداد والجدات ، وكل من كان له على الإنسان ولادة أي أصلاً له . والنوع الثاني : فروعه وهم الأبناء والبنات وأولادهم وبناتهم أي الأحفاد وإن نزلوا ، وبالجملة كل من كان للمالك عليه ولادة بغير وسيط ذكراً كان أم أنثى . والنوع الثالث : كل من شارك المالك في أصله القريب كإخوته وأخواته الأشقاء أو لأب أو لأم . وأضاف الإمام أبو حنيفة إلى هؤلاء كل ذي رحم مُحَرَّم بالنسب كالعم والعمة والخال والخالة وأبناء وبنات الأخ والأخت ، وبصفة عامة كل من يحرم على المالك الزواج منه على افتراض أن أحدهما ذكر والآخر أنثى (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) . وهذا هو الرأي الذي يتطابق مع نص وروح الحديث الشريف، فقد ذكر عليه السلام "ذا رحم محرّم" نصاً ، ولا يجوز تضييق نطاق ما وَسَع الله ورسوله . وفي رأينا أنه طبقاً لروح الإسلام فإنه يجب أيضاً أن يُعتق على الرجل أمه وأبوه وإخواته وخالاته وعماته وإخوته وأعمامه وأخواله من الرضاعة ، وكذلك أجداده وجداته وابنه وابنته من الرضاعة . لأن كل هؤلاء يَحْرُم عليه الزواج منهم ، وقد روى البخاري ومسلم حديثًا شريفا نصه : "يَحْرُم من الرضاعة مايحرم من الولادة" . وقد ذكرنا من قبل أنه في غزوة حنين جاء المهزومون من هوازن وثقيف مسلمين تائبين بعد المعركة ، وكان ضمن ما قالوه للنبي طلبا للإفراج عن أسراهم : "إنما فيهم خالاتك وعماتك من الرضاعة وحواضنك" ، وعلى الفور قال لهم عليه السلام : "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" ، ثم قام فسأل الناس أن يردوا عليهم السبي- ستة اّلاف نفس- فاستجاب المسلمون، وتم تحرير كل أسرى هوازن وثقيف بذلك . والواقع أنه ليس من المروءة أبداً أن يسترق الإنسان من احتضونه وأرضعوه وتولوا تربيته ورعايته حتى شب عن الطوق ، ولا هو من خلق المسلم أنه إذا كبر وأغناه الله أن يستعبد من أحسنوا إليه في صغره ، فلا دين إلا بمروءة ونبل وحسن خلق .
14- اللقيط حر
يرى أكثر علماء السلف رضي الله عنهم أن اللقيط يكون حُرَّا ً، لأن الأصل في الإنسان هو الحرية . فالكل أولاد وبنات آدم وحواء وكلاهما كان حُرّاً، وبالتالي فالفروع كلها حُرَّة إلا من يثبت عليه العكس . ولا يوجد أي دليل على حالة الطفل اللقيط من الحرية أو الرق ، فوجب أن يُعطى له حكم الأصل وهو الحرية . ونعتقد أنه لا يوجد أي كلام أجمل ولا أقوى من هذا لإيضاح موقف الإسلام العظيم دين الحرية والكرامة والمساواة بين البشر .
15- إسلام العبد يحرّره
إذا اعتنق العبد الإسلام وكان سيده غير مسلم ، فإنه يتحرّر فوراً بمجرد النطق بالشهادتين ، لقوله تعالى : "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً" الآية 141 سورة النساء. ويتحرر معه أولاده الصغار لأنهم يتبعونه في الإسلام وكذا أَمَتُه إن كان له أَمَةُ .
وكذلك أعتق الرسول صلى الله عليه وسلم عبيداً كانوا مملوكين لمشركين، وهربوا إلى النبي عليه السلام أثناء حصار المسلمين للطائف ، وأعلنوا إسلامهم بين يديه . وأخبر عليه السلام أنهم : "عُتَقَاء الله ورسوله" ، ولم يردّ أحداً منهم إلى سيده الكافر، كما لم يدفع للسادة شيئاً مقابل تحرير هؤلاء العبيد الذين أسلموا.
وذات الأمر إذا أسلمت جارية وكان سيدها مشركاً ، بل تحريرها أولى ، حتى لايتمكن الكافر من وطئها وإذلالها وهي مؤمنة بالله رب العالمين ، وكذلك ولدها يتحرر معها لأنه – يتبعها في الإسلام . ومن العلماء من يرى دفع القيمة للكافر أي ثمن العبد ، وحسناً فعل ابن حزم في "المحلى" حين فند آراء المخالفين في هذه القضية الحساسة ، ولمن أراد أن يطالع التفاصيل هناك . والواقع أنه يجب عتق العبد فور إسلامه لأن الرق أشد سبيل عليه للكافر ، ولن يجعل الله له ذلك على مسلم .


16- العتق بالنذر
إذا نذر المسلم أن يعتق عبداً لله فإن عليه الوفاء بهذا النذر وجوباً . وهكذا يتحرر عبد مسكين في هذه الحالة. ويقول بعض العلماء أن النذر يصح هنا ولو لم يكن الناذر مالكاً لأي من العبيد أو الجواري لحظة أن ينوي النذر، فيمكنه أن يشتري عبداً ثم يعتقه وفاءً للنذر . وأساس ذلك قوله تعالى : "يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً" سورة الإنسان 7 .
17- إلغاء الرق على الحر
إذا تبين أن الرقيق كان حُرّا وضرب عليه الرق ظلماً أو خطأ فيجب تحريره فوراً، لأن النبي لم يسترق حُرَّاً قط ، كما يحرم استعباد الحرّ للحديث الصحيح :"ورجل باع حراً فأكل ثمنه" رواه البخاري ، وتقدم أن الله تعالى يكون خصما لمن يفعل ذلك يوم القيامة . وذكرنا أيضا أن عمر بن عبد العزيز حرّر جارية تبين له أنها كانت حرّة من بلاد المغرب ، واستعبدت بجناية ارتكبها أبوها , وهو أمر غير جائز، وردّها عمر إلى أهلها .
18- عتق الهازل صحيح
إذا قال السيد لعبده : أنت حُرّ أو أعتقتك ولو على سبيل المزاح والدعابة فقط فإن العبد يتحرر بذلك . وإلى هذا ذهب عدد كبير من العلماء كما ذكر الإمام السرخسي في كتابه "المبسوط" . وأساس هذا الرأي الحديث الشريف: "ثلاث جدّهن جدّ وهزلهن جدّ ، النكاح والطلاق والعتاق" رواه ابن عدي ، والحديث عند الترمذي وابن ماجه وأبو داود . وروى في سبل السلام : "لا يجوز اللعب في ثلاث الطلاق والنكاح والعتاق فمن قالهن فقد وجبن" حديث ضعيف . والحديث الضعيف يجوز الاستدلال به فى فضائل الأعمال ، ولا فضيلة- فى رأينا – أعظم من تحرير أولئك المساكين.
ونرى أن أمورا خطيرة كهذه لا ينبغي التساهل فيها مع من يزعم الهزل . إذ أنه في العتق مثلاً يتعلق الأمر بمستقبل عبد ضعيف يتطلع بلهفة إلى الحرية . وليس من المقبول أن نسمح للسيد العابث بالتلاعب بمشاعر الرقيق المسكين . كما أن السماح بالهزل في هذه المواطن يفتح الباب أمام ضعاف النفوس للتهرب من العتق بادعاء أنهم لم يقصدوا التحرير، وإنما كانوا يمزحون!! لهذا قرر العلماء أنه حتى ولو كان السيد هازلاً – مازحاً – يقع العتق فوراً، ولا يلتفت إلى ما زعمه السيد – كما نرى - حرصاً على مستقبل الرقيق وتوسيعاً لدائرة الحرية . ثم أن هذا السيد العابث لا يؤتمن على مستقبل الرقيق المساكين ، فالجدية والرجولة مطلوبة في الراعي .
19- عتق المكره
يرى الإمام أبو حنيفة وأصحابه أنه إذا أُكْرَه السيد على عتق عبده فإن العبد يتحرر بذلك، رغم أن تصرفات المُكْرَه لا يعتد بها بصفة عامة (بداية المجتهد ص443) .
ويبدو لنا أن حرص الإمام رضي الله عنه على الحرية، وتعظيمه لشأنها هو الذي دفعه وأصحابه إلى القول بعتق العبد حتى ولو كان سيده مجبراً عليه .
20- عتق السكران
وأما من يتناول شراباً مسكراً بإرادته فيغيب عقله ، فإن فريقاً كبيراً من العلماء يرى أن بعض تصرفاته تلزمه . ومن ذلك ما رآه الإمام مالك من أن العتق يقع من السكران ولو لم يقصده . بل يلزمه الإمام أبو حنيفة بكل تصرفاته ومنها العتق (بداية المجتهد ص 443) وطبقاً لرأي هذين الإمامين العظيمين يتحرر العبد إذا أعتقه سيده السكران، ولا يقبل قول السيد أنه كان غائبا عن الوعي عندما تلفظ بكلمة العتق أو التحرير لعبده ، لأنه هو الذي تسبب في هذا بشربه للمنكر . وجزء من العقاب له على تعاطي المنكر أن تنفذ عليه تصرفات كثيرة كالعتق ، خاصة وقد تعلقت بها مصلحة أكيدة للعبد المسكين في حياة حرة جديدة ، كما أن السيد السكران يكون فاسقاً ، ولا يؤتمن على تملك عبده والتحكم في حياته .
21- أولاد الحرَّة من عبد
ذكرنا من قبل في فصل الإحسان إلى المملوك أن الإسلام قد حث على الزواج من العبد الصالح والأمة الصالحة، بل فضَّلهما على الأحرار الكافرين أو الفاسقين . ولهذا الزواج المختلط حكمة كبرى في ميدان العتق . فإن الفقهاء قد أجمعوا على أن أولاد الحرّة من زوجها العبد يكونوا أحراراً تبعاً للأم . وفضلا عن هذا يؤدي الزواج فعلياً إلى سعي الزوجة الحُرَّة وأولادها الأحرار إلى تحرير الزوج والأب ، ويحرص أهلها على عتق زوج ابنتهم بكل السبل ، الأمر الذي ترتب عليه فعلياً تحرير عدد كبير من العبيد بسبب تلك المصاهرة مع القبائل الحرة .. بعكس ما كان يحدث في أوروبا من حرق أو قتل العبد والحرّة التي تتزوجه ، أو أن يسترق الحُر أو الحُرّة إذا قبل أي منهما الزواج من الرقيق .
22- أولاد الحرّ من جارية
يرى بعض الفقهاء أن أولاد الحرّ من زوجته الجارية يكونوا أحراراً إذا اشترط الزوج على مالك زوجته ذلك قبل الزواج . ونحن نرى أن أولاد الحرّ من زوجته الأمة يكونوا أحراراً في كل الحالات حتى ولو لم يشترط أبوهم ذلك قبل العقد . فالأولاد والبنات هم جزء من الأب ، وحرية الأصل تتبع حتماً حرية الفروع ، لأن الحرية لا تتجزأ ، فكيف يكون الرجل حُرَّا وأجزاء منه – فلذات كبده – من العبيد ؟! لقد جاء الإسلام لتحرير العبيد وليس لاستعباد الأحرار ، ومنهجه هو توسيع دائرة الحرية ما أمكن ، والعتق يسري من الجزء إلى الكل ، ومن الأصل إلى الفرع .
ثم ما هو الفارق بين أولاد الحرّة من عبد ، وأولاد الحرّ من جارية ؟ !! . لا يوجد أي سند أو نص أو حتى منطق سليم للتفرقة بين الحالتين .
وطالما أنه لا يوجد نص صريح فى هذه المسألة فإنه يجب الرجوع إلى روح التشريع والمبادئ العامة ، وكلها يقطع بضرورة أن يكون أولاد الحرّ من زوجته الجارية أحرارًا كأبيهم . وكذلك كان الحُرُّ وأولاده يسعون إلى تحرير الزوجة الأمة، حتى لا يعايرهم أحد في بيئة كانت آثار الجاهلية والتفاخر بالأنساب ما زالت موجودة بها .
23 – التدبيـر
التدبير : هو عتق العبد بعد موت سيده . فإذا قال المالك لعبده أو جاريته أنت حرّ، أو أنت حرّة - بعد موتى، فأنهما يتحرران لحظة وفاة المالك حتى ولو لم يكن له مال غيرهما . والرأي الراجح أنه لا يجوز للسيد الرجوع في تدبيره . كما أن العبد يعتق ولو كان ثمنه أكثر من ثلث التركة ، لأنه يحرر من رأس المال وليس من الثلث الذي تنفذ فيه الوصية . وأولاد المُدَبَّرَة يتبعونها في التحرر حتى ولو كان منهم من ولدته قبل التدبير حسب الراجح ، فالعتق يسري منها إلى أولادها . ويجوز للمالك تدبير عبده أو جاريته ولو كان هذا المالك صبياً في العاشرة من عمره ، أو صبية في التاسعة من عمرها ، كما يصح تدبير السفيه والمحجور عليه و السكران والهازل طبقاً للرأي الذي نميل إليه ، فالتحرير مبني على التغليب – أي ترجيح مصلحة العبيد في نيل الحرية - والتوسع فيه بالسراية ، أي يسري من الأم إلى أولادها ، ومن جزء العبد إلى الكل ، ومن الأصل إلى الفرع . وإذا دَبَّر السيد جزءاً من عبده يسري التدبير إليه كله ، ولو كان مشتركاً في ملكيته مع سيد آخر ، يسري التدبير – حسب الراجح - ويضمن السيد المُدَبِّر أولاً نصيب شريكه . ولا يجوز للسيد أن يبيع العبد المُدَبَّر ولا أن يهبه ، وإذا كانت جارية فوطئها فحملت صارت بذلك أم ولد أيضاً وولدها منه حرّ ، كما أنه لو زَوَّجها لشخص آخر فأولادها من الآخر أحرار بموت السيد كأمهم ولو كان أبوهم عبداً . ولا يجوز للورثة تعطيل عتق العبد إذا مات السيد . وإذا أسلم العبد وسيده المُدَبِّر كافر ، يتحرر العبد فوراً دون انتظار لموت السيد ، ففي هذه الحالة يجب رفع يد الكافر عنه فوراً . والواقع أننا نستغرب الرأي الذي يذهب إلى جواز بيع العبد المدبّر، إذ هو في سبيله إلى الحرية بموت السيد، والتدبير عقد ، فكيف نسمح للسيد بفسخ العقد من جانب واحد ؟! والبيع لسيد آخر معناه إلغاء التدبير وضياع فرصة محققة لتحرير العبد المسكين بوفاة سيده الأول ، والله تعالى أمرنا بالوفاء فى قوله عز وجل : "أوفوا بالعقود" المائدة : 1 ..كما أنه لا يجوز للمسلم أن يخلف الوعد فتلك من صفات المنافقين.
و التدبير عتق لكنه مؤجل التنفيذ لما بعد موت السيد، فكيف يتراجع السيد عن تنفيذ ما أتفق عليه ووعد به ثم نجد بعض الفقهاء يجيزون ذلك ؟!!

تيسير إثبات التدبير
قال ابن قدامة المقدسي : "العتق مما يتشوف إليه ، وهو مبني على التغليب والسراية ، فينبغي تيسير إثباته" (المغني – كتاب التدبير- رقم 8679 مسألة من أنكر التدبير) . وهذا القول من عالم جليل يؤكد كل ما ذكرناه من أن الإسلام يحرص على التحرير كل الحرص ، ويلتمس الأسباب المؤدية إليه ، ويتوسع في العتق الى أقصى حد ممكن . ولذلك يؤيد ابن قدامة الرأي الذي يكتفي بشاهد واحد مع يمين يحلفها العبد لإثبات التدبير أو العتق إذا أنكره السيد . ونرى أنه يجب الأخذ بهذا الرأي في كل حالة يحدث فيها نزاع بين السيد والعبد على وقوع العتق أو سببه ، تسييرًا على هؤلاء المساكين ، ولأن الأصل هو الحرية فوجب تسهيل أسبابها، والعمل على إزالة عارض الرق الذي يبغضه الإسلام ويزيله بكل السُبُل .
24- العتق في الكسوف والخسوف
عند وقوع ظاهرة كونية مثل كسوف القمر أو خسوف الشمس كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالعتق حتى تنجلي تلك الظاهرة عنهم بسلام . وكأن الإسلام يتلمس أي سبب ولو لم تكن للبشرية فيه يد للعتق وتحرير أولئك المُبْتَلين بالعبودية !!
روى الإمام البخاري تحت عنوان "ما يستحب من العتاقة في الكسوف أو الآيات" عن السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعتاقة في كسوف الشمس . وروى عنها أيضاً أنها قالت : كنا نؤمر عند الكسوف بالعتاقة ، أي عتق رقبة . وقال الدكتور موسى شاهين لاشين أستاذ الحديث بجامعة الأزهر تعليقاً على الحديث الأول - تعليلاً للأمر بالعتق هنا - : العبادات عند الشدائد ترفعها أو تلطف بصاحبها . انتهى (تيسير صحيح البخاري – الجزء الأول – شرح الحديث رقم 1054) .
ويمكن قياسًا على الكسوف والخسوف أن يكون العتق مندوبا اليه كذلك فى حالة الزلازل والبراكين والفيضانات المدمرة والعواصف ، فكلها كوارث طبيعية تتحد معها فى العلة .
ونحن نقول أن الأمر بالعتق في حال الكسوف أو الخسوف- وإن لم يكن للوجوب- فهو على الأقل سنّة مؤكدة عن الرسول صلى الله عليه وسلم . ونلاحظ هنا أنه أمرهم بالعتق خصيصاً ، وليست أية قربات أخرى ، مما يدل على الأهمية القصوى التي أولاها الإسلام للعتق وتحرير العبيد . فهل عهد الناس مثل هذا في أي دين آخر ؟
25 – المكاتبة
إن الباحث المنصف سوف يرى في عقد المكاتبة واحدًا من مفاخر الإسلام . فعن طريق هذا العقد يحصل العبد على حريته مقابل مبلغ من المال يؤديه إلى سيده على أقساط أو مقابل خدمة أو أعمال يؤديها له .
روى الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة حق على الله عونهم منهم "المكاتب يريد الأداء" . كما يثيب الله من أعان مكاتبًا على التحرر بأن يجعله فى ظله يوم القيامة .
ونلاحظ هنا أن عقد المكاتبة يحقق عدداً من الإيجابيات يرضى بها كل الأطراف . فالسيد حصل على تعويض أو مقابل يرضى به لعتق عبده ، فهو لن يكون خاسراً . والعبد نال حريته بناء على طلبه وفي الوقت الذي أصبح فيه مهيئاً فيه لبدء حياته المستقلة عن سيده . وإذا كان العبد قد تعلم الاعتماد على الذات واكتسب الثقة بالنفس ، فإن المجتمع يكسب بالمكاتبة عضواً نافعاً محترفاً ، يشكل إضافة إيجابية إلى القوى العاملة المدربة، فيزداد به الإنتاج ، وليس مزيداً من المتسولين الذين هم عالة وعبء ثقيل على أي مجتمع بشري . والمكاتبة عقد لازم لا يجوز للسيد أو العبد فسخه .
وقد ذهب العلماء حسب الرأي الراجح – إلى أن السيد لا يملك الرفض إذا طلب عبده المكاتبة، بل يجب عليه أن يكاتبه . ونحن نؤيد هذا الرأي الرشيد لأن صيغة الأمر صريحة في هذه الآية الكريمة "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً" (النور:33) ، هذه الصيغة تدل على الوجوب ما لم توجد قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب والاستحباب فقط ، ولا قرينة هنا تفيد ذلك ، فيبقى الأمر بالمكاتبة على حاله ، وتصبح واجبةً على السيد إن علم في عبده خيراً - أي دين وخلق وقدرة على الكسب - حسبما قرر الفقهاء .
ومما يؤكد هذا الرأي أن سيرين كان عبدًا لأنس بن مالك ، وطلب منه أن يكاتبه لينال حريته ، لكن" أنس" تباطأ في إجابته ، وعلم عمر بن الخطاب بذلك فضرب أنسا بالدرة – عصا صغيرة – وأمره بأن يكاتب سيرين ليعتقه بعد ذلك . ولو كان قبول المكاتبة اختيارياً للمالك لما ضرب الخليفة أنسًا - وهو الفاروق العادل - وإنما ضربه لرفضه تنفيذ الأمر الإلهي بالمكاتبة إن طلبها العبد .
وتكون المكاتبة على أقساط تيسيراً على العبد . ويروى عن علي ابن أبي طالب أن العبد إذا أدى ثلاثة أرباع ما عليه بموجب عقد المكاتبة فإنه يتحرر، لأن الله تعالى أمر السادة بأن يضعوا عن العبيد الربع من المبلغ المتفق عليه نظير العتق. بل روي عن علي وشريح أن العبد يصبح حُرًّا إذا أدى قسطاً واحدا من مال المكاتبة ، فإن الحرية لا تتجزأ ، ورأى فريق من العلماء : أن المكاتب يتحرر إذا أدى نصف المتفق عليه . وقال ابن مسعود : إذا أدي الثلث فقط عُتق .
قال تعالى : "والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" (النور:33) . وهذه الآية الكريمة كما قال المفسرون : تُلْزِم السادة بأن يضعوا عن العبيد المكاتبين جزءاً من القدر المتفق على دفعه في المكاتبة لتحريرهم . ويرى فريق من العلماء أن بيت مال المسلمين عليه أن يعين المكاتب بجزء من حصيلة أموال الزكاة لقوله تعالى في بيان مصارف الزكاة : "وفي الرقاب" سورة التوبة:60 ، والأية الأخرى 177 من سورة البقرة. وقد ذهب فريق من العلماء إلى أنها تلزم بإعانة المكاتبين بدفع ما يعجزون عنه من الأقساط . ولنا دليل آخر يؤيد هذا الرأي من قصة مكاتبة سلمان الفارسي رضي الله عنه لمالكه اليهودي ، فقد أعانه الرسول بنفسه الشريفة، وأمر أصحابه بمساعدته، ثم أعطاه قطعة ذهبية من بيت المال ليستكمل دفع ما عليه لمالكه اليهودى - وستأتي القصة في الفصل الأخير – وهذا يقطع بوجوب مساعدة المكاتب على نيل حريته من بيت المال وكذلك عموم المسلمين . وثواب هذا عظيم جزيل لمن يفعله ، كما ورد بالحديث الشريف عن الثلاثة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة ، ومنهم من أعان مكاتباً في رقبته ، أي في الفداء للتحرر من الرق . والقصة أيضاً دليل على وجوب إعانة المكاتب إذا كان مقابل الكتابة هو عمل يؤديه للسيد .. فقد غرس النبي النخلات بيده الشريفة تنفيذاً للاتفاق بين سلمان ومالكه .. وقد يكون المقابل المطلوب لتحرير المكاتب عملاً آخر، مثل تحرير بعض أسرى بدر مقابل قيامهم بتعليم عدد من المسلمين القراءة والكتابة . أو أن يشترط السيد على عبيده خدمته بعض الوقت مقابل تحريرهم ، وقد فعل هذا عمر رضي الله عنه في خلافته ، إذ حرر غلمان دار الأمارة ، وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة بعده بضع سنين . كما حررت السيدة أم سلمة غلامها "سفينة" ، واشترطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته عليه السلام، ووافق سفينة رضي الله عنه على ذلك، وأكد لها أنه سيخدم الحبيب المصطفى طيلة عمره ولو لم تشترط هى عليه ذلك.
وتحفل كتب الفقه بالكثير من الآراء الرائعة التي تظهر عبقرية السلف الصالح ، ومنها رأي يقول أن المكاتب قد أصبح حرّاً منذ لحظة الاتفاق على المكاتبة مع سيده ، ولو مكث يؤدي أقساط المكاتبة "سنين" ، ويجوز للعبد المكاتب أن يدفع ما عليه جملة واحدة ويتحرر فوراً كذلك. ولا يجوز للسيد أن يرفض الدفع الفوري . ويسمى الفقهاء دفع مقابل المكاتبة فورًا بالقطاعة ، ويتصور الدفع الفورى من العبد كما لو أعانه آخرون تبرعوا له بكل المبلغ المطلوب دفعة واحدة وحدث هذا فى قصة سلمان رضى الله عنه . وأولاد المكاتب أحرار ، وما يتبقى من ماله يكون له ، ولايجوز للسيد استثناء الجنين الذي في بطن أمه المكاتبة، فهو جزء منها يتحرر معها كما ذكر ابن قدامة في المغني نقلاً عن عدد من الفقهاء . بل ان أولادها الآخرين يتحررون معها طبقاً للرأي الراجح . وللمزيد من التفاصيل والآراء يمكن الإطلاع على المراجع المشار إليها في نهاية هذا الفصل .
26- أم الولـد
كثرت أكاذيب الخصوم وصياحهم بسبب السماح بالتمتع بالجواري في الإسلام. وتناسى هؤلاء أن معظم الأنبياء والرسل المعروفين قبل الإسلام تمتعوا بملك اليمين ، وعلى رأسهم "إبراهيم" الذي أنجب من جاريته "هاجر" ولده "إسماعيل" جد العرب عليهم جميعاً السلام . وستأتي تفاصيل أكثر عند الكلام عن بركات السيدة مارية القبطية في الفصل الأخير . وكذلك تناسى الحاقدون ما يفعله غير المسلمين بالأسيرات في الحروب من اغتصاب جماعي وهتك للأعراض وإهدار للآدمية وإجبار ملايين الضحايا المختطفات من بلدان فقيرة على ممارسة الدعارة في أوربا وأمريكا على النحو الذي أوضحناه في فصول سابقة . وفي مقابل هذا الامتهان لآدمية الإماء لدى الغير، جاء الإسلام فصان كرامتهن وحفظ أعراضهن، فلا يجوز لغير سيدها أن يعاشرها جنسياً- بعد استبراء رحمها بحيضة - حتى لا تختلط الأنساب وتهدر كرامة الإماء . فإذا زَوَّجها سيدها لآخر فلا يحق للسيد أن يقربها ، وإنما تصبح زوجة كأية حرّة ، فلا يقربها سوى زوجها . وفي حالة عدم تزويجها يكون للسيد أن يجامعها ، وفي ذلك رحمة بها ، إذ هي في حاجة أيضاً لقضاء شهوتها بطريق مشروع ، كما يطعمها سيدها ويكسوها تماما كزوجته، ويحسن معاملتها رحمة بها وتخفيفًا عليها .
ولأن القوم لم يكن عندهم وسائل شيطانية للقضاء على النسل – كهذه الأيام النحسات - فقد كان الغالب الأعم أن تحمل الجواري من سادتهن . وهنا تتجلى عظمة وحكمة التشريع الإلهي . إذ أن هذه المعاشرة تثمر ليس فقط أطفالاً أحراراً مثل آبائهم طبعاً ، وإنما يأتي هؤلاء بالفرج والتحرير لأمهاتهم أيضا . فقد روى عن النبي عليه السلام عندما ولدت "مارية" إبراهيم أنه قال : "أعتقها ولدها" ، أورده ابن سعد في الطبقات مع حديث آخر: "أيما أَمَة ولدت من سيدها فأنها حرّة إذا مات إلا أن يعتقها قبل موته" (أخرجه ابن ماجه في كتاب العتق والدارمي في البيوع وأحمد في مسنده) . وهكذا تتحرر الجارية التي تنجب من سيدها ولو نزل الجنين ميتاً . بل أكد الفقهاء أنها تصبح أم ولد ولو كان ما في بطنها سقطاً أو نزل منها "مضغة" أو حتى مجرد "علقة" . وهذا يثبت إلى أي مدى كان العلماء يتوسعون فى تحرير الجواري . ولا يجوز بيع أم الولد مطلقاً ولا هبتها ولا رهنها ، وتعتق فور موت سيدها، ولاسبيل للورثة ولا لدائني السيد عليها إن لم يجدوا في التركة ما يكفي لسداد ديونهم. فهي تتحرر لحظة موت والد ابنها بلا حاجة لأي إجراء أو إجازة من أحد . وكثيراً ما كان السادة يحررون أمهات أولادهم فور الولادة تكريماً لأولادهم منهن ، وحتى لا يعاير أحد الجَهَلة أولادهم بأن أمهاتهم لسن من الأحرار . ولمن شاء أن يرجع إلى تفاصيل أحكام أمهات الأولاد في كتب فقهاء السلف الصالح التي لا تخلو من باب كبير عنوانه "أمهات الأولاد" يتناول كافة التفاصيل .


27- الزكاة للتحرير
حدد الله تعالى المصارف الثمانية التي تنفق فيها أموال الزكاة في الآية 60 من سورة التوبة بقوله سبحانه : "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم" . وقد ذهب فريق من العلماء ومنهم الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والزهري والنخعي إلى أن المقصود بقوله تعالى : "وفي الرقاب" أي إعانة المكاتبين على دفع ما عليهم للسادة نظير عتقهم بالمكاتبة . لكن الرأي الراجح وهو المروي عن ابن عباس ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق ورواية عن الحسن أنه : لا بأس أن تعتق الرقبة- بالكامل - من الزكاة (7)، ويعقب ابن كثير رضي الله عنه- في تفسيره للآية – بقوله : أي أن الرقاب أعم فتشمل أن يعطي المكاتب أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالا . انتهى . والواقع أن الرسول صلى الله عليه وسلمان طبّق تلك الآية عندما أعان سلمان الفارسي رضي الله عنه بنفسه الشريفة ، ومن بيت المال كذلك، وأعانه الصحابة أيضاً في مكاتبة سيده اليهودي حتى دفع المتفق عليه ونال حريته . وقام بيت مال المسلمين كذلك بشراء رقاب ابتداء - غير مكاتبين - وتحريرها في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، عندما كثرت حصيلة أموال الزكاة، وازدهر الاقتصاد في عهده ، فلم يجد الولاة فقراء ليعطوهم من الزكاة ، وكان المصرف الوحيد المتاح لها هو شراء عشرات الألوف من العبيد وتحريرهم . قال يحي بن سعيد : "بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات أفريقيا فجمعتها، ثم طلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيراً، ولم نجد من يأخذها منا – فقد أغنى عمر الناس - فاشتريت بها عبيداً فأعتقتهم" (8) . وهكذا نجد أن دور بيت مال المسلمين– خزينة الدولة - يتسع لإعانة المكاتبين بالفعل، وكذلك شراء عبيد لا يستطيعون المكاتبة – لصغرهم أو عجزهم عن العمل كالعجائز والنساء – بل يرى الأمام ابن سيرين رضي الله عنه أنه في حالة قيام أحد الشركاء بعتق نصيبه في العبد، وعجزه عن دفع قيمة حصص باقي الشركاء فيه ، فإنه يجب دفع قيمة حصص هؤلاء من بند "وفي الرقاب" من بيت المال ، وبذلك يتحرر العبد كله . وهو رأي وجيه للغاية, ويفيد خصوصاً في حالة إعسار المعتق، وعجز العبد عن العمل لسداد ثمن حصص باقي السادة المالكين له كالصغار والعَجَزَة والنساء كما أشرنا . وكذلك تتضح أهمية دور بيت المال فى دفع فداء أسرى المسلمين لدى الأعداء في حالات الحروب، أو احتلال بعض الدول والأراضي الإسلامية بواسطة قوى البشر والاستكبار العالمي بزعامة أمريكا وإسرائيل . فيمكن استخدام هذا البند من موارد الميزانية العامة في الدول الإسلامية لدفع كافة تكاليف الإفراج عن الأسرى العراقيين والفلسطينيين والأفغان وغيرهم، وكذلك إعادة تأهيلهم للحياة الاجتماعية من جديد وكفالة سبل العيش الكريم لهم، إذ أن أغلبهم عادة ما يكون قد فقد كل شيء بسبب سنوات الاعتقال الطويلة المريرة.
وهناك كذلك دور بالغ الأهمية يجب أن تلعبه الخزانة العامة في الدول الإسلامية في وقتنا الحاضر لتحرير الرقيق الموجود حتى الآن . ولا داعي للعجب، فكما عرضنا في الفصل الرابع "الاتجار بالبشر" ، مازال الملايين من البشر يعانون من رق حقيقي في القرن الحادي والعشرين ، ونعني بهم الملايين من الفتيات -الأطفال- الذين اختطفتهن - وما زالت تفعل - عصابات الماﭭيا الدولية ، وقامت بترحيلهن إلى دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأمريكا الجنوبية لتسخيرهن إجبارياً في الدعارة والشذوذ الجنسي . وبكل أسف فإن مئات الألوف من هؤلاء السبايا هن مسلمات من عائلات فقيرة جرى خطفهن وترحيلهن تماماً كما حدث للأفارقة المساكين من قبل !! .
ونطالب كل الحكومات والهيئات الإسلامية بالتحرك فوراً على كل المستويات وبكل السبل والوسائل المتاحة لتحرير "سبايانا" المسكينات من قبضة المجرمين في الغرب، وإعادتهن إلى بلادهن الأصلية مهما تكلف الأمر من جهود ونفقات ، فتلك مسئولية بيت المال - الخزانة العامة - وهي من صميم اختصاص الحكام طبقاً لهذه الآية "وفي الرقاب" وغيرها .. وإذا لم تقم الحكومات بحماية رعاياها، وإنقاذ مئات الألوف ممن سقطن فرائس بين مخالب وحوش الغرب المسعورة ، فما جدوى وجود الحكومات إذن ؟ !!
ونذكر الجميع أخيراً بمقولة الفاروق الخالدة : والله لو أن بغلة في العراق عثرت – تعثرت - لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة ، يقول هذا عن بغلة ، فما بالك بملايين الأنفس المُعذَّبة فى الأرض ؟!! .
المراجع
للمزيد من التفاصيل والأحكام والآراء حول مسائل هذا الفصل أنظر المراجع الآتية :
1- عباس محمود العقاد –حقائق الإسلام وأباطيل خصومه – طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب – فصل الرق .
2- تفسير الآية 92 من سورة النساء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وأحكام القراّن للجصّاص ، وتفسير ابن كثير ، والبغوى ، والشوكانى ، و النسفي ، وابن جرير الطبري، وكذلك تفسير الآية 93 من سورة النساء، والآية 3 من سورة المجادلة، والآيتين الأوليين من سورة التحريم، والآية 89 من سورة المائدة ،والآية 33 من سورة النور ،والآية 177 من سورة البقرة، والآية 60 من سورة التوبة بالتفاسير المذكورة .
3- الأحاديث الواردة فى هذا الفصل نقلاً عن المراجع الآتية : فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ،وتيسير صحيح البخاري للدكتور موسى شاهين لاشين ، و صحيح مسلم بشرح النووي ،و سنن أبي داود ، والأم للشافعى ، ومصنف ابن أبى شيبة ، والترمذي ، وابن ماجه ، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، وابن خزيمة ، وتنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك لجلال الدين السيوطي .
4- المغني لابن قدامة المقدسي ، والمبسوط للسرخسي وسبل السلام للصنعاني، والمحلى بالآثار لابن حزم الأندلسي ، والعدة في شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي ، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام ابن رشد الأندلسي . وتراجع في كل منها أبواب أو كتب "العتق" و "وأمهات الأولاد" و "والتدبير" و "والمكاتبة" أو "الكتابة" أو "المكاتب" وكذلك كتب "الكفارات" وكتاب "اللقيط" بذات المراجع ، ففيها تفاصيل وأحكام وآراء أخرىلم يتيسر إثباتها هنا حرصاً على عدم الإطالة أو لأنها آراء مرجوحة لانعتد بها.
5- موسوعة فقه عبد الله بن عمر - الدكتور محمد رواس قلعجي - دار النفائس - بيروت سنة 1986 م - ص 379 – 380 .
6- موسوعة فقه سفيان الثوري - الدكتور محمد رواس قلعجي - دار النفائس - بيروت - الطبعة الثانية 1997 م .
7- موسوعة فقه عبد الله بن عباس - دار النفائس - بيروت .
8- مناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ، وسيرة عمر بن عبد العزيز فى البداية والنهاية ، وحلية الأولياء لأبى نعيم ، وسير أعلام النبلاء للذهبى ، وصفة الصفوة ، وتاريخ الأمم والممالك للطبرى .

Heba Khled
08-19-2011, 06:27 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif
أبواب الحرية
قال المفكر الإسلامي الكبير عباس محمود العقاد : "شرع الإسلام العتق، ولم يُشرِّع الرق"(1). ومع تقديرنا الكامل لأستاذنا العقاد إلا أننا نرى أن الأدق أن نقول: "شرع الآخر الرق وشرع الإسلام العتق" . فكما رأينا انتشر الرق واستعباد الأقوياء للضعفاء في كل الأمم ، ثم جاء الإسلام ليوقف انتشار هذا السرطان في جسد البشرية بتجفيف ينابيعه ، ثم الإحسان إلى المماليك ، مع فتح أبواب الحرية أمامهم على أوسع نطاق ممكن ، في منظومة تشريعية متكاملة بالغة الدقة والإحكام أثمرت القضاء على الرق تماماً خلال بضعة أجيال في كل أرض طُبِّقَت عليها أحكام الإسلام ..
وتكفي نظرة إلى أحكام العتق في الإسلام ليدرك الجميع أن هذا ليس أبداً تشريعاً من عند البشر، وأن هذا القرآن العظيم هو كلام الرحمن الرحيم بعباده حقاً وصدقاً .
ونلاحظ أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي ورد فيه تعبير الـ"تحرير" صراحة وبكل وضوح 5 مرات في 3 آيات ، وكما يقول الإمام النسفى فإن:"كل تكرير ورد فى القرآن فالمطلوب منه تمكين المكرر فى النفوس وتقريره" . وسيأتي في الكلام عن الكفارات . كما يتضمن آية أخرى خالدة تحض على : "فك رقبة" سورة البلد الآية:13، كما تحدثت اّيتان اّخريان عن دفع الزكاة والصدقات لتحريرالرقاب . وهكذا فان الذكر الحكيم أمر بالعتق والتحرير فى 8 مواضع ، أى 8 مرات . ولم يعهد الناس طوال عمر البشرية كلاماً صريحاً قاطعاً وواضحاً عن التحرير وفك الرقاب المعذبة في الأرض قبل نزول القرآن على سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم . وكذلك ورد لفظ "العتق" صراحة - والأمر به - في عشرات من الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة . فهل يبقى بعد كلهذه النصوص – أدنى شك في كراهية الإسلام للرق وسعيه بكل السبل لتحرير العبيد في كل أرجاء الأرض ؟ .
ونكرر التنبيه هنا مرة أخرى على أن النصوص الأخرى التي تناولت كافة شئون العبيد ، والإحسان إليهم والأحكام الخاصة بهم كانت فقط لتنظيم "الفترة الانتقالية" بين العبودية والتحرير، ولم تكن أبداً لترسيخ أو تثبيت دعائم الرق . إذ أنه كما قلنا من قبل يستحيل التحرير بضربة واحدة هكذا في التو واللحظة ، ومنهج الإسلام هو التدرج في إحداث التغيير في المجتمع ،حفاظاً على الأمن والاستقرار ، وحقناً للدماء، لذلك لم يكن هناك مفر من تنظيم أحوال العبيد في الفترة التي لا مفر من اجتيازها ، إلى أن يأذن الله بتحريرهم على مراحل محسوبة بدقة وبوسائل شتى . ومن المسلم به في دنيا الناس أن كثيراً من القوانين التي تصدرها المجالس التشريعية تنص غالباً على "أحكام انتقالية" تنظم المعاملات- قبل بدء سريان القانون - خلال الفترة ما بين صدوره ودخوله مرحلة التطبيق الكامل . فهناك فترة انتقالية غالبا بين تطبيق التشريع القديم الملغي وبين بدء سريان التشريع الجديد .
ومن بين أهداف تلك الفترة الانتقالية بأحكامها "المؤقتة" تهيئة المناخ الضروري للتغيير ، وأن يعتاد الناس على الأحكام الجديدة ، لاسيما إذا كانت التغييرات جوهرية وشاملة . وهذا بالضبط هو ما تهدف إليه الأحكام المنظمة لشئون وأحوال الرقيق - ملك اليمين - في الإسلام ، فهى مجرد أحكام مؤقتة لفترة محدودة تنتهي حتماً بتحرير كل العبيد طبقاً لتلك المنظومة الإلهية العظيمة .
والآن نستعرض حالات التحرير وأسبابه الكثيرة . وسوف يلاحظ القارئ العزيز أنها في مجموعها تكفل فعلاً – بمرور الوقت – تحرير كل العبيد في المجتمع ، بشرط واحد بديهي هو أن تطبّق أحكام الإسلام كاملة على أرض الواقع . أما إذا امتنع البشر عن تطبيق المنهج الإلهي ، وعصوا أمر الله ، فما يكون العيب في الإسلام ، بل العيب كله في طبائع الناس وظلمهم وتمردهم على ما فيه خير دنياهم وآخرتهم . و الخلل الذي يحدث بسبب عدم التطبيق، يُشَكِّل دليلاً آخر على صدق الرسالة وأنها من عند الله ، إذ أن الكوارث وقعت لأنهم عصوا أوامر ربهم . وهذا يثبت صواب المنهج الإلهي وإعجازه وأنه وحده الذي تستقيم معه أحوال البشر . ونلاحظ أيضاً أن حالات وأسباب التحرير منها ما هو وجوبي – وسوف نذكرها حالاً – أي لا خيار للسادة فيه، بل هو مفروض عليهم بحكم الإسلام . ومن حالات العتق ما هو سُنَّة وتقرب إلى الله تطوعاً من المالك طمعاً في عفو الله عنه ورحمته به وهرباً من عذاب الجحيم . وهذه حالات "اختيارية" للسيد أن يُعتق فيها أو يبقى على عبده ، وسوف نتناولها بعد حالات العتق الوجوبى.
1- كفّارة القتل الخطأ
قال تعالى "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطئا ومن قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلّمة الى أهله وتحرير رقبة مؤمنة.." الآية 92 سورة النساء.. قال الإمام القرطبي :" أي فعليه تحرير رقبة ، وهذه الكفّارة هى التي أوجبها الله تعالى في كفّارة القتل" ، ونقل خلاف العلماء فيما يجزئ منها ، فقال ابن عباس والحسن وقتادة غيرهم : الرقبة المؤمنة – التي يجزئ تحريرها في الكفّارة – هي التي صَلَّت وعَقَلت الإيمان، ولا تُجزئ في ذلك الصغيرة ، وقال القرطبي : هذا هو الصحيح في هذا الباب . وقال عطاء بن أبي رباح : يجزئ عتق الصغير المولود بين المسلمين، وقال مالك والشافعي : يجزئ كل من حكم له بالصلاة عليه إن مات ودفنه في مقابر المسلمين ، ولا يجزئ من به عاهة تعجزه تماماً كالأعمى والمقعد ومقطوع اليدين والرجلين، ويجزئ الأعور والأعرج عند الأكثرين . ونلاحظ أن الآية ذكرت تحرير الرقبة قبل أن تذكر الدية ، مما يشير إلى أهمية التحرير في الإسلام . كما تكرر فيها ذكر تعبير "فتحرير رقبة" ثلاث مرات ، والتكرار – فى القراّن- للتمكين فى النفوس والتأكيد والتثبيت كما قال الإمام النسفى (فى بداية تفسيره لسورة البقرة) .
وللعلماء كلام عن أسباب فرض هذه الكفارة ، فقيل أوجبت على القاتل تطهيراً لذنبه لأنه أهمل ولم يتخذ الاحتياط والتحفظ فهلك على يديه إنسان محقون الدم . وقيل بل وجبت الكفّارة لأنه عَطَّل حق الله تعالى في نفس القتيل ، فإنه كان يعبد الله ، وكان ممكناً أن ينجب أولاداً يعبدون الله كذلك ، كما أن القاتل عطَّل على القتيل حقه في التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل الله له طوال عمره واكتساب الحسنات والخيرات . وقال الامام النسفي : "لمّا أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسًا مثلها فى جملة الأحرار ، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها ، من قِبل أن الرقيق ملحق بالأموات ، إذ الرق أثر من آثار الكفر ، والكفر موت حكمًا" . انتهى ما ذكره الإمام العبقرى فى تفسير الاّية . ولا يوجد أروع ولا أوضح من هذا الكلام النفيس لبيان كراهية الإسلام للرق ، اذ هو كالموت تمامًا ، و أهمية العتق ، اذ الحرية للعبد كالحياة للميت . ويقول الإمام القرطبي عن هذه العلة- سواء فوات حق العبد في حياته أو حق الله في حياة عبده المؤمن- : "أي واحد من هذين المعنيين كان ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمداً مثله بل أولى بوجوب الكفَّارة منه" .
2- كفّارة القتل العمد
ولهذا أورد الإمام القرطبي في تفسير الآية التي بعدها : "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً" النساء 93 ، ما ذهب اليه مالك والشافعي من أنه : علي قاتل العمد الكفارة – تحرير عبد أو جارية – كما في القتل الخطأ . وقال الشافعي : إذا وجبت الكفارة في الخطأ فإن وجوبها في العمد أولى، وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة العمد بمسقط ما قد وجب في الخطأ . وقد قيل أن القاتل عمداً إنما تجب عليه الكفارة إذا عُفي عنه فلم يقتل ، فإذا قتل قيل تؤخذ الكفارة من ماله وقيل لا تؤخذ . ومن قتل نَفْسَه فعليه كفارة تحرير رقبة تؤخذ من ماله (2) . والواقع أننا نرجح أن على القاتل عمداً تحرير رقبة ، فهو أشد إجرامًا وأجدر بأن يجبر على تحرير نفس مؤمنة للتكفير عن ذنبه و لتعويض المجتمع عن المسلم الذي قتله . ويشهد لذلك ما حدث عندما جاء أقارب قاتل عمد إلى النبي ليسألوه كيف ينقذونه من النار ، فأرشدهم عليه السلام إلى أن يعتقوا عنه عبداً ، فيعتق الله بكل عضو منه عضواً من القاتل من النار" (سنن أبي داود 3964) .
3- كفّارة الاجهاض
أورد ابن قدامة في "المغني" رأياً سديداً مفاده : أنه إذا ضرب شخص بطن امرأة فأجهضها – قتل جنينها – فإن عليه – فضلاً عن دية الجنين – كفارة عتق رقبة .
ونحن نؤيد هذا الرأي لسببين : أولهما تشديد الحماية للنفس البشرية حتى ولو كان ما زال جنيناً في بطن أمه، فالإسلام جاء لحفظ وحماية الأرواح ، والسبب الثاني أن في هذا الحكم تحريراً لنفس أخرى تهفو الى الحرية ، ومنهج الإسلام هو التوسع لأقصى حد ممكن في تلمس أسباب التحرير، والتلهف على انقاذ المعذبين فى الارض و القضاء على الرق البغيض .
4- كفّارة الظِهَار
إذا قال الرجل لزوجته : أنت عليَّ كظهر أمي فإنه يأثم بذلك ويجب عليه تحرير رقبة قبل أن يعاود مجامعتها . قال تعالى : "والذين يظاهرون من نسائهم ثميعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا" المجادلة : 3 . وقد توسع العلماء في مفهوم الظهار وما يُشَبِّه الرجل به امرأته في تلك الحالات . قال الصنعاني – كتاب الطلاق ص 615 - أنه إذا شَبَّه الرجل زوجته بعضو من أمه غير الظهر فذهب الأكثرون إلى أنه يكون ظهاراً أيضاً . وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة أنه إذا شبَّه زوجته بغير الأم من المحارم – كالجدة والخالة والعمة – فإنه يكون ظهاراً ولو شبّهها بمحرم من الرضاع- ودليلهم القياس- فإن العلة هي التحريم المؤبد وهو ثابت في المحارم كثبوته في الأم . وقال مالك وأحمد إنه ينعقد ولو لم يكن المشبّه به مؤبد التحريم كالمرأة الأجنبية . وفائدة التوسع فى مفهوم الظهار تكمن فى أنه يترتب عليها كثرة حالاته ، وبالتالى كثرة أعداد الرقاب التى تتحررتكفيرًا عنه . وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد عن سلمة بن صخر رضي الله عنه قال دخل رمضان، فخفت أن أصيب امرأتي – أجامعها – فظاهرت منها، فانكشف لي ليلة شيء منها فوقعت عليها، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "حَرِّر رقبة" ، فقلت: ما أملك إلا رقبتي ، قال : "فصم شهرين متتابعين" ، وصحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن الجارود (3) .
ويقول الصنعاني تعليقاً على الحديث : أنه دل على ما دلت عليه الآية من ترتيب خصال أنواع الكفّارات – والترتيب إجماع بين العلماء . وأطلقت الرقبة في الآية وفي الحديث أيضاً، ولم تقيّد بالإيمان كما قيّدت به في كفارة القتل الخطأ. وذهب أبو حنيفة وزيد بن علي والزمخشري إلى عدم صحة القياس هنا لعدم الاشتراك في العلة ، ففي القتل أخرج نفساً مؤمنة من الحياة إلى الموت ، فكانت كفارته إدخال رقبة مؤمنة في حياة الحرية ، وإخراجها من موت الرق، فإن الرق سلب التصرف من المملوك ، فأشبه الموت الذي يسلب التصرف من الميت ، فكان في إعتاقه إثبات التصرف ، فأشبه الإحياء الذي يقتضي التصرف للحى ، وليس الأمر كذلك فى الظهار، فلا يشترط فيه أن تكون الرقبة مؤمنة .
ويستنبط الصنعاني وغيره من ترتيب الكفارات في الآية والحديث أنه لا ينتقل إلى التكفير بصيام شهرين متتابعين إلا عند العجز عن وجدان الرقبة ليعتقها – يحرّرها – حتى لو كان عنده رقبة واحدة – عبد أو جارية واحدة – لكنه يحتاجها لخدمته للعجز، فإنه لا يصح منه الصوم ، ويجب عليه تحرير تلك الرقبة الوحيدة التي يملكها . فهل رأى أحد حرصاً على "التحرير" كهذا الحرص الإسلامي ؟!!
5- كفّارة التحريم
إذا قال الرجل لأمته أو زوجته : أنت حرام عليَّ، فإنها لا تحرم عليه بمجرد هذا القول ، وله أن يجامعها بشرط تحرير رقبة أيضاً في هذه الحالة . وهذا مستمد من قصة تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لجاريته السيدة مارية على نفسه ثم عودته إليها بعد نزول سورة التحريم ، وعتاب الله تعالى له بسبب تحريمه ما أحل الله له ، وقد أعتق عليه السلام رقبة قبل أن يعود إلى مباشرة السيدة مارية كما سيأتي في قصتها في الفصل الأخير من هذا الكتاب . وكذلك روي أن رجلاً قال لابن عباس قلت لامرأتي : أنت حرام عليَّ . فأجابه ابن عباس رضي الله عنهما : كذبت ليس عليك بحرام، وعليك أغلظ الكفَّارات عتق رقبة . وأورد الإمام القرطبي في تفسير الآيتين الأوليين من سورة التحريم 18 رأيًا للعلماء حول هذه المسألة – تحريم الرجل لزوجته أو جاريته – وما يهمنا هنا هو أن أكثر العلماء ذهبوا إلى وجوب الكفّارة عليه بتحرير رقبة .
6- كفّارة الحنث فى اليمين
إذا حنث الرجل في يمين حلفه ، وأراد التكفير عن هذا اليمين فإنه مُخَيَّر بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق – تحرير رقبة – وأساس ذلك قوله تعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام" المائدة : 89 . وقال بهاء الدين المقدسي في "العُدّة شرح العمدة": الإجماع على تخيير الحانث في يمينه بين الإطعام أو الكسوة أو تحرير عبد أو جارية أي عتق رقبة . وهناك رأيان بالنسبة لمن يعتق النصف من عبدين بدلاً من العتق الكامل لعبد واحد (4) . ونرى أنه يجوز لأنه سوف يتسبب في تيسير عتق اثنين بدلاً من الواحد، فسيكون أيسر عليهما المكاتبة والسعي لدفع نصف القيمة لكل منهما بدلاً من القيمة كاملة. و من ناحية اخرى سوف يكون الأيسر على سيد كل منهما أن يعتق النصف بدلاً من الكل ، أو يوصي بعتقه ، كما يكون تدبيره للنصف أيسر من تدبير الكل .
7- كفّارة الضرب
إذا ضَرَبَ السيد عبده – أو جاريته – أو لَطَمَه أو صَفَعَه فإن كفارته أن يعتقه. وفي هذه الحالة يتحرر العبد فور وقوع هذا الاعتداء عليه بلا أي مقابل يحصل عليه المالك . فعتق العبد هنا بمثابة عقاب فوري للسيد على قسوته . لأن الله سبحانه وتعالى قد كرَّم بني آدم : "ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" (الإسراء : 70) .
والضرب أو الصفع أو اللطم أو الركل هو إهانة للعبد المسكين يأباها الله ورسوله وصالح المؤمنين ، ولهذا فان أفضل عقاب للسيد القاسي القلب هو أن يُحْرَم فوراً من ملكيته للعبد المجني عليه ، فلم يعد جديراً بأمانة المسئولية عنه، وحق للإسلام أن يطلق سراح ذلك الرقيق المسكين حتى لا يظل عُرضة لغضب ذلك المالك الأهوج يضربه كما يحلو له . وأساس ذلك الحديث الشريف الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما : "من ضرب غلامه حدًّا لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه" المحلي 9/209 ، وابن أبي شيبة 1/161 ب ، ورواه الإمام مسلم كذلك بلفظ مختلف .
وكذلك الحديث الآخر الذي رواه أبو داود عن الصحابي الجليل أبى مسعود رضي الله عنه، فقد كان يضرب غلاماً له يوماً فسمع صوتاً من خلفه : "اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك عليه" ، فالتفت فإذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو مسعود: هو حُرٌّ يا رسول الله ، فأجابه النبي عليه السلام : "لو لم تفعل للفحتك – أو لمسّتك النار" .
والرسول صلى الله عليه وسلم لا يخبر عن عقوبة على عدم الفعل إلا إذا كان هذا الفعل فرضاً واجباً ، فيدل ذلك على وجوب تحرير العبد ككفارة عن ضربه، ولو كان العتق هنا مندوباً فقط لما استحق السيد الضارب أن تلفحه النار إن لم يفعل .
وروى ابن أبى حاتم – فى الجرح والتعديل 8/306 – أن حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه ضرب جارية على وجهها فقال له النبى عليه السلام : "اعتقها" . و عن سويد بن مقرن رضى الله عنه أن أحد إخوته لطم جارية لهم فأمرهم النبى أن يعتقوها . رواه أبو داود فى باب حق المملوك .
8- كفّارة الجُرْح أو قطع عضو أو التعذيب
إذا كان مجرد لطم العبد أو ضربه باليد أو صفعه يوجب عتقه فورا ً، فمن باب أولى إذا جرحه سيده أو قطع من جسده عضواً أو أحدث به عاهة . ومثال ذلك الجَبْ – قطع عضو الذكورة – أو الخصي – إزالة الخصيتين من الذكر- أو الجدع -قطع الأذن أو الأنف أو غير ذلك - ففي هذه الحالات وأمثالها يتحرر العبد أو الجارية – فوراً وبلا أي مقابل . وفي حديث زنباع الذي جبَّ غلامه قال النبي للغلام المجني عليه : "اذهب فأنت حُرّ"، لأن سيده قطع منه عضو الذكورة (الحديث مذكور في سنن أبى داود تحت رقم 4519) . وروى الإمام مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعتق جارية أحرقها سيدها – كواها بالنار – وأدَّبه (الموطأ – كتاب العتاقة والولاء) ، وكذلك لو عذَّب السيد الرقيق بأية وسيلة أخرى فإنه يتحرر فورًا .
9- كفّارة اللعن أو الشتم
اللعن كالضرب في الحكم لأن في كل منهما إساءة للرقيق بغير حق . قال سالم بن عبد الله : ما لعن ابن عمر خادماً – عبداً – له قط إلا واحداً فأعتقه. رواه عبد الرزّاق( 10/)413 وكذا ورد فى موسوعة فقه عبد الله بن عمر (5) .
ويرى الإمام الزهري رضي الله عنه أن من قال لغلامه : أخزاك الله فهو حُرّ بذلك . ويمكننا أن نقيس على رأي هذين الإمامين الجليلين – ابن عمر والزهري – كل كلام يعتبر سباً أو شتماً أو قذفاً أو لعناً أو إهانة أو إساءة للعبد أو الجارية .
فقد كَرَّم الإسلام بني آدم ، أحراراً كانوا أم عبيداً – كما أسلفنا عند الكلام على الضرب – وأمر الله ورسوله بالإحسان إلى المماليك ، فأية إهانة لهم بالفعل أو بالقول توجب التكفير عن ذلك الذنب العظيم بتحريرهم فوراً بلا مقابل .
10- إكراه الجارية على الزنا
وكذلك يجب على الحاكم المسلم تحرير الجارية فوراً إذا أجبرها سيدها على ممارسة البغاء أى الدعارة . فقد حرص الإسلام على صيانة عرض الإماء – الجواري - فلا يعبث بهن كل من أراد كما يحدث لدى غير المسلمين . فلا يجوز لأحد أن يجامعها سوى سيدها- أو زوجها إن تزوجها غير السيد- ويكون أولادها أحراراً مثل السيد أو الزوج إن كان حراً .
فإذا حاول السيد التكسب بفرج الجارية بإكراهها على ممارسة الدعارة ، أو تقديمها لضيوفه كما كانوا يفعلون في الجاهلية ، وما زالوا يفعلون ببعض البلاد غير الإسلامية، فإن على الحاكم أن يرفع يد السيد عن تلك الجارية المسكينة فوراً ، وذلك لا يتم إلا بعتقها – تحريرها – رغم أنف المالك الفاسق . وهذا كله عملاً بقوله تعالى : "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" (النور : 33) . وذكرنا في نهاية الفصل الرابع "الاتجار بالبشر" أن سبب نزول هذه الآية الكريمة كان محاولة المنافق عبدالله بن أبي سلول إجبار جارية له على ممارسة الدعارة لجلب الأموال ، فشكته إلى النبي فنزلت الآية، و أمر الرسول صلى الله عليه وسلم برفع يد المنافق عن الجارية وأعتقها. وتبدو أهمية هذا الموقف العظيم في عصرنا الحاضر، حيث ما تزال عصابات الإجرام – المافيا – الدولية تخطف ملايين الفتيات من الدول الفقيرة إلى الغرب لتشغيلهن إجبارياً في شبكات الدعارة . ولابد من تحرك عاجل للدول الإسلامية لإنقاذ رعاياها من أنياب تلك الوحوش المسعورة . (راجع الفصل الرابع من هذا الكتاب) .
11- الجماع في نهار رمضان
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت يا رسول الله، قال "وما أهلكك ؟" قال : وقعت على امرأتي في رمضان – نهار رمضان - قال : "هل تجد ما تعتق رقبة" ؟ قال : لا، قال : "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟" قال : لا، قال "فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً" قال : لا ، ثم جلس . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر فقال: "تصدق بهذا" فقال الرجل : أعلى أفقر منَّا ؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال : "اذهب فأطعمه أهلك" رواه السبعة أصحاب السنن والصحيحين واللفظ لمسلم . (انظر مثلا البخاري 4/163 – مسلم في الصيام حديث رقم 1111) .
قال الصنعاني في "سبل السلام": الحديث دليل على وجوب الكَفَّارة على من جامع في نهار رمضان عامداً. وذكر النووي أنه إجماع سواء كان موسراً – غنياً – أم معسرا – فقيراً – فالمعسر تثبت ديناً في ذمته . والحديث ظاهر في أن الكفارة مرتّبة، أي يبدأ أولاً بعتق الرقبة ولا ينتقل إلى الصيام إلا إن لم يجد رقبة يعتقها . كما لا ينتقل إلى الإطعام إلا إذا لم يجد رقبة ولم يستطع صيام شهرين متتاليين . و نقل الصنعاني الاختلاف في الرقبة التي تعتق هل لابد أن تكون مؤمنة أم لا . والرأي أنها مُطْلَقة هنا فيجزئه أن يحرر عبداً نصرانياً أو يهودياً طبقاً للرأي الذي لا يشترط الإيمان . ولكن الجمهور يذهب إلى ضرورة أن تكون الرقبة التي يعتقها مؤمنة حملاً للمُطلق هنا على المُقيد في كَفَّارة القتل، وقالوا : لأن كلام الله تعالى في حكم الخطاب الواحد فيترتب فيه المطلق على المقيد . وقال الأحناف : لا يحمل المطلق على المقيد مطلقاً فتجزئ عندهم الرقبة الكافرة . (سبل السلام ص 378 – 380) .
والمهم هنا أن على من يجامع في نهار رمضان أن يعتق رقبة ، وذهب الجمهور إلى أن على زوجته كَفَّارة أيضاً، فإذا أخذنا بهذا الرأي نجد أنهما – الزوج والزوجة - مكلّفان بتحرير رقبتين في هذه الحالة . وقال آخرون ليس على المرأة كفارة .
11- كفّارة جماع الحائض
إذا جامع الرجل زوجته أو جاريته وهى حائض فإن عليه كفّارة تحرير رقبة . فقد روى ابن حجر العسقلانى – فى تلخيص الحبير – والهيثمى فى مجمع الزوائد : أن الرسول عليه السلام أمر رجلاً جامع زوجته الحائض بأن يعتق رقبة تكفيرًا عن ذلك.
ونلاحظ عظمة نظام الكفَّارات في الإسلام . إذ أن السادة بشر، ولأن كل بني آدم خطَّاء – كثير الخطأ - فلابد أن يرتكبوا أفعالاً تستوجب التكفير بعتق الرقاب . ويؤدي هذا حتماً على مر الأيام إلى تحرير أعداد هائلة من الرقيق تكفيراً عن ذنوب السادة الكثيرة والمتكررة . وهو ما حدث بالفعل ، فقد تحررت أعداد لا حصر لها من العبيد في صدر الإسلام بموجب نظام الكفَّارات العظيم .
13- تحرير ذوي الأرحام
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "لا يجزئ ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه" أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود وآخرون . وقال عليه السلام في حديث آخر : "من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ" رواه أبو داود والترمذي . وبهذين الحديثين الشريفين استدل جمهور العلماء على أنه إذا تملك الرجل الأقارب فإنهم يعتقون عليه وجوبا ً، ولا عبرة بموافقته على ذلك أو امتناعه (6) . والعلة واضحة هنا ، إذ أنه لا يمكن تصور أن يكون المرء سيّداً على أبيه أو أمه ، ويستخدمهما في الأعمال ، أويبيعهما لآخرين في السوق، فهذا أبشع ألوان العقوق والإجرام في حق من ربّياه صغيراً .
واختلف العلماء بعد ذلك في تحديد الأقارب الذين يُعتقون على المالك في هذه الحالة . ويرى الإمام مالك أنه يُعْتَق على الرجل ثلاثة أنواع من الأقارب ، الأول أصوله ويشملون الأبوين والأجداد والجدات ، وكل من كان له على الإنسان ولادة أي أصلاً له . والنوع الثاني : فروعه وهم الأبناء والبنات وأولادهم وبناتهم أي الأحفاد وإن نزلوا ، وبالجملة كل من كان للمالك عليه ولادة بغير وسيط ذكراً كان أم أنثى . والنوع الثالث : كل من شارك المالك في أصله القريب كإخوته وأخواته الأشقاء أو لأب أو لأم . وأضاف الإمام أبو حنيفة إلى هؤلاء كل ذي رحم مُحَرَّم بالنسب كالعم والعمة والخال والخالة وأبناء وبنات الأخ والأخت ، وبصفة عامة كل من يحرم على المالك الزواج منه على افتراض أن أحدهما ذكر والآخر أنثى (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) . وهذا هو الرأي الذي يتطابق مع نص وروح الحديث الشريف، فقد ذكر عليه السلام "ذا رحم محرّم" نصاً ، ولا يجوز تضييق نطاق ما وَسَع الله ورسوله . وفي رأينا أنه طبقاً لروح الإسلام فإنه يجب أيضاً أن يُعتق على الرجل أمه وأبوه وإخواته وخالاته وعماته وإخوته وأعمامه وأخواله من الرضاعة ، وكذلك أجداده وجداته وابنه وابنته من الرضاعة . لأن كل هؤلاء يَحْرُم عليه الزواج منهم ، وقد روى البخاري ومسلم حديثًا شريفا نصه : "يَحْرُم من الرضاعة مايحرم من الولادة" . وقد ذكرنا من قبل أنه في غزوة حنين جاء المهزومون من هوازن وثقيف مسلمين تائبين بعد المعركة ، وكان ضمن ما قالوه للنبي طلبا للإفراج عن أسراهم : "إنما فيهم خالاتك وعماتك من الرضاعة وحواضنك" ، وعلى الفور قال لهم عليه السلام : "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" ، ثم قام فسأل الناس أن يردوا عليهم السبي- ستة اّلاف نفس- فاستجاب المسلمون، وتم تحرير كل أسرى هوازن وثقيف بذلك . والواقع أنه ليس من المروءة أبداً أن يسترق الإنسان من احتضونه وأرضعوه وتولوا تربيته ورعايته حتى شب عن الطوق ، ولا هو من خلق المسلم أنه إذا كبر وأغناه الله أن يستعبد من أحسنوا إليه في صغره ، فلا دين إلا بمروءة ونبل وحسن خلق .
14- اللقيط حر
يرى أكثر علماء السلف رضي الله عنهم أن اللقيط يكون حُرَّا ً، لأن الأصل في الإنسان هو الحرية . فالكل أولاد وبنات آدم وحواء وكلاهما كان حُرّاً، وبالتالي فالفروع كلها حُرَّة إلا من يثبت عليه العكس . ولا يوجد أي دليل على حالة الطفل اللقيط من الحرية أو الرق ، فوجب أن يُعطى له حكم الأصل وهو الحرية . ونعتقد أنه لا يوجد أي كلام أجمل ولا أقوى من هذا لإيضاح موقف الإسلام العظيم دين الحرية والكرامة والمساواة بين البشر .
15- إسلام العبد يحرّره
إذا اعتنق العبد الإسلام وكان سيده غير مسلم ، فإنه يتحرّر فوراً بمجرد النطق بالشهادتين ، لقوله تعالى : "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً" الآية 141 سورة النساء. ويتحرر معه أولاده الصغار لأنهم يتبعونه في الإسلام وكذا أَمَتُه إن كان له أَمَةُ .
وكذلك أعتق الرسول صلى الله عليه وسلم عبيداً كانوا مملوكين لمشركين، وهربوا إلى النبي عليه السلام أثناء حصار المسلمين للطائف ، وأعلنوا إسلامهم بين يديه . وأخبر عليه السلام أنهم : "عُتَقَاء الله ورسوله" ، ولم يردّ أحداً منهم إلى سيده الكافر، كما لم يدفع للسادة شيئاً مقابل تحرير هؤلاء العبيد الذين أسلموا.
وذات الأمر إذا أسلمت جارية وكان سيدها مشركاً ، بل تحريرها أولى ، حتى لايتمكن الكافر من وطئها وإذلالها وهي مؤمنة بالله رب العالمين ، وكذلك ولدها يتحرر معها لأنه – يتبعها في الإسلام . ومن العلماء من يرى دفع القيمة للكافر أي ثمن العبد ، وحسناً فعل ابن حزم في "المحلى" حين فند آراء المخالفين في هذه القضية الحساسة ، ولمن أراد أن يطالع التفاصيل هناك . والواقع أنه يجب عتق العبد فور إسلامه لأن الرق أشد سبيل عليه للكافر ، ولن يجعل الله له ذلك على مسلم .
16- العتق بالنذر
إذا نذر المسلم أن يعتق عبداً لله فإن عليه الوفاء بهذا النذر وجوباً . وهكذا يتحرر عبد مسكين في هذه الحالة. ويقول بعض العلماء أن النذر يصح هنا ولو لم يكن الناذر مالكاً لأي من العبيد أو الجواري لحظة أن ينوي النذر، فيمكنه أن يشتري عبداً ثم يعتقه وفاءً للنذر . وأساس ذلك قوله تعالى : "يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً" سورة الإنسان 7 .
17- إلغاء الرق على الحر
إذا تبين أن الرقيق كان حُرّا وضرب عليه الرق ظلماً أو خطأ فيجب تحريره فوراً، لأن النبي لم يسترق حُرَّاً قط ، كما يحرم استعباد الحرّ للحديث الصحيح :"ورجل باع حراً فأكل ثمنه" رواه البخاري ، وتقدم أن الله تعالى يكون خصما لمن يفعل ذلك يوم القيامة . وذكرنا أيضا أن عمر بن عبد العزيز حرّر جارية تبين له أنها كانت حرّة من بلاد المغرب ، واستعبدت بجناية ارتكبها أبوها , وهو أمر غير جائز، وردّها عمر إلى أهلها .
18- عتق الهازل صحيح
إذا قال السيد لعبده : أنت حُرّ أو أعتقتك ولو على سبيل المزاح والدعابة فقط فإن العبد يتحرر بذلك . وإلى هذا ذهب عدد كبير من العلماء كما ذكر الإمام السرخسي في كتابه "المبسوط" . وأساس هذا الرأي الحديث الشريف: "ثلاث جدّهن جدّ وهزلهن جدّ ، النكاح والطلاق والعتاق" رواه ابن عدي ، والحديث عند الترمذي وابن ماجه وأبو داود . وروى في سبل السلام : "لا يجوز اللعب في ثلاث الطلاق والنكاح والعتاق فمن قالهن فقد وجبن" حديث ضعيف . والحديث الضعيف يجوز الاستدلال به فى فضائل الأعمال ، ولا فضيلة- فى رأينا – أعظم من تحرير أولئك المساكين.
ونرى أن أمورا خطيرة كهذه لا ينبغي التساهل فيها مع من يزعم الهزل . إذ أنه في العتق مثلاً يتعلق الأمر بمستقبل عبد ضعيف يتطلع بلهفة إلى الحرية . وليس من المقبول أن نسمح للسيد العابث بالتلاعب بمشاعر الرقيق المسكين . كما أن السماح بالهزل في هذه المواطن يفتح الباب أمام ضعاف النفوس للتهرب من العتق بادعاء أنهم لم يقصدوا التحرير، وإنما كانوا يمزحون!! لهذا قرر العلماء أنه حتى ولو كان السيد هازلاً – مازحاً – يقع العتق فوراً، ولا يلتفت إلى ما زعمه السيد – كما نرى - حرصاً على مستقبل الرقيق وتوسيعاً لدائرة الحرية . ثم أن هذا السيد العابث لا يؤتمن على مستقبل الرقيق المساكين ، فالجدية والرجولة مطلوبة في الراعي .
19- عتق المكره
يرى الإمام أبو حنيفة وأصحابه أنه إذا أُكْرَه السيد على عتق عبده فإن العبد يتحرر بذلك، رغم أن تصرفات المُكْرَه لا يعتد بها بصفة عامة (بداية المجتهد ص443) .
ويبدو لنا أن حرص الإمام رضي الله عنه على الحرية، وتعظيمه لشأنها هو الذي دفعه وأصحابه إلى القول بعتق العبد حتى ولو كان سيده مجبراً عليه .
20- عتق السكران
وأما من يتناول شراباً مسكراً بإرادته فيغيب عقله ، فإن فريقاً كبيراً من العلماء يرى أن بعض تصرفاته تلزمه . ومن ذلك ما رآه الإمام مالك من أن العتق يقع من السكران ولو لم يقصده . بل يلزمه الإمام أبو حنيفة بكل تصرفاته ومنها العتق (بداية المجتهد ص 443) وطبقاً لرأي هذين الإمامين العظيمين يتحرر العبد إذا أعتقه سيده السكران، ولا يقبل قول السيد أنه كان غائبا عن الوعي عندما تلفظ بكلمة العتق أو التحرير لعبده ، لأنه هو الذي تسبب في هذا بشربه للمنكر . وجزء من العقاب له على تعاطي المنكر أن تنفذ عليه تصرفات كثيرة كالعتق ، خاصة وقد تعلقت بها مصلحة أكيدة للعبد المسكين في حياة حرة جديدة ، كما أن السيد السكران يكون فاسقاً ، ولا يؤتمن على تملك عبده والتحكم في حياته .
21- أولاد الحرَّة من عبد
ذكرنا من قبل في فصل الإحسان إلى المملوك أن الإسلام قد حث على الزواج من العبد الصالح والأمة الصالحة، بل فضَّلهما على الأحرار الكافرين أو الفاسقين . ولهذا الزواج المختلط حكمة كبرى في ميدان العتق . فإن الفقهاء قد أجمعوا على أن أولاد الحرّة من زوجها العبد يكونوا أحراراً تبعاً للأم . وفضلا عن هذا يؤدي الزواج فعلياً إلى سعي الزوجة الحُرَّة وأولادها الأحرار إلى تحرير الزوج والأب ، ويحرص أهلها على عتق زوج ابنتهم بكل السبل ، الأمر الذي ترتب عليه فعلياً تحرير عدد كبير من العبيد بسبب تلك المصاهرة مع القبائل الحرة .. بعكس ما كان يحدث في أوروبا من حرق أو قتل العبد والحرّة التي تتزوجه ، أو أن يسترق الحُر أو الحُرّة إذا قبل أي منهما الزواج من الرقيق .
22- أولاد الحرّ من جارية
يرى بعض الفقهاء أن أولاد الحرّ من زوجته الجارية يكونوا أحراراً إذا اشترط الزوج على مالك زوجته ذلك قبل الزواج . ونحن نرى أن أولاد الحرّ من زوجته الأمة يكونوا أحراراً في كل الحالات حتى ولو لم يشترط أبوهم ذلك قبل العقد . فالأولاد والبنات هم جزء من الأب ، وحرية الأصل تتبع حتماً حرية الفروع ، لأن الحرية لا تتجزأ ، فكيف يكون الرجل حُرَّا وأجزاء منه – فلذات كبده – من العبيد ؟! لقد جاء الإسلام لتحرير العبيد وليس لاستعباد الأحرار ، ومنهجه هو توسيع دائرة الحرية ما أمكن ، والعتق يسري من الجزء إلى الكل ، ومن الأصل إلى الفرع .
ثم ما هو الفارق بين أولاد الحرّة من عبد ، وأولاد الحرّ من جارية ؟ !! . لا يوجد أي سند أو نص أو حتى منطق سليم للتفرقة بين الحالتين .
وطالما أنه لا يوجد نص صريح فى هذه المسألة فإنه يجب الرجوع إلى روح التشريع والمبادئ العامة ، وكلها يقطع بضرورة أن يكون أولاد الحرّ من زوجته الجارية أحرارًا كأبيهم . وكذلك كان الحُرُّ وأولاده يسعون إلى تحرير الزوجة الأمة، حتى لا يعايرهم أحد في بيئة كانت آثار الجاهلية والتفاخر بالأنساب ما زالت موجودة بها .
23 – التدبيـر
التدبير : هو عتق العبد بعد موت سيده . فإذا قال المالك لعبده أو جاريته أنت حرّ، أو أنت حرّة - بعد موتى، فأنهما يتحرران لحظة وفاة المالك حتى ولو لم يكن له مال غيرهما . والرأي الراجح أنه لا يجوز للسيد الرجوع في تدبيره . كما أن العبد يعتق ولو كان ثمنه أكثر من ثلث التركة ، لأنه يحرر من رأس المال وليس من الثلث الذي تنفذ فيه الوصية . وأولاد المُدَبَّرَة يتبعونها في التحرر حتى ولو كان منهم من ولدته قبل التدبير حسب الراجح ، فالعتق يسري منها إلى أولادها . ويجوز للمالك تدبير عبده أو جاريته ولو كان هذا المالك صبياً في العاشرة من عمره ، أو صبية في التاسعة من عمرها ، كما يصح تدبير السفيه والمحجور عليه و السكران والهازل طبقاً للرأي الذي نميل إليه ، فالتحرير مبني على التغليب – أي ترجيح مصلحة العبيد في نيل الحرية - والتوسع فيه بالسراية ، أي يسري من الأم إلى أولادها ، ومن جزء العبد إلى الكل ، ومن الأصل إلى الفرع . وإذا دَبَّر السيد جزءاً من عبده يسري التدبير إليه كله ، ولو كان مشتركاً في ملكيته مع سيد آخر ، يسري التدبير – حسب الراجح - ويضمن السيد المُدَبِّر أولاً نصيب شريكه . ولا يجوز للسيد أن يبيع العبد المُدَبَّر ولا أن يهبه ، وإذا كانت جارية فوطئها فحملت صارت بذلك أم ولد أيضاً وولدها منه حرّ ، كما أنه لو زَوَّجها لشخص آخر فأولادها من الآخر أحرار بموت السيد كأمهم ولو كان أبوهم عبداً . ولا يجوز للورثة تعطيل عتق العبد إذا مات السيد . وإذا أسلم العبد وسيده المُدَبِّر كافر ، يتحرر العبد فوراً دون انتظار لموت السيد ، ففي هذه الحالة يجب رفع يد الكافر عنه فوراً . والواقع أننا نستغرب الرأي الذي يذهب إلى جواز بيع العبد المدبّر، إذ هو في سبيله إلى الحرية بموت السيد، والتدبير عقد ، فكيف نسمح للسيد بفسخ العقد من جانب واحد ؟! والبيع لسيد آخر معناه إلغاء التدبير وضياع فرصة محققة لتحرير العبد المسكين بوفاة سيده الأول ، والله تعالى أمرنا بالوفاء فى قوله عز وجل : "أوفوا بالعقود" المائدة : 1 ..كما أنه لا يجوز للمسلم أن يخلف الوعد فتلك من صفات المنافقين.
و التدبير عتق لكنه مؤجل التنفيذ لما بعد موت السيد، فكيف يتراجع السيد عن تنفيذ ما أتفق عليه ووعد به ثم نجد بعض الفقهاء يجيزون ذلك ؟!!
تيسير إثبات التدبير
قال ابن قدامة المقدسي : "العتق مما يتشوف إليه ، وهو مبني على التغليب والسراية ، فينبغي تيسير إثباته" (المغني – كتاب التدبير- رقم 8679 مسألة من أنكر التدبير) . وهذا القول من عالم جليل يؤكد كل ما ذكرناه من أن الإسلام يحرص على التحرير كل الحرص ، ويلتمس الأسباب المؤدية إليه ، ويتوسع في العتق الى أقصى حد ممكن . ولذلك يؤيد ابن قدامة الرأي الذي يكتفي بشاهد واحد مع يمين يحلفها العبد لإثبات التدبير أو العتق إذا أنكره السيد . ونرى أنه يجب الأخذ بهذا الرأي في كل حالة يحدث فيها نزاع بين السيد والعبد على وقوع العتق أو سببه ، تسييرًا على هؤلاء المساكين ، ولأن الأصل هو الحرية فوجب تسهيل أسبابها، والعمل على إزالة عارض الرق الذي يبغضه الإسلام ويزيله بكل السُبُل .
24- العتق في الكسوف والخسوف
عند وقوع ظاهرة كونية مثل كسوف القمر أو خسوف الشمس كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالعتق حتى تنجلي تلك الظاهرة عنهم بسلام . وكأن الإسلام يتلمس أي سبب ولو لم تكن للبشرية فيه يد للعتق وتحرير أولئك المُبْتَلين بالعبودية !!
روى الإمام البخاري تحت عنوان "ما يستحب من العتاقة في الكسوف أو الآيات" عن السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعتاقة في كسوف الشمس . وروى عنها أيضاً أنها قالت : كنا نؤمر عند الكسوف بالعتاقة ، أي عتق رقبة . وقال الدكتور موسى شاهين لاشين أستاذ الحديث بجامعة الأزهر تعليقاً على الحديث الأول - تعليلاً للأمر بالعتق هنا - : العبادات عند الشدائد ترفعها أو تلطف بصاحبها . انتهى (تيسير صحيح البخاري – الجزء الأول – شرح الحديث رقم 1054) .
ويمكن قياسًا على الكسوف والخسوف أن يكون العتق مندوبا اليه كذلك فى حالة الزلازل والبراكين والفيضانات المدمرة والعواصف ، فكلها كوارث طبيعية تتحد معها فى العلة .
ونحن نقول أن الأمر بالعتق في حال الكسوف أو الخسوف- وإن لم يكن للوجوب- فهو على الأقل سنّة مؤكدة عن الرسول صلى الله عليه وسلم . ونلاحظ هنا أنه أمرهم بالعتق خصيصاً ، وليست أية قربات أخرى ، مما يدل على الأهمية القصوى التي أولاها الإسلام للعتق وتحرير العبيد . فهل عهد الناس مثل هذا في أي دين آخر ؟
25 – المكاتبة
إن الباحث المنصف سوف يرى في عقد المكاتبة واحدًا من مفاخر الإسلام . فعن طريق هذا العقد يحصل العبد على حريته مقابل مبلغ من المال يؤديه إلى سيده على أقساط أو مقابل خدمة أو أعمال يؤديها له .
روى الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة حق على الله عونهم منهم "المكاتب يريد الأداء" . كما يثيب الله من أعان مكاتبًا على التحرر بأن يجعله فى ظله يوم القيامة .
ونلاحظ هنا أن عقد المكاتبة يحقق عدداً من الإيجابيات يرضى بها كل الأطراف . فالسيد حصل على تعويض أو مقابل يرضى به لعتق عبده ، فهو لن يكون خاسراً . والعبد نال حريته بناء على طلبه وفي الوقت الذي أصبح فيه مهيئاً فيه لبدء حياته المستقلة عن سيده . وإذا كان العبد قد تعلم الاعتماد على الذات واكتسب الثقة بالنفس ، فإن المجتمع يكسب بالمكاتبة عضواً نافعاً محترفاً ، يشكل إضافة إيجابية إلى القوى العاملة المدربة، فيزداد به الإنتاج ، وليس مزيداً من المتسولين الذين هم عالة وعبء ثقيل على أي مجتمع بشري . والمكاتبة عقد لازم لا يجوز للسيد أو العبد فسخه .
وقد ذهب العلماء حسب الرأي الراجح – إلى أن السيد لا يملك الرفض إذا طلب عبده المكاتبة، بل يجب عليه أن يكاتبه . ونحن نؤيد هذا الرأي الرشيد لأن صيغة الأمر صريحة في هذه الآية الكريمة "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً" (النور:33) ، هذه الصيغة تدل على الوجوب ما لم توجد قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب والاستحباب فقط ، ولا قرينة هنا تفيد ذلك ، فيبقى الأمر بالمكاتبة على حاله ، وتصبح واجبةً على السيد إن علم في عبده خيراً - أي دين وخلق وقدرة على الكسب - حسبما قرر الفقهاء .
ومما يؤكد هذا الرأي أن سيرين كان عبدًا لأنس بن مالك ، وطلب منه أن يكاتبه لينال حريته ، لكن" أنس" تباطأ في إجابته ، وعلم عمر بن الخطاب بذلك فضرب أنسا بالدرة – عصا صغيرة – وأمره بأن يكاتب سيرين ليعتقه بعد ذلك . ولو كان قبول المكاتبة اختيارياً للمالك لما ضرب الخليفة أنسًا - وهو الفاروق العادل - وإنما ضربه لرفضه تنفيذ الأمر الإلهي بالمكاتبة إن طلبها العبد .
وتكون المكاتبة على أقساط تيسيراً على العبد . ويروى عن علي ابن أبي طالب أن العبد إذا أدى ثلاثة أرباع ما عليه بموجب عقد المكاتبة فإنه يتحرر، لأن الله تعالى أمر السادة بأن يضعوا عن العبيد الربع من المبلغ المتفق عليه نظير العتق. بل روي عن علي وشريح أن العبد يصبح حُرًّا إذا أدى قسطاً واحدا من مال المكاتبة ، فإن الحرية لا تتجزأ ، ورأى فريق من العلماء : أن المكاتب يتحرر إذا أدى نصف المتفق عليه . وقال ابن مسعود : إذا أدي الثلث فقط عُتق .
قال تعالى : "والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" (النور:33) . وهذه الآية الكريمة كما قال المفسرون : تُلْزِم السادة بأن يضعوا عن العبيد المكاتبين جزءاً من القدر المتفق على دفعه في المكاتبة لتحريرهم . ويرى فريق من العلماء أن بيت مال المسلمين عليه أن يعين المكاتب بجزء من حصيلة أموال الزكاة لقوله تعالى في بيان مصارف الزكاة : "وفي الرقاب" سورة التوبة:60 ، والأية الأخرى 177 من سورة البقرة. وقد ذهب فريق من العلماء إلى أنها تلزم بإعانة المكاتبين بدفع ما يعجزون عنه من الأقساط . ولنا دليل آخر يؤيد هذا الرأي من قصة مكاتبة سلمان الفارسي رضي الله عنه لمالكه اليهودي ، فقد أعانه الرسول بنفسه الشريفة، وأمر أصحابه بمساعدته، ثم أعطاه قطعة ذهبية من بيت المال ليستكمل دفع ما عليه لمالكه اليهودى - وستأتي القصة في الفصل الأخير – وهذا يقطع بوجوب مساعدة المكاتب على نيل حريته من بيت المال وكذلك عموم المسلمين . وثواب هذا عظيم جزيل لمن يفعله ، كما ورد بالحديث الشريف عن الثلاثة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة ، ومنهم من أعان مكاتباً في رقبته ، أي في الفداء للتحرر من الرق . والقصة أيضاً دليل على وجوب إعانة المكاتب إذا كان مقابل الكتابة هو عمل يؤديه للسيد .. فقد غرس النبي النخلات بيده الشريفة تنفيذاً للاتفاق بين سلمان ومالكه .. وقد يكون المقابل المطلوب لتحرير المكاتب عملاً آخر، مثل تحرير بعض أسرى بدر مقابل قيامهم بتعليم عدد من المسلمين القراءة والكتابة . أو أن يشترط السيد على عبيده خدمته بعض الوقت مقابل تحريرهم ، وقد فعل هذا عمر رضي الله عنه في خلافته ، إذ حرر غلمان دار الأمارة ، وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة بعده بضع سنين . كما حررت السيدة أم سلمة غلامها "سفينة" ، واشترطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته عليه السلام، ووافق سفينة رضي الله عنه على ذلك، وأكد لها أنه سيخدم الحبيب المصطفى طيلة عمره ولو لم تشترط هى عليه ذلك.
وتحفل كتب الفقه بالكثير من الآراء الرائعة التي تظهر عبقرية السلف الصالح ، ومنها رأي يقول أن المكاتب قد أصبح حرّاً منذ لحظة الاتفاق على المكاتبة مع سيده ، ولو مكث يؤدي أقساط المكاتبة "سنين" ، ويجوز للعبد المكاتب أن يدفع ما عليه جملة واحدة ويتحرر فوراً كذلك. ولا يجوز للسيد أن يرفض الدفع الفوري . ويسمى الفقهاء دفع مقابل المكاتبة فورًا بالقطاعة ، ويتصور الدفع الفورى من العبد كما لو أعانه آخرون تبرعوا له بكل المبلغ المطلوب دفعة واحدة وحدث هذا فى قصة سلمان رضى الله عنه . وأولاد المكاتب أحرار ، وما يتبقى من ماله يكون له ، ولايجوز للسيد استثناء الجنين الذي في بطن أمه المكاتبة، فهو جزء منها يتحرر معها كما ذكر ابن قدامة في المغني نقلاً عن عدد من الفقهاء . بل ان أولادها الآخرين يتحررون معها طبقاً للرأي الراجح . وللمزيد من التفاصيل والآراء يمكن الإطلاع على المراجع المشار إليها في نهاية هذا الفصل .
26- أم الولـد
كثرت أكاذيب الخصوم وصياحهم بسبب السماح بالتمتع بالجواري في الإسلام. وتناسى هؤلاء أن معظم الأنبياء والرسل المعروفين قبل الإسلام تمتعوا بملك اليمين ، وعلى رأسهم "إبراهيم" الذي أنجب من جاريته "هاجر" ولده "إسماعيل" جد العرب عليهم جميعاً السلام . وستأتي تفاصيل أكثر عند الكلام عن بركات السيدة مارية القبطية في الفصل الأخير . وكذلك تناسى الحاقدون ما يفعله غير المسلمين بالأسيرات في الحروب من اغتصاب جماعي وهتك للأعراض وإهدار للآدمية وإجبار ملايين الضحايا المختطفات من بلدان فقيرة على ممارسة الدعارة في أوربا وأمريكا على النحو الذي أوضحناه في فصول سابقة . وفي مقابل هذا الامتهان لآدمية الإماء لدى الغير، جاء الإسلام فصان كرامتهن وحفظ أعراضهن، فلا يجوز لغير سيدها أن يعاشرها جنسياً- بعد استبراء رحمها بحيضة - حتى لا تختلط الأنساب وتهدر كرامة الإماء . فإذا زَوَّجها سيدها لآخر فلا يحق للسيد أن يقربها ، وإنما تصبح زوجة كأية حرّة ، فلا يقربها سوى زوجها . وفي حالة عدم تزويجها يكون للسيد أن يجامعها ، وفي ذلك رحمة بها ، إذ هي في حاجة أيضاً لقضاء شهوتها بطريق مشروع ، كما يطعمها سيدها ويكسوها تماما كزوجته، ويحسن معاملتها رحمة بها وتخفيفًا عليها .
ولأن القوم لم يكن عندهم وسائل شيطانية للقضاء على النسل – كهذه الأيام النحسات - فقد كان الغالب الأعم أن تحمل الجواري من سادتهن . وهنا تتجلى عظمة وحكمة التشريع الإلهي . إذ أن هذه المعاشرة تثمر ليس فقط أطفالاً أحراراً مثل آبائهم طبعاً ، وإنما يأتي هؤلاء بالفرج والتحرير لأمهاتهم أيضا . فقد روى عن النبي عليه السلام عندما ولدت "مارية" إبراهيم أنه قال : "أعتقها ولدها" ، أورده ابن سعد في الطبقات مع حديث آخر: "أيما أَمَة ولدت من سيدها فأنها حرّة إذا مات إلا أن يعتقها قبل موته" (أخرجه ابن ماجه في كتاب العتق والدارمي في البيوع وأحمد في مسنده) . وهكذا تتحرر الجارية التي تنجب من سيدها ولو نزل الجنين ميتاً . بل أكد الفقهاء أنها تصبح أم ولد ولو كان ما في بطنها سقطاً أو نزل منها "مضغة" أو حتى مجرد "علقة" . وهذا يثبت إلى أي مدى كان العلماء يتوسعون فى تحرير الجواري . ولا يجوز بيع أم الولد مطلقاً ولا هبتها ولا رهنها ، وتعتق فور موت سيدها، ولاسبيل للورثة ولا لدائني السيد عليها إن لم يجدوا في التركة ما يكفي لسداد ديونهم. فهي تتحرر لحظة موت والد ابنها بلا حاجة لأي إجراء أو إجازة من أحد . وكثيراً ما كان السادة يحررون أمهات أولادهم فور الولادة تكريماً لأولادهم منهن ، وحتى لا يعاير أحد الجَهَلة أولادهم بأن أمهاتهم لسن من الأحرار . ولمن شاء أن يرجع إلى تفاصيل أحكام أمهات الأولاد في كتب فقهاء السلف الصالح التي لا تخلو من باب كبير عنوانه "أمهات الأولاد" يتناول كافة التفاصيل .
27- الزكاة للتحرير
حدد الله تعالى المصارف الثمانية التي تنفق فيها أموال الزكاة في الآية 60 من سورة التوبة بقوله سبحانه : "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم" . وقد ذهب فريق من العلماء ومنهم الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والزهري والنخعي إلى أن المقصود بقوله تعالى : "وفي الرقاب" أي إعانة المكاتبين على دفع ما عليهم للسادة نظير عتقهم بالمكاتبة . لكن الرأي الراجح وهو المروي عن ابن عباس ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق ورواية عن الحسن أنه : لا بأس أن تعتق الرقبة- بالكامل - من الزكاة (7)، ويعقب ابن كثير رضي الله عنه- في تفسيره للآية – بقوله : أي أن الرقاب أعم فتشمل أن يعطي المكاتب أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالا . انتهى . والواقع أن الرسول صلى الله عليه وسلمان طبّق تلك الآية عندما أعان سلمان الفارسي رضي الله عنه بنفسه الشريفة ، ومن بيت المال كذلك، وأعانه الصحابة أيضاً في مكاتبة سيده اليهودي حتى دفع المتفق عليه ونال حريته . وقام بيت مال المسلمين كذلك بشراء رقاب ابتداء - غير مكاتبين - وتحريرها في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، عندما كثرت حصيلة أموال الزكاة، وازدهر الاقتصاد في عهده ، فلم يجد الولاة فقراء ليعطوهم من الزكاة ، وكان المصرف الوحيد المتاح لها هو شراء عشرات الألوف من العبيد وتحريرهم . قال يحي بن سعيد : "بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات أفريقيا فجمعتها، ثم طلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيراً، ولم نجد من يأخذها منا – فقد أغنى عمر الناس - فاشتريت بها عبيداً فأعتقتهم" (8) . وهكذا نجد أن دور بيت مال المسلمين– خزينة الدولة - يتسع لإعانة المكاتبين بالفعل، وكذلك شراء عبيد لا يستطيعون المكاتبة – لصغرهم أو عجزهم عن العمل كالعجائز والنساء – بل يرى الأمام ابن سيرين رضي الله عنه أنه في حالة قيام أحد الشركاء بعتق نصيبه في العبد، وعجزه عن دفع قيمة حصص باقي الشركاء فيه ، فإنه يجب دفع قيمة حصص هؤلاء من بند "وفي الرقاب" من بيت المال ، وبذلك يتحرر العبد كله . وهو رأي وجيه للغاية, ويفيد خصوصاً في حالة إعسار المعتق، وعجز العبد عن العمل لسداد ثمن حصص باقي السادة المالكين له كالصغار والعَجَزَة والنساء كما أشرنا . وكذلك تتضح أهمية دور بيت المال فى دفع فداء أسرى المسلمين لدى الأعداء في حالات الحروب، أو احتلال بعض الدول والأراضي الإسلامية بواسطة قوى البشر والاستكبار العالمي بزعامة أمريكا وإسرائيل . فيمكن استخدام هذا البند من موارد الميزانية العامة في الدول الإسلامية لدفع كافة تكاليف الإفراج عن الأسرى العراقيين والفلسطينيين والأفغان وغيرهم، وكذلك إعادة تأهيلهم للحياة الاجتماعية من جديد وكفالة سبل العيش الكريم لهم، إذ أن أغلبهم عادة ما يكون قد فقد كل شيء بسبب سنوات الاعتقال الطويلة المريرة.
وهناك كذلك دور بالغ الأهمية يجب أن تلعبه الخزانة العامة في الدول الإسلامية في وقتنا الحاضر لتحرير الرقيق الموجود حتى الآن . ولا داعي للعجب، فكما عرضنا في الفصل الرابع "الاتجار بالبشر" ، مازال الملايين من البشر يعانون من رق حقيقي في القرن الحادي والعشرين ، ونعني بهم الملايين من الفتيات -الأطفال- الذين اختطفتهن - وما زالت تفعل - عصابات الماﭭيا الدولية ، وقامت بترحيلهن إلى دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأمريكا الجنوبية لتسخيرهن إجبارياً في الدعارة والشذوذ الجنسي . وبكل أسف فإن مئات الألوف من هؤلاء السبايا هن مسلمات من عائلات فقيرة جرى خطفهن وترحيلهن تماماً كما حدث للأفارقة المساكين من قبل !! .
ونطالب كل الحكومات والهيئات الإسلامية بالتحرك فوراً على كل المستويات وبكل السبل والوسائل المتاحة لتحرير "سبايانا" المسكينات من قبضة المجرمين في الغرب، وإعادتهن إلى بلادهن الأصلية مهما تكلف الأمر من جهود ونفقات ، فتلك مسئولية بيت المال - الخزانة العامة - وهي من صميم اختصاص الحكام طبقاً لهذه الآية "وفي الرقاب" وغيرها .. وإذا لم تقم الحكومات بحماية رعاياها، وإنقاذ مئات الألوف ممن سقطن فرائس بين مخالب وحوش الغرب المسعورة ، فما جدوى وجود الحكومات إذن ؟ !!
ونذكر الجميع أخيراً بمقولة الفاروق الخالدة : والله لو أن بغلة في العراق عثرت – تعثرت - لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة ، يقول هذا عن بغلة ، فما بالك بملايين الأنفس المُعذَّبة فى الأرض ؟!! .
المراجع
للمزيد من التفاصيل والأحكام والآراء حول مسائل هذا الفصل أنظر المراجع الآتية :
1- عباس محمود العقاد –حقائق الإسلام وأباطيل خصومه – طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب – فصل الرق .
2- تفسير الآية 92 من سورة النساء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وأحكام القراّن للجصّاص ، وتفسير ابن كثير ، والبغوى ، والشوكانى ، و النسفي ، وابن جرير الطبري، وكذلك تفسير الآية 93 من سورة النساء، والآية 3 من سورة المجادلة، والآيتين الأوليين من سورة التحريم، والآية 89 من سورة المائدة ،والآية 33 من سورة النور ،والآية 177 من سورة البقرة، والآية 60 من سورة التوبة بالتفاسير المذكورة .
3- الأحاديث الواردة فى هذا الفصل نقلاً عن المراجع الآتية : فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ،وتيسير صحيح البخاري للدكتور موسى شاهين لاشين ، و صحيح مسلم بشرح النووي ،و سنن أبي داود ، والأم للشافعى ، ومصنف ابن أبى شيبة ، والترمذي ، وابن ماجه ، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، وابن خزيمة ، وتنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك لجلال الدين السيوطي .
4- المغني لابن قدامة المقدسي ، والمبسوط للسرخسي وسبل السلام للصنعاني، والمحلى بالآثار لابن حزم الأندلسي ، والعدة في شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي ، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام ابن رشد الأندلسي . وتراجع في كل منها أبواب أو كتب "العتق" و "وأمهات الأولاد" و "والتدبير" و "والمكاتبة" أو "الكتابة" أو "المكاتب" وكذلك كتب "الكفارات" وكتاب "اللقيط" بذات المراجع ، ففيها تفاصيل وأحكام وآراء أخرىلم يتيسر إثباتها هنا حرصاً على عدم الإطالة أو لأنها آراء مرجوحة لانعتد بها.
5- موسوعة فقه عبد الله بن عمر - الدكتور محمد رواس قلعجي - دار النفائس - بيروت سنة 1986 م - ص 379 – 380 .
6- موسوعة فقه سفيان الثوري - الدكتور محمد رواس قلعجي - دار النفائس - بيروت - الطبعة الثانية 1997 م .
7- موسوعة فقه عبد الله بن عباس - دار النفائس - بيروت .
8- مناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ، وسيرة عمر بن عبد العزيز فى البداية والنهاية ، وحلية الأولياء لأبى نعيم ، وسير أعلام النبلاء للذهبى ، وصفة الصفوة ، وتاريخ الأمم والممالك للطبرى .

Heba Khled
08-19-2011, 06:30 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

الصاع بين المقاييس القديمة والحديثة


عبدالله بن منصور الغفيلي
(المحاضر بالمعهد العالي للقضاء)


الحمد لله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للناس أجمعين أما بعد:
فإن الشريعة أناطت بالصاع أحكاما عديدة كأنواع من الزكوات والكفارات؛ ولذا كان من الأهمية بمكان معرفة مقدار الصاع النبوي وتحديده،لاسيما وقد حدث خلاف كثير فيه بين الفقهاء المتقدمين والمعاصرين، ثم إن ظهور المقاييس الحديثة يؤكد بحث مقداره على وفقها، وقد اجتهدت في بيان ذلك في هذه الوريقات، ملتزما بالاختصار مع التحرير ما أمكن، وقد جعلت ذلك في مطلبين: فتحديده بالمقاييس القديمة في مطلب، وتحديده بالمقاييس الحديثة في مطلب آخر، سائلا المولى أن ينفع بها المستفيد، ويحقق بها بيت القصيد، ويكللها بالإخلاص والتسديد، إنه حميد مجيد..

المطلب الأول:مقدار الصاع بالمقاييس القديمة
يتعين لبيان مقدار الصاع تحديد مقدار المد النبوي،ويتوقف ذلك على معرفة زنة الرطل،الذي يتبين بتحرير وزن الدرهم ،كما سيأتي بيان وجه ذلك في المسائل الثلاث المعقودة لتفصيل تلك الأوزان، كما يلي:

المسألة الأولى : مقدار المُدُّ النبوي :
قدر جماعة من العلماء المُدَّ بأنه أربع حفنات بحفنة الرجل الوسط، أو بملء كفي الإنسان المعتدل إذا مدَّ يديه بهما [1] .
هذا بالنظر إلى أن المد وحدة وكيل يقاس بها حجم ما يوضع فيها كما هو الحال في الصاع أيضاً، وقد عمد الكثير من العلماء إلى تحديد المد والصاع بالوزن ؛ ليحفظ مقداره وينقل؛ لعدم وجود مقاييس متعارف عليها يضبط بها الحجم سابقاً ، كما ذكر ذلك ابن قدامة فقال : والأصل فيه أي الصاع – الكيْل وإنما قدر بالوزن ليحفظ وينقل أ.هـ [2] .
ولذا فقد قدر الفقهاء المد النبوي بالأرطال [3] ، فذهب جمهورهم إلى أن المد النبوي هو رطل وثلث [4] .
مستدلين على ذلك بما جاء من الآثار الدالَّة أنَّ المعتمد في الكيل مكيال المدينة كما جاء عن ابن عمر _رضي الله عنهما_ أنه قال : "المكيال مكيال أهل المدينة ، والميزان ميزانُ أهل مكة " [5] ، وهو مجمع عليه عند أهل الحجاز كما قال أبو عبيد : وأما أهل الحجار فلا اختلاف بينهم فيما أعلمه أنَّ الصاع خمسة أرطال وثلث، يعرفه عالمهم وجاهلهم ، ويباع في أسواقهم ، ويحمل علمه قرن عن قرن [6] .
قال ابن حزم: « والاعتراض على أهل المدينة في صاعهم ومدهم كالمعترض على أهل مكة في موضع الصفا والمروة » [7] .

المسألة الثانية : في مقدار الرطل :
والمقصود بالرطل المذكور في تحديد المد : هو الرطل البغدادي ، وهو قول عامة الفقهاء [8] ، وقد اختلفوا في تحديد مقداره على أقوال متقاربة أقربها أنه يزن مئة وثمانية وعشرين درهماً وأربعة أسباع الدرهم ، وهو الأصح عند الشافعية ، والصحيح عند الحنابلة ، وقولٌ للمالكية ، ورجحه ابن تيمية [9] وابن قدامة وقال : والرطل العراقي : مئة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع الدرهم، ووزنه بالمثاقيل : تسعون مثقالاً ، ثم زيد في الرطل مثقال آخر وهو درهم وثلاثة أسباع درهم ، فصار إحدى وتسعين مثقالاً فكملت زنته بالدراهم مئة وثلاثين درهماً ، والاعتبار بالأول قبل الزيادة [10] .

المسألة الثالثة: مقدار وزن الدرهم [11] :
لقد اختلف المعاصرون في زنة الدرهم بالموازيين الحديثة، وسبب خلافهم ، هو اختلاف الفقهاء في زنة الدراهم بحبَّات الشعير ، و اختلافهم في أنواع الدراهم ، فأما اختلافهم في زنة الدراهم بحبات الشعير فعلى أقوال ، أبرزها قولان :
القول الأول: إن وزن الدرهم الشرعي خمسون وخمسا حبة شعير ، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة [12] .
القول الثاني: إن وزن الدرهم الشرعي سبعون حبة شعير، وهو قول الحنفية[13]، ولم أقف على أدلة للفريقين ، إلا أن الأرجح هو رأي الجمهور ؛ وذلك لموافقة ذلك لما وجد من دنانير قديمة كما سيأتي بيانه .
ويمكن الجمع بين القولين بأن وزن الدرهم يتراوح ببينهما لاختلاف حبة الشعير [14].
وأما اختلافهم في أنواع الدراهم ، فقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين ، كعلي باشا مبارك ومحمود الخطيب إلى أن الدراهم نوعان : دراهم نقد ؛ ودراهم كيل[15] ، ولا دليل بَيِّن على ذلك ، بل الأظهر أنَّ الدرهم نوع واحد ، وهو الدرهم النقدي الشرعي ، فإذا استعمل في المكاييل كان درهم كيل ، وإذا استعمل في المعاوضات كان درهم نقد ، وقد أشار إلى ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام ، ولم ينص أحد من المتقدمين فيما وقفت عليه على خلاف ذلك [16] .
وقد اختلف المعاصرون في زنة الدرهم بالجرام على أقوال أبرزها قولان :
القول الأول : أن الدرهم الشرعي يعادل 2.97 جرام [17] .
القول الثاني : أن الدرهم الشرعي يعادل 3.17 جرام [18] .
والأرجح هو القول الأول وذلك أنه أمكن الوقوف على وزن الدينار الشرعي المتسكوك في الدولة الأموية [19] ، مع كون السبعة من الدنانير تساوي عشرة دراهم فالنسبة بينهما سبعة إلى عشرة بلا خلاف وقد قام بعض الباحثين بجمع الدنانير الإسلامية المسكوكة في عهد عبدالملك بن مروان من بعض المتاحف وذلك على النحو التالي :
اسم المتحف أو الكتالوج
عدد الدنانير
مجموع أوزانها


المتحف الفني الإسلامي المصري
19
79.955جم
4.2081 جم

المتحف العراقي
4
17017 جم
4.2677جم

متحف لندن ود لجادو
7
29.705 جم
4.2435 جم

كتالوجات متاحف أجنبية
3
12.706
4.2353 جم

المجموع
33
139.437
16.9549




فمتوسط الدينار من هذه المتوسطة هو 4.2386 .
وبالتقريب يكون : 4.24 جرام .
ويكون وزن الدرهم بناء على ذلك 4.24 × 0.7 = 2.968 ، وبالتقريب يكون 2.97 جرام[20] ، وقد وافقت هذه النتيجة بعض التجارب على حبات الشعير حيث بلغ وزن اثنتين وسبعين حبة شعير ممتلئ ما يقارب 4.25 ، وهو وزن الدينار الشرعي ، وبما أن نسبة درهم النقد الشرعي إلى مثقال النقد الشرعي هي 7 :10 فيكون وزن الدرهم 2.975 جرام ، وبالتقريب 2.97 فيكون موافقاً لما تقدم تقريباً [21] .

المطلب الثاني : مقدار الصاع بالمقاييس الحديثة
المسألة الأولى: مقدار الصاع بوحدة قياس الوزن [ جرام ] [22] :
وبناءً على ما تقدم من وزن الدراهم يتبين لنا وزن المد النبوي بالجرام وذلك، أن الرطل يساوي 7/4 128 درهماً.
والمد يساوي رطل وثلث، فنعرف وزن المد بالطريقة التالية:
2.97 × 7/4 128× 1.3 = 508.75 جرام .
ولما كان الصاع يساوي أربعة أمداد ، علمنا أن وزنه يتبين بالطريقة التالية :
508.75 × 4 = 2.035 جرام .
أي كيلوان وخمس وثلاثون جراماًَ من الحنطة الرزينة [23] .
وقد ذهب بعض المعاصرين [24] إلى أن وزن الصاع = 2173 جرام وذلك اعتماداً على أن وزن الدرهم هو 3.17 جرام كما تقدم بيانه وردَّ [25] .
وذهبت هيئة كبار العلماء في السعودية إلى أن الصاع = 600 جرام وذلك بناءً على أن المد ملء كفي الرجل المعتاد ، وكان تحقيق وزن المد لديهم هو650 جرام تقريباً فيكون الصاع 650 × 4 = 2600 جرام وبه صدرت الفتوى، إلا أنه يشكل على ذلك تفاوت الأيدي تفاوتاً كبيراً ، مع تفاوت المادة المكيلة أيضاً ، مما يدفع للنظر في طريقة أدق مع تحديد نوع المكيل أيضاً [26] .
ومما تقدم يتبيَّن أن الأرجح هو القول الأول الذي حدد وزن الصاع بـ 2035 جراماً أي كيلوان وخمسة وثلاثون جراماً [27] .
المسألة الثانية : معرفة مقدار الصاع بوحدة قياس الحجم "المللِّتر" [28] :
تقدم تقدير الصاع بالوزن بوحدة قياس الكتلة والثقل وهي (الجرام) ، مع كون الصاع يقوم على قياس الحجم ، إلا أن الفقهاء صنعوا ذلك لعدم وجود مقياس يمكن به قياس المكيل وضبطه، وقد استخدم وحدة قياس للحجم وهي (اللتر) ، مما يحقق نتائج أدق من القياس بالجرام[29]. وإن كنا سنحتاج إلى نتيجة الوزن ؛ لمعادلتها بقياس الحجم في إحدى الطرق الاستنتاجية ؛ ولذا فإنه يمكن معرفة النصاب باللتر في أحد الطرق التالية :
الطريقة الأولى : تحديد حجم الصاع بالمللتر عن طريق قياس حجم وزنه بالجرام ؛ وهو (2.035 جرام) من الحنطة الجيدة المتوسطة ، وقد قام الباحث خالد السرهيد بوزن ذلك بإناء يقيس الحجم في إدارة المختبرات التابعة لهيئة المواصفات والمقاييس كانت النتيجة (2430) مللتر من البر الجيد المتوسط ، أي لتران وأربعمائة وثلاثين مليلتر ،

الطريقة الثانية: قياس حفنة الرجل المعتدل الخلقة:
فقد قام بعض الباحثين في الهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس بقياس حفنة أربعين رجلاً معتدل الخلقة، فكان المتوسط هو 628 مليلتراً [30] ، وهو ما يعادل مدَّاً فيكون الصاع 628 × 4 = 2512 ، فيكون الفارق بين هذا الطريق والذي قبله 82 مليلتراً ، وهو فارق ليس كبيراً ، لا سيما مع صعوبة التحديد الدقيق لوزن الصاع وحجمه.
الطريقة الثالثة : قياس حجم الصاع بالوقوف على أصواع أو أمداد بنوية أثرية من عصور متقدمة ، فلمّا لم يكن ذلك ، تيسرت لي إجازة مد نبوي ، حيث عدلت حجم مدي بمد شيخي [31] ، وعدل هو مده بمد شيخه ، وهكذا عدل كل واحد في الإسناد مُده بمد شيخه حتى عُدِل المد بمد زيد بن ثابت ، الذي كان يؤدي به الفطر للرسول صلى الله عليه وسلم ، وبمعايرة المد الموجود لديَّ بالماء في إدارة مختبرات هيئة المواصفات والمقاييس تبين أن سعته هي 786 مللتراً ، فيكون حجم الصاع 786 × 4 = 3144 مليلتراً ، ويكون الفرق بينه وبين الطريق الذي قبله 632 مليلتراً ، كما أن بينه وبين الطريق الأول 714 مليلتر ، وهو فارق ليس يسيراً ، ويكون النصاب بناءً على النتيجة الأولى 943.200 لتراً ، وقد وجدت أمداد أخرى مسندة إلا أن الفارق بينها وبين المد المذكور ليس كبيراً [32] .
فيشكل على هذا الطريق التفاوت الكبير بينه وبين الطرق الأخرى ، لاسيما مع تطرق الخطأ في صناعة الأمداد ومعادلتها ، حيث يتكرر ذلك أكثر من عشرين مرة تقريباً ، مما ينتج عنه زيادة أو نقص في الأمداد بلا شك ، لا سيما مع عدم توفر المقاييس في العصور السابقة .
ولذا فإن الأخذ بنتيجة هذا الطريق يكون متى غلب على الظن سلامة الأمداد من التفاوت الكبير، كما لو وجد أحد الأمداد أو الأصواع يرجع إلى زمن قديم ، وتأكد لنا من إسناده ودقة رجاله ، أمَّا والأمر كذلك فالذي يظهر لي الأخذ بالطريقين الأوليين ، وأدقُّهما هو الطريق الأول ، وبه يتحقق اليقين لكونه الأقل ، مع أن الأمر على التقريب لا على التحديد ، ذلك أنه لا يمكن ضبط الصاع النبوي على التحديد لعدم وجوده بعينه ، أما وزنه ثم نقله فإنه لا يسلم من التفاوت مهما دق الموزن وتماثل [33] .
كما أن الحسابات مهما بلغت فلا بد فيها من الخلل نتيجة اختلاف المآخذ والأقيسة وهذا هو الموافق لمقاصد الشريعة القائمة على التيسير والذي يتأكد مراعاته هنا لا سيما مع قوله صلى الله عليه وسلم : " إنَّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" [34] .
فما كان من جنس تلك المسائل ، وشق ضبطه على التحديد فيكون الأمر فيه على التقريب ، ولا يعني ذلك التفريط بل يجب الاجتهاد في الوصول للحق مع عدم اطراح التقادير الأخرى ، لاسيما المقاربة والقائمة على أساس معتبر [35] .
وبهذا تم ما أردت جمعه وتحديده،وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.


-------------------
[1] المد : هو مكيال ويجمع على أمداد ، ومِدَده ، ومِداد ، قال في القاموس المحيط: المُدْ بالضَّم مكيال وهو رطلان، أو رطل وثلث ، أو ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومد يديه بهما وبه سمي مداً ، وقد جربت ذلك فوجدته صحيحاً (407) ، انظر النهاية في غريب الحديث (861) .
[2] المغني 4/168، وقال البهوتي: والوسق والصاع والمد مكاييل نقلت إلى الموزن أي قدرت بالوزن؛ لتحفظ فلا يزاد ولا ينقص منها، وتنقل من الحجاز إلى غيره وليست صنجاً « كشاف القناع » 2/412، والصنج مأخوذ من صنجة الميزان وهي ما يوزن بها.هـ مختار الصحاح (370) .
[3] الرَّطل – والرِّطل : الذي يوزن به ويكال، والأشهر أنه أداة تستخدم للوزن، وربما استخدم للكيل، ويساوي ثنتا عشرة أوقية؛ بأواقي العرب، والأوقية تساوي أربعين درهماً، انظر القاموس (1300) ، ومعجم مقاييس اللغة (2/403).
[4] ينظر الكافي في فقه أهل المدينة (103) ، روضة الطالبين 20/233 ، الفروع 2/412 ، خلافاً للحنفية ، وهو مذهب أهل العراق الذين قدروه برطلين ، واستدلوا بآثار عن عائشة : أنها أتيت بقدح وقالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بمثله ، قال مجاهد : فحزرته فإذا هو ثمانية أو تسعة أو عشرة أرطال ، وعن أنس ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ برطلين ) رواه الطحاوي 2/100 – 103 ، ويجاب بأن مجاهداً لم يحدد أن الإناء صاع ، كما أنه شك في التقدير ، ولو سلم فيجمع بأنه أعلى ما ورد ، ولا يدل على قدر المد والصاع. وانظر للاستزادة المحلى 5/167 .
[5] أخرجه أبو داود برقم (3338) ، والنسائي في سننه برقم (2519) ، (4606) ، وصححه الألباني ، ونقل تصحيحه عن ابن الملقن والدار قطني والنووي وابن دقيق، انظر إرواء الغليل 5/191 ، وقال الخطابي تعليقاً عليه : إنما جاء في الحديث في نوع ما يتعلق به أحكام الشريعة في حقوق الله من وجوب الكفارات وصدقة الفطر ويكون تقدير النفقات وما في معناها بعياره ، دون ما يتعامل به الناس في بياعاتهم وأمور معايشهم » أ.هـ ، معالم السنن 3/55 .
[6] الأموال (517) .
[7] المحلى 5/170 .
[8] تبيين الحقائق 1/310 ، الكافي في فقه أهل المدينة ص 103 ، المجموع 5/437 ، المغني 4/287 .
[9] انظر المراجع السابقة ، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام 21/53 .
[10] المغني 4/168 .
[11] المراد بالدراهم : الدراهم الإسلامية الشرعية ، وقد قدّر وزن الدرهم بحبات الشعير ، لتقاربها في الحجم ، انـظر معجم لغة الفقهاء (185) .
[12] مواهب الجليل 3/119 ، ومغني المحتاج 1/575 ، كشاف القناع 2/59 .
[13] حاشية ابن عابدين 3/206 .
[14] قال محمد نجم الدين الكردي في المقادير الشرعية (107) : لا جدال أن تقويم الدراهم والمثقال على أساس وحدات الحبة تقويم غير دقيق ، وذلك لأن الحب يختلف حجماً ووزناً في كل أرض عن غيرها بحسب اختلاف نوع الحبة في أرض عن أخرى ، فالحب في مصر يختلف حجماً ووزناً عنه في العراق والشام والحجاز لذلك كان تقويم الدرهم بالحب متفاوتاً في كل بلد عنه في غيره فلا تصلح معياراً تقدر به الموزونات وما يقال بالنسبة لجبة القمح يقال بالنسبة للشعير والحمص ) أ.هـ ، ولذا فإنني لم اعتمد في تقدير وزن الدرهم على وزن الشعير أو غيره ، وإنما = استأنست به ، و اعتمدت على النسبة الثابتة بين الدرهم والدينار الشرعي الموروث من عهد عبدالملك بن مروان وذلك بعد وزنه ثم نسبة كل عشرة دراهم إلى سبعة دنانير ، وهي نسبة متفق عليها ، انظر الأموال ( 522 ) .
[15] انظر الخطط التوفيقية 2/35 ، والميزان في الأقيسة والأوزان (43) ، كلاهما لعلي باشا مبارك، وتابعه على ذلك محمود الخطيب في بحثه معادلة الأوزان والمكاييل الشرعية بالأوزان والمكاييل المعاصرة ضمن أبحاث وأعمال بيت الزكاة الكويتي (9/145).
[16] انظر الأموال 139 ، 522 ، والإيضاح والتبيان (54) ، وقد خالف في تقسيم الدراهم : دراهم كيل ووزن كثير من المعاصرين كالكردي في كتاب المقادير الشرعية (154) ، وضياء الدين الريس ، في الخراج والنظم المالية للإسلام 343 – 353 ، وخالد السرهيد في رسالته : تحديد الصاع النبوي والأحكام الفقهية المتعلقة به (38) ، ومحمد المختار السلامي في مجلة بيت الزكاة 9/197 .
[17] المقادير الشرعية محمد نجم الدين الكردي(224) ، ودائرة المعارف الإسلامية 9/226 ، الصاع النبوي(55) ، وضياء الدين الريس في الخراج (354) ، وفقه ا لزكاة للقرضاوي (1/283) ، ومعجم لغة الفقهاء ، بزيادة يسيرة حيث قدوره ( 2.988 غرام ) (158-418) ، وكذا أحمد الكردي قدره بـ 3.024 غرام في بحثه معادلة الأوزان والمكاييل الشرعية بالأوزان المكاييل المعاصرة (9/71) ، ومحمد رأفت عثمان في زكاة الزروع والثمار 9/132 من مجلة بيت الزكاة .
[18] انظر معادلة الأوزان والمكاييل الشرعية بالأوزان والمكاييل المعاصرة لمحمود الخطيب 9/145 من مجلة بين الزكاة الكويتي ، ومحمد أحمد الخاروق في تحقيقه الإيضاح والتبيان (49) ، وزكريا المصري ومحمد رأفت عثمان في بحثيهما عن زكاة الزروع والثمار في مجلة بيت الزكاة 8 / 98 ، 133 .
[19] اخترت الدينار الشرعي المسكوك قديما دون الدرهم الشرعي مع وجود بعض مسكوكاته من الدولة الأموية ، وذلك أن الدينار وهو المثقال لم يتغير في جاهلية ولا في إسلام كما نص عليه أبو عبيد وغيره ، انظر الأموال (522) . وأما الدرهم فهو عرضة للزيادة والنقص بسبب تآكلها ؛ لكثرة تداولها بين الناس ؛ ولكون الفضة أسرع المعادن الثمينة تآكلاً، انظر المقادير الشرعية ص 143، تحديد الصاع النبوي ص 56 .
[20] المقادير الشرعية ص 129 .
[21] انظر بحث الدكتور محمود الخطيب في المقادير الشرعية في مجلة بيت الزكاة عدد 9/138 ، حيث قام بعدة تجارب فكانت هذه النتيجة ، واعتمد على وزن 72 حبة شعير ؛ لأنه الميزان للدينار عند الجمهور ؛ لعدم تفاوت حبات الشعير كما تقدمت الإشارة إليه ، كما جمع بعض الباحثين اثني عشر تجربة قام بها عدة جهات وأفراد وزن حبات الشعير ، فكان متوسط تلك التجارب ينتج عنه أن وزن الدرهم يتراوح بين 2.066 و 2.97 مما يستبعد معه أن يكون وزن الدرهم 3.17 جرام ، (الصاع النبوي والأحكام المتعلقة به (54) .
قال علي باشا مبارك : وفي الجداول الواردة في الخطط التوقيفية لجميع نقود الخلفاء من الفضة وزن الدرهم متغير فيكون 2.97 ، وينقص إلى 2.70 ، وحينئذٍ لا يمكن الجزم أنه الأقل أو الأكبر ولكن يمكننا أن نقول : أن الوزن الحقيقي منحصر بين الأقل والأكبر. أ.هـ، الميزان (56) ، وانظر الخطط التوقيفية ص (50) .
[22] الجرام هو وحدة حديثة لقياس الوزن (الكتلة) أما الصاع فهو كيل لقياس الحجم فالمعتمد في الصاع هو حجم المقيس لا ثقله ؛ بخلاف الموزون فالمعتبر ثقله ، ولذا اعترض بعض الأئمة كالنووي على وزن المكيلات ، إلا أن كثيراً من الفقهاء درجوا على ذلك ؛ ليحفظ المكيل عن الزيادة والنقص ويثبت حجم المكيال بمعرفة وزنه ، ولذا حدده الحنابلة وبعض المالكية بالبر الجيد المتوسط مما يعطي نتيجة دقيقة ، وإن كان تفاوت فهو يسير ، انظر المغني 4/168 ، المقدمات المهدات 1/283 ، وأنظمة المجموع 5/440 .
[23] انظر معادلة الأوزان والمكاييل الشرعية بالأوزان والمكاييل المعاصرة للخطيب في مجلة بيت الزكاة 9/158 .
[24] انظر ص 6 من هذا البحث .
[25] انظر تحديد الصاع والأحكام الفقهية المتعلقة به ، ص 63 ، حيث أشار الباحث أنه أشرف على أربعين تجربة من هذا القبيل ، وكانت الأيدي متوسطة كما يرى ، ومع ذلك كانت التفاوت في المقدار بعد وزنه كبيراً ، مما يدفع للبحث عن طريقة أكثر دقة ، وكذا المقادير الشرعية (216) .
[26] انظر معادلة الأوزان والمكاييل الشرعية بالأوزان والمكاييل المعاصرة لابن منيبغ في مجلة بيت الزكاة 9/105 و8/168 .
[27] انظر المقادير الشرعية (227) أو الصاع النبوي تحديده والأحكام الفقهية المتعلقة به (57) وقريب جداً من هذه النتيجة ما توصل إليه الشيخ محمد العثيمين في حيث قدر الصاع بـ (2040) غرام فقال : إذا أراد أن يعرف الصاع النبوي فليزن كيلوين وأربعين غراماً من البر الحيد ، ويضعها في إناء بقدرها بحيث تملؤه ثم بكيل به ؛ مجالس شهر رمضان ص 215 .
[28] وحدة السعة في النظام المتري ويساوي 1000 سنتي متر مكعب ، فهو لقياس الكتلة ، انظر المعجم الوسيط (814) .
[29] انظر المقادير الشرعية (226) .
[30] انظر تحديد الصاع النبوي (65) .
[31] وهو الشيخ عبد الوكيل بن عبدالحق الهاشمي ، وهو عدل مده بمد والده وهو عدل مد بمد الشيخ عبدالودود ، وهو عدل مده بمد الشيخ أحمد الله ، وهو عدل مده بمد الشيخ الحافظ محمود ، وهو عدل بمد الشيخ محمد أيوب ، وهو عدل مده بمد الشيخ الشاه إسحاق ، وهو عدل مده بمد الشيخ الشاه رفع الدين ، وهو عدل مده بمد الشيخ محمد حيات ، وهو عدل مده بمد الشيخ أبي الحسن بن محمد ، وهو عدل مده بمد الشيخ أبي الحسن بن أبي سعيد ، وهو عدل مده بمد الشيخ أبي يعقوب ، وهو عدل مده بمد الشيخ الحسن بن يحيى ، وهو عدل مده بمد الشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن ، وهو عدل مده الشيخ أبي علي منصور بن يوسف ، وهو عدل مده بمد الشيخ أبي جعفر أحمد بن علي ، وهو عدل مده بمد الشيخ أبي جعفر أحمد بن أخطل ، وهو عدل مده بمد الشيخ خالد بن إسماعيل ، وهو عدل مده بمد الشيخ أبي بكر أحمد ، وهو عدل مده بمد الشيخ أبي القاسم إبراهيم بن الشنظير وبمد الشيخ أبي جعفر بن ميمون ، وهما عدلا مديهما بمد زيد بن ثابت الأنصاري t الذي كان يؤدي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر .
[32] انظر تحديد الصاع النبوي (65) .
[33] انظر المقادير الشرعية (107) .
[34] رواه البخاري برقم 1780 ، ومسلم برقم1806 .
[35] انظر الخراج لمحمد ضياء الدين (343) ، ومجلة بيت الزكاة 9/201 – 206 .

ehab bebo
08-19-2011, 06:32 PM
توبيك رائع ياهبة

تسلمى

موضيعك دائما فى تميز

Heba Khled
08-19-2011, 06:32 PM
http://www.mezan.net/forum/g6/6%20(17).gif

غلاء الأسعار


أ.د. عبد الله بن محمد الطيار


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإن شريعة الله تعالى كاملة، حاوية لكل شؤون الحياة، فلا تجد أمراً من أمور الدنيا التي يحتاجها الناس إلا وجدت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم العلاج الأمثل الناجح الذي يعالج تلك الأمور، قال تعالى:[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً](المائدة:3).
لذا وجب على المسلمين رد أمرهم إلى شريعة الله العظيمة التي تبين لهم الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، وتدلهم على ما ينفعهم ولا يضرهم، ومن أجلِّ نعم الله تعالى علينا أن جعل ميزانه بينه وبين عباده هو العدل، وما قامت السماوات والأرض إلا به، قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ](النحل:90) وإذا كان الله تعالى من فوق سبع سماوات يأمر به وجب على الناس أن يطبقوه بينهم، وأن يعملوا على تمكينه في جميع شؤون حياتهم.
ومن حكمة الله تعالى أن أوجد لعباده طرقاً يسلكونها من أجل تيسير معاملاتهم، وإقامة وجوه الحق بينهم، وعندما خالف البشر أوامره، وعملوا بما يناقض شريعته أوقعوا أنفسهم في حرج عظيم، وظهرت بينهم بوادر الظلم والطغيان، وانتشرت بينهم العداوة والبغضاء.
وغلاء الأسعار موضوع مهم جداً، وخاصة في هذه الأزمنة المتأخرة، والتي ظهر فيها هذا الوباء العظيم، والذي أثر على حياة كثير من البشر، وأودى بهم إلى الوقوع في معاصي الله من أجل تحصيل أرزاقهم للحصول على لقمة العيش، ومعلوم أن غلاء الأسعار له أسباب كثيرة ومتعددة، ومن ذلك ـ حسب رأيي ـ:

أولاً: كثرة الذنوب والمعاصي وبعد الناس عن دينهم:
وهي من أشد الأسباب التي أظهرت هذا الوباء العظيم، ومعلوم أن الذنوب تسبب هلاك الحرث والنسل، وتسبب انتشار الفساد في البر والبحر، قال تعالى:[ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ](الروم:41)، وقوله:[وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ](الشورى:30)، والله تعالى يبتلي عباده ببعض ما كسبت أيديهم لكي ينتبهوا ويراجعوا أنفسهم، وقال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر المهاجرين خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم" (رواه البيهقي والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 7978)، فهل نظر الناس لهذا الحديث العظيم الذي أوضح فيه النبي صلى الله عليه وسلم أثر هذه الذنوب العظيمة التي تعود على أمة الإسلام بغير ما ترجوه.

ثانياً: حب المال، والإكثار منه:
فحب المال والحرص على كسبه بأي طريق -حتى ولو كان عن طريق الحرام -أمر مشاهد للجميع، وخاصة مع انتشار المعاملات الربوية، واختلاط الحلال بالحرام، قال تعالى:[وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً](الفجر:20)، وعندما يطغى على الناس ذلك يصبح الأمر خطيراً جدا، فيتسبب في أمور كثيرة مخالفة لشريعة الله تعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم" (متفق عليه).

ثالثاً: تلاعب التجار والمحتكرين بالسلع التي يحتاج إليها الناس:
فيقومون بتخزينها، وإخفائها من أجل رفع ثمنها لتحصيل أكبر كسب منها، وهذا العمل فيه إضرار بالناس، وخاصة الفقراء وأصحاب الحاجات، وهو أيضاً منهي عنه شرعاً، لأنه من الظلم الواضح البين الذي أمر الله بالبعد عنه، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي:
(يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا..)(رواه مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (متفق عليه) فمن كان مؤمناً صادقاً كان لزاماً عليه ألا يضيق على إخوانه، ويمنع عنهم فضل الله تعالى باحتكاره للسلع التي يحتاجونها.

رابعاً: تقليل الكميات المرسلة من بعض الدول المصدرة لبعض السلع الضرورية:
ـ والتي يحتاج إليها الناس حاجة ضرورية ـ من أجل رفع ثمنها على المستورد، فيضطر إلى رفع ثمنها أيضاً على التجار من أجل تحصيل أكبر ربح منها، وهكذا يفعل التجار، فتنتقل السلع من جهة إلى جهة، حتى إذا وصلت إلى المستهلك أعيته من حيث قلتها وسعرها العالي.
ومما سبق من هذه الأسباب وغيرها يتبين أثر الغلاء على العباد والبلاد، وأنه يجب الوقوف أمام من يتلاعبون بمقدرات المسلمين، وأرزاقهم، والعمل على عدم احتكار الناس للسلع الضرورية، والتي لا غنى لهم عنها.

الإسلام والغلاء:
الإسلام في نظامه المالي يقر الملكية الفردية مادامت وسائل التملك مشروعة، ويقر حرية التصرف في الأموال ما دام ذلك التصرف متمشياً مع روح الشريعة، وما دامت مصلحة الفرد لا تطغى على مصلحة الجماعة، فإن حصل ظلم أو طغيان من قبل الفرد أو الجماعة أو بدأت مؤشراته تلوح في الأفق فإن في النظام الإسلامي من التدابير ما يكفل إيقاف الناس عند حدودهم، ومنع من تسول له نفسه التعدي على تلك الحدود.
والإسلام أوجد القواعد الضرورية لحفظ التوازن بين الفرد والمجتمع، والحاكم والمحكوم عن طريق النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تنهى عن الظلم والفساد والغش والاحتكار، وتنهى عن الإفراط والتفريط.
وعلى ضوء هذه القواعد كانت النصوص الواردة عن الحبيب في أمر التسعير واضحة جلية تبين أهميتها لوضع الحدود الضرورية من أجل عدم إغلاء السلع على الناس، وعدم احتكارها من جهة التجار الجشعين.
فالغلاء يحتاج إلى معالجة قوية من جهة ولي الأمر لكي، يحفظ على الناس ضرورياتهم الأساسية التي لا غنى لهم عنها، ولا يكون ذلك إلا بالنظر السديد في وضع مشكلة الغلاء وأسبابها، وكيفية معالجتها بالطرق الشرعية التي ليس فيها ظلم ولا إجحاف.
والقول بالتسعير فيه سد للذرائع، ومن الثابت أن سد الذرائع من الأدلة المعتبرة في الفقه الإسلامي وأصل من أصوله المعتمدة. ومعلوم أن سد الذرائع هو المنع من بعض المباحات لإفضائها إلى مفسدة، ومن المسلم به أن ما يؤدي إلى الحرام يكون حراماً، فترك الحرية للناس في البيع والشراء بأي ثمن دون تسعير هو أمر مباح في الأصل، ولكنه قد يؤدي إلى الاستغلال والجشع والتحكم في ضروريات الناس وأقواتهم، فيقضي هذا الأصل الشرعي بسد هذا الباب بتقييد التعامل بأسعار محددة.
وربما يقول بعض الناس إن التسعير فيه تقييد لحرية التجار في البيع وهذا ضرر بهم، والضرر منهي عنه شرعاً، فنقول: إن الضرر الحاصل من منع التسعير أعظم بكثير من الضرر الناتج من إجبار التجار على البيع بسعر، ولاشك أن الضرر الأكبر يدفع بالضرر الأصغر.
وعلى ذلك فالقول بالتسعير عند تجاوز التجار ثمن المثل في البيع يحقق مصلحة الأمة بإرخاء الأسعار، وبهذا يكون التسعير مشروعاً لما فيه من تحقيق مصلحة الجماعة التي تعتبر دليلاً صالحاً لبناء الأحكام عليها عند عامة العلماء.

والحالات التي يمكن فيها التسعير من جهة ولي الأمر هي:
الأولى: حاجة الناس إلى السلعة:
فعند وجود سلعة معينة يحتاجها الناس حاجة ضرورية لا غنى لهم عنها، فهنا ينبغي لولي الأمر أن يقوم بتسعيرها خشية استغلال التجار هذه الحاجة فيرفعون سعرها، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تجاه هذه المسألة: (لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس بحاجة ماسة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل، ولو امتنع عن بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره).
والتسعير في مثل هذه الحالة علاج لحاجة العامة، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(ما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب ألا يباع إلا بثمن المثل، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة، وإن ما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله).
ويقصد رحمه الله بحقوق الله ما نعنيه اليوم بالحقوق العامة، ولا شك أن ضمان الحقوق العامة تهون في سبيله المنافع الشخصية والأطماع الفردية.
وبتوضيح أكثر فإن كفالة حق المجتمع في الحصول على حاجياته الأساسية التي يشترك في الاحتياج إليها جميع أفراده أو أكثرهم كالخبز والغذاء بصفة عامة، تستوجب تسعير هذه الأشياء طالما ظلت حاجة الناس إليها عامة، وذلك مخافة استغلال الباعة هذه الحاجة.

الثانية: حالة الاحتكار:
وهو حبس الشيء عن البيع والتداول بغرض إغلاء سعره، وهو محرم بدليل السنة المطهرة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(لا يحتكرُ إلا خاطئ)(رواه مسلم)، وقوله صلى الله عليه وسلم:(من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمة الله)(رواه أحمد والحاكم، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم5349)، وقال أيضاً:(من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله منه)(رواه رزين، وخرجه الألباني في مشكاة المصابيح ج2 رقم 2896).
وقواعد الشريعة قد جاءت بالعدل والتيسير على الناس، ونفي الحرج والمشقة، ورفع الضرر عنهم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه الحالة ـ أي حالة الاحتكار ـ:(ومثل ذلك ـ أي من حيث كونه يمنع ـ الاحتكار لما يحتاج إليه الناس، لما روى مسلم في صحيحه:(لا يحتكر إلا خاطئ)، فإن المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم، ويريد إغلاءه عليهم، وهو ظلم للخلق المشترين، ولهذا كان لولي الأمر أنه يكره الناس على بيع ما عندهم بقيم المثل). فالإكراه على البيع بقيمة المثل هو التسعير، وفي حالة الاحتكار مع حاجة الناس إلى المادة المحتكرة تشتد الحاجة إلى التسعير.

الثالثة: حالة الحصر:
وهذه الحالة تلجأ إليها بعض الدول والمجتمعات لحصر البيع في أناس مخصوصين لبعض المواد، بصرف النظر عن حصول النفع أو الضرر على المستهلكين، أو حصوله استبداداً وتحكماً واستغلالاً.
وفي مثل هذه الحالة يتمكن بعض البائعين من قصر البيع عليهم والتحكم في رقاب المشترين، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مثل هذه الحالة بقوله:(... وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا ألا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون لا تباع تلك السلع إلا لهم ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع ـ فهنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل ، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل ... فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع).
وهذا الذي قاله شيخ الإسلام صحيح، فيجب التسعير في هذه الحالة لتفادي الظلم ودفعه عن الناس.

الحالة الرابعة: حالة التواطؤ:
وهذه الحالة تتمثل في تواطؤ البائعين وتآمرهم على التحكم في سعر بعض السلع ليبيعوها على الناس بسعر معين يحقق لهم الربح الفاحش، أو العكس فيتواطأ المشترون في شراء سلعة معينة بسعر موحد كي يهضموا حق البائعين.
وفي تلك الحالة يقول شيخ الإسلام رحمه الله:(وقد منع غير واحد من الفقهاء كأبي حنيفة وأصحابه القسام الذين يقتسمون العقار وغيره بالأجرة أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا والناس محتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجر، فمنع البائعين الذين تواطؤوا على ألا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى، وكذلك منع المشترين إذا تواطؤوا على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى).
لذلك يجب في تلك الحالة فرض التسعير دفعاً للضرر.
والقاعدة العامة: في الحالات التي يجب فيها التسعير أنه كلما استولى على التجار الجشع، وتمكن من نفوسهم الطمع، وسيطرت عليهم الأنانية، وعمدوا إلى الاحتكار والاستغلال تعين على ولي الأمر التدخل بتحديد الأسعار.

كيف يقوم ولي الأمر بوضع التسعير المناسب الذي ليس فيه ضرر على البائعين أو المشترين؟
يقوم أولاً: بالاستعانة بأهل الخبرة في تحديد الثمن المناسب، كالتجار، أو أهل الاقتصاد، قال شيخ الإسلام رحمه الله في ذلك:(وأما صفة ذلك عند من جوزه فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ـ المراد تسعيره ـ ويحضر غيرهم استظهاراً على صدقهم فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا، ولا يجبرون على التسعير، ولكن عن رضا، وليس المقصود من الرضا من جانب البائعين أن يكون السعر موافقاً لهواهم محققاً لمصلحتهم الشخصية، ولكن المقصود هو أن يكون السعر عادلاً وغير مجحف بالبائعين، أي يتحقق لهم فيه ربح معقول).
واشتراط أن يكون السعر عادلاً في التسعير الإسلامي أمر لابد منه، لأن التسعير ما جعل إلا رفعاً للظلم، فلا يسوغ أن يكون هو في ذاته ظلماً.
ثانياً: مراقبة التسعير: وهذا الأمر في غاية الأهمية؛ حيث إن التجار في غالب الأحيان يحدث منهم التلاعب في الأسعار جلباً للكسب الزائد، فإذا قام ولي الأمر بوضع مراقبة عليهم عن طريق تعيين أشخاص معينين من قبل الدولة يقومون بمراقبة الأسعار والإشراف على الأسواق، فهذا يمكن له التحكم في التسعير، ويرفع الضرر بذلك عن كل من المشترين والبائعين.
وهذا بفضل الله موجود عندنا، وقد ولاه أولياء أمورنا بالغ الاهتمام، وهذا ما جعل السوق عندنا محكوماً بالمراقبة والمتابعة، وعدم الوقوع في غلاء الأسعار على الناس، ولكن للأسف الشديد عندما وجد الناس تساهلاً من بعض جهات المتابعة قاموا بالتلاعب بالأسعار، ورفع أسعار بعض السلع الضرورية للناس، وهذا يكون علاجه عن طريق تشديد المتابعة، وفرض عقوبات على من تسول له نفسه برفع الأسعار عما هو محدد من قبل ولاة الأمور.
والعقوبة التي يضعها ولاة الأمور راجعة للمصلحة العامة، فلولي الأمر تنويع العقوبات بحيث يكون هناك رادعٌ لهؤلاء المتلاعبين، بحيث تمنعهم هذه العقوبات من التلاعب بأقوات الناس وأسعارها.
قال شيخ الإسلام رحمه الله:(إن عقوبات التعزير تختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب في قلته وكثرته).

وعلى ما سبق ذكره يتعين القول بالتسعير إذا توافر شرطان:
أحدهما: ألا يكون سبب الغلاء هو كثرة الطلب وقلة المعروض من السلع.
والثاني: أن تكون حاجة الناس للسلعة عامة.
فكلما كانت مصالح الناس ومنفعتهم العامة في التسعير تعين اتخاذه، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، ويكون تطبيقه بحسب وضع السوق، وحرص التجار على عدم التلاعب في الأسعار.
فإذا اندفعت حاجة الناس وقامت مصلحتهم بدون التسعير فلا داعي له، أما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير ولا تتحقق مصلحتهم إلا به كان لزاماً على ولي الأمر أن يسعر عليهم تسعيراً عادلاً لا ضرر فيه على البائعين أو المشترين.
هذا ما تيسر الكلام عنه في هذا الموضوع، والله أسأل أن يرد المسلمين إلى صوابهم ورشدهم، وأن يوفق ولاة أمورنا لما فيه المصلحة والخير للبلاد والعباد، وأن يحفظ علينا نعمه الظاهرة والباطنة، وألا يؤاخذنا بذنوبنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


المصدر : الإسلام اليوم

Heba Khled
08-19-2011, 06:34 PM
كيف تحسب زكاة أموالك (*)


د. صالح محمد الفوازن




الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه والصلاة والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه نبينا محمد على آله وصحبه وأزواجه وذريته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإنا نحمد الله عز وجل على ما يسر من تأسيس الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، وتأسيس مركز البحوث والمشاريع العلمية التابع لها، وما يضم من لجان علمية تخدم أهداف الهيئة، وتشرف على مشاريعها العلمية والبحثية.
ويتكون مركز البحوث والمشاريع العلمية من ثلاث إدارات هي:
إدارة مجلة الهيئة، وإدارة الموسوعة الاقتصادية، وإدارة اللجان العلمية، وتكونت اللجان العلمية من خمس لجان:
اللجنة الأولى: دراسات فقه الزكاة.
اللجنة الثانية: دراسات الاستثمار والتمويل.
اللجنة الثالثة: دراسات الأسواق المالية.
اللجنة الرابعة: دراسات التأمين.
اللجنة الخامسة: دراسات النظرية النقدية.
ومن المشاريع العلمية: إعداد البحوث والكتب التي يحتاج إليها عامة الناس، وإيصال صوت المتخصصين إلى عموم المسلمين، وسوف تصدر عن الهيئة بإذن الله سلسلة من الكتب والنشرات العلمية المعنى بها، والتي تمس الحاجة إلهيا، تحت عنوان: (دراسات الاقتصاد، والتمويل، الإسلامي)، وفي هذه الكتيب الموجز نقدم باكورة إصدارات الهيئة، بعنوان: (كيف تحسب زكاة أموالك؟) ضمن سلسلة بعنوان: (قضايا معاصرة في الزكاة)، والذي يصدر عن اللجنة العلمية لدراسات فقه الزكاة، وقد راجعت هذا الكتيب الذي أعده الأخ الشيخ د. صالح بن محمد الفوزان، فألفيته مفيداً وجامعاً لجملة من أحكام الزكاة مما يكثر السؤال عنه والحاجة إليه وبعض هذه المسائل مما اختلف فيه أهل العلم السابقون والمعاصرون وقد عبر فيه كاتبه عن ما انتهى إليه في تلك المسائل.
نسأل الله أن يبارك في الجهود، وأن يسدد الخطى، ويصلح النيات إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على رسوله ومصطفاه.


د. عبد الرحمن بن صالح الأطرم
الأمين العام
للهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل



--------------------------------------------------------------------------------


فرض الله الزكاة، وجعلها ركناً من أركان الإسلام، ويُشترط لوجوبها:
1- ملك المسلم مالاً يبلغ نصاباً (وهو الحد الأدنى الذي تجب فيه الزكاة). ويختلف بحسب نوع المال.
2- مضي حول (سنة قمرية) على ملكه للمال الذي تجب فيه الزكاة.
وتختلف أحكام الأموال الزكوية بحسب نوعها، ومن أحكامها ما يلي:

أولاً: زكاة الزروع والثمار
النصاب: هو خمسة أوسق، ويعادل 610كجم تقريباً مما يُكال ويُدَّخر كالتمور والقمح وغيرها.
أ- إذا كانت تُسقى بمؤونة (بتكلفة كنخيل المنازل والمزارع التي تسقى من الآبار ونحوها): يجب فيها إخراج نصف العشر، ويعادل 5% من مجموع الثمار أو الزروع.
ب- إذا كانت تسقى بلا مؤونة (كالذي يشرب من مياه الأمطار): يجب فيها إخراج العشر، ويعادل 10% من مجموع الثمار أو الزروع.
وقت الوجوب: عند الحصاد أو الجذاذ.

ثانياً: زكاة الأوراق النقدية
النصاب ما يساوي الأقل من قيمة نصاب الذهب أو الفضة، والأقل في وقتنا نصاب الفضة، فيكون نصاب الأوراق النقدية ما يعادل قيمة 595جرام من الفضة، فإذا كان جرام الفضة يساوي ريالاً، واحداً فإن نصاب الورق النقدي = 595 × 1 = 595 ريالاً.
القدر الواجب إخراجه: ربع العشر، ويعادل 2.5% من مجموع المبلغ.
وقت الوجوب: تجب زكاة الأوراق النقدية عند مضي الحول، وهو سنة كاملة من حين ملكه لها، والأيسر لضبط ذلك تحديد يوم في السنة، فإذا حل هذا اليوم فإن المسلم يحسب ما يملكه من النقود، وهذا يشمل كل ما في ملكه من الرواتب الشهرية وأجرة الدور وريع المستغلات التجارية التي لا تعد للبيع وجميع ما في الحساب الجاري من سيولة نقدية، ويخصم ما عليه من الديون الحالّة، ثم يُخرج مما تبقى ربع العشر (أي 2.5%).

ثالثاً: زكاة عروض التجارة
المقصود بعروض التجارة: ما ملكه المسلم بنية بيعه والمتاجرة فيه، فلا تشمل الزكاة الأعيان التي لا تُعد للبيع، ونصابها معتبر بقيمتها، ومقداره وكنصاب الورق النقدي، فإذا كانت قيمة العروض مساويةً لقيمة 595 جراماً من الفضة وجبت فيها الزكاة.
القدر الواجب إخراجه: ربع العشر من قيمة العروض التجارية في السوق عند مضي الحول، والمعتبر عند التقويم سعر البيع، فإذا كان البيع بالجملة المعتبر سعر الجملة، وإن كان البيع بالتجزئة فالمعتبر سعر التجزئة.

رابعاً: زكاة أسهم الشركات
1- أن يقصد بتملكها الاستثمار والحصول على الأرباح والعوائد: فإن كانت الشركة تخرج الزكاة (كما في السوق السعودي) فلا زكاة على مالك السهم، وإن شك في إخراج الشركة للزكاة كاملة فإن عليه إخراج ما تبرأ به ذمته.
وإن كانت الشركة لا تخرج الزكاة فيجب على مالك السهم تقدير الزكاة باحتساب ما تجب فيه من قيمة الموجودات، وإن شق عليه وأراد الاحتياط فيخرج 2.5% من القيمة الدفترية للأسهم التي يملكها بعد خصم الأصول الثابتة، القيمة الدفترية للسهم عبارة عن حقوق المساهمين مقسومة على عدد الأسهم المصدرة.
2- أن يقصد بتملك الأسهم المتاجرة أو المضاربة فيها للاستفادة من فروق أسعار الشراء والبيع: فهذا يزكي ما يملك من أسهم زكاة عروض تجارة، فإذا حال عليه الحول ينظر إلى قيمة الأسهم السوقية، ويزكيها زكاة عروض التجارة (2.5%).

خامساً: زكاة الصناديق الاستثمارية
يجب على من يملك وحدات في الصناديق الاستثمارية إخراج زكاتها إلا أن كان مدير الصندوق يخرج الزكاة نيابةً عن المساهمين.
وتُزكى وحدات الصناديق كزكاة عروض التجارة (2.5%) حسب قيمتها يوم الحول، ويخصم منها الموجودات غير الزكوية كالأصول الثابتة والأصول المعدة للتأجير إن وُجِدت.

سادساً: زكاة الأراضي
1- إن نوى بتملكها المتاجرة بها فإنه يخرج ربع العشر من قيمتها إذا حال الحول عليها وهي في ملكه سواء ملكها بإرث أو هبة أو معاوضة.
2- إذا لم ينوِ المتاجرة بها عند تملكها فإنه لا زكاة فيها كما لو نوى أن يجعلها منزلاً أو استراحة أو مزرعة.
3- إذا كانت الأرض معدة للإيجار أو للبناء عليها من أجل الإيجار فلا زكاة على مالكها في قيمتها، وإنما تجب الزكاة في أجرتها.

سابعاً: زكاة المساهمات العقارية
1- الأصل أن ما يوضع في هذه المساهمات من مال تجب زكاته كل عام مع ما تحقق من أرباح، وتجب الزكاة على كل مساهم بمقدار نصيبه، ويُعتبر ذلك بالقيمة التي تساويها عند الحول سواءً زادت عن رأس المال أو نقصت.
2- المساهمات المتعثرّة التي لا يمكن تصفيتها ولا يستطيع المساهم فيها الحصول على ماله لا تجب زكاتها على المساهمين من حين تعثرّها.

ثامناً: زكاة الديون
أ- الديون التي لك على الآخرين:
1- إن كان الدين على مليء باذل فإنه تجب زكاته مع سائر الأموال، ويجوز تأخير زكاته حتى يقبضه، فيزكيه لما مضى.
2- إن كان الدين غير مرجو الوفاء كالدين على معسر أو جاحد أو مماطل فإنه لا تجب زكاته، وإذا قبضه فإنه يستأنف به حولاً جديداً، وإن زكاه عن سنة واحدة فحسن.
ب- الديون التي عليك:
1- إذا كان الدين يحل خلال حول الزكاة فإنه يخصم من المال الذي عندك مما تجب فيه الزكاة.
2- إذا كان الدين مؤجلاً ففي خصمه من المال الزكوي خلاف مشهور بين الفقهاء، فمنهم من يرى أن الدين المؤجل يُخصم كاملاً، ومنهم من يرى أنه يُخصم بقيمته لو كان حالاً، ومنهم من يرى أنه لا يُخصم، وهذا الأخير هو ما يظهر لي رجحانه، والله أعلم.

مثال تطبيقي على ما سبق:
حدِّد لنفسك يوماً للزكاة، وليكن مثلاً: الأول من شعبان من كل سنة، فإذا جاء هذا اليوم فعليك بجمع الآتي:
1- رصيدك النقدي سواء أكان في حسابات مصرفية أم تحت يدك.
2- القيمة السوقية لأسهم المضاربة في ذلك اليوم.
3- آخر تقويم لوحدات الصناديق الاستثمارية.
4- الذهب والفضة غير المعدة لزينة النساء، كالسبائك الذهبية وما شابه ذلك من الحلي غير المستعمل.
5- الذهب والفضة المعدة للزينة (على قول من يوجب الزكاة فيها).
6- الديون التي لك عند الغير إذا كان المدين غنياً باذلاً.
7- كل ما أعددته للتجارة من أرض أو بيت أو مواشٍ أو بضاعة في محل تجاري أو غيرها.
المجموع لكل ما سبق يخصم منه: الديون الحالة التي عليك خلال السنة نفسها، وعلى سبيل المثال: إذا اشتريت منزلاً بالتقسيط بمليون ريال، فإنك لا تخصم المليون كاملاً ولكن تخصم ما استحق دفعه قبل يوم الحلول.
الناتج النهائي مما سبق بعد خصم الديون الحالة هو المال الذي تجب الزكاة فيه بمقدار ربع العشر، أي الناتج × 2.5%، علماً بأنه يمكن أن يكون لكل مال حول مستقل، فيكون للنقد حول وللبضائع التجارية حول آخر، وهكذا.
وفقك الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

Heba Khled
08-19-2011, 06:38 PM
http://www.mezan.net/forum/g5/0%20(9).gif

مذكرة أصول الفقه


د/عوض بن محمد القرني


الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على أفضل الأنبياء والمرسلين ، سيدنا ونبينا محمد وعلى آل وصحبه وسلم أجمعين :
التعريف:
حد أصول الفقه باعتبار الإضافة
الأصول لغة: جمع أصل ، والأصل هو المحتاج إليه ، ما يستند إليه تحقق ذلك الشيء ، ما يتفرع منه الشيء .
في الاصطلاح: له عدة إطلاقات منها:
1- يطلق على الدليل تقول : أصل هذا الحكم كذا أي دليله.
2- يطلق على الراجح في مقابل المرجوح - الأصل في الكلام الحقيقة .
3- يطلق على القاعدة المستمرة ، أكل الميتة على خلاف الأصل .
4- يطلق على ما يقاس عليه في باب القياس - وهو مقابل الفرع .
الفقه
لغة : الفهم - وقيل فهم غرض المتكلم - { ولكن لا تفقهون تسبيحي }
في الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال .
حد أصول الفقه لقباً:-
العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية وحال المستدل - أو هي أدلة الفقه وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية ، وحال المستدل بها .
أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستدلال بها وحال المستدل .
موضوع أصول الفقه :-
الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية وأقسامها واختلاف مراتبها وكيفية استثمارالاحكام الشرعية عنها على وجه كلي .

فائدة أصول الفقه :
معرفة أحكام الله في النوازل علماً أو ظناً
مصادره وأدلته :-
1- الكتاب 2- السنة 3- اللغة 4- العقل
الحاكم
الحاكم : الله عز وجل . {إن الحكم إلا لله } فالحاكم هو الله .
ورسول صلى الله عليه وسلم ليس بحاكم ، وإنما هو مبلغ ومبين للأحكام { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله }
وظيفة العقل في الشرع
الفهم للنص ، وتكييف الحياة للعيش في ظلال الشرع
منزلة أقوال أهل العلم في الشرع
1- أنها مبينة للشرع فقط وليست مشرعة .
2- أن أي قول مهما كان قائله عدا - النبي صلى الله عليه وسلم- يحتاج إلى دليل وليس هو دليل .
3- أن العلماء ورثة الأنبياء وبقدر رسوخ العالم في شرع الله يكون الاطمئنان إلى فهمه .
المحكوم عليه: (المكلف )
يشترط لتكليف العبد
1- العقل 2- البلوغ
التكليف قاصر على الجن والإنس .
ينبني على تكليف العبد : أ- آثار دنيوية ب- آثار أخروية
مما يجب مراعاته في هذا المبحث :
1-أن العبد قبل تكليفه يجب على وليه تيسير الطاعات له وتعويده عليها وكفه عن المعاصي وتقبيحها له
[ مروا أولادكم بالصلاة لسبع ....] الخ
2-أن حقوق الآدميين تحفظ من غير المكلف بواسطة وليه مع ارتفاع الإثم عنه وعن وليه ما لم يكن وليه قاصداً . مثل إتلاف المجنون والصبي والدابة ...
من عوارض الأهلية - الإكراه وهو على قسمين:
أ- إكراه ملجيء لا اختيار له معه
ب- إكراه معه الاختيار
من عوارض الأهلية الخطأ : فالمخطئ غير مكلف.
وزوال التكليف لمانع شرعي ما دام ذلك المانع موجوداً ، مثل الحيض للصلاة ، عدم الاستطاعة للحج ، أو مانع عادي : كالجنون .
المحكوم فيه (فعل المكلف): يلاحظ فيه ما يلي:
1- لا تكليف إلا بمستطاع { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } أي ليس بمستحيل .
2- يرد التكليف بما فيه مشقة عظيمة لأن المصالح المترتبة على ذلك تحصيلها أعظم من المشقة المحتملة كالجهاد .
3- الذوات لا حكم لها ، بل الحكم للأفعال المتصلة بها مثل :
{ حرمت عليكم الميتة } أي أكلها { حرمت عليكم أمهاتكم} أي نكاحهن ، حرمت الخمر أي شربها .
المحكوم به - الحكم -
هو: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو التخيير أو الوضع

أقسام الحكم :
أ- الحكم التكليفي ب - الحكم الوضعي
أولاً: الحكم التكليفي : هو ما كان فيه طلب فعل أو ترك أو تخيير ، وأقسامه خمسة:
الأول : الإيجاب وهو لغة : السقوط والثبوت والاستقرار
واصطلاحاً : هو خطاب الشارع بما يكون تركه سبباً للذم شرعاً بوجه ما. أو هو طلب الفعل على وجه الحتم والإلزام .
والفرض والواجب مترادفان عند الجمهور .
مسائل الواجب
1- الواجب أنواع 1-الواجب على الأعيان 2- الواجب على الكفاية 3- الواجب المخير فيه 4- الواجب الموسع لا يجوز تأخيره مع غلبة ظن الهلكة .
5-مالا يتم الواجب إلا به وهو مقدور للمكلف واجب مثل / طلب الماء للطهارة ، السفر للحج .
6-الواجبات حقوق لله تعالى لا يجوز إسقاطها والعفو عنها ، وحقوق للعباد يجوز ذلك فيها .
7-تفاوت درجات الوجوب : الصلاة واجبة ، وأداؤها جماعة واجب .

الثاني :التحريم
لغة : هو ما كثرت آفاته ويطلق بمعنى المنع .
في الاصطلاح : هو خطاب الشارع بما كان فعله سبباً للذم شرعاً بوجه ما أو هو : طلب الكف عن الفعل على وجه الحتم والإلزام .
مسائل
1- يكون المباح حراماً إذا اختلط بمحرم أو كان وسيلة له.
2- قد يكون الشيء الواحد واجباً تارة وحراماً تارة مثل : الكذب ، السجود ، لكن يستحيل أن يكون حراماً واجباً من جهة واحدة في وقت واحد ومكان واحد .
3- يتناوب المحرم في درجات التحريم مثل : الضرب - القتل .
4- مالا يتم ترك المحرم إلا بتركه فتركه واجب .

ثالثا :الندب :
لغة: الدعاء إلى أمر مهم .
اصطلاحاً: هو المطلوب فعله شرعاً من غير ذم على تركه . ، أو هو : طلب الشارع للفعل على سبيل الإلزام الحتم .
مسائل :
1- من ترك المندوب بالكلية فقد وقع في المحرم خاصة إن كان ممن يقتدى بهم ، ومن شدد فيه فقد ألحقه بالواجب ووقع في الخطأ.
2- المندوب حمى وحريم للواجب -خط دفاع أول .
3-من المندوبات ما هو على الأعيان مثل: السنن الرواتب بعد الصلاة، ومنها ما هو على الكفاية مثل : إلقاء السلام .

رابعا :الكراهة :
لغة: الشدة في الشيء
اصطلاحاً: هو ما طلب الشارع تركه من غير ذم يلحق بفاعله . أو هو : طلب الترك لا على سبيل الحتم والإلزام.
مثل :حديث( أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً) .

مسائل:
1- من قارف المكروه بإطلاق فقد وقع في المحظور حيث ألحقه بالمباح أو المطلوب .
2-من تشدد في المكروه تشدده في المحرم فقد اخطأ حيث ساوى بين المتفرقات .

خامسا : الإباحة :
لغة: الإظهار والإعلان ومنه باح بسره ، والإطلاق ، والإذن ومنه أبحته كذا أي أذنت له به.
اصطلاحاً: هو ما لا حرج على المكلف في فعله ولا تركه لذاته ، أو هو ما خير بين فعله وتركه من غير تخصيص أحدهما بثواب ولا عقاب .
مسائل :
1- الإباحة قسمان شرعية وعقلية .
2- بعض المباحات واجب في جنسه مباح في نوعه كالأكل .
3- المباح قد ينقلب مندوباً أو واجباً أو حراماً أو مكروهاً بالنية أو لكونه وسيلة (يلاحظ هنا أن الثواب والعقاب في المباح لالذاته ، بل باعتبار آخر ، فالنية الصالحة مع المباح لاتنقله عن الإباحة بل الثواب على النية . وإذا كان وسيلة إلى واجب أو محرم يكون واجبا أو محرما باعتبار كونه وسيلة ، لابالنظر لذاته)
4- الأصل في العبادات المنع إلا إذا ورد بها الشرع والأصل في العادات الإباحة .
5- لماذا عد المباح من أحكام التكليف ؟
أ- لوجوب اعتقاد كونه مباحاً
ب- تكملة للقسمة العقلية مع الأحكام الأربعة الأخرى .
6- من باب التغليب باعتبار أن بقية أقسام الحكم فيها تكليف .

ثانياً : الحكم الوضعي
هو خطاب الله بجعل أمر ما علامة على أمر آخر
أقسامه هي :
السبب ، المانع ، الشرط ، الصحة ، الفساد ، الرخصة ، العزيمة .

السبب :
لغة: هو ما يمكن التوصل به إلى مقصود ما ومنه تسمية الحبل والطريق سبباً.
اصطلاحاً: هو وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفاً لحكم شرعي
مسائل :
1- الأسباب توجد الأحكام عندها لا بها أما الموجد لها فهو الله عز وجل
2- نصب الأسباب علامات للحكم من تيسير الشريعة وأسباب خلودها .
3- فعل العبد للسبب المنصوب شرعاً ينتج عنه المسبب أراد العبد ذلك أو لم يرده مثل : القتل والقصاص - الرضاعة - ونشر الحرمة - ألفاظ البيع ووقوع الملك .
4- العبد مأمور بتحصيل الأسباب المقدورة بغض النظر عن المسببات وذلك من التكليف لا الوضع .
5- تنقسم الأسباب إلى:
أ- داخل تحت قدرة المكلف . ب- غير داخل تحت قدرته .

المانع
لغة : هو الضنين الممسك .
اصطلاحاً: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل الشرعي على كونه ملغياً للحكم .
مسائل :
1- أقسامه :
أ- مانع وجوب كالأبوة مع القصاص - والجنون مع العبادة .
2- مانع صحة كالعدة مانعة من نكاح المعتدة .
2- مالا يكلف العبد بتحصيل المانع أو إزالته - كالفقر مع الحج ، ما يكلف العبد بإزالته كالجنابة .

الشرط :
لغة : بسكون الراء : إلزام شيء أو التزامه ، وبفتح الراء معناه : العلامة .
اصطلاحاً : هو مايلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته .

مسائل :
1- أقسامه :
أ- شرط وجوب كالحول للزكاة .
ب- شرط صحة كالطهارة للصلاة .
2- العبد يكلف بتحصيل شرط الصحة دون شرط الوجوب وما طلب تحصيله منها فهو راجع إلى خطاب التكليف لا الوضع .
3- لا يجوز اشتراط ما ينافي حكمة التحريم كمن اشترط أن لا يطأ أو لا ينفق في النكاح أو أن يتكلم
في صلاة نفل منذورة .
تنقسم الأسباب والموانع والشروط إلى ثلاثة أقسام :-
أولا: الأسباب
1- عقلية كالانكسار بالكسر
2- عادية كإرواء الظمأ بشرب الماء
3- شرعية كالبلوغ لوجوب الصلاة
ب- الموانع:
1-عقلي : كاجتماع النقيضين
2-عادي : كحركة الميت وإمضاؤه للعقود
3- شرعي : كالحيض لمنع الصلاة.
ج- الشروط :
1-عقلي : كالحياة للعلم
2- عادي : كاشتراط النار لوجود الإحراق
3- شرعي: مثل اشتراط الطهارة للصلاة
وما كان منها شرعياً فلا بد من إقامة الدليل على ادعائه.

مما يلحق بالحكم الوضعي عادة :
الصحة
لغة: ذهاب السقم والبراءة من كل عيب .
اصطلاحاً: هو في العبادات ما أجزأ وأسقط الطلب ، وفي المعاملات ما وافق الشرع وترتبت عليه آثاره.

الباطل
لغة: الذاهب الذي لا مكث له ولا لبث .
اصطلاحاً: نقيض الصحيح في العبادات والمعاملات . والفاسد عند الجمهور مرادف للباطل . والأحناف يفرقون بينهما بأن الفاسد ما شرع بأصله ومنع لوصفه كبيع الدرهم بالدرهمين ، وأن الباطل ما منع لأصله ووصفه كبيع الخمر بالخنزير .

ملاحظة :
الحكم بالصحة والبطلان قائم على الظاهر أما الاجر والثواب والعقاب فأمره إلى الله وللنية دور في ذلك .

العزيمة :
لغة: الرقية والقصد المؤكد
اصطلاحاً : هي ما لزم العباد بإلزام الله تعالى ، أو ما شرع من الأحكام الكلية ابتداءً
العزايم هي الأصل والرخص هي الاستثناء.
الرخصة:
لغة :التيسير والتسهيل ومنه رخص السعر .
اصطلاحاً : ماشرع من الأحكام لعذر مع قيام المحرم لولا العذر.
مسائل :
1- الأصل في الرخص الإباحة .
2- الأصل في الرخص من حيث التقدير أنها إضافية تختلف من شخص لشخص ومن حال لآخر ، وللعرف في تحديد ذلك دور مالم تحد شرعاً وضابطه أن يكون توقع المشقة مظنوناً .
3- الرخص لا تستباح بالمعاصي .
4- العزائم مطردة والرخص لها حالات خاصة لا يذهب إليها إلا بدليل شرعي .
الأداء: فعل العبادات في وقتها المحدد لها شرعاً.
الإعادة: فعل العبادات في وقتها المحدد لها شرعاً مرة أخرى لخلل في الأداء .
القضاء: فعل العبادات بعد وقتها المحدد لها لفساد في الأداء أو لتركها فيه بالكلية لعذر .

الأدلة :
أولاً: الأدلة المتفق عليها .
(أ) الكتاب: هو كلام اله تعالى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المعجز بلفظه ومعناه .
ما يخصه من مسائل:
1- اختلاف القراءات:
القراءة تنقسم إلى صحيحة وشاذة فالصحيح ما توفر فيه
(ا) صحة سنده .
ب- قرأ به القراء ج- وافق الرسم العثماني . د- له وجده في العربية . وما عدا ذاك فشاذ .
2- معرفة أسباب النزول لتنزيل الأحكام على الوقائع .
3- لابد من معرفة لسان العرب وأحولهم وعاداتهم عند النزول .
4- عند النظر في المسألة لابد من جمع كل ما في القرآن فيها وبناء الآخر على الأول .
5- أغلب مافي القرآن من أدلة كلية لا جزئية بعكس السنة.
6- المحكم والمتشابه فقي القرآن .
7- لا يجوز تفسير القرآن على وجه لا تحتمله العربية ( دعوى الباطل ) .
8- في القرآن ألفاظ معربة أعجمية الأصل وصارت عربية بالاستعمال .
9- كل قول أو فعل حكاه القرآن ولم ينكره فهو حق .

ب_ السنة
لغة: الطريقة .
اصطلاحاً: ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير .
ما يخص هذا الدليل من مسائل:
1- حجية السنة .
2- منزلة السنة من القرآن أ- ما كان مؤكداً للقرآن - كفرضية الصلاة . ب - ما كان مبيناً للقرآن - ككيفية الصلاة .
ج - ما كان منشئاً لحكم جديد لم يرد في القرآن كجلد السكران .
3- ما الحجة من أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقسامها :
أ- ما فعله بالجبلة البشرية والخبرة الإنسانية . ب- ما كان من خصائصه ج- ما فعله لبيان الشريعة .

4- طرق نقل السنة:
أ- متواتر: لفظي ، معنوي ، لا يشترط له عدالة .
ب- آحاد .
5- درجات الحديث:
أ- الصحيح: ما رواه عدل تام الضبط من غير علة ولا شذوذ عن مثله حتى نهاية السند .
ب- الحسن: هو ما خف ضبطه .
ج- الضعيف :ما فقد احد شروط الصحة .
6- ألفاظ نقل الصحابي للحديث
أ- سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا .
ب- قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا.
ج - امر النبي صلى الله عليه وسلم بكذا أو كذا .
د- أُمرنا بكذا أو نُهينا عن كذا .
هـ- كانوا يفعلون كذا .
و- ومن السنة كذا .
ز- إخبار الصحابي عن ما لا يعلم بالرأي ولا يعلم إلا بطريق الوحي .
7- الرواية بالمعنى:
أ- الأولى نقل الحديث بألفاظه ( نضر الله أمرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ...)
ب- ويجوز نقله بالمعنى بشرطين :
1- ألا يكون مما تعبدنا بألفاظه كالأذان .
2- ألا يكون النقل بألفاظ تحيل المعنى وتغيره .

ما يتفق فيه الكتاب والسنة من مباحث:
(1) العموم والخصوص
العموم: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له { ولا يظلم ربك أحداً} .
الخصوص: هو قصر العام على بعض أفراده { فاقتلوا المشركين } خرج منهم أهل الكتاب .
وقوله { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } خرج مهم من عاش بعد طلوع الشمس من مغربها .
(أ) ألفاظ العموم
1- أسماء الاستفهام من ، ما ، متى ، أين .
2- أسماء الشرط (من جاءني أكرمته) .
3-النكرة في سياق النفي أو النهي ( ما جاءني من رجل) { فلا تدعو مع الله أحداً }
ا وكذلك في سياق الشرط والاستفهام .
4- الاسم المحلى بأل مفرد أو جمعا بشرط أن يكون جمع كثر ة.
5- المضاف إلى معين ( نعمة الله ) .
6- الأسماء الموصولة .
7- الفعل في سياق النفي أو النهي
8- ألفاظ كل وجميع وسائر ومعشر وكافة .
1.- ما دل على خاص فهو عام في أجزائه .
ب - كل عام فهو بالنسبة لما فوقه خاص .
ج - الاستثناء معيار العموم
د- دلالة العموم على أفراده ظاهرية وليست نصاً - ظنية وليست قطعية .
هـ- العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
و- ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يجري مجرى العموم في المقال كقصة غيلان الذي أسلم عن عشر نسوة فلم يسأله هل تزوجهن معا أو مرتبا .
ز- لا يفتى بالعام حتى يتأكد من عدم وجود المخصص ، (عدم جواز الصدقة لغير أهل البيت) .
ح- الفرق بين العموم والإطلاق: أن العموم في الأفراد والإطلاق في الصفات .
ط- العام حجة بعد تخصيصه فيما لم يتناوله التخصيص .
ي - من العام ما يراد به الخصوص .

أنواع المخصصات :
أ- المخصصات المتصلة:
1- الصفة / في الغنم السائمة الزكاة .
2- الحال /{ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم }
3- بدل البعض /[ في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ] .
4- الاستثناء / { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم }
5- الشرط / { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيموهن أجورهن }
6- الغاية / { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ..}
ب- المخصصات المنفصلة:
1- العقل / { الله خالق كل شيء } يقطع العقل بأنه سبحانه لم يخلق نفسه .
2- الحس / { تدمر كل شيء بأمر ربها } لم تدمر كثيراً مما ترى .
3- النقل / وهو كثير مثل { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } بحديث ( لا تقطع الأيدي إلا في ربع دينار فصاعداً )
وهناك مخصصات كثيرة فيها خلاف .

2- المطلق والمقيد :
المطلق : هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه .
المقيد : هو اللفظ الدال على وصف زائد على المطلق .
حالات المطلق مع المقيد :
1- أن يتحدا في الحكم والسبب فلا خلاف في حمل المطلق على المقيد - مث الأمر بالأضحية بالماعز ثم تقييده ب.
2- أن يتحدا في الحكم ويختلفا في السبب كعتق الرقبة في الظهار ، وقتل الخطأ فالشافعية على حمل المطلق على المقيد والأحناف يمنعون ذلك .
3- أن يتحدا في السبب ويختلفا في الحكم مثل قوله تعالى في الظهار { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً } فلا يحمل أحدهما على الآخر .
4- أن يختلفا في السبب والحكم فلا يحمل أحدهما على الآخر بالإجماع مثل آية الوضوء وآية السرقة .
ويشترط للإطلاق والتقييد:
1- أن يكون في باب الصفات مع ثبوت الذوات .
2- أن يكون في باب الأوامر دون النواهي .
3- ألا يمكن الجمع بينهما إلا بحمل المطلق على المقيد .

3- الأمر
هو طلب الفعل بالقول على وجه الاستعلاء ويكون بصيغة متعددة منها فعل الأمر ، ولام الأمر { لينفق ..} وغيرهما.
مسائل :
1- الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف بقرينة ( صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء ) .
2- الأمر بعد الحظر يعيد الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك { وإذا حللتم فاصطادوا } ،( فإذا أدبرت فاغسلي وصلي) ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها...) .
3- الأمر المطلق لا يدل على الفور ولا التراخي إلا بدليل آخر .
4- الأمر المطلق لا يدل على وجوب التكرار إلا بدليل ( الحج مرة وما زاد فهو تطوع ) .
5- الواجب الإتيان بالمأمور به حسب الاستطاعة .

4- النهي
هو طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء ، ويكون بلا الناهية وغيرها من الصيغ مثل { ذروا ما بقي من الربا}
مسائل:
1- النهي يدل على التحريم ما لم يصرفه صارف { لا تشرك بالله } ( إياكم والجلوس في الطرقات فإن كنتم لابد فاعلين فأعطوا الطريق حقه ) .
2- النهي يدل على الانتهاء على الفور وإلى الأبد ( وما نهيتكم عنه فاجتنبوه ) .

5- الحقيقة
هي كل لفظ أريد به ما وضع له في الأصل .
1- أقسامها : أ- لغوية - الدابة ب- شرعية - الصلاة .
ج - عرفية عامة - دابة لذوات الأربع . د- عرفية خاصة - الفاعل .
2- إذا تعارض المجاز والحقيقة حمل الكلام على الحقيقة.
3- استحالة نفي معاني الحقائق إلا بدليل أو قرينة .
4- ترتيب آثار معاني الحقائق عليها في الظاهر مثل الطلاق .

6- المجاز
هو كل لفظ أريد به غير ما وضع له في الأصل لمناسبة بينه وبين المعنى الجديد .
أقسامه:
(أ) لغوي - الأسد للإنسان . (ب) شرعي - و{ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } .
ج- عرفي عام - دابة للبليد . د- عرفي خاص - استعمال النحوي لفظ الحال لما عليه الإنسان .
2- يشترط لصحة المجاز:
(أ) وجود علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى الجديد .
(ب) وجود قرينة دالة على أن المراد غير المعنى الحقيقي.
3- علامة المجاز : - جواز نفي المعنى الحقيقي عنه .

7- الصريح:
هو ما ظهر به المعنى المراد ظهوراً بيناً بسبب كثرة الاستعمال حقيقة كان أو مجازاً -بعت - أكلت من هذه النخلة . والصريح يقع حكمه أراد المكلف أو ادعى أنه لم يرد .

8- الكناية:
هي لفظ استتر المراد منه في نفسه فلا يفهم إلا بقرينة حقيقية أو مجازاً مثل ( اعتدى) ولا يثبت الحكم إلا بالنية أو قرينة دالة على المراد .

9- المجمل والمبين:
أ- المجمل: هو ما احتمل معنيين أو أكثر دون رجحان لأحدهما على الآخر لدى ...
ب- المبين: هو الكلام الدال على المعنى المراد دون احتمال أو مع احتمال مرجوح .
ج- لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
د- لا يجوز الاستدلال بالمحمل حتى يبين . والبيان هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح.
هـ- الإجمال منه مطلق ومنه نسبي .
و- ولبيان الإجمال أنواع كثيرة منها :-
1- البيان بالقول 2- بالفعل 3- بالكتاب 4- بالإشارة 5- بالتنبيه على العلة .
أسباب الإجمال:-
1- إزدحام المعاني في لفظ واحد - القرء
2- نقل اللفظ من وضع اللغة إلى وضع جديد - الصلاة.
3- الغرابة { إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً } .
أقسام الإجمال:
1- الإجمال الذي يقع بين أفراد حقائق مختلفة القرء
2- الإجمال الذي يقع بين أفراد حقيقة واحدة مثل : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة }.
3- الإجمال الذي يقع بن أفراد مجازين فأكثر في لفظ واحد مع تعذر استعمال الحقيقة ( رأيت بحراً في المسجد) يعني عالم .

10- الظاهر والمؤول
الظاهر : ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر .
المؤول : حمل اللفظ على المعنى المحتمل المرجوح لدليل محقق
وأسباب ترجيح المعنى الظاهر منها :-
1- الحقيقة في مقابلة المجاز
2- الاكتفاء في مقابلة الإضمار(وجاء ربك)
3- الإبقاء في مقابلة النسخ
4- الترتيب في مقابلة التقديم والتأخير
5- العموم في مقابلة العموم والخصوص
6- التأسيس في مقابلة التأكيد

شروط الحمل على المعنى المرجوح .
1- أن يكون موافقاً لوضع اللغة فمما لايقبل مثلاً تفسير الكرسي بالعلم .
2- أن يقوم الدليل على أن المراد بذلك اللفظ هو المعنى الذي حمل عليه .
3- أن يمتنع حمل اللفظ على المعنى الأصلي لقرينة حالية أو مقالية .
- اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً يسمى نصاً .

الإجماع
لغة: العزم على الشيء أو الاتفاق عليه.
اصطلاحا: اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي .
1- من أدلة حجيته:
{ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}
{ لا تجتمع أمتي على ضلالة }
2- أقسامه:
أ- إجماع قولي . ب: إجماع سكوتي .
مثل الإجماع على وجوب مواراة المسلم بعد موته - وكتابة المصحف للإشارة لكتاب ابن حزم .
- إجماع المتأخرين على أحد قولي المتقدمين - بيع أمهات الأولاد .

القياس :
لغة: التقدير: تقول: قست الثوب بالذراع ، قدرته .
اصطلاحاً: إلحاق أمر غير منصوص على حكمه لاشتراكهما في العلة أركان القياس .
1- أصل مقيس عليه . 2- وصف جامع ( العلة ) .
3- فرع مقيس . 4- حكم
الأدلة
{ فاعتبروا ياأولي الأبصار }
{ فجزاء سيئة مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم}
- حديث معاذ ( بم تقضي ) .
- حديث عمر: ( قبلت وأنا صائم )
- ( أعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك ).
-لا قياس مع النص .

الاجتهاد
لغة: عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة ومشقة .
اصطلاحاً: هو استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية .
أدلته كثيرة منها:
1- إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب ...
2- حديث معاذ ...أجتهد برأيي .

حكم الاجتهاد للقادر
1- فرض عين في حق نفسه أو إذا تعين أو خاف فوت الحادثة بدون حكم . من كتم علماً ... وغيره .
2- فرض كفاية إذا كثر أهل الاجتهاد ولم يخف فوت الحادثة .
3- الندب عند تعيين غيره بالسؤال
4- التحريم من غير المؤهل أوفيما يقابل النص .
- يجوز أن يتجزأ الاجتهاد
- لا يجوز أن يخلو العصر من قائم لله بالحجة فرد أو جماعة .
شروط المجتهد :
1- العلم بالقرآن . 2- العلم بالسنة . 3- العلم بمسائل الإجماع 4- معرفة مقاصد التشريع 5- العلم باللغة العربية 6- العلم بأصول الفقه 7- الورع 8- الإسلام 9- العقل .

التقليد :
لغة: جعل القلادة في العنق .
اصطلاحاً: أخذ قول الغير بدون معرفة دليله .
الحق وسط بين طرفين في موضوع الاجتهاد والتقليد .

التعارض بين الأدلة:-
(أ) أقسام الأدلة من حيث الثبوت والدلالة 1- قطعي الثبوت 2- قطعي الدلالة 3- ظني الثبوت 4- ظني الدلالة .
(ب) لا تعارض بين قطعيات الثبوت والدلالة ،،
ج- التعارض هو في الظاهر والظن لافي الحقيقة .
د- طرق دفع التعارض
1- الجمع بين الدليلين بوجه مقبول .
2- الترجيح بين الدليلين .
3- نسخ أحد الدليلين للآخر .
4- تساقط الدليلين والتوقف فيهما والبحث عن غيرهما .

أقسام الترجيح في الجملة بين النصوص :-
1- من جهة السند - المتواتر ثم الآحاد وظابط على غيره والعالم والورع .
2- من جهة المتن- مثل تقديم الحقيقة على المجاز ومن لديه زيادة على غيره والخاص على العام .
3- من جهة الحكم والمدلول فيقدم الحاظر على المبيح .
4- الترجيح بأمر خارج في مثل أن يعضد أحدهما دليل آخر أو عمل بأحدهما الخلفاء الراشدون أو بعض الصحابة دون الآخر .

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ،،

Heba Khled
08-19-2011, 06:41 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

حكم تملك الأوراق المالية وأرباحها بالقبض


عبد المجيد بن صالح المنصور


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:
فإن طلب الربح الحلال والسعي فيه بجد، والإقلاع عن الربح الحرام والابتعاد عنه أصبح مطلباً ملحاً في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى؛ وذلك لما نرى من كثرة النكسات الاقتصادية على شتى الصعد، ولما يسببه من بُعد في إجابة الدعوات ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم" (1) وقال "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم"(2)ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك)، وإن طلب الحلال واجب على كل مسلم، وإنبات اللحم من سحت(3) محرم النار أولى به(4)، ويجب لمن وقع بشيء من ذلك المسارعة إلى التوبة والتخلص من المال المحرم أياً كان نوعه وشكله؛ وذلك برده إلى مستحقه الأصلي أو البدلي عند تعذره.

وفي هذا الزمن ابتلي كثير من المسلمين بالتعامل بالربا مع الأفراد أو الشركات أو البنوك أو غير ذلك، وعندها يقع الناس في الحرج، وترد بعض الإشكالات والتساؤلات التي تعرض على طلاب العلم والمفتين على نحو:
هل المقبوض بعقد ربوي يملك أو لايملك؟ وما الحكم إذا نتج عن هذا المقبوض بعقد ربوي ربح هل يملكه المشتري أو لا يملكه ويكون لمالك الأصل(البائع) بناء على فساد العقد ولم يثبت الملك في الأصل بقبضه؟ وما كيفية التخلص من الربح الربوي؟ وهل يجوز التصدق به على الفقراء والمساكين ونحوهم؟ وهل يجوز رد الأرباح إلى البنك؟ وغير ذلك من الأسئلة التي حاولت جعل جوابها في نسق واحد في أثناء البحث، لبناء بعضها على بعض.
ولأجل تبسيط صورة هذا الموضوع أكثر أضْرِب مثلاً، فأقول: لو أن مسلماً عقد عقداً ربوياً وقبض المعقود عليه، وليكن أسهماً قبضها بعقد ربوي ووضعت في محفظته(5)، ولم يضارب بها، ورغب في أرباحها ثم استحقت الأرباح، فهل يملك تلك الأسهم بالقبض؟ ولمِن تكون هذه الأرباح المقبوضة بعقد ربوي ؟

هل تكون لمشتري تلك الأوراق المالية بعقد فاسد أو للمالك الأصل (البائع) وهي (الشركة مصدرة تلك الأوراق) بناء على أن المقبوض بعقد فاسد لا يملك؟
ولأجل معرفة لمن الأرباح؟ لابد من معرفة لمن الأصل(السهم المقبوض بعقد ربوي) أي هل تملك تلك الأوراق المالية بالقبض أو لا ؟
هذه المسألة من النوازل الفقهية التي لم يتطرق لها الفقهاء السابقون بحثاً وتدليلاً، ولكن أصولها موجودة في كتبهم، فإن هذه المسألة تعود إلى مسألة( ملكية المقبوض بعقد فاسد ) فيكون التخريج عليها.
فيقال: إن العلماء اختلفوا في تملك الأوراق المالية الربوية بالقبض على قولين:

القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية(6)، والشافعية(7)، والحنابلة(8)، وبعض الحنفية(9) إلى أن العقود الربوية لا تملك ولو اتصل بها القبض، بل هي مفسوخة أبداً، وعلى قولهم هذا فلا تملك الأوراق المالية الربوية بالقبض، ويجب فسخ العقد وردها .
جاء في "المدونة" عن ابن وهب قال:( وسمعت مالكاً يقول الحرام البين من الربا وغيره يرد إلى أهله أبداً فات أو لم يفت(10))(11).
وقال ابن عبد البر: ( قال مالك: ومن البيوع ما يجوز إذا تفاوت أمره وتفاحش رده، فأما الربا فإنه لا يكون فيه إلا الرد أبداً، ولا يجوز منه قليل ولا كثير ولا يجوز فيه ما يجوز في غيره؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}(12).
ثم قال: (هذا قول صحيح في النظر وصحيح من جهة الأثر فمن قاده ولم يضطرب فيه فهو الخيِّر الفقيه...)(13).
وقال: ( وقد اتفق الفقهاء على أن البيع إذا وقع بالربا مفسوخ أبدا )(14).
وقال السرخسي من الحنفية:( إن الربا... لا يكون موجباً للملك بكل حال)(15).
القول الثاني:
ذهب جمهور الحنفية(16) إلى أن العقود الفاسدة ومنها الربا تملك إذا اتصل بها القبض، ولكنه ملك خبيث يجب فسخه، فإن تصرف به ببيع أو هبة أو نحوه صح، وعليه فإن الأوراق المالية الربوية تملك عند جمهور الحنفية إذا اتصل بها القبض، لكنها ملك خبيث يجب عليه رد الربا على من أربى عليه.

والراجح في هذه المسألة -والله أعلم- أن الأوراق المالية الربوية لا تملك ولو اتصل بها القبض، ويجب فسخ ما قبض منها، فيرد الأوراق المالية إلى بائعها، ويسترد ثمنها إن أمكن، وإلا يتخلص منها بالبيع(17).
و الأدلة على هذا كثيرة ومن أقواها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من أين هذا؟)) فقال بلال : تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع؛ لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ((أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به))(18)، وفي رواية لمسلم : ((فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا))(19).
ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالرد ولم يقره على هذا العقد الربوي، بل أمر بفسخه مع اتصال القبض به.
قال النووي عند هذا الحديث: ( وقوله :صلى الله عليه وسلم [هذا الربا فردوه] هذا دليل على أن المقبوض ببيع فاسد يجب رده على بائعه وإذا رده استرد الثمن)(20)، وقال ابن حجر: (وفيه أن البيوع الفاسدة ترد)(21).

حكم أرباح الأوراق المالية بعد القبض:
لما عرفنا حكم تملك الأوراق المالية بالقبض، بقي حكم ما ينتج عن تلك الأوراق من أرباح، وإن أقرب تكييف فقهي لتلك الأرباح هو نماء المقبوض بعقد فاسد، وهذا النماء من قبيل النماء المنفصل غير متولد من الأصل كالكسب والغلة، والعلماء مختلفون في حكم نماء المقبوض بعقد فاسد من حيث ملكيته تبعاً لاختلافهم في ملكية أصله على القولين السابقين.
أما من حيث وجوب رد النماء إلى مالك الأصل (البائع) فلم تختلف أقوال المذاهب الأربعة في ذلك؛ فإنهم قضوا بوجوب رد النماء –ومنه الأرباح- مع أصله إلى البائع وأن ذلك النماء والربح لا يمنع الفسخ، – وإليك بيان ذلك:
أما الشافعية، والحنابلة، والظاهرية: فهم على قاعدتهم السابقة لايثبتون الملك بالقبض، ويوجبون رد المقبوض بعقد فاسد ونماءه سواء أكان ربوياً أم غير ربوي.
أما المالكية: فإنهم لا يثبتون الملك في العقود الربوية مطلقاً، وهو مفسوخ عندهم أبداً سواء فات أم لم يفت، ولا يكون فيه إلا الرد أبداً، ولا يجوز منه قليل ولا كثير ولا يجوز

فيه ما يجوز في غيره(22) ولا ينتقل الضمان فيه للمشتري.
فظاهرٌ أن الغلة والأرباح لا تأثير لها على الحكم في العقد الربوي-عند المالكية-، وأن هذه الزيادات لا تصِّير العقد فائتاً، وبالتالي يجب عندهم رده وأرباحه على من أربى عليه (23).
جاء في مواهب الجليل: ( وهنا - أي في العقد الربوي - لم ينتقل الضمان لبقاء المبيع تحت يد بائعه، فلا يحكم له -أي المشتري-بالغلة بل لو قبض المشتري المبيع، وتسلمه بعد أن أخلاه البائع ثم آجره المشتري للبائع لم يجز؛ لأن ما خرج من اليد وعاد إليها لغو...)(24).
أما الحنفية(25): فإنهم وإن أثبتوا الملك بالقبض إلا أنهم قالوا: إن الزيادة- المنفصلة- على المقبوض بعقد فاسد لا تمنع الفسخ، ويجب ردها مع أصلها إلى البائع، ولزوم ضمانها عند التلف، سواء أكانت هذه الزيادة المنفصلة متولدة من الأصل كالولد واللبن والثمرة؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل لكونها متولدة منه، والأصل مضمون الرد فكذلك الزيادة، كما في الغصب، أم كانت الزيادة غير متولدة من الأصل كالهبة والصدقة والكسب والغلة والأرباح؛ لأن الأصل مضمون الرد، وبالرد ينفسخ العقد من الأصل فتبين أن الزيادة حصلت على مالكه(26).

الترجيح:
يلاحظ في المسألة أنه وإن اختلف العلماء في تملك الأوراق المالية الربوية بالقبض إلا أن المذاهب الأربعة اتحد قولهم في الأرباح، فإنهم اتفقوا على أن هذه الأرباح الربوية والتي تعتبر نماءً منفصلاً من ملك البائع لاتمنع الفسخ ويجب ردها مع الأصل إلى البائع؛ حتى على رأي الحنفية الذين يثبتون الملكية في المقبوض بعقد فاسد؛ لأنها حصلت في ملكه، وحتى على رأي المالكية الذين يعتبرون النماء فوتاً في المبيع يثبت به الملك في المقبوض بعقد فاسد إلا الربا لأن الربا عندهم لايثبت فيه الملك أبدا .
ومع أن هذا هو الأصل والراجح في المستحق للربح الربوي إلا أن المستحق شيء وطريقة التخلص منه شيء آخر؛ وذلك أنه قد يستحقه صاحبه ابتداء ولكن لسبب شرعي أو عذر أومانع نصرف الربح الربوي لجهة أخرى دون مستحقه ابتداء .
لذا يقال إن مستحق الربح الربوي لا يخلو من ثلاث حالات .
الحال الأولى: إذا كان مستحق هذه الأرباح الربوية شخصاً معيناً معلوماً، ويمكن ردها -أي الأرباح والأصل- إليه، ولم يكن معروفاً بالتعامل بالربا والحرام فالواجب في هذه الحالة رد تلك الأرباح وأصلها إليه؛ لأنها مقبوضة بعقد فاسد، والأرباح لها حكم أصلها؛ لأنها تبع، والتبع يتبع الأصل(27)، والتبع يملك بملك الأصل(28)، والتابع لا يفرد بالحكم(29).

الحال الثانية: إذا كان مستحق الأرباح مجهولاً أو تعذر الرد إليه ولم يكن معروفاً بالتعامل بالربا والحرام فإنه يجب على المشتري التخلص من المقبوض بعقد ربوي وأرباحه بالتصدق به -على الفقراء والمساكين...- عن صاحبه بنية التخلص منه لا بنية التقرب إلى الله تعالى بهذه الصدقة كما هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية(30) والمالكية(31) والحنابلة(32) وبعض الشافعية(33)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في أكثر من موضع من فتاويه، والقاعدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا(34):( أن الأموال التي تعذر ردها إلى أهلها لعدم العلم بهم مثلاً، وأن من كان عنده مال لا يعرف صاحبه كالغاصب التائب والمرابي التائب ونحوهم ممن صار بيده مال لا يملكه ولا يعرف صاحبه فإنه يصرف إلى ذوي الحاجات ومصالح المسلمين)(35)، وقال: (هذا عند أكثر العلماء)(36).
ثم قال: ( إذا تبين هذان الأصلان فنقول: من كان من ذوي الحاجات كالفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل، فهؤلاء يجوز، بل يجب أن يعطوا من الزكوات، ومن الأموال المجهولة باتفاق المسلمين )(37).

وقال: ( وما تصدق به فإنه يصرف في مصالح المسلمين، فيعطى منه من يستحق الزكاة، ويقرى منه الضيف، ويعان فيه الحاج، وينفق في الجهاد وفي أبواب البر التي يحبها الله ورسوله كما يفعل بسائر الأموال المجهولة، وهكذا يفعل من تاب من الحرام وبيده الحرام لا يعرف مالكه )(38).
وقال: ( المال الذي لا نعرف مالكه يسقط عنا وجوب رده، فيصرف في مصالح المسلمين، والصدقة من أعظم مصالح المسلمين، وهذا أصل عام في كل مال يجهل مالكه بحيث يتعذر رده إليه كالمغصوب والعواري والودائع يتصدق بها عن صاحبها أو يصرفها في مصالح المسلمين على مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وإذا صرفت على هذا الوجه جاز للفقير أخذها؛ لأن المعطي هنا إنما يعطيها نيابة عن صاحبها)(39).
قال القرطبي: (قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت ربًا فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضرًا فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك)(40).
وقال الغزالي: ( إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه -فإن كان له مالك معين- وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتاً وجب دفعه إلى وارثه، وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته، فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقناطر والربط والمساجد ومصالح طريق مكة، ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء...)(41).

الحال الثالثة: إذا كان مستحق الأرباح الربوية معلوماً وأمكن الرد إليه، بيْدَ أنه يعرف عنه التعامل بالحرام كالمقبوض من البنوك أو الشركات التي تتعامل بالربا، والمقبوض على الزنا - مهور البغاء - والغناء ولعب القمار وثمن الخمر، والمقبوض على النياحة وغير ذلك فالصحيح من أقوال أهل العلم في هذه الحال أنه لا يجوز رد المال والربح على ذلك الزاني ولا تلك الشركة وذلك البنك، حتى لا يجمع له بين العوض والمعوض، وعليه إذا قبض المشتري تلك الأرباح أن يتصدق بها بنية التخلص منها وهذا قول عند المالكية(42)، وعند الحنابلة، وهو المنصوص عن أحمد في ثمن الخمار أنه لا يرد إلى صاحبه، ويجب عليه التخلص منه والتصدق به في مصالح المسلمين(43)، وانتصر لهذا شيخ الإسلام ابن تيمية(44)، وابن القيم(45).
والقاعدة عند هذين الشيخين-رحمهما الله- في هذه المسألة: ( كل كسب خبيث لخبث عوضه عيناً كان أو منفعة يكون التخلص منه بالصدقة به )(46).

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن امرأة كانت مغنية، واكتسبت في جهلها مالاً كثيراً وقد تابت وحجت إلى بيت الله تعالى، وهي محافظة على طاعة الله، فهل المال الذي اكتسبته من حل وغيره إذا أكلت وتصدقت منه تؤجر عليه ؟
فأجاب: المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة(47) مباحة في نفسها، وإنما حرمت بالقصد مثل من يبيع عنباً لمن يتخذه خمراً أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها، فهذا يفعله بالعوض لكن لا يطيب له أكله، وأما إن كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي وثمن الخمر، فهنا لا يُقضى له به قبل القبض، ولو أعطاه إياه لم يحكم برده فإن هذا معونة لهم على المعاصي إذا جُمِع لهم بين العوض والمعوض، ولا يحل هذا المال للبغي والخمار ونحوهما، لكن يصرف في مصالح المسلمين(48)، فإن تابت هذه البغيِّ وهذا الخمَّار، وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أُعْطِي ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به ولم يردوا عوض القرض كان أحسن، وأما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل عليه أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك، وأما إن تصدق به كما يتصدق المالك بملكه فهذا لا يقبله الله؛ إن الله لا يقبل إلا الطيب، فهذا خبيث، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مهر البغي خبيث))(49))(50)، وقال: ( نعم البغي والمغني والنائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم، ثم تابوا، هل يتصدقون بها أو يجب أن يردوها على من أعطاهموها؟ فيها قولان: أصحهما أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ، بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر)(51).

وقال ابن القيم: ( فإن قيل: فما تقولون فيمن سُلِّم إليهم المنفعة المحرمة التي استأجروه عليها كالغناء والنوح والزنى واللواط؟ قيل إن كان لم يقبض منهم العوض لم يقض له به باتفاق الأمة، وإن كان قد قبض لم يطب له أكله، ولم يملكه بذلك،والجمهور يقولون يرده عليهم؛لأنه قبضه قبضاً فاسداً، وهذا فيه روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد؛ إحداهما: أنه يرده عليهم، والثانية: لا يأكله ولا يرده بل يتصدق به، قال شيخنا: وأصح الروايتين أنه لا يرده عليهم ولا يباح للأخذ، ويصرف في مصالح المسلمين كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر)(52)، وقال في موضع آخر: ( فصل المسألة الثانية إذا عاوض غيره معاوضة محرمة، وقبض العوض كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم، ثم تاب والعوض بيده، فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله، ولم يقبضه بإذن الشارع، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح، وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أصوب القولين)(53).

وقال (إن الذي عاوض على خمر أو خنزير أو على زنا أو فاحشة أو غير ذلك أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم، فلا يرد العوض إليه ؛ لأنه لا يسوغ عقلاً أن يجمع له بين العوض والمعوض عنه، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان، وتيسيراً لأصحاب المعاصي، وماذا يريد الزاني وصاحب الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به، ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر، ومن أقبح القبح أن يستوفي عوضه من المزني بها ثم يرجع فيما أعطاها قهراً، فقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء فلا تأت به الشريعة)(54) .والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

----------------------------------------
(1) المؤمنون آية 15
(2) البقرة آية 271
(3) قال المنذري (السحت بضم السين وإسكان الحاء وبضمهما أيضا هو الحرام وقيل هو الخبيث من المكاسب)
الترغيب والترهيب (2/349).
(4) (انظر الكلام حول هذا الحديث: تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي(398) وتلخيص الحبير (4/149)
(5) قَبْض الأسهم: وضعها في المحفظة؛ لأن القبض مرجعه إلى العرف-كما مقرر- و لا يعتبر قابضاً للأسهم عرفاً إلا بوضعها في المحفظة،والله أعلم.
(6) المدونة الكبرى (4/145)، والتمهيد لابن عبد البر (5/29)، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد (2/230)، والاستذكار (21/139).
(7) الأم (2/53) و(3/247) و(6/184)، والمهذب للشيرازي(1/275)، والحاوي الكبير(5/316)، والمجموع(9/377)، وروضة الطالبين (3/72)، والأنوار لأعمال الأبرار (1/333).
(8) المغني (6/327)، والإنصاف(4/473)، وشرح منتهى الإرادات (3/237)، وكشاف القناع (3/245)، والفروع (6/287) ومعه تصحيح الفروع وحاشية ابن قندوس، والمستوعب للسامري (2/61)، وفتح الملك العزيز بشرح الوجيز للبغدادي الحنبلي (3/561)، والمحرر في الفقه(1/323). وتقرير القواعد لابن رجب (2/189).
(9) ومنهم زفر والسرخسي، انظر: الجامع الصغير (1/332)، وأصول السرخسي ص (83 ).
(10) الفوات عند المالكية يعني أحد خمسة أشياء : الأول: تغير الذات وتلفها كالموت والعتق وهدم الدار وغرس الأرض وأكل الطعام ونماء المبيع ونقصانه . والثاني: حوالة الأسواق. والثالث: البيع. والرابع: حدوث عيب. والخامس: تعلق حق الغير كرهن السلعة . انظر القوانين الفقهية لابن جزيء ص(265) والشرح الصغير للدردير
(11) المدونة الكبرى (4/148)، ومواهب الجليل (4/381).
(12) سورة البقرة، آية(279).
(13) الاستذكار (21/139).
(14) التمهيد (5/129)، والاستذكار ( 19/146) وهذا النقل لاتفاق الفقهاء في هذه المسألة فيه نظر، فإن جمهور الحنفية يرون أن المقبوض بعقد ربوي يملك وإن كان واجب الفسخ، وخالفهم شمس الدين السرخسي في هذه المسألة، فوافق الجمهور كما في المتن.
(15) أصول السرخسي ص (83 ). وانظر: البحر الرائق (6/136)، وحاشية ابن عابدين (5/169).
(16) انظر: في بيان مذهب الحنفية الكتب التالية : الجامع الصغير (1/331-332)، بدائع الصنائع (5/299)، وما بعدها و(5/263)، والمبسوط (29/142)، وشرح فتح القدير ومعه شرح العناية (6/400) ومابعدها، والبناية في شرح الهداية (6/377)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (6/99)وما بعدها و( 6/136)، والاختيار لتعليل المختار (2/22)، وحاشية ابن عابدين (7/233) وما بعدها و(5/169)، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (2/65)، والأشباه والنظائر ص (209)، ورؤوس المسائل الخلافية ص( 288)، وكشف الأسرار للبخاري (1/269)
(17) سوف أفرد هذه المسألة في بحث مستقل في المستقبل-إن شاء الله- وهي (حكم التخلص من الأوراق المالية بالبيع)
(18) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الوكالة- باب إذا باع الوكيل شيئاً فاسداً فبيعه مردود) 2188(2/613)، ومسلم في صحيحه (كتاب المساقاة -باب بيع الطعام مثلاً بمثل) 1594(3/1215).
(19) رواه مسلم في صحيحه (كتاب المساقاة -باب بيع الطعام مثلاً بمثل) (3/1215).
(20) شرح النووي على صحيح مسلم (11/22).
(21) فتح الباري (4/401).
(22) الاستذكار (21/139) و( 19/146)، والتمهيد (5/129)، وانظر المدونة الكبرى (4/148) ومواهب الجليل (4/381) وشرح ميارة (2/8). هذا حكمه عند المالكية إذا كان ربوياً أما إذاكان العقد الفاسد غير ريوي فالأمر عندهم معلق على الفوات إن فات ثبت فيه الملك وإلا فلا.
(23) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (3/366).
(24) مواهب الجليل (4/373-374) بتصرف يسير، وانظر شرح ميارة (2/8) .
(25) بدائع الصنائع (5/302)، والفتاوى الهندية (3/148)، ومجمع الضمانات ص( 216(، وحاشية ابن عابدين(7/302-303).
(26) بدائع الصنائع (5/302).
(27) موسوعة القواعد الفقهية للبورنو (3/187).
(28) المرجع السابق.
(29) المنثور(1/234)، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص(120)، وموسوعة القواعد الفقهية للبورنو (3/158).
(30) الاختيار لتعليل المختار لابن مورد (3/61)، وحاشية ابن عابدين (3/223).
(31) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (3/366)، وفتاوى ابن رشد (1/632)، والمعيار المعرب للونشريسي (9/551).
(32) مجموع الفتاوى(28/592) و (29/264)و(29/321)، والفتاوى الكبرى (5/421)و( 4/210-213)، والفروع لابن مفلح (4/513) و( 2/667)، والإنصاف (6/212-213)، وقواعد ابن رجب ص(225)، وجامع العلوم والحكم (1/104).
(33) المجموع شرح المهذب النووي (9/428)، وانظر: المنثور في القواعد للزركشي (2/231)، وفتاوى ابن حجر (4/357).
(34) مجموع الفتاوى (28/284) و(28/568) و(29/241).
(35) مجموع الفتاوى (28/568-569) و(30/413) و(29/263).
(36) المراجع السابقة.
(37) المرجع السابق، ولقد وَهَلَ بعض الباحثين حينما ظن من قول شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض المواضع "يصرف في مصالح المسلمين" أنه خاص بالمرافق العامة فقط، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يرى جواز صرفها للفقراء والمساكين، والكلام المنقول في المتن يرد هذا الظن، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية هنا ظاهر في جواز صرف المال الحرام إلى الفقراء والمساكين، وكلامه أيضاً يفسر بعضه بعضاً، ثم إن الفقراء يدخلون في مصالح المسلمين.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً في موضع آخر أن من أراد التخلص من الحرام والتوبة، وتعذر رده إلى أصحابه فلينفقه في سبيل الله -أي في الجهاد- عن أصحابه، مجموع الفتاوى (28/421) والذي يظهر -والله أعلم- أن قوله هذا لم يقصد به حصره على هذه الجهة، وإنما أراد ذكر إحدى أهم مصالح المسلمين التي ينفق فيها المال الحرام-وهي الجهاد في سبيل الله- فيكون داخلاً في رأيه الأول، وليس رأياً آخر له كما ظن بعض الباحثين بدليل كلامه الآتي.
(38) مجموع الفتاوى (30/328).
(39) مجموع الفتاوى (29/263) و(29/321).
(40) الجامع لأحكام القرآن (3/366).
(41) المجموع شرح المهذب (9/428).
(42) مقدمات ابن رشد (2/618).
(43) مسائل الإمام أحمد وابن راهويه للكوسج (2/66)، والكافي لابن قدامة (2/756)، ومجموع الفتاوى (30/209)، واقتضاء الصراط المستقيم (1/247)، وزاد المعاد (5/782)، والإنصاف (11/212)، وكشاف القناع (6/317).
(44) مجموع الفتاوى (28/666)و (29/291-292) و(29/308-309) و(30/209)، واقتضاء الصراط المستقيم ص(265).
(45) زاد المعاد في هدي خير العباد (5/778)، وأحكام أهل الذمة (1/574)، ومدارج السالكين (1/390).
(46) زاد المعاد في هدي خير العباد (5/779).
(47) هكذا في مجموع الفتاوى، ولعل الصواب: (إن كان عيناً أو منفعةً مباحة).
(48) يلاحظ هنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يُفْتِ بملكية هذا المال الخبيث مع كونها جاهلة وقد تابت وحافظت على حدود الله، وذكر في موضع آخر(22/8) أن من تاب على أموال محرمة قبضها في حال الفسق أنه يملكها؛ لأن التوبة تهدم ما كان قبلها وأنه ليس بأولى من الكافر، والفرق بين القولين - والله أعلم - أن وجوب التخلص إنما هو في العين والمنفعة المحرمة في أصلها كمهر البغي ... أوكان المال موجوداً وأمكن التخلص منه، وقوله الآخر محمول على ماكان محرماً في وصفه دون أصله أو حرم لكسبه أو كان المال المحرم قبض في حال الفسق منذ زمن بعيد ولم يمكن تمييزه، أو يكون هذا رأي آخر له في المسألةوالله أعلم.
(49) رواه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ (كتاب المساقاة -باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي) (3/1199).
(50) مجموع الفتاوى (29/308).
(51) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/247).
(52) أحكام أهل الذمة(1/575).
(53) مدارج السالكين (1/390).
(54) زاد المعاد (5/779) بتصرف يسير، وانظر مدارج السالكين (1/390).



المصدر : موقع المسلم

Heba Khled
08-19-2011, 06:45 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif

الإجهاض *


دبيان محمد الدبيان


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.

تعريف الإسقاط لغة وشرعاً:
جاء في المصباح المنير: "السِّقط: الولد ذكراً كان أو أنثى يسقط قبل تمامه، وهو مستبين الخلق.
وفي تاج العروس: "الولد يسقط من بطن أمه لغير تمام" اهـ. ولم يشترط كونه مستبين الخلق.
وجاء في المصباح المنير، يقال: سقط الولد من بطن أمه سقوطاً، فهو سقط بالكسر. والتثليث لغة. ولا يقال: وقع.
وأسقطت الحامل: ألقت سقطاً.
وفي تاج العروس: السقط مثلثة، والكسر أكثر. وجاء في تاج العروس أيضاً: "أسقطت الناقة وغيرها ولدها: إذا ألقت ولدها، والذي في أمالي القالي: أنه خاص في بني آدم. اهـ
وفي معنى الإسقاط: الإجهاض. جاء في المصباح المنير: أجهضت المرأة ولدها إجهاضاً: أسقطته ناقص الخلق. اهـ(1).

تعريف الإسقاط في اصطلاح الفقهاء:
تبين لنا من تعريف الإسقاط لغة أنه يطلق على إلقاء الحمل ناقصاً سواء كان النقص في المدة، أو كان النقص في الخلق. وتعريف الفقهاء لا يخرج عن هذا المعنى.
عرف ابن عابدين الإجهاض في رسائله: "هو إنزال الجنين قبل أن يستكمل مدة الحمل"(2).
وللفقهاء ألفاظ مرادفة لمعنى الإسقاط والإجهاض، وهي تؤدي نفس المعنى منها: الإلقاء، الإملاص، الإنزال، الإخراج، الطرح.

أسباب السقط:
الإسقاط تارة يكون تلقائياً، ويكون سببه والله أعلم إما تشوهات في الجنين، أو يكون رحم المرأة يعاني من أمراض معينة، أو يعاني من اتساع في عنق الرحم، أو غيرها من الأسباب التي يعرفها أهل الاختصاص(3).
وتارة تكون أسبابه اجتماعية، كأن يقصد من الإسقاط التستر على الفاحشة (الزنا) أو الرغبة في تحديد النسل.
وتارة تكون أسبابه صحية، كأن يكون الحامل على الإجهاض المحافظة على صحة الأم، أو إراحة الجنين بحيث لو ترك ينمو ولد مشوهاً تشويهاً غير محتمل.
وسوف نتناول حكم الإجهاض إذا كان اختيارياً، ومتى تكون المرأة المسقطة نفساء، ومتى لا تكون. أما الإجهاض التلقائي فلا يلحق به تكليف؛ لأنه خارج عن إرادة المرأة.

الحكم التكليفي للإسقاط:
هناك من الفقهاء من فرق بين حكم الإجهاض بعد نفخ الروح، وبين حكمه قبل ذلك، لذلك سنعرض حكم كل حالة من الحالات على انفراد.

إسقاط الجنين بعد نفخ الروح:
ذهب الحنفية(4)، والمالكية(5)، والشافعية(6)، والحنابلة(7) إلى تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح.
الأدلة على تحريم الإسقاط بعد نفخ الروح:
الدليل الأول:
الإجماع. فقد حكى الإجماع غير واحد.
جاء في الشرح الكبير: "لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل الأربعين يوماً، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعاً"(8).
وقال ابن جزي: "وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له، وأشد من ذلك إذا تخلق، وأشد من ذلك إذا نفخ فيه الروح؛ فإنه قتل نفس إجماعاً"(9).
ونقله صاحب أسهل المدارك، وأقره(10).
وقال ابن تيمية: "إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين، وهو من الوأد، الذي قال الله فيه: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (التكوير:8، 9).
وقد قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) (الإسراء: من الآية31)(11).
الدليل الثاني:
وجوب الدية في قتله دليل على تحريم إسقاطه؛ إذ لو كان جائزاً لما وجبت به عقوبة.
فقد روى البخاري رحمه الله، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أنه قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى لها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها(12).
وقد ذهب ابن حزم إلى وجوب القود، فيمن تعمد قتل الجنين بعد نفخ الروح، فقال رحمه الله: "فإن قال قائل: فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها، وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين، فقتلته، أو تعمد أجنبي قتله في بطنها، فقتله، فمن قولنا: إن القود واجب في ذلك، ولا بد، ولا غرة في ذلك حينئذ إلا أن يعفى عنه، فتجب الغرة فقط؛ لأنها دية، ولا كفارة في ذلك؛ لأنه عمد، وإنما وجب القود؛ لأنه قاتل نفس مؤمنة عمداً، فهو نفس بنفس، وأهله مخيرين: إما القود، وإما الدية، أو المفادات كما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قتل مؤمناً. وبالله تعالى التوفيق"(13).

وشرط الفقهاء في وجوب القود أن ينفصل حياً، ثم يموت.
قال الحافظ: "وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتاً بسبب الجناية، فلو انفصل حياً، ثم مات، وجب فيه القود أو الدية كاملة"(14).
وليس هذا موضع تحرير هذه المسألة، والذي يهمنا وجود العقوبة على من أسقط الجنين، وهو ظاهر في تحريم الإسقاط. والله أعلم.
بقي سؤال: متى نحكم بأن الجنين قد نفخت فيه الروح؟
ذهب الفقهاء إلى أن نفخ الروح يكون بعد أن يتم للحمل أربعة أشهر.
الدليل على أن نفخ الروح يكون بعد تمام أربعة أشهر:
الدليل الأول:
الإجماع، فقد نقل الإجماع غير واحد على أن مرحلة نفخ الروح بعد تمام الحمل أربعة أشهر:
قال القرطبي: "لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس"(15).
وقال النووي: "اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر"(16).
وقال ابن حجر: "اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر"(17).
الدليل الثاني:
روى البخاري رحمه الله، قال: حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن زيد بن وهب: قال عبدالله: حدثنا رسول الله – وهو الصادق المصدوق – قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة"(18).
فقوله صلى الله عليه وسلم: "ثم ينفخ فيه الروح" جعل هذا بعد أطوار النطفة، والعلقة، والمضغة، وقد كان لكل طور أربعون يوماً، فمجموع ذلك مائة وعشرون يوماً.

حكم الإسقاط قبل نفخ الروح:
اختلف في هذه المسألة على أقوال:
فقيل يحرم الإسقاط مطلقاً، ولو كان نطفة.
ذهب إلى هذا بعض الحنفية(19)، وهو المعتمد عند المالكية(20)، وقول الغزالي(21)، وابن العماد من الشافعية(22)، واختيار ابن الجوزي من الحنابلة(23).
وقيل: يجوز التسبب لإسقاط الجنين مطلقاً، ما لم يتخلق، والمراد بالتخلق عندهم نفخ الروح. وهو الراجح عند الحنفية(24).
فهذان قولان متقابلان: التحريم مطلقاً، والإباحة مطلقاً ما لم ينفخ فيه الروح.
وبقي في المسألة أقوال: منها:
وقيل: يباح الإسقاط ما دام نطفة مطلقاً لعذر أو لغير عذر، أما العلقة والمضغة فلا يجوز إسقاطها.
انفرد به اللخمي من المالكية(25)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة(26).
وقيل: يباح إلقاء النطفة إذا كان لعذر، أما من غير عذر فلا يجوز، اختاره بعض الحنفية(27).
وقيل: يجوز التسبب لإسقاط النطفة والعلقة دون المضغة. حكاه الكرابيسي عن أبي بكر الفراتي من الشافعية(28).
وقيل: يكره إلقاء النطفة.
اختاره علي بن موسى من الحنفية(29)، وهو رأي عند بعض المالكية فيما قبل الأربعين يوماً(30).

أدلة القائلين بتحريم إسقاط النطفة:
قالوا: النطفة بعد الاستقراء آيلة إلى التخلق، مهيأة لنفخ الروح فلا يجوز إسقاطها، وهي أول مراحل الوجود؛ إذ الولد لا يخلق من مني الرجل وحده، بل من الزوجين جميعاً، فإذا امتزج ماء الرجل بماء المرأة، واستقر في الرحم فإن النطفة حينئذٍ تكون مهيأة للتخلق ووجود الولد.
الدليل الثاني:
حرم الله تعالى قتلا لصيد حال الإحرام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ... الآية) (المائدة: من الآية95).
وجاء في السنة تحريم أكل بيض الصيد؛ لأنه أصل الصيد، فكذلك لا يجوز إلقاء النطفة؛ لأنها أصل الإنسان.
والحديث الذي فيه تحريم أكل بيض الصيد قد رواه أحمد، قال: حدثني أبي ثنا هاشم بن سليمان يعني بن المغيرة عن علي بن زيد ثنا عبد الله ابن الحارث بن نوفل الهاشمي قال: كان أبي الحرث على أمر من أمر مكة في زمن عثمان، فأقبل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى مكة، فقال عبد الله بن الحارث، فاستقبلت عثمان بالنزل بقديد، فاصطاد أهل الماء جحلاً، فطبخناه بماء وملح، فجعلناه عراقاً للثريد، فقدمناه إلى عثمان وأصحابه، فأمسكوا، فقال عثمان: صيد لم أصطده ولم نأمر بصيده اصطاده قوم حل فأطعموناه، فما بأس؟ فقال عثمان: من يقول في هذا؟ فقالوا: علي. فبعث إلى علي رضي الله تعالى عنه، فجاء. قال عبد الله بن الحارث: فكأني أنظر إلى علي حين جاء، وهو يحت الخبط عن كفيه، فقال له عثمان: صيداً لم نصطده، ولم نأمر بصيده اصطاده قوم حل، فأطعموناه فما بأس؟ قال: فغضب علي، وقال: أنشد الله رجلاً شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى بقائمة حمار وحش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قوم حرم فأطعموا أهل الحل. قال: فشهد اثنا عشر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال علي: أشهد الله رجلاً شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى ببيض النعام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قوم حرم أطعموه أهل الحل، قال: فشهد دونهم من العدة من الاثني عشر. قال: فثنى عثمان وركه عن الطعام، فدخل رحله وأكل ذلك الطعام أهل الماء.
[الحديث إسناده ضعيف، والحديث بقصة حمار الوحش صحيح لغيره، وزيادة بيض النعام زيادة منكرة](31).
الدليل الثالث:
أول الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية.
ووجهه قال: ماء المرأة ركن في الانعقاد، فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول، فمن أوجب، ثم رجع قبل القبول – يعني العزل – لم يكن جانياً على العقد بالنقض والفسخ، ومهما اجتمع الإيجاب والقبول – يعني ماء الرجل والمرأة – كان الرجوع بعد رفعاً، وفسخاً وقطعاً، وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد، فكذا بعد الخروج من الإحليل، ما لم يمتزج بماء المرأة أو دمها، فهذا هو القياس الجلي(32).

دليل من أباح إسقاط النطفة:
الدليل الأول:
القياس على جواز العزل، فإذا كان العزل جائزاً، وهو إلقاء الماء خارج الفرج، فكذلك إنزال المني بعد وجوده في الرحم إذ لا فرق، فإخراج النطفة من رحم المرأة لا يثبت لها حكم السقط أو الوأد؛ لأنه لا يصدق عليها ذلك، فلا حرمة في إخراجها(33).

الدليل الثاني:
المني حال نزوله جماد محض، لا يتهيأ للحياة بوجه، بخلافه بعد استقراره في الرحم، وأخذه في مبادي التخلق. وبداية التخلق كما أرشد إليها حديث حذيفة الغفاري يكون بعد اثنتين وأربعين ليلة(34).
فقد روى مسلم، حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول:
الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص(35).

فهذا الحديث نص أن المني قبل الأربعين لا يكون قد تهيأ للحياة، وإنما هو نطفة، هو والعزل سواء، بخلاف بعد الأربعين فقد بدأ بالتخلق، وهو مرحلة كونه علقة. والله أعلم.
دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل التخلق.
قالوا: إذا لم يتخلق بظهور الأعضاء الدالة على كونه آدمياً، فلا يثبت له حكم الآدمي من وجوب صيانته وحرمة الاعتداء عليه، وعليه فلا إثم في إسقاطه(36).
دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح:
قال ابن عقيل: ما لم تحله الروح يجوز إسقاطه؛ لأنه ليس وأداً؛ لأن الوأد لا يكون إلا بعد التارات السبع (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) (المؤمنون:12) إلى قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) (المؤمنون: من الآية14).. قال ابن مفلح: وهذا منه فقه عظيم، وتدقيق حسن، حيث سمع (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (التكوير:8، 9). وهذا لما حلته الروح؛ لأن ما لم تحله الروح لا يبعث، فيؤخذ منه أنه لا يحرم إسقاطه. وله وجه. اهـ(37).

الراجح جواز إلقاء النطفة بشروط:
أولاً: ألا يكون في ذلك ضرر على الأم، لا حالاً، ولا مآلاً.
ثانياً: أن يكون ذلك برضى الزوج؛ لأن له حقاً في طلب الولد.
ثالثاً: أن يكون في ذلك تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة. وإن قَلَّت؛ لأن إلقاء النطفة إذا كان خلواً من المصلحة كان منافياً لمقصود الشارع من تكثير النسل.
رابعاً: ألا يكون الحامل على ذلك سوء ظن بالله، وذلك خوفاً من العالة والفقر.

حكم الإسقاط للضرورة بعد نفخ الروح:
إذا قرر طبيبان أو أكثر أن في بقاء الجنين خطراً على حياة أمه، ولا سبيل إلى إنقاذهما معاً، فإما الجنين وموت أمه، وإما إنقاذ أمه بهلاكه، فما هو العمل حينئذٍ؟
فقيل: لا يجوز، ولو كان في ذلك خطر على حياة الأم(38).
وقيل: يجوز ذلك بشرط أن يقرر جمع من الأطباء الثقات المتخصصين أن بقاء الجنين في بطن أمه فيه خطر مؤكد على حياة الأم(39).
أدلة القائلين: لا يجوز إسقاط الجنين.
عللوا ذلك: بأنه لا يجوز إحياء نفس بقتل أخرى، حيث لم يرد في الشرع(40).
ولأننا إذا أسقطناه فقد تعمدنا قتل نفس مؤمنة، وإذا تركناه وماتت الأم لم يكن هذا من فعلنا، بل هو من تقدير الله سبحانه وتعالى.
وقد يقدر الأطباء شيئاً، ويجزموا به، ولا يقع، وإذا كان كذلك، فلا يجوز دفع مفسدة متوقعة بارتكاب مفسدة محققة. وقد نسقط الجنين ولا تسلم الأم، فقد تعطب في نفاسها.
قال ابن عابدين في حاشيته: لو كان الجنين حياً ويخشى على حياة الأم من بقائه؛ فإنه لا يجوز تقطيعه؛ لأن موت الأم به موهوم، فلا يجوز قتل الآدمي لأمر موهوم(41).
دليل القائلين بجواز إسقاط الجنين إنقاذاً لأمه:
إن هذه المسألة قد تعارض فيها واجب ومحرم، كل واحد منهما على درجة واحدة من الأهمية، بحيث لو أننا قمنا بالواجب، وقعنا في المحرم، ولو اتقينا المحرم أهدرنا الواجب، ولا سبيل للقيام بالواجب، وفي نفس الوقت اتقاء المحرم.
وإنما رخصنا الإقدام على إسقاط الجنين دفعاً لأعظم الضررين، وجلباً لعظمى المصلحتين.
يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره تعليقاً على آية قتل الخضر للغلام من أجل سلامة والديه:
"ومنها القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنه يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويراعى أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما أعظم شراً منه"(42).
ويقول ابن القيم: "إذا تترس الكفار بأسرى من المسلمين بعدد المقاتلة، فإنه لا يجوز رميهم إلا أن يخشى على جيش المسلمين، وتكون مصلحة حفظ الجيش أعظم من مصلحة حفظ الأسرى، فحينئذٍ يكون رمي الأسرى، ويكون من باب دفع المفسدتين باحتمال أدناهما، فلو انعكس الأمر، وكانت مصلحة الأسرى أعظم من رميهم لم يجز رميهم. فهذا الباب مبني على دفع أعظم المفسدتين بأدناهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، فإن فرض الشك، وتساوى الأمران لم يجز رمي الأسرى"(43).
ويقول العز بن عبد السلام: "وإذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير، للتنازع بين المتساوين، ولذلك أمثلة:
أحدهما: إذا رأينا صائلاً يصول على نفسين من المسلمين متساويين، وعجز عن دفعه عنهما، فإنا نتخير.
والمثال الثاني: لو رأينا من يصول على بضعين متساويين، وعجزنا عن الدفع عنهما، فإنا نتخير(44).
فإذا كان لنا شرعاً أن نرتكب أدنى المفسدتين دفعاً لأعظمهما، ونحصل أعظم المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن إنقاذ الأم أعظم مصلحة من إنقاذ الجنين للأسباب التالية:
الأول: الأم هي أصل الجنين، متكون منها، فإنقاذها أولى.
ثانياً: أن الأم غالباً ما يكون لها أطفال، ومن الممكن أن يتعرضوا لمتاعب كثيرة بعد وفاة أمهم، والأسرة كثيراً ما تتمزق إذا فقدت أحد أعضائها البارزين، فكم من طفل تشرد، وساءت تربيته بسبب فقدانه لأمه، وأهمية الأم في الأسرة عظيمة؛ إذ إنها أصل المجتمع، بخلاف الجنين فلا تعلق به لأحد.
ثالثاً: حياة الأم قطعية، وحياة الجنين محتملة، والظني أو الاحتمالي لا يعارض القطعي المعلوم، فإنقاذ الأم أولى.
رابعاً: الأم أقل خطراً، وتعرضاً للهلاك من الجنين في مثل هذه الظروف، مما يجعل إنقاذها أكثر نجاحاً من إنقاذ جنينها، لذا تعطى الأولوية في الإنقاذ ففي إحصائية لمستشفى الولادة والأطفال بالرياض في عام 1400هـ، بلغ عدد الوفيات للنساء سبع وفيات، بينما بلغت وفيات الأطفال 865 حالة(45). كل ذلك يؤكد أهمية إنقاذ الأم دون الجنين عند تساوي الأمر في إنقاذهما(46).

متى يبدأ الجنين بالتخلق.
ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله المراحل التي يمر بها الجنين.
أما الكتاب، فقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:12-14).
وقال سبحانه: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (الزمر:6) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (الحج:5).
وقال سبحانه: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (الزمر:6).
فقوله سبحانه: خلقاً من بعد خلق إشارة إلى الأطوار التي يمر بها الجنين.
وقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر:67).
وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) (الإنسان: من الآية2).
وقال: (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (العلق:2).
(ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى) (القيامة:38).
وأما السنة، فقد روى البخاري، حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش عن زيد بن وهب: قال عبد الله: حدثنا رسول الله – وهو الصادق المصدوق – قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة(47).
وروى مسلم، حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه، أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، فأتى رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص(48).

وسوف يكن كلامنا في تناول هذه الآيات، والحديثين.
فقد ذكر الله سبحانه وتعالى أطوار خلق الإنسان، فبين أن ابتداء خلقه من تراب، فالتراب هو الطور الأول.
والطور الثاني: هو النطفة.
والنطفة في اللغة: هو الماء القليل. ومنه قول الشاعر:
وما عليك إذا أخبرتني دنفاً وغاب بعلك يوماً أن تعوديني
وتجعلي نطفة في القعب باردة وتغمسي فاك فيها ثم تسقيني
فقوله: وتجعلي نطفة: أي ماء قليلاً في القعب، والمراد بالنطفة في هذه الآية الكريمة: نطفة المني المختلطة من ماء الرجل، وماء المرأة خلافاً لمن زعم أنها من ماء الرجل وحده.
قال الزبيدي في تاج العروس: في التنزيل (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) (الإنسان: من الآية2) قال الفراء: الأمشاج: هي الأخلاط: ماء الرجل، وماء المرأة، والدم والعلقة(49).
وقال ابن السكيت: الأمشاج: الأخلاط. يريد النطفة؛ لأنها ممتزجة من أنواع، ولذلك يولد الإنسان ذا طبائع مختلفة(50).

وقال الشنقيطي: قوله تعالى: (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ) (النحل: من الآية4). ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه خلق الإنسان من نطفة، وهي مني الرجل ومني المرأة؛ بدليل قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) (الإنسان: من الآية2) أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة(51).
وقال صاحب الدر المنثور بعد ذكر بعض الروايات في تفسير الأمشاج بالأخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وأخرج الطستي عن ابن عباس: أن نافع ابن الأزرق، قال: أخبرني عن قوله: (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) قال: أخلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في الرحم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول:
كأن الريش والفوقين منه خلال النصل خالطه مشيج
ونسب في اللسان هذا البيت لزهير بن حرام الهذلي، وأنشده هكذا:
كأن النصل والفوقين منها خلال الريش سيط به مشيج
حتى قال: إذا عرفت معنى ذلك، فاعلم أنه تعالى بين أن ذلك الماء هو النطفة، منه ما هو خارج من الصلب: وهو ماء الرجل. ومنه ما هو خارج من الترائب، وهو ماء المرأة(52)، وذلك في قوله جل وعلا: (فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) (الطارق:5-7). لأن المراد بالصلب: صلب الرجل، وهو ظهره. والمراد بالترائب: ترائب المرأة، وهي موضع القلادة منها(53). ومنه قول امرئ القيس:
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ترائبها مصقولة كالسجنجل
واستشهد ابن عباس لنافع الأزرق على أن الترائب موضع القلادة بقول المخبل أو ابن أبي ربيعة:
والزعفران على ترائبها شرقاً به اللبات والبحر
فقوله هنا من بين الصلب والترائب يدل على أن الأمشاج هي الأخلاط المذكورة(54).
أما رأي الطب: في النطفة الأمشاج:
يذكر الأطباء أنه فور دخول الحيوان المنوي البويضة، يأخذ الحيوان المنوي طريقه إلى الطبقة الشفافة، فيفرز إنزيم الأكروزين (ACROSIN) الذي يساعد على اختراق هذه الطبقة (15-25) دقيقة، بعدها يخترق الغشاء البلازيمي للبويضة في دقيقة واحدة، وينطلق رأس الحيوان المنوي صوب نواة البويضة، وينتفخ رأس الحيوان المنوي، وتصبح المادة الوراثية لكل من الأب والأم واضحة في النواة بعد (2-4) ساعات من الاقتحام، ولا يمكن التمييز بينهما حينئذ. وتسمى هذه النطفة التي تنشأ عن اختلاط نواتي البويضة والحيوان المنوي بالأمشاج، وذلك لأن الأمشاج يعني: الاختلاط(55).

الطور الثالث: العلقة.
وهي القطعة من العلق، وهو الدم الجامد. فقوله سبحانه: (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) (الحج: من الآية5) أي قطعة دم جامدة(56).
وقال الزبيدي: العلق: الدم عامة ما كان. أو هو الشديد الحمرة، أو الغليظ. أو الجامد قبل أن ييبس. قال تعالى: (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (العلق:2). وفي حديث سرية بني سليم: فإذا الطير ترميهم بالعلق. أي بقطع الدم.
وفي التنزيل (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) (المؤمنون: من الآية14) وفي حديث ابن أبي أوفى: "أنه بزق علقة، ثم مضى في صلاته"(57).
وروى مسلم، قال: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره، فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون.

قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره(58).
قال القرطبي: "فاستخرج منه علقة" أي قطعة دم. والعلقة: الدم.

رأي الطب في العلقة:
"اتفق الأطباء على أن العلقة هي المرحلة التي تعلق فيها النطفة الأمشاج (التوتة) بجدار الرحم، وتنشب فيه"(59).
فيكون على هذا تسميتها علقة لكونها عالقة بجدار الرحم، وهذا التفسير له وجه في اللغة، جاء في تاج العروس:
العلوق: ما يعلق بالإنسان.
العَلَق: كل ما عُلِّق.
وأيضاً الطين الذي يعلق باليد.
والعلق: دويبة: وهي دويدة حمراء تكون في الماء تعلق في البدن.
فقوله: تعلق في البدن إشارة إلى المناسبة من تسميتها علقة.
وعلقت الدابة: شربت الماء فعلقت بها العلقة. كما في الصحاح: أي لزمتها، وقيل: تعلقت بها.
وعُلِقَ: نشب العلق في حلقه عند الشراب.
العلائق من الصيد: ما علق الحبل برجلها(60).
يقول الدكتور محمد البار: فلفظ العلقة يطلق على كل ما ينشب ويعلق.. وكذلك تفعل العلقة إذ تنشب في جدار الرحم، وتنغرز فيه.. وتكون العلقة محاطة بالدم من كل جهاتها، وإذا عرفنا أن حجم العلقة عند انغرازها لا يزيد على مليمتر أدركنا على الفور لماذا أصر المفسرون القدامى على أن العلقة هي الدم الغليظ... فالعلقة لا تكاد ترى بالعين المجردة، وهي مع ذلك محاطة بالدم من كل جهاتها، فتفسير العلقة بالدم الغليظ ناتج عن الملاحظة بالعين المجردة(61)، ولم يبعد بذلك المفسرون القدامى عن الحقيقة كثيراً، فالعالقة بجدار الرحم، والتي لا تكاد ترى بالعين المجردة محاطة بدم غليظ يراه كل ذي عينين.

وينتهي الدكتور إلى أن العلقة تنشب في الرحم وتعلق فيه في اليوم السابع من التلقيح بعد أن تكون انقسمت الخلايا فيها، وصارت مثل الكرة تماماً أو مثل تمرة التوتة، وقد فصلت القول فيها فيما سبق(62).
الطور الرابع: المضغة.
اختلفوا في معنى المضغة:
فقيل: هي القطعة الصغيرة من اللحم، على قدر ما يمضغه الآكل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله. الحديث(63).
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) (الحج: من الآية5).
قال ابن كثير: "إذا استقرت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يوماً كذلك، يضاف إليها ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يوماً، ثم تستحيل فتصير مضغة قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط، فيصور منها رأس، ويدان، وصدر وبطن، وفخذان، ورجلان، وسائر الأعضاء. فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) (الحج: من الآية5) أي كما تشاهدونها. (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) (الحج: من الآية5) أي وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة، ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) قال: هو السقط مخلوق، وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يوماً وهي مضغة أرسل الله تعالى ملكاً فنفخ فيها الروح، وسواها كما يشاء الله عز وجل من حسن وقبيح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد كما ثبت في الصحيحين. وذكر حديث ابن مسعود السابق(64).

فنأخذ من هذا ما يلي:
أولاً: أن النطفة حتى تكون مضغة تحتاج إلى ثمانين يوماً.
وثانياً: أن المضغة منها ما هو مخلق أي قد ظهر فيه تخطيط، وتصوير، ومنها ما هو غير مخلق. أي ليس فيه تصوير. فمعنى ذلك أن الأربعين الأولى وهي مرحلة النطفة، والأربعين الثانية، وهي مرحلة العلقة لا تخطيط فيها، إنما التخطيط في مرحلة المضغة، وهي من بعد الثمانين. ولذلك قال سبحانه وتعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً) (المؤمنون: من الآية14)، فجعل خلق العظام وكسوها باللحم يعقب المضغة، وعبر بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، أي ليس هناك تراخ طويل. وهو مقتضى حديث ابن مسعود في الصحيحين، حيث قال: "ثم يكون مضغة مثل ذلك: أربعين يوماً، ثم قال: "ثم ينفخ فيه الروح" وواضح أنه لا ينفخ فيه الروح إلا وقد أصبح بشراً سوياً، كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) (المؤمنون: من الآية14) إذاً في الأربعين الثالثة هي مرحلة التخليق والتصوير الذي يسبق نفخ الروح. والله أعلم(65).

القول الثاني: في معنى المخلقة:
ذهب بعض العلماء إلى أن قوله: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) هيمن صفة النطفة، قال: ومعنى ذلك: فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة مخلقة وغير مخلقة، فقالوا: فأما المخلقة فما كان من خلق سوياً، وأما غير المخلقة فما دفعته الأرحام من النطف، وألقته قبل أن يكون خلقاً.
روى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة، أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال: مخلقة، قال: يا رب فما صفة هذه النطفة؟، أذكر أم أنثى؟، ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟، قال: فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
[رجاله كلهم ثقات، ومثله لا يقال بالرأي، إلا أنه مخالف لما في الصحيحين من حديث ابن مسعود المرفوع](66).

القول الثالث:
ومنها أن المخلقة: هي ما ولد حياً. وغير المخلقة: هي ما كان من سقط: يعني سواء كان مخلقاً أو غير مخلق..
وممن روي عنه هذا القول ابن عباس رضي الله عنهما، وقال صاحب الدر المنثور: أخرجه عنه ابن أبي حاتم، وصححه ونقله عنه القرطبي. وأنشد لذلك قول الشاعر:
أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياء(67)

القول الرابع: معنى مخلقة: أي تامة، وغير مخلقة غير تامة.
حكاه ابن جرير الطبري بإسناده من طريقين عن قتادة.
قال الشنقيطي في تفسير معنى: تامة وغير تامة، قال والمراد بهذا القول عند قائله أن الله جل وعلا يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة سالم من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك. فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم، وطولهم، وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم. اهـ فيكون معنى غير مخلقة: ليس السقط، ولكن معناه: أي غير سالم من العيوب: الخَلْقية وغير الخلقية.
وممن روي عنه هذا القول قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك(68).

القول الخامس: في معنى مخلقة وغير مخلقة.
معنى ذلك المضغة مصورة إنساناً، وغير مصورة، فإذا صورت فهي مخلقة، وإذا لم تصور فهي غير مخلقة: وهو السقط.
ذكر ذلك ابن جرير الطبري في تفسيره من ثلاثة طرق، عن مجاهد، وحكاه عن عامر الشعبي، وعن أبي العالية(69).
والفرق بينه وبين القول الأول: يتفقان أن كلا منهما كان سقطاً، إلا أن القول الأول حده بالنطفة إذا سقطت، وهذا لم يقيده، فهذا القول أعم منه. والله أعلم.
ورجح ابن جرير هذا القول، فقال: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: المخلقة: المصورة خلقاً تاماً، وغير المخلقة: السقط قبل تمام خلقه؛ لأن المخلقة من نعت المضغة، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقاً سوياً إلا التصوير، وذلك هو المراد من قوله: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) (الحج: من الآية5) خلقاً سوياً، وغير مخلقة بأن تلقيه الأم مضغة، ولا تصوير، ولا ينفخ فيها الروح(70).
ورد هذا الشنقيطي رحمه الله، فقال: هذا القول الذي اختاره الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، لا يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك، وهي قوله جل وعلا في أول الآية: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) ولأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى: ثم خلقناكم من مضغة مخلقة وخلقناكم من مضغة غير مخلقة، وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة فيه من التناقض كما ترى فافهم.

فإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة: السقط؛ لأن قوله: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) (الحج: من الآية5) يفهم منه أن هناك قسماً آخر لا يقره الله في الأرحام إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط. فالجواب: أنه لا يتعين فهم السقط من الآية؛ لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة، وقد يقره أكثر من ذلك كيف يشاء. أما السقط فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ) الآية لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتاً ولو بعد التشكيل والتخطيط لم يخلق الله منه إنساناً واحداً من المخاطبين بقوله: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) الآية. فظاهر القرآن يقتضي أن كل من المخلقة وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين، بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ... الآية) (الحج: من الآية5). وبذلك تعلم أن أولى الأقوال بالآية هو القول الذي لا تناقض فيه؛ لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضاً، لا ليتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره، وهو أن المخلقة هي التامة وغير المخلقة هي غير التامة. اهـ(71).

ولا يترجح لي ما رجحه الشيخ رحمه الله، فالذي يظهر لي أن المخلقة هي المصورة، الذي ظهر فيها التخطيط، وغير المخلقة التي لا تخطيط فيها، وهي مرحلة يمر بها الجنين، ولا يلزم منه أن يكون سقطاً حتى نعترض على هذا التفسير بما ذكره الشنقيطي. فقد لا يسقط ويكون الله سبحانه وتعالى خلقنا من المضغة قبل تخليقها، كما خلقنا من النطفة والعلقة التي لا تخليق فيها. والله أعلم.
رأي الطب في معنى مخلقة وغير مخلقة:
مر معنا مرحلة النطفة الأمشاج، ثم العلقة: والتي فسرناها طبياً: بما يعلق في جدار الرحم فيما بين اليوم السادس والسابع منذ التلقيح. وفي اليوم العشرين أو الحادي والعشرين تبدأ بالظهور كتلة بدنية على جانبي المحور، ثم يتولى ظهورها تباعاً فيما يعرف بالكتل البدنية وتتولى هذه الكتل بالظهور حتى ليبلغ عددها عند اكتمالها 42 إلى 45 كتلة على كل جانب من القمة إلى المؤخرة، ولا يكاد ظهورها يكتمل حتى تبدأ الكتل التي في القمة تتمايز بحيث لا تكون جميع الكتل في مستوى واحد.

ويتضح أمامنا أن المضغة Somites أو الجنين ذو الكتل البدنية من اليوم العشرين أو الحادي والعشرين، وتستمر في الظهور إلى اليوم الثلاثين حيث يكون هناك 28 كتلة بدنية على كل جانب، ولا تكاد تظهر كتل جديدة حتى تكون الكتل القديمة قد تمايزت إلى قطاع عظمي، وقطاع عضلي، وقطاع جلدي.
وهكذا نرى الأسبوع الرابع (21-30) مخصص لظهور الكتل البدنية، والأسبوع الخامس والسادس، لتحول الكتب البدنية إلى قطاع عظمي وعضلي، والأسبوع السادس والسابع: لتكسي العظام بالعضلات.
فتكون مرحلة التخلق قد ظهرت عند تمام أربعين أو اثنين وأربعين يوماً، وهذا التقدير يتفق مع حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في مسلم، وسوف نذكره إن شاء الله تعالى.
يقول الدكتور البار: وقد كانا لمفسرون القدامى يصفون المضغة بأنها مقدار ما يمضغ من اللحم، وقد ذهبت إلى ذلك في الطبعة الأولى.. ولكني بعد إعادة النظر والمناقشة أرى الآن وصف المضغة ينطبق تمام الانطباق على مرحلة الكتل البدنية، إذ يبدو الجنين فيها وكأن أسناناً انغرزت فيه ولاكته، ثم قذفته(72).

هذا فيما يتعلق بالآيات، بقي أن نستعرض الأحاديث التي ذكرناها.
منها حديث ابن مسعود رواه البخاري، قال: حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش عن زيد بن وهب: قال عبد الله: حدثنا رسول الله – وهو الصادق المصدوق – قال:
إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأرب كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة(73).
قال الحافظ في الفتح: "حديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يوماً في ثلاثة أطوار، كل طور منها في أربعين، ثم بعد تكملتها ينفخ فيه الروح(74).
بينما حديث حذيفة في مسلم ظاهره يعارض حديث ابن مسعود. فبداية التخلق كما أرشد إليها حديث حذيفة الغفاري يكون بعد اثنتين وأربعين ليلة،

فقد روى مسلم، حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول:
الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص(75).
ومر معنا رأي الأطباء بما يوافق حديث حذيفة. فقد ذكرنا عن الأطباء أن النطفة الأمشاج تبقى إلى اليوم السادس، ففي اليوم السادس أو السابع تتحول إلى علقة، بحيث تعلق في جدار الرحم.

وفي الأسبوع الرابع (21-30) مخصص لظهور الكتل البدنية، والأسبوع الخامس والسادس، لتحول الكتل البدنية إلى قطاع عظمي وعضلي، والأسبوع السادس والسابع: لتكسي العظام بالعضلات. وهكذا يبقى في الرحم جنيناً مخلقاً في الأسبوع السابع(76).
يقول الدكتور محمد البار: في نهاية الأسبوع السادس (42) يوماً تكون النطفة قد بلغت أوج نشاطها في تكوين الأعضاء، وهي قمة المرحلة الحرجة الممتدة من الأسبوع الرابع حتى الثامن، فيكون دخول الملك في هذه الفترة تنويهاً بأهميتها، وإلا فللملك ملازمة ومراعاة بالنطفة الإنسانية في كافة مراحلها... نطفة وعلقة ومضغة، ودخوله هنا لتصويرها وشق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم بعد ذلك يحدد جنس الجنين ذكر أم أنثى حسب ما يؤمر به، فيحول الغدة إلى خصية أو إلى مبيض... والدليل على ذلك ما يشاهد في السقط حيث لا يمكن تمييز الغدة التناسلية قبل انتهاء الأسبوع السابع، وبداية الثامن: أي أنه لا يمكن تمييزها قبل دخول الملك لتحديد جنس الجنين ذكر أم أنثى كما يؤمر به من خالقها(77).

موقف العلماء من حديث حذيفة وحديث ابن مسعود:
إما الترجيح وإما الجمع:
قال القاضي عياض وغيره: ليس هو على ظاهره، يعني حديث حذيفة، ولا يصح حمله على ظاهره، بل المراد بتصويرها. إلخ أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة. اهـ(78).
قال ابن الصلاح: "أعرض البخاري عن حديث حذيفة بن أسيد، إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئماً مع حديث ابن مسعود، وحديث ابن مسعود لا شك في صحته، وأما مسلم فأخرجهما معهاً، فاحتجنا إلى وجه الجمع بينهما بأن يحمل إرسال الملك على التعدد، فمرة في ابتداء الأربعين الثانية، وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح، وأما قوله في حديث حذيفة في ابتداء الأربعين الثانية، فصورها، فإن ظاهر حديث ابن مسعود أن التصوير إنما يقع بعد أن تصير مضغة، فيحمل الأول على أن المراد أنه يصورها لفظاً وكتابة، لا فعلاً، أي يذكر كيفية تصويرها، ويكتبها، بدليل أن جعلها ذكراً أو أنثى إنما يكون عند المضغة.

وقال ابن حجر متعقباً: "وقد نوزع في أن التصوير حقيقة إنما يقع في الأربعين الثالثة بأنه شوهد في كثير من الأجنة التصوير في الأربعين الثانية، وتمييز الذكر من الأنثى، فعلى هذا فيحتمل أن يقال: أول ما يبتدئ به الملك تصوير ذلك لفظاً وكتباً، ثم يشرع فيه فعلاً عند استكمال العلقة، ففي بعض الأجنة يتقدم ذلك، وفي بعضها يتأخر، ويكون بقي في حديث حذيفة أنه ذكر العظم واللحم، وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقة(79)، فيقوي ما قاله عياض ومن تبعه"(80).
قال ابن القيم في التبيان: فإن قيل: قد ذكرتم أن تعلق الروح بالجنين إنما يكون بعد الأربعين الثالثة، وإن خلق الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، وبينتم أن كلام الأطباء لا يناقض ما أخبر به الوحي من ذلك. فما تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
يدخل الملك في النطفة بعد أن تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، أي رب، ذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم يطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها، ولا ينقص.

قيل: نتلقاه بالقبول والتصديق، وترك التحريف، ولا ينافي ما ذكرناه إذ غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الثالثة، وكلاهما حق، قاله الصادق صلى الله عليه وسلم، وهذا تقدير بعد تقدير.
فالأول: تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق، التي هي أول مراتب الإنسان. وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق.
والتقدير الثاني: تقدير عند كمال خلقه ونفخ الروح، فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره، وهذا تقدير عند تمام خلقه وتصويره، وهذا أحسن من جواب من قال: إن المراد بهذه الأربعين التي في حديث حذيفة الأربعين الثالثة، وهذا بعيد جداً من لفظ الحديث، ولفظه يأباه كل الإباء، فتأمله.
فإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في صحيح مسلم.
فقد روى مسلم، حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول:
الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص(81).

وفي لفظ آخر في الصحيح أيضاً: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين، يقول: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ أسوي أم غير سوي؟ ثم يقول: يا رب ما رزقه؟ وما أجله؟ وما خلقه؟ ثم يجعله الله عز وجل شقياً أم سعيداً.
وفي لفظ آخر في الصحيح أيضاً: "أن ملكاً موكلاً بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئاً بإذن الله لبضع وأربعين ليلة" ثم ذكر نحوه.
قيل: نتلقاه أيضاً بالتصديق والقبول، وترك التحريف وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطباء من أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين(82).
فإن قيل: فكيف توفقون بين هذا، وبين حديث ابن مسعود، وهو صريح في أن النطفة: أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة.. ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيها، ولا جلد، ولا لحم، ولا عظم... وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطباء؛ فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم معصوم، وقولهم عرضة للخطأ، ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم..

قيل: لا تنافي بين الحديثين بحمد الله، وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة، وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة. وخطأ هذا ابن القيم، ثم قال: وظنت طائفة أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم، والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجي. والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية، ولكن هناك تصويران:
أحدهما: تصوير خفي، لا يظهر، وهو تصوير تقديري، كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب: مواضع القطع، والفصل، فيعلم عليها، ويضع مواضع الفصل والوصل، وكذلك كل من يضع صورة في مادة لا سيما مثل هذه الصورة.. ينشئ فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئاً بعد شيء، لا وهلة واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر في البيضة.
أحدهما: تصوير وتخليق علمي، لم يخرج إلى الخارج.
الثانية: مبدأ تصوير خفي، يعجز الحس عن إدراكه.
الثالثة: تصوير يناله الحس، ولكنه لم يتم بعد.
الرابعة: تمام التصوير الذي ليس بعده إلا نفخ الروح.
فالمرتبة الأولى علمية.. والثلاث الأخر عينية.
وهذا التصوير بعد التصوير، نظير التقدير بعد التقدير.. فالرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديراً عاماً قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
وهنا كتب الشقاوة والسعادة والأعمال والأرزاق والآجال.
والثاني تقدير بعد هذا، وهو أخص منه. وهو التقدير الواقع عند القبضتين حين قبض تبارك وتعالى أهل السعادة بيمينه، وقال: هؤلاء إلى الجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى، وقال: هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون.
والثالث: تقدير بعد هذا، وهو أخص منه عندما يمنى به، كما في حديث حذيفة بن أسيد المذكور.
والرابع: تقدير آخر بعد هذا.. وهو عندما يتم خلقه وينفخ فيه الروح، كما صرح به الحديث الذي قبله – يعني: حديث ابن مسعود –(83).
وفي الفتح: "وقال بعضهم يحتمل أن يكون الملك عند انتهاء الأربعين الأولى يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء بحسب الأعضاء، أو يقسم بعضها إلى جلد، وبعضها إلى لحم، وبعضها إلى عظم، فيقدر ذلك كله وجوده، ثم يتهيأ ذلك في آخر الأربعين الثانية، ويتكامل في الأربعين الثالثة.
وقال بعضهم: معنى حديث ابن مسعود أن النطفة يغلب عليها وصف المني في الأربعين الأولى، ووصف العلقة في الأربعين الثانية، ووصف المضغة في الأربعين الثالثة، ولا ينافي ذلك أن يتقدم تصويره(84).
وذهب بعضهم إلى أن قوله: مخلقة وغير مخلقة صفة للنطفة، وليست للمضغة، روي ذلك عن ابن مسعود بسند صحيح، رواه ابن جرير الطبري عنه.
فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثنا كريب، قال: ثنا معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إذا وقعت إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة، أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال: مخلقة، قال: يا رب فما صفة هذه النطفة؟، أذكر أم أنثى؟، ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟، قال: فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها(85).
هذا ما تيسر لي جمعه من أقوال أهل العلم في الجمع بين حديث ابن مسعود، وحديث حذيفة. والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد

--------------------------------------
(*) مادة البحث مستفادة من كتاب الحيض والنفاس رواية ودراية للشيخ دبيان بن محمد الدبيان
(1) تاج العروس (10/284)، والمصباح المنير (ص: 146).
(2) (2/411) وانظر البحر الرائق (8/389)، رد المحتار (5/276)، نهاية المحتاج (8/442)، مغني المحتاج (4/103)، الفروع (6/13).
(3) انظر مسألة تحديد النسل، د. محمد البوطي (ص: 67)، الطبيب أدبه وفقهه، د. محمد البار، الإجهاض من منظور إسلامي، د. عبد الفتاح محمد إدريس، مجلة الحكمة، العدد التاسع (ص: 119-123).
(4) تبيين الحقائق (2/166)، حاشية ابن عابدين (3/176)، البحر الرائق (8/233).
(5) حاشية الدسوقي (2/267)، أسهل المدارك (1/405)، حاشية العدوي، مطبوع مع الخرشي (3/225)، منح الجليل (3/360).
(6) نهاية المحتاج – الرملي (8/442)، إحياء علوم الدين (2/51)، حاشية الجمل (5/490).
(7) الفروع (1/281)، الإنصاف (1/386)، كشاف القناع (1/220).
(8) الشرح الكبير المطبوع مع حاشية الدسوقي (1/266، 267).
(9) القوانين الفقهية (ص: 235).
(10) أسهل المدارك (1/405).
(11) مجموع الفتاوى (34/160).
(12) صحيح البخاري (6740)، ومسلم (35-1681).
(13) المحلى (مسألة: 2124).
(14) الفتح (12/311) ح 6908.
(15) الجامع لأحكام القرطبي (12/8).
(16) صحيح مسلم بشرح النووي (16/191).
(17) فتح الباري (11/588) ح 6594.
(18) البخاري (3208)، ومسلم (2643).
(19) حاشية ابن عابدين (3/176).
(20) حاشية الدسوقي (2/267)، أسهل المدارك (1/405)، حاشية العدوي، مطبوع مع الخرشي (3/225)، منح الجليل (3/360).
جاء في الشرح الكبير (2/267): "لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل الأربعين ويماً" قال الدسوقي في حاشيته تعليقاً عليه (2/267): "وهو المعتمد".
وقال ابن جزي في القوانين الفقهية (ص 235): "وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له".
(21) قال الغزالي في إحياء علوم الدين (2/51): "وليس هذا – يقصد العزل – كالإجهاض والوأد؛ لأن ذلك جناية على موجود حاصل، وله أيضاً مراتب، وأول الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فغن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح، واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفحشاً، ومنتهى التفحش في الجناية بعد الانفصال حياً".
(22) جاء في تحفة المحتاج (8/241): "اختلفوا في التسبب لإسقاط ما لم يصل لحد نفخ الروح فيه، وهو مائة وعشرون يوماً، والذي يتجه وفاقاً لابن العماد وغيره الحرمة، ولا يشكل عليه جواز العزل لوضوح الفرق بينهما، بأن المني حال نزوله محض جماد، ولم يتهيأ للحياة بوجه بخلافه بعد استقراره في الرحم وأخذه في مبادئ التخلق".
(23) أحكام النساء – ابن الجوزي (ص: 374).
(24) يقول ابن عابدين في حاشيته المشهورة (3/176): "قال في النهر: بقي هل يباح الإسقاط بعد الحمل؟ نعم يباح، ما لم يتخلق منه شيء، ولن يكون ذلك إلا بعد مضي مائة وعشرين يوماً". وعلق ابنعابدين: "وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح، وإلا فهو غلط؛ لأن التخلق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة". وهذا مذكور بحروفه في شرح فتح القدير (3/401).
وجاء في تبيين الحقائق (2/166): "المرأة يسعها أن تعالج لإسقاط الحبل ما لم يستبن شيء من خلقه، وذلك ما لم يتم له مائة وعشرون يوماً". وانظر البناية (4/957)، الاختيار لتعليل المختار (5/186).
(25) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني (3/264).
(26) الفروع (1/281)، الإنصاف (1/386)، كشاف القناع (1/220).
(27) جاء في حاشية ابن عابدين (3/176): "وفي كراهة الخانية: ولا أقول بالحل؛ إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه؛ لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤخذ بالجزاء فلا أقل من أن يلحقها إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر" اهـ. قال ابن وهبان: ومن الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر، ويخاف هلاكه، ثم قال: قال ابن وهبان: فإباحة الإسقاط محمولةعلى حالة العذر، أو أنها لا تأثم إثم القتل" اهـ من حاشية ابن عابدين.
وإسقاط الجنين إذا انقطع اللبن قول ضعيف جداً، لأن الرزاق هو الله سبحانه وتعالى، (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) (هود: من الآية6)، وإذا هلك لقلة اللبن لم يكن من كسبها، ولا تأثم بذلك.
(28) جاء في نهاية المحتاج – الرملي (8/442): "قال الزركشي: وفي تعاليق بعض الفضلاء، قال الكرابيسي: سألت أبا بكر بن أبي سعيد الفراتي عن رجل سقى جارية شراباً لتسقط ولدها؟ فقال: ما دامت نظفة أو علقة فواسع له ذلك إن شاء الله تعالى. اهـ
(29) قال في حاشية ابن عابدين (3/176): "لو أرادت الإلقاء قبل مضي زمن ينفخ فيه الروح، هل يباح لها ذلك أم لا؟ اختلفوا فيه، وكان الفقيه علي بن موسى يقول: إنه يكره؛ فإن الماء بعدما وقع في الرحم مآله إلى الحياة، فيكون له حكم الحياة كما في بيضة الحرم، ونحوه في الظهيرية". اهـ وربما قصد بالكراهة كراهة التحريم، فيرجع القول إلى القول بالتحريم، وهو غير بعيد. والله أعلم.
(30) حاشية الدسوقي (2/266، 267).
(31) رواه أحمد (1/100). والحديث يرويه كل من إسحاق بن عبد الله بن الحارث، وزيد ابن علي بن جدعان، كلاهما، عن عبد الله بن الحارث، عن عثمان، عن علي.
واقتصر إسحاق بن عبد الله بن الحارث على قصة الحمار، ولم يذكر بيض النعام، وإسناد إسحاق إسناد حسن. وزاد زيد بن علي بن جدعان ذكر بيض النعام، وهو رجل ضعيف، فتكون زيادته منكرة.
(32) بتصرف يسير جداً إحياء علوم الدين (2/51).
(33) نهاية المحتاج (8/442).
(34) تحفة المحتاج (8/241)، حاشية الجمل (4/447)، الإجهاض من منظور إسلامي.
(35) مسلم (2645).
(36) رد المحتار (5/276).
(37) الفروع (1/281).
(38) وهو ظاهر إطلاق كلام الفقهاء المتقدم، في تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح.
يقول صاحب البحر الرائق (8/233): "وفي النوادر امرأة حامل اعترض الولد في بطنها، ولا يمكن إلا بقطعه أرباعاً، ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت، فإن كان الولد ميتاً فلا بأس به، وإن كان حياً، فلا يجوز؛ لأن إحياء نفس بقتل أخرى لم يرد في الشرع" اهـ. ووافقه ابن عابدين في حاشيته. انظر (2/238).
(39) جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة: "إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً، لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة، إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه، سواء كان مشوهاً، أو لا، دفعاً لأعظم الضررين" اهـ.
وجاء في قرار هيئة كبار العلماء رقم (140)، تاريخ 20/6/1407هـ
"بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر للحمل، لا يحل إسقاطه إلا أن يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين أن بقاء الجنين في بطن أمه بسبب موتها، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته، وإنما رخص الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعاً لأعظم الضررين، وجلباً لعظمى المصلحتين" اهـ..
(40) البحر الرائق (8/233).
(41) حاشية ابن عابدين (2/238).
(42) تيسير الكريم الرحمن (5/70، 71).
(43) مفتاح دار السعادة (2/403).
(44) قواعد الأحكام (1/88).
(45) صحيفة الرياض، عدد 4431 في 26/2/1400، صفحة المجتمع.
(46) نقلت أدلة القول ببعض التصرف من كتاب تنظيم النسل (ص: 228).
(47) البخاري (3208)، ومسلم (2643).
(48) مسلم (2645). قال القاضي عياض وغيره: ليس هو على ظاهره، ولا يصح حمله على ظاهره، بل المراد بتصويرها... إلخ أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة اهـ. كما في الديباج على صحيح مسلم (6/8). يقصد حديث ابن مسعود إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً... إلخ.
ولا يظهر لي جمع القاضي عياض، بل قد اطلعت على كتاب يصور مراحل الجنين، وكان يكبر العلقة، والمضغة عشرات المرات فكان يظهر فيها تخطيط، وحدود للجمجمة والأعضاء إلا أنه لا يتبين أنه خلق آدمي، وإنما هو خلق بدائي، فربما التخلق الذي في حديث حذيفة هو التخلق الخفي الذي لا يظهر بالعين المجردة وإنما عن طريق التكبير عشرات المرات، والمقصود في حديث ابن مسعود هو التخلق الجلي الذي يظهر لكل الناس. والله أعلم. ثم وجدت من كلام أهل العلم ما يؤيد هذا، قال ابن القيم كما في فتح الباري: قوله: "ثم تكون علقة مثل ذلك" فإن العلقة وإن كانت قطعة دم لكنها في هذه الأربعين الثانية تنتقل عن صورة المني، ويظهر التخطيط فيها ظهوراً خفياً على التدريج، ثم يتصلب في الأربعين يوماً بتزايد ذلك التخلق شيئاً فشيئاً حتى يصير مضغة مخلقة ويظهر للحس ظهوراً لا خفاء به، وعند تمام الأربعين الثالثة والطعن في الأربعين الرابعة ينفخ فيه الروح.
(49) ونقل البخاري هذا الكلام في صحيحه في تفسير سورة الإنسان (8/884) غير منسوب، وأوضح ابن حجر أن هذا الكلام للفراء. والله أعلم.
(50) تاج العروس (3/487). وذكر ابن جرير الطبري في تفسيره (12/354-356): أربعة معان للنطفة الأمشاج، ورجح أن تكون الأمشاج بمعنى الأخلاط.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره:
وقوله: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) (الإنسان: من الآية2) يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا ذرية آدم من نطفة، يعني: من ماء الرجل وماء المرأة. والنطفة: كل ماء قليل في وعاء كان ذلك ركية أو قربة أو غير ذلك كما قال عبد الله بن رواحة:
................. هل أنت إلا نطفة في شنه
وقوله (أمشاج) يعني أخلاط، واحدها: مشج، ومشيج، مثل خدن وخدين ومنه قول رؤبة بن العجاج:
يطرحن كل معجل نشاج لم يكس جلداً في دم أمشاج
يقال منه: مشجت هذا بهذا إذا خلطته به، وهو ممشوج به ومشيج أي مخلوط به، كما قال أبو ذؤيب:
كأن الريش والفوقين منه خلال النصل سيط به مشيج
واختلف أهل التأويل في معنى الأمشاج الذي عنى بها في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
ذكر من قال ذلك:
(35742) حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي، قالا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني عن عكرمة: أمشاج نبتليه، قال: ماء الرجل وماء المرأة يمشج أحدهما بالآخر.
(35743) حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن عكرمة، قال: ماء الرجل وماء المرأة يختلطان.
(35744) قال ثنا أبو أسامة، قال: ثنا زكريا، عن عطية، عن ابن عباس، قال: ماء المرأة وماء الرجل يمشجان.
(35746) قال ثنا عبد الله، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس قال: إذا اجتمع ماء الرجل وماء المرأة فهو أمشاج.
(35747) قال ثنا أبو أسامة، قال: ثنا المبارك، عن الحسن، قال: مشج ماء المرأة مع ماء الرجل.
(35748) قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا عثمان بن الأسود، عن مجاهد قال: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة وقد قال الله: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى.
(35749) قال: ثنا عبيد الله قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد قال: خلق من تارات ماء الرجل وماء المرأة.
القول الثاني: قال آخرون: إنما عني بذلك إنا خلقنا الإنسان من نطفة ألوان ينتقل إليه، يكون نطفة، ثم يصير علقة، ثم مضغة ثم عظماً ثم كسي لحماً.
ذكر من قال ذلك.
(35750) حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: قوله إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه الأمشاج: خلق من ألوان خلق من تراب، ثم من ماء الفرج والرحم: وهي النطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً ثم أنشأه خلقاً آخر فهو ذلك.
(35751) حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة في هذه الآية: أمشاج قال: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة ثم عظماً.
القول الثالث: وقال آخرون عني بذلك اختلاف ألوان النطفة.
ذكر من قال ذلك:
(35755) حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله أمشاج نبتليه يقول مختلفة الألوان.
(35756) حدثنا أبو هشام قال ثنا يحيى بن يمان قال ثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال ألوان النطفة.
القول الرابع: قال آخرون بل هي العروق التي تكون في النطفة.
ذكر من قال ذلك:
(35760) حدثنا أبو كريب وأبو هشام، قالا: ثنا وكيع، قال: ثنا المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه، عن عبد الله قال: أمشاجها عروقها.
(35761) حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا أسامة بن زيد، عن أبيه قال: هي العروق التي تكون في النطفة.
وأشبه هذه الأقوال بالصواب قول من قال معنى ذلك من نطفة أمشاج نطفة الرجل ونطفة المرأة لأن الله وصف النطفة بأنها أمشاج وهي إذا انتقلت فصارت علقة فقد استحالت عن معنى النطفة فكيف تكون نطفة أمشاجاً وهي علقة وأما الذين قالوا إن نطفة الرجل بيضاء وحمراء فإن المعروف من نطفة الرجل أنها سحراء على لون واحد وهي بيضاء تضرب إلى الحمرة وإذا كانت لوناً واحداً لم تكن ألواناً مختلفة وأحسب أن الذين قالوا هي العروق التي في النطفة قصدوا هذا المعنى. وانظر هذه الأقوال أيضاً في تفسير أبي السعود (9/70)، وتفسير السيوطي (8/368)، وتفسير القرطبي (19/120)، وزاد المسير (8/428).
(51) يقول د. محمد علي البار في كتابه: خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 185-192): "لم تكن البشرية تعرف شيئاً عن النطفة الأمشاج – يقصد عن طريق علومها التجريبية – (وهي الأخلاط من الذكر والأنثى) فقد كان الاعتقاد السائد لدى الفلاسفة والأطباء أن الجنين الإنساني إنما يتكون من ماء الرجل، وإن رحم المرأة ليس إلا محضناً لذلك الجنين، وشبهوا ذلك بالبذرة ترمى في الأرض فتأخذ منها غذاءها، وتخرج شجرة يافعة وارفة الظلال يانعة الثمار، وليس للمرأة دور في إيجاد الجنين سوى رعايته وتغذيته..
ثم ذكر نظريات الناس حول إيجاد الجنين من وقت أرسطو إلى القرن التاسع عشر، وقال بعد عرضها لها:
وهكذا يبدو بوضوح أن الإنسانية لم تعرف بواسطة علومها التجريبية أن الجنين الإنساني أو الحيواني يتكون من امتشاج واختلاط نطفة الذكر ونطفة الأنثى إلا في القرن التاسع عشر، ولم يتأكد لها ذلك إلا في القرن العشرين، والإعجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أنهما قد أكدا بما لا يدع مجالاً للشك أن الإنسان إنما خلق من نطفة مختلطة سماها النطفة الأمشاج (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (الإنسان:2).
(52) يقول د. محمد علي البار في كتابه: خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 120-122): الماء الذي يخرج من فرج المرأة لا علاقة به بتكوين الجنين؛ لأن الجنين إنما يتكون من الحيوان المنوي للرجل، وبويضة المرأة، ولكن العلم الحديث يكشف شيئاً مذهلاً:
إن الحيوان المنوي يحمله ماء دافق: هو ماء المني.
كذلك البويضة في المبيض تكون في حويصلة جراف، محاطة بالماء، فإذا انفجرت الحويصلة تدفق الماء على أقتاب البطن، وتلقفت أهداب البوق (قناة فالوب) البويضة لتدخلها إلى قناة الرحم، حيث تلتقي بالحيوان المنوي لتكون النطفة الأمشاج.
مما تقدم، أن للمرأة نوعين من الماء:
أولهما: ماء لزج، يسيل ولا يتدفق، وهو ماء المهبل، وليس له علاقة في تكوين الجنين سوى مساعدته في الإيلاج، وفي ترطيب المهبل، وتنظيفه من الجراثيم والميكروبات.
وثانيهما: ماء يتدافق، وهو يخرج مرة واحدة في الشهر من حويصلة جراف بالمبيض عندما تقترب هذه الحويصلة المليئة بالماء الأصفر – وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان: أن ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر – من حافة المبيض، فتنفجر عند تمام نموها وكماله، فتندلق المياه إلى أقتاب البطن، ويتلقف البوق، البويضة، فيدفعها دفعاً رقيقاً حتى تلتقي بالحيوان المنوي الذي يلقحها في الثلث الوحشي من قناة الرحم.
هذا الماء يحمل البويضة تماماً كما يحمل ماء الرجل الحيوانات المنوية. كلاهما يتدفق، وكلاهما يخرج من بين الصلب والترائب: ماء دافق يحمل الحيوانات المنوية.
وماء دافق من حويصلة إجراف بالمبيض يحمل البويضة. وصدق الله العظيم حيث يقول: (فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) (الطارق:5-7).
(53) اختلف في الترائب: هل المراد بها ترائب المرأة، أم المراد بها ترائب الرجل، والعلم الطبي يؤكد أن المراد بها ترائب الرجل والمرأة.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين (1/158): "ولا خلاف أن المراد بالصلب: صلب الرجل. واختلف في الترائب:
فقيل: المراد بها ترائبه أيضاً. وهي عظام الصدر: ما بين الترقوة إلى الثندوة.
وقيل: المراد بها ترائب المرأة. قال ابن القيم: والأول: أظهر؛ لأنه سبحانه وتعالى قال: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) ولم يقل: يخرج من الصلب والترائب، فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجاً من بين هذين الملتقين، كما قال في اللبن: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ) (النحل: من الآية66). وذكر نحو هذا في التبيان في أقسام القرآن (ص: 102-103).
وذكر القرطبي في تفسيره، والثعالبي في تفسيره (4/402): عن الحسن البصري بأنه يخرج من صلب الرجل وترائبه، وصلب المرأة وترائبها.
يقول د. محمد البار: الخصية والمبيض إنما يتكونان من الحدبة التناسلية بين صلب الجنين وترائبه، والصلب: هو العمود الفقري. والترائب: هي الأضلاع. وتتكون الخصية والمبيض في هذه المنطقة بالضبط: أي بين الصلب والترائب، ثم تنزل الخصية تدريجياً حتى تصل إلى كيس الصفن (خارج الجسم) في أواخر الشهر السابع من الحمل، وبينما ينزل المبيض إلى حوض المرأة، ولا ينزل أسفل من ذلك".
ثم يقول الدكتور وفقه الله: والآية الكريمة إعجاز علمي كامل حيث تقول: من بين الصلب والترائب، ولم تقل من الصلب والترائب، فكلمة (بين) ليست بلاغة فحسب، وإنما تعطي الدقة العلمية المتناهية، وقد أخطأ كثير من المفسرين القدامى حيث لم يهتموا بهذه اللفظة، وقالوا: إن المني يخرج من صلب الرجل، وماء المرأة يكون في ترائبها، وهذا خطأ علمي، وخطأ منهجي؛ حيث لم يعطوا الآية حقها فحذفوا كلمة (بين) ولذا وقعوا في الخطأ، والذي أوجب لهم هذا الخطأ أنهم رأوا أهل اللغة قالوا: الترائب: موضع القلادة من الصدر. قال الزجاج: أهل اللغة مجمعون على ذلك، وهذا لا يدل على اختصاص الترائب بالمرأة، بل يطلق على الرجل والمرأة. قال الجوهري: الترائب عظام الصدر، ما بين الترقوة لى الثندوة... إلخ كلامه وفقه الله انظر كتابه الإنسان بين الطب والقرآن (س: 113-119).
(54) .أضواء البيان (3/213).
(55) بتصرف، الآيات العجاب في رحلة الإنجاب (ص: 84). وانظر بتوسع كتاب الإنسان هذا الكائن العجيب (1/101)، ويذكر المؤلف أن البويضة قلما تعيش أكثر من 36 ساعة بعد خروجها من المبيض، ونطفة الرجل تحتاج من 7-30 ساعة للوصول إلى البويضة لتلقيحها. وانظر روعة الخلق (ص: 50).
(56) انظر تفسير أبي السعود (6/93، 126)، وتفسير الطبري، سورة المؤمنون ()، وتفسير القرطبي (12/6)، (20/119)، وتفسير ابن كثير (3/241)، وأضواء البيان (5/21)، وانظر مختار الصحاح (ص: 189).
(57) تاج العروس (13/344) وحديث سرية بني سليم، وابن أبي أوفى لم أقف عليهما مسندين، وقد ذكرهما ابن الأثير في النهاية (3/288). والله أعلم.
(58) رواه مسلم (261-262).
(59) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 204).
(60) انظر تاج العروس (13/344-354)، مختار الصحاح (ص: 189).
(61) لا يظهر لي أن تفسير العلماء ناتج عن الملاحظة بالعين المجردة، بل ناتج عن استعمال أحد معاني الكلمة، فالعلقة باللغة تطلق على الدم، وتطلق على ما يعلق، فالمفسرون اختاروا أحد معاني الكلمة، ولم يطبق المفسرون على هذا التفسير، فقد ذكر ابن الجوزي في زاد المسير المسمى علم التفسير: وقيل: سميت علقة لرطوبتها، وتعلقها بما تمر به" وقد نقله الدكتور البار في كتابه فيما سبق.
(62) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 205-206).
(63) رواه البخاري (52)، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير ن الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حولا لحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب. رواه مسلم (1599).
(64) تفسير ابن كثير (5/395).
(65) وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (12/9) في معنى "مخلقة" إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإن النطفة والعلقة والمضغة مخلقة؛ لأن الكل خلق الله تعالى، وإن رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) فذلك ما قال ابن زيد وقد ساق قوله قبل: وهو المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، وغير المخلقة التي لم يخلق فيها شيء.
(66) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (24922)، وهذا الأثر على خلاف ما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود، وما جاء في حديث مسلم من حديث حذيفة بأن الله يأمر الملك أن يكتب، ولا يحيله إلى أم الكتاب. والله أعلم.
(67) أضواء البيان (5/21).
(68) أضواء البيان (5/21).
(69) تفسير الطبري (9/110، 111).
(70) المرجع السابق.
(71) أضواء البيان (5/21).
(72) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 252). هذا وقد ذكر الدكتور البار تفسيرات أخرى في حاشيته (208)، فقال في معنى مخلقة وغير مخلقة:
إن العلقة وهي تنغرز في جدار الرحم، وتنشب فيه في اليوم السابع من التلقيح تبدأ بالتمايز إلى طبقتين:
خارجية: ووظيفتها قضم خلايا الرحم، والاتصال المباشر بالبرك الدموية الرحمية لامتصاص الغذاء منها.
وداخلية: ووظيفتها تكوين الجنين وأغشيته.
باختصار أن هناك طبقتين: مخلقة، وغير مخلقة، فالطبقة الخارجية غير مخلقة قطعاً، والداخلية مخلقة؛ لأنه يخلق منها الجنين، وأغشيته.
قال البار: وهناك وجه قوي أشار إليه الدكتور عزيز عبد العليم رئيس قسم وأستاذ جراحة الأطفال في جامعة طنطا، قال: الآية مخلقة وغير مخلقة تتحدث عن خلايا غير متميزة وهي خلايا عميمة وجميمة، ولها قدرة بأمر بارئها وخالقها على التشكل والتحول، وهي موجودة في الجنين في مرحلة المضغة وما بعدها، وتعرف بالخلايا الميزانيكيمية ومصدرها الطبقة المتوسطة (الميزودرم)، وهذه الخلايا تتحول إلى خلايا متميزة عند تكون العظام، أو خلايا الدم الحمراء، أو اليضاء أو عندما تلتئم الجروح والكسور، ولها دور هام في الجنين والطفل، بل وفي البالغ والكبير.
هذه الخلايا غير المتميزة هي الخلايا غير المخلقة، وأما الخلايا المتميزة فيه مخلقة، وعلى ذلك فإن مخلقة وغير مخلقة فهي صفة للمضغة، وما بعد المضغة حتى نهاية العمر. قال البار تعقبياً: وهو وجه مستساغ، ودليله من علم الطب قائم، ولا يمنعه مفهوم الآية، بل يؤيده.
يقول الدكتور ليزلي في كتابه Devevopmental anatomy الطبعة السابعة (ص: 26): "وفي الجنين تتمايز الخلايا على حسب برامج زمنية مختلفة، فمنها ما يتمايز (يتخلق) بسرعة، ويسير في طريقه حثيثاً إلى نهايته المحددة المرسومة له (المقدرة).. ومنها ما يسير ببطء في هذا التمايز.. ومنها ما يتوقف بعد المسير، ثم يواصل سير التمايز، وتبقى مجموعة من هذه الخلايا غير متمايزة إلى آخر العمر.. وتشكل بذلك الاحتياطي الذي يمكن أن يطلب في أي لحظة.
وفي كتاب مع الطب في القرآن للدكاترة عبد الحميد دياب، وأحمد قرقوز: "فطور المضغة يمر إذاً بمرحلتين: .. المرحلة الأولى: حيث لم يتشكل أي عضو أو أي جهاز وأسميها مرحلة المضغة غير المخلقة.
والمرحلة الثانية: حيث تم فيها تمييز الأجهزة المختلفة، وأسميناها: مرحلة المضغة المخلقة. وهكذا يتضح جلياً إعجاز القرآن الكريم في وصفه لطور المضغة بقوله: (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)، وقد اعتبر المؤلفان أن مرحلة المضغة تبدأ من الأسبوع الثالث، وتكون في هذه المرحلة غير مميزة حتى نهاية الأسبوع الرابع.. ويبدأ التمايز في بداية الأسبوع الخامس، وهو ما يؤدي إلى ظهور الأعضاء، والأجهزة، وبذلك يكون قبل مرحلة التمايز هو المضغة غير المخلقة، وما بعد التمايز، يعتبر المضغة المخلقة.
قال الدكتور البار تعليقاً: وهو قريب من المفهوم السابق الذي ذكرناه عن الدكتور عزيز عبد العليم، والذي وسع مفهومه باعتبار التمايز يستمر منذ مرحلة المضغة إلى أن يولد، ثم يستمر بعد ذلك أثناء الحياة متفاوتة حتى نهاية العمر. اهـ نقلاً من كتاب الدكتور محمد البار.
(73) البخاري (3208)، ومسلم (2643).
(74) فتح الباري (11/591)، وإليك بقية كلام الحافظ، قال رحمه الله: "وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد بمدة في عدة سور. منها في الحج، ودلت الآية على أن التخليق يكون للمضغة، وبين الحديث أن ذلك يكون فيها إذا تكاملت الأربعين، وهي المدة التي إذا انتهت سميت مضغة، وذكر الله النطفة ثم العلقة، ثم المضغة في سورة أخرى وزاد في سورة قد أفلح بعد المضغة (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً) (المؤمنون: من الآية14) ثم قال: وقد رتب الأطوار في الآية بالفاء؛ لأن المراد أنه لا يتخلل بين الطورين طور آخر، ورتبها في الحديث بـ"ثم" إشارة إلى المدة التي تتخلل بين الطورين ليتكامل فيها الطور، وإنما أتى بـ ثم بين النطفة والعلقة؛ لأن النطفة قد لا تكون إنساناً، وأتى بـ ثم في آخر الآية عند قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) ليدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه..
(75) مسلم (2645).
(76) وهذا التقدير موافق تقريباً ما ذكره ابن القيم قال في التبيان (ص: 336)، ونقله الحافظ في الفتح ببعض التصرف كعادته (11/588) ح 6594)، قال ابن القيم: "اقتضت حكمة الخلاق العليم سبحانه وتعالى أن جعل داخل الرحم خشن كالاسفنج.. وجعل فيه طلباً للمني وقبولاً له كطلب الأرض الشديدة العطش للماء، وقبولها له، فجعله طالباً حافظاً، مشتاقاً إليه بالعطش، فلذلك إذا ظفر به، ضمه، ولم يضيعه، بل يشتمل عليه أتم الاشتمال، وينضم أعظم انضمام، لئلا يفسده الهواء، فيتولى القوة والحرارة التي هناك بإذن الله ملك الرحم، فإذا اشتمل على المني، ولم يقذف به إلى خارج، استدار على نفسه وصار كالكرة في الشدة إلى تمام ستة أيام (وقد ذكرت فيما سبق عن الأطباء أن نطفة الأمشاج تبقى ستة أيام قبل أن تتحول إلى علقة) فإذا اشتد نقط نقطة في الوسط، وهو موضع القلب، ونقطة في أعلاه وهي نقطة الدماغ، وفي اليمين: وهي نقطة الكبد. ثم تتباعد تلك النقط، ويظهر بينها خطوط حمر، إلى تمام ثلاثة أيام أخر، ثم تنفذ الدموية في الجميع بعد ستة أيام أخر، فيصير ذلك خمسة عشر يوماً، ويصير المجموع سبعة وعشرين يوماً، ثم ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الضلوع، والبطن عن الجنبين، وذلك في تسعة أيام، فتصير ستة وثلاثين يوماً، ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس ظهوراً بيناً في تمام أربعة أيام، فيصير المجموع أربعين يوماً تجمع خلقه، وهذا مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، واكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الإجمال عن التفصيل، وهذا يقتضي أن الله قد جمع فيها خلقاً جمعاً خفياً، وذلك الخلق في ظهور خفي على التدريج" اهـ.
(77) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 389).
يقول الطبيب سيف الدين السباعي في كتابه: الإجهاض بين الفقه والطب والقانون (ص: 37): "المضغة: هي المرحلة الثالثة من تكون الجنين، فبعد أن زودت المضغة بمصادر التغذية المناسبة وانفصلت خلاياها إلى وريقات ثلاث، تبدأ تلك الوريقات بالتمايز، وتصوير الأعضاء، والأجهزة، ويكون ذلك في بدء الشهر الثاني، وبينما كانت العلقة تقيس 5مم، تصبح المضغة في نهاية الشهر الثاني 30مم طولاً، و11 غراماً وزناً.
في هذه الفترة يتشكل الجهاز العصبي والحويصلان السمعي والبصري، وتظهر مولدات الغضروف والعضلات، والأدمة ووحدات الجهاز البولي والتناسلي، والأغشية المصلية، والقلب، وجهاز الهضم، وبراعم الأطراف العلوية والسفلية، وتمر المضغة بطورين: أولهما المضغة غير المخلقة، حيث تتصور الأعضاء دون أن تظهر أي تتمايز مجموعات خلوية مختلفة، ومن ثم تتطور وتتخلق معطية الأجهزة والأعضاء، وتلك المضغة المخلقة (الطور الثاني).
وفي منتصف هذا الشهر: أي في يوم (40-45) تحدث تبدلات خاصة تنتقل بالجنين نقلة واسعة نحو تكونه الإنساني، فالقلب الذي كان بشكل أنبوب مغلق ابتدائي يدق دقات خفيفة، يصبح في اليوم 38 قلباً رباعي الأجواف، يضرب ضربات عادية، ويتصل بالدوران المشيمي، إلا أن سماع دقات القلب بوسائلنا العادية لا يكون قبل الأسبوع 22 من الحمل، وكذا تتشكل العينان، والأذنان والأنف، والشفتان، وبراعم الأسنان، وبعض العضلات، وتكون اليدان قصيرتين، والساقان أقصر، إلا أنها واضحة المعالم، وهكذا تصورت وتخلقت المضغة، وهذا ما أثبته الحديث الشريف الصحيح، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم يقول: أي رب ذكر أم أنثى؟ اهـ.
(78) نقلاً من الديباج على صحيح مسلم (6/8).
(79) الثابت طبياً خلافه كما شرحت من قبل.
(80) فتح الباري (11/592) ح 6594.
(81) مسلم (2645).
(82) في كلام ابن القيم ما يشير إلى أنه في عهده كان إجماعاً من الأطباء على أن التصوير بعد الأربعين، وهذا ما فصله الطب الحديث بعد وصوله لعلم التصوير والتكبير. والله أعلم.
(83) التبيان في أقسام القرآن (ص: 345).
(84) فتح الباري (11/592). 6594.
(85) والحديث وإن كان رجاله ثقات إلا أنه شاذ لمخالفته ما في الصحيحين.


المصدر : موقع المسلم

Heba Khled
08-19-2011, 06:46 PM
http://www.mezan.net/forum/g4/f.gif
الإجهاض *
دبيان محمد الدبيان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
تعريف الإسقاط لغة وشرعاً:
جاء في المصباح المنير: "السِّقط: الولد ذكراً كان أو أنثى يسقط قبل تمامه، وهو مستبين الخلق.
وفي تاج العروس: "الولد يسقط من بطن أمه لغير تمام" اهـ. ولم يشترط كونه مستبين الخلق.
وجاء في المصباح المنير، يقال: سقط الولد من بطن أمه سقوطاً، فهو سقط بالكسر. والتثليث لغة. ولا يقال: وقع.
وأسقطت الحامل: ألقت سقطاً.
وفي تاج العروس: السقط مثلثة، والكسر أكثر. وجاء في تاج العروس أيضاً: "أسقطت الناقة وغيرها ولدها: إذا ألقت ولدها، والذي في أمالي القالي: أنه خاص في بني آدم. اهـ
وفي معنى الإسقاط: الإجهاض. جاء في المصباح المنير: أجهضت المرأة ولدها إجهاضاً: أسقطته ناقص الخلق. اهـ(1).
تعريف الإسقاط في اصطلاح الفقهاء:
تبين لنا من تعريف الإسقاط لغة أنه يطلق على إلقاء الحمل ناقصاً سواء كان النقص في المدة، أو كان النقص في الخلق. وتعريف الفقهاء لا يخرج عن هذا المعنى.
عرف ابن عابدين الإجهاض في رسائله: "هو إنزال الجنين قبل أن يستكمل مدة الحمل"(2).
وللفقهاء ألفاظ مرادفة لمعنى الإسقاط والإجهاض، وهي تؤدي نفس المعنى منها: الإلقاء، الإملاص، الإنزال، الإخراج، الطرح.
أسباب السقط:
الإسقاط تارة يكون تلقائياً، ويكون سببه والله أعلم إما تشوهات في الجنين، أو يكون رحم المرأة يعاني من أمراض معينة، أو يعاني من اتساع في عنق الرحم، أو غيرها من الأسباب التي يعرفها أهل الاختصاص(3).
وتارة تكون أسبابه اجتماعية، كأن يقصد من الإسقاط التستر على الفاحشة (الزنا) أو الرغبة في تحديد النسل.
وتارة تكون أسبابه صحية، كأن يكون الحامل على الإجهاض المحافظة على صحة الأم، أو إراحة الجنين بحيث لو ترك ينمو ولد مشوهاً تشويهاً غير محتمل.
وسوف نتناول حكم الإجهاض إذا كان اختيارياً، ومتى تكون المرأة المسقطة نفساء، ومتى لا تكون. أما الإجهاض التلقائي فلا يلحق به تكليف؛ لأنه خارج عن إرادة المرأة.
الحكم التكليفي للإسقاط:
هناك من الفقهاء من فرق بين حكم الإجهاض بعد نفخ الروح، وبين حكمه قبل ذلك، لذلك سنعرض حكم كل حالة من الحالات على انفراد.
إسقاط الجنين بعد نفخ الروح:
ذهب الحنفية(4)، والمالكية(5)، والشافعية(6)، والحنابلة(7) إلى تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح.
الأدلة على تحريم الإسقاط بعد نفخ الروح:
الدليل الأول:
الإجماع. فقد حكى الإجماع غير واحد.
جاء في الشرح الكبير: "لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل الأربعين يوماً، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعاً"(8).
وقال ابن جزي: "وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له، وأشد من ذلك إذا تخلق، وأشد من ذلك إذا نفخ فيه الروح؛ فإنه قتل نفس إجماعاً"(9).
ونقله صاحب أسهل المدارك، وأقره(10).
وقال ابن تيمية: "إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين، وهو من الوأد، الذي قال الله فيه: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (التكوير:8، 9).
وقد قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) (الإسراء: من الآية31)(11).
الدليل الثاني:
وجوب الدية في قتله دليل على تحريم إسقاطه؛ إذ لو كان جائزاً لما وجبت به عقوبة.
فقد روى البخاري رحمه الله، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أنه قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى لها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها(12).
وقد ذهب ابن حزم إلى وجوب القود، فيمن تعمد قتل الجنين بعد نفخ الروح، فقال رحمه الله: "فإن قال قائل: فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها، وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين، فقتلته، أو تعمد أجنبي قتله في بطنها، فقتله، فمن قولنا: إن القود واجب في ذلك، ولا بد، ولا غرة في ذلك حينئذ إلا أن يعفى عنه، فتجب الغرة فقط؛ لأنها دية، ولا كفارة في ذلك؛ لأنه عمد، وإنما وجب القود؛ لأنه قاتل نفس مؤمنة عمداً، فهو نفس بنفس، وأهله مخيرين: إما القود، وإما الدية، أو المفادات كما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قتل مؤمناً. وبالله تعالى التوفيق"(13).
وشرط الفقهاء في وجوب القود أن ينفصل حياً، ثم يموت.
قال الحافظ: "وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتاً بسبب الجناية، فلو انفصل حياً، ثم مات، وجب فيه القود أو الدية كاملة"(14).
وليس هذا موضع تحرير هذه المسألة، والذي يهمنا وجود العقوبة على من أسقط الجنين، وهو ظاهر في تحريم الإسقاط. والله أعلم.
بقي سؤال: متى نحكم بأن الجنين قد نفخت فيه الروح؟
ذهب الفقهاء إلى أن نفخ الروح يكون بعد أن يتم للحمل أربعة أشهر.
الدليل على أن نفخ الروح يكون بعد تمام أربعة أشهر:
الدليل الأول:
الإجماع، فقد نقل الإجماع غير واحد على أن مرحلة نفخ الروح بعد تمام الحمل أربعة أشهر:
قال القرطبي: "لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس"(15).
وقال النووي: "اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر"(16).
وقال ابن حجر: "اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر"(17).
الدليل الثاني:
روى البخاري رحمه الله، قال: حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن زيد بن وهب: قال عبدالله: حدثنا رسول الله – وهو الصادق المصدوق – قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة"(18).
فقوله صلى الله عليه وسلم: "ثم ينفخ فيه الروح" جعل هذا بعد أطوار النطفة، والعلقة، والمضغة، وقد كان لكل طور أربعون يوماً، فمجموع ذلك مائة وعشرون يوماً.
حكم الإسقاط قبل نفخ الروح:
اختلف في هذه المسألة على أقوال:
فقيل يحرم الإسقاط مطلقاً، ولو كان نطفة.
ذهب إلى هذا بعض الحنفية(19)، وهو المعتمد عند المالكية(20)، وقول الغزالي(21)، وابن العماد من الشافعية(22)، واختيار ابن الجوزي من الحنابلة(23).
وقيل: يجوز التسبب لإسقاط الجنين مطلقاً، ما لم يتخلق، والمراد بالتخلق عندهم نفخ الروح. وهو الراجح عند الحنفية(24).
فهذان قولان متقابلان: التحريم مطلقاً، والإباحة مطلقاً ما لم ينفخ فيه الروح.
وبقي في المسألة أقوال: منها:
وقيل: يباح الإسقاط ما دام نطفة مطلقاً لعذر أو لغير عذر، أما العلقة والمضغة فلا يجوز إسقاطها.
انفرد به اللخمي من المالكية(25)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة(26).
وقيل: يباح إلقاء النطفة إذا كان لعذر، أما من غير عذر فلا يجوز، اختاره بعض الحنفية(27).
وقيل: يجوز التسبب لإسقاط النطفة والعلقة دون المضغة. حكاه الكرابيسي عن أبي بكر الفراتي من الشافعية(28).
وقيل: يكره إلقاء النطفة.
اختاره علي بن موسى من الحنفية(29)، وهو رأي عند بعض المالكية فيما قبل الأربعين يوماً(30).
أدلة القائلين بتحريم إسقاط النطفة:
قالوا: النطفة بعد الاستقراء آيلة إلى التخلق، مهيأة لنفخ الروح فلا يجوز إسقاطها، وهي أول مراحل الوجود؛ إذ الولد لا يخلق من مني الرجل وحده، بل من الزوجين جميعاً، فإذا امتزج ماء الرجل بماء المرأة، واستقر في الرحم فإن النطفة حينئذٍ تكون مهيأة للتخلق ووجود الولد.
الدليل الثاني:
حرم الله تعالى قتلا لصيد حال الإحرام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ... الآية) (المائدة: من الآية95).
وجاء في السنة تحريم أكل بيض الصيد؛ لأنه أصل الصيد، فكذلك لا يجوز إلقاء النطفة؛ لأنها أصل الإنسان.
والحديث الذي فيه تحريم أكل بيض الصيد قد رواه أحمد، قال: حدثني أبي ثنا هاشم بن سليمان يعني بن المغيرة عن علي بن زيد ثنا عبد الله ابن الحارث بن نوفل الهاشمي قال: كان أبي الحرث على أمر من أمر مكة في زمن عثمان، فأقبل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى مكة، فقال عبد الله بن الحارث، فاستقبلت عثمان بالنزل بقديد، فاصطاد أهل الماء جحلاً، فطبخناه بماء وملح، فجعلناه عراقاً للثريد، فقدمناه إلى عثمان وأصحابه، فأمسكوا، فقال عثمان: صيد لم أصطده ولم نأمر بصيده اصطاده قوم حل فأطعموناه، فما بأس؟ فقال عثمان: من يقول في هذا؟ فقالوا: علي. فبعث إلى علي رضي الله تعالى عنه، فجاء. قال عبد الله بن الحارث: فكأني أنظر إلى علي حين جاء، وهو يحت الخبط عن كفيه، فقال له عثمان: صيداً لم نصطده، ولم نأمر بصيده اصطاده قوم حل، فأطعموناه فما بأس؟ قال: فغضب علي، وقال: أنشد الله رجلاً شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى بقائمة حمار وحش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قوم حرم فأطعموا أهل الحل. قال: فشهد اثنا عشر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال علي: أشهد الله رجلاً شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى ببيض النعام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قوم حرم أطعموه أهل الحل، قال: فشهد دونهم من العدة من الاثني عشر. قال: فثنى عثمان وركه عن الطعام، فدخل رحله وأكل ذلك الطعام أهل الماء.
[الحديث إسناده ضعيف، والحديث بقصة حمار الوحش صحيح لغيره، وزيادة بيض النعام زيادة منكرة](31).
الدليل الثالث:
أول الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية.
ووجهه قال: ماء المرأة ركن في الانعقاد، فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول، فمن أوجب، ثم رجع قبل القبول – يعني العزل – لم يكن جانياً على العقد بالنقض والفسخ، ومهما اجتمع الإيجاب والقبول – يعني ماء الرجل والمرأة – كان الرجوع بعد رفعاً، وفسخاً وقطعاً، وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد، فكذا بعد الخروج من الإحليل، ما لم يمتزج بماء المرأة أو دمها، فهذا هو القياس الجلي(32).
دليل من أباح إسقاط النطفة:
الدليل الأول:
القياس على جواز العزل، فإذا كان العزل جائزاً، وهو إلقاء الماء خارج الفرج، فكذلك إنزال المني بعد وجوده في الرحم إذ لا فرق، فإخراج النطفة من رحم المرأة لا يثبت لها حكم السقط أو الوأد؛ لأنه لا يصدق عليها ذلك، فلا حرمة في إخراجها(33).
الدليل الثاني:
المني حال نزوله جماد محض، لا يتهيأ للحياة بوجه، بخلافه بعد استقراره في الرحم، وأخذه في مبادي التخلق. وبداية التخلق كما أرشد إليها حديث حذيفة الغفاري يكون بعد اثنتين وأربعين ليلة(34).
فقد روى مسلم، حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول:
الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص(35).
فهذا الحديث نص أن المني قبل الأربعين لا يكون قد تهيأ للحياة، وإنما هو نطفة، هو والعزل سواء، بخلاف بعد الأربعين فقد بدأ بالتخلق، وهو مرحلة كونه علقة. والله أعلم.
دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل التخلق.
قالوا: إذا لم يتخلق بظهور الأعضاء الدالة على كونه آدمياً، فلا يثبت له حكم الآدمي من وجوب صيانته وحرمة الاعتداء عليه، وعليه فلا إثم في إسقاطه(36).
دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح:
قال ابن عقيل: ما لم تحله الروح يجوز إسقاطه؛ لأنه ليس وأداً؛ لأن الوأد لا يكون إلا بعد التارات السبع (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) (المؤمنون:12) إلى قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) (المؤمنون: من الآية14).. قال ابن مفلح: وهذا منه فقه عظيم، وتدقيق حسن، حيث سمع (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (التكوير:8، 9). وهذا لما حلته الروح؛ لأن ما لم تحله الروح لا يبعث، فيؤخذ منه أنه لا يحرم إسقاطه. وله وجه. اهـ(37).
الراجح جواز إلقاء النطفة بشروط:
أولاً: ألا يكون في ذلك ضرر على الأم، لا حالاً، ولا مآلاً.
ثانياً: أن يكون ذلك برضى الزوج؛ لأن له حقاً في طلب الولد.
ثالثاً: أن يكون في ذلك تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة. وإن قَلَّت؛ لأن إلقاء النطفة إذا كان خلواً من المصلحة كان منافياً لمقصود الشارع من تكثير النسل.
رابعاً: ألا يكون الحامل على ذلك سوء ظن بالله، وذلك خوفاً من العالة والفقر.
حكم الإسقاط للضرورة بعد نفخ الروح:
إذا قرر طبيبان أو أكثر أن في بقاء الجنين خطراً على حياة أمه، ولا سبيل إلى إنقاذهما معاً، فإما الجنين وموت أمه، وإما إنقاذ أمه بهلاكه، فما هو العمل حينئذٍ؟
فقيل: لا يجوز، ولو كان في ذلك خطر على حياة الأم(38).
وقيل: يجوز ذلك بشرط أن يقرر جمع من الأطباء الثقات المتخصصين أن بقاء الجنين في بطن أمه فيه خطر مؤكد على حياة الأم(39).
أدلة القائلين: لا يجوز إسقاط الجنين.
عللوا ذلك: بأنه لا يجوز إحياء نفس بقتل أخرى، حيث لم يرد في الشرع(40).
ولأننا إذا أسقطناه فقد تعمدنا قتل نفس مؤمنة، وإذا تركناه وماتت الأم لم يكن هذا من فعلنا، بل هو من تقدير الله سبحانه وتعالى.
وقد يقدر الأطباء شيئاً، ويجزموا به، ولا يقع، وإذا كان كذلك، فلا يجوز دفع مفسدة متوقعة بارتكاب مفسدة محققة. وقد نسقط الجنين ولا تسلم الأم، فقد تعطب في نفاسها.
قال ابن عابدين في حاشيته: لو كان الجنين حياً ويخشى على حياة الأم من بقائه؛ فإنه لا يجوز تقطيعه؛ لأن موت الأم به موهوم، فلا يجوز قتل الآدمي لأمر موهوم(41).
دليل القائلين بجواز إسقاط الجنين إنقاذاً لأمه:
إن هذه المسألة قد تعارض فيها واجب ومحرم، كل واحد منهما على درجة واحدة من الأهمية، بحيث لو أننا قمنا بالواجب، وقعنا في المحرم، ولو اتقينا المحرم أهدرنا الواجب، ولا سبيل للقيام بالواجب، وفي نفس الوقت اتقاء المحرم.
وإنما رخصنا الإقدام على إسقاط الجنين دفعاً لأعظم الضررين، وجلباً لعظمى المصلحتين.
يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره تعليقاً على آية قتل الخضر للغلام من أجل سلامة والديه:
"ومنها القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنه يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويراعى أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما أعظم شراً منه"(42).
ويقول ابن القيم: "إذا تترس الكفار بأسرى من المسلمين بعدد المقاتلة، فإنه لا يجوز رميهم إلا أن يخشى على جيش المسلمين، وتكون مصلحة حفظ الجيش أعظم من مصلحة حفظ الأسرى، فحينئذٍ يكون رمي الأسرى، ويكون من باب دفع المفسدتين باحتمال أدناهما، فلو انعكس الأمر، وكانت مصلحة الأسرى أعظم من رميهم لم يجز رميهم. فهذا الباب مبني على دفع أعظم المفسدتين بأدناهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، فإن فرض الشك، وتساوى الأمران لم يجز رمي الأسرى"(43).
ويقول العز بن عبد السلام: "وإذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير، للتنازع بين المتساوين، ولذلك أمثلة:
أحدهما: إذا رأينا صائلاً يصول على نفسين من المسلمين متساويين، وعجز عن دفعه عنهما، فإنا نتخير.
والمثال الثاني: لو رأينا من يصول على بضعين متساويين، وعجزنا عن الدفع عنهما، فإنا نتخير(44).
فإذا كان لنا شرعاً أن نرتكب أدنى المفسدتين دفعاً لأعظمهما، ونحصل أعظم المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن إنقاذ الأم أعظم مصلحة من إنقاذ الجنين للأسباب التالية:
الأول: الأم هي أصل الجنين، متكون منها، فإنقاذها أولى.
ثانياً: أن الأم غالباً ما يكون لها أطفال، ومن الممكن أن يتعرضوا لمتاعب كثيرة بعد وفاة أمهم، والأسرة كثيراً ما تتمزق إذا فقدت أحد أعضائها البارزين، فكم من طفل تشرد، وساءت تربيته بسبب فقدانه لأمه، وأهمية الأم في الأسرة عظيمة؛ إذ إنها أصل المجتمع، بخلاف الجنين فلا تعلق به لأحد.
ثالثاً: حياة الأم قطعية، وحياة الجنين محتملة، والظني أو الاحتمالي لا يعارض القطعي المعلوم، فإنقاذ الأم أولى.
رابعاً: الأم أقل خطراً، وتعرضاً للهلاك من الجنين في مثل هذه الظروف، مما يجعل إنقاذها أكثر نجاحاً من إنقاذ جنينها، لذا تعطى الأولوية في الإنقاذ ففي إحصائية لمستشفى الولادة والأطفال بالرياض في عام 1400هـ، بلغ عدد الوفيات للنساء سبع وفيات، بينما بلغت وفيات الأطفال 865 حالة(45). كل ذلك يؤكد أهمية إنقاذ الأم دون الجنين عند تساوي الأمر في إنقاذهما(46).
متى يبدأ الجنين بالتخلق.
ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله المراحل التي يمر بها الجنين.
أما الكتاب، فقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:12-14).
وقال سبحانه: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (الزمر:6) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (الحج:5).
وقال سبحانه: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (الزمر:6).
فقوله سبحانه: خلقاً من بعد خلق إشارة إلى الأطوار التي يمر بها الجنين.
وقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر:67).
وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) (الإنسان: من الآية2).
وقال: (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (العلق:2).
(ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى) (القيامة:38).
وأما السنة، فقد روى البخاري، حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش عن زيد بن وهب: قال عبد الله: حدثنا رسول الله – وهو الصادق المصدوق – قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة(47).
وروى مسلم، حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه، أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، فأتى رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص(48).
وسوف يكن كلامنا في تناول هذه الآيات، والحديثين.
فقد ذكر الله سبحانه وتعالى أطوار خلق الإنسان، فبين أن ابتداء خلقه من تراب، فالتراب هو الطور الأول.
والطور الثاني: هو النطفة.
والنطفة في اللغة: هو الماء القليل. ومنه قول الشاعر:
وما عليك إذا أخبرتني دنفاً وغاب بعلك يوماً أن تعوديني
وتجعلي نطفة في القعب باردة وتغمسي فاك فيها ثم تسقيني
فقوله: وتجعلي نطفة: أي ماء قليلاً في القعب، والمراد بالنطفة في هذه الآية الكريمة: نطفة المني المختلطة من ماء الرجل، وماء المرأة خلافاً لمن زعم أنها من ماء الرجل وحده.
قال الزبيدي في تاج العروس: في التنزيل (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) (الإنسان: من الآية2) قال الفراء: الأمشاج: هي الأخلاط: ماء الرجل، وماء المرأة، والدم والعلقة(49).
وقال ابن السكيت: الأمشاج: الأخلاط. يريد النطفة؛ لأنها ممتزجة من أنواع، ولذلك يولد الإنسان ذا طبائع مختلفة(50).
وقال الشنقيطي: قوله تعالى: (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ) (النحل: من الآية4). ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه خلق الإنسان من نطفة، وهي مني الرجل ومني المرأة؛ بدليل قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) (الإنسان: من الآية2) أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة(51).
وقال صاحب الدر المنثور بعد ذكر بعض الروايات في تفسير الأمشاج بالأخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وأخرج الطستي عن ابن عباس: أن نافع ابن الأزرق، قال: أخبرني عن قوله: (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) قال: أخلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في الرحم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول:
كأن الريش والفوقين منه خلال النصل خالطه مشيج
ونسب في اللسان هذا البيت لزهير بن حرام الهذلي، وأنشده هكذا:
كأن النصل والفوقين منها خلال الريش سيط به مشيج
حتى قال: إذا عرفت معنى ذلك، فاعلم أنه تعالى بين أن ذلك الماء هو النطفة، منه ما هو خارج من الصلب: وهو ماء الرجل. ومنه ما هو خارج من الترائب، وهو ماء المرأة(52)، وذلك في قوله جل وعلا: (فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) (الطارق:5-7). لأن المراد بالصلب: صلب الرجل، وهو ظهره. والمراد بالترائب: ترائب المرأة، وهي موضع القلادة منها(53). ومنه قول امرئ القيس:
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ترائبها مصقولة كالسجنجل
واستشهد ابن عباس لنافع الأزرق على أن الترائب موضع القلادة بقول المخبل أو ابن أبي ربيعة:
والزعفران على ترائبها شرقاً به اللبات والبحر
فقوله هنا من بين الصلب والترائب يدل على أن الأمشاج هي الأخلاط المذكورة(54).
أما رأي الطب: في النطفة الأمشاج:
يذكر الأطباء أنه فور دخول الحيوان المنوي البويضة، يأخذ الحيوان المنوي طريقه إلى الطبقة الشفافة، فيفرز إنزيم الأكروزين (ACROSIN) الذي يساعد على اختراق هذه الطبقة (15-25) دقيقة، بعدها يخترق الغشاء البلازيمي للبويضة في دقيقة واحدة، وينطلق رأس الحيوان المنوي صوب نواة البويضة، وينتفخ رأس الحيوان المنوي، وتصبح المادة الوراثية لكل من الأب والأم واضحة في النواة بعد (2-4) ساعات من الاقتحام، ولا يمكن التمييز بينهما حينئذ. وتسمى هذه النطفة التي تنشأ عن اختلاط نواتي البويضة والحيوان المنوي بالأمشاج، وذلك لأن الأمشاج يعني: الاختلاط(55).
الطور الثالث: العلقة.
وهي القطعة من العلق، وهو الدم الجامد. فقوله سبحانه: (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) (الحج: من الآية5) أي قطعة دم جامدة(56).
وقال الزبيدي: العلق: الدم عامة ما كان. أو هو الشديد الحمرة، أو الغليظ. أو الجامد قبل أن ييبس. قال تعالى: (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (العلق:2). وفي حديث سرية بني سليم: فإذا الطير ترميهم بالعلق. أي بقطع الدم.
وفي التنزيل (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) (المؤمنون: من الآية14) وفي حديث ابن أبي أوفى: "أنه بزق علقة، ثم مضى في صلاته"(57).
وروى مسلم، قال: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره، فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون.
قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره(58).
قال القرطبي: "فاستخرج منه علقة" أي قطعة دم. والعلقة: الدم.
رأي الطب في العلقة:
"اتفق الأطباء على أن العلقة هي المرحلة التي تعلق فيها النطفة الأمشاج (التوتة) بجدار الرحم، وتنشب فيه"(59).
فيكون على هذا تسميتها علقة لكونها عالقة بجدار الرحم، وهذا التفسير له وجه في اللغة، جاء في تاج العروس:
العلوق: ما يعلق بالإنسان.
العَلَق: كل ما عُلِّق.
وأيضاً الطين الذي يعلق باليد.
والعلق: دويبة: وهي دويدة حمراء تكون في الماء تعلق في البدن.
فقوله: تعلق في البدن إشارة إلى المناسبة من تسميتها علقة.
وعلقت الدابة: شربت الماء فعلقت بها العلقة. كما في الصحاح: أي لزمتها، وقيل: تعلقت بها.
وعُلِقَ: نشب العلق في حلقه عند الشراب.
العلائق من الصيد: ما علق الحبل برجلها(60).
يقول الدكتور محمد البار: فلفظ العلقة يطلق على كل ما ينشب ويعلق.. وكذلك تفعل العلقة إذ تنشب في جدار الرحم، وتنغرز فيه.. وتكون العلقة محاطة بالدم من كل جهاتها، وإذا عرفنا أن حجم العلقة عند انغرازها لا يزيد على مليمتر أدركنا على الفور لماذا أصر المفسرون القدامى على أن العلقة هي الدم الغليظ... فالعلقة لا تكاد ترى بالعين المجردة، وهي مع ذلك محاطة بالدم من كل جهاتها، فتفسير العلقة بالدم الغليظ ناتج عن الملاحظة بالعين المجردة(61)، ولم يبعد بذلك المفسرون القدامى عن الحقيقة كثيراً، فالعالقة بجدار الرحم، والتي لا تكاد ترى بالعين المجردة محاطة بدم غليظ يراه كل ذي عينين.
وينتهي الدكتور إلى أن العلقة تنشب في الرحم وتعلق فيه في اليوم السابع من التلقيح بعد أن تكون انقسمت الخلايا فيها، وصارت مثل الكرة تماماً أو مثل تمرة التوتة، وقد فصلت القول فيها فيما سبق(62).
الطور الرابع: المضغة.
اختلفوا في معنى المضغة:
فقيل: هي القطعة الصغيرة من اللحم، على قدر ما يمضغه الآكل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله. الحديث(63).
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) (الحج: من الآية5).
قال ابن كثير: "إذا استقرت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يوماً كذلك، يضاف إليها ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يوماً، ثم تستحيل فتصير مضغة قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط، فيصور منها رأس، ويدان، وصدر وبطن، وفخذان، ورجلان، وسائر الأعضاء. فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) (الحج: من الآية5) أي كما تشاهدونها. (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) (الحج: من الآية5) أي وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة، ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) قال: هو السقط مخلوق، وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يوماً وهي مضغة أرسل الله تعالى ملكاً فنفخ فيها الروح، وسواها كما يشاء الله عز وجل من حسن وقبيح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد كما ثبت في الصحيحين. وذكر حديث ابن مسعود السابق(64).
فنأخذ من هذا ما يلي:
أولاً: أن النطفة حتى تكون مضغة تحتاج إلى ثمانين يوماً.
وثانياً: أن المضغة منها ما هو مخلق أي قد ظهر فيه تخطيط، وتصوير، ومنها ما هو غير مخلق. أي ليس فيه تصوير. فمعنى ذلك أن الأربعين الأولى وهي مرحلة النطفة، والأربعين الثانية، وهي مرحلة العلقة لا تخطيط فيها، إنما التخطيط في مرحلة المضغة، وهي من بعد الثمانين. ولذلك قال سبحانه وتعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً) (المؤمنون: من الآية14)، فجعل خلق العظام وكسوها باللحم يعقب المضغة، وعبر بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، أي ليس هناك تراخ طويل. وهو مقتضى حديث ابن مسعود في الصحيحين، حيث قال: "ثم يكون مضغة مثل ذلك: أربعين يوماً، ثم قال: "ثم ينفخ فيه الروح" وواضح أنه لا ينفخ فيه الروح إلا وقد أصبح بشراً سوياً، كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) (المؤمنون: من الآية14) إذاً في الأربعين الثالثة هي مرحلة التخليق والتصوير الذي يسبق نفخ الروح. والله أعلم(65).
القول الثاني: في معنى المخلقة:
ذهب بعض العلماء إلى أن قوله: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) هيمن صفة النطفة، قال: ومعنى ذلك: فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة مخلقة وغير مخلقة، فقالوا: فأما المخلقة فما كان من خلق سوياً، وأما غير المخلقة فما دفعته الأرحام من النطف، وألقته قبل أن يكون خلقاً.
روى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة، أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال: مخلقة، قال: يا رب فما صفة هذه النطفة؟، أذكر أم أنثى؟، ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟، قال: فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
[رجاله كلهم ثقات، ومثله لا يقال بالرأي، إلا أنه مخالف لما في الصحيحين من حديث ابن مسعود المرفوع](66).
القول الثالث:
ومنها أن المخلقة: هي ما ولد حياً. وغير المخلقة: هي ما كان من سقط: يعني سواء كان مخلقاً أو غير مخلق..
وممن روي عنه هذا القول ابن عباس رضي الله عنهما، وقال صاحب الدر المنثور: أخرجه عنه ابن أبي حاتم، وصححه ونقله عنه القرطبي. وأنشد لذلك قول الشاعر:
أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياء(67)
القول الرابع: معنى مخلقة: أي تامة، وغير مخلقة غير تامة.
حكاه ابن جرير الطبري بإسناده من طريقين عن قتادة.
قال الشنقيطي في تفسير معنى: تامة وغير تامة، قال والمراد بهذا القول عند قائله أن الله جل وعلا يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة سالم من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك. فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم، وطولهم، وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم. اهـ فيكون معنى غير مخلقة: ليس السقط، ولكن معناه: أي غير سالم من العيوب: الخَلْقية وغير الخلقية.
وممن روي عنه هذا القول قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك(68).
القول الخامس: في معنى مخلقة وغير مخلقة.
معنى ذلك المضغة مصورة إنساناً، وغير مصورة، فإذا صورت فهي مخلقة، وإذا لم تصور فهي غير مخلقة: وهو السقط.
ذكر ذلك ابن جرير الطبري في تفسيره من ثلاثة طرق، عن مجاهد، وحكاه عن عامر الشعبي، وعن أبي العالية(69).
والفرق بينه وبين القول الأول: يتفقان أن كلا منهما كان سقطاً، إلا أن القول الأول حده بالنطفة إذا سقطت، وهذا لم يقيده، فهذا القول أعم منه. والله أعلم.
ورجح ابن جرير هذا القول، فقال: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: المخلقة: المصورة خلقاً تاماً، وغير المخلقة: السقط قبل تمام خلقه؛ لأن المخلقة من نعت المضغة، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقاً سوياً إلا التصوير، وذلك هو المراد من قوله: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) (الحج: من الآية5) خلقاً سوياً، وغير مخلقة بأن تلقيه الأم مضغة، ولا تصوير، ولا ينفخ فيها الروح(70).
ورد هذا الشنقيطي رحمه الله، فقال: هذا القول الذي اختاره الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، لا يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك، وهي قوله جل وعلا في أول الآية: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) ولأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى: ثم خلقناكم من مضغة مخلقة وخلقناكم من مضغة غير مخلقة، وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة فيه من التناقض كما ترى فافهم.
فإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة: السقط؛ لأن قوله: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) (الحج: من الآية5) يفهم منه أن هناك قسماً آخر لا يقره الله في الأرحام إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط. فالجواب: أنه لا يتعين فهم السقط من الآية؛ لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة، وقد يقره أكثر من ذلك كيف يشاء. أما السقط فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ) الآية لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتاً ولو بعد التشكيل والتخطيط لم يخلق الله منه إنساناً واحداً من المخاطبين بقوله: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) الآية. فظاهر القرآن يقتضي أن كل من المخلقة وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين، بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ... الآية) (الحج: من الآية5). وبذلك تعلم أن أولى الأقوال بالآية هو القول الذي لا تناقض فيه؛ لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضاً، لا ليتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره، وهو أن المخلقة هي التامة وغير المخلقة هي غير التامة. اهـ(71).
ولا يترجح لي ما رجحه الشيخ رحمه الله، فالذي يظهر لي أن المخلقة هي المصورة، الذي ظهر فيها التخطيط، وغير المخلقة التي لا تخطيط فيها، وهي مرحلة يمر بها الجنين، ولا يلزم منه أن يكون سقطاً حتى نعترض على هذا التفسير بما ذكره الشنقيطي. فقد لا يسقط ويكون الله سبحانه وتعالى خلقنا من المضغة قبل تخليقها، كما خلقنا من النطفة والعلقة التي لا تخليق فيها. والله أعلم.
رأي الطب في معنى مخلقة وغير مخلقة:
مر معنا مرحلة النطفة الأمشاج، ثم العلقة: والتي فسرناها طبياً: بما يعلق في جدار الرحم فيما بين اليوم السادس والسابع منذ التلقيح. وفي اليوم العشرين أو الحادي والعشرين تبدأ بالظهور كتلة بدنية على جانبي المحور، ثم يتولى ظهورها تباعاً فيما يعرف بالكتل البدنية وتتولى هذه الكتل بالظهور حتى ليبلغ عددها عند اكتمالها 42 إلى 45 كتلة على كل جانب من القمة إلى المؤخرة، ولا يكاد ظهورها يكتمل حتى تبدأ الكتل التي في القمة تتمايز بحيث لا تكون جميع الكتل في مستوى واحد.
ويتضح أمامنا أن المضغة Somites أو الجنين ذو الكتل البدنية من اليوم العشرين أو الحادي والعشرين، وتستمر في الظهور إلى اليوم الثلاثين حيث يكون هناك 28 كتلة بدنية على كل جانب، ولا تكاد تظهر كتل جديدة حتى تكون الكتل القديمة قد تمايزت إلى قطاع عظمي، وقطاع عضلي، وقطاع جلدي.
وهكذا نرى الأسبوع الرابع (21-30) مخصص لظهور الكتل البدنية، والأسبوع الخامس والسادس، لتحول الكتب البدنية إلى قطاع عظمي وعضلي، والأسبوع السادس والسابع: لتكسي العظام بالعضلات.
فتكون مرحلة التخلق قد ظهرت عند تمام أربعين أو اثنين وأربعين يوماً، وهذا التقدير يتفق مع حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في مسلم، وسوف نذكره إن شاء الله تعالى.
يقول الدكتور البار: وقد كانا لمفسرون القدامى يصفون المضغة بأنها مقدار ما يمضغ من اللحم، وقد ذهبت إلى ذلك في الطبعة الأولى.. ولكني بعد إعادة النظر والمناقشة أرى الآن وصف المضغة ينطبق تمام الانطباق على مرحلة الكتل البدنية، إذ يبدو الجنين فيها وكأن أسناناً انغرزت فيه ولاكته، ثم قذفته(72).
هذا فيما يتعلق بالآيات، بقي أن نستعرض الأحاديث التي ذكرناها.
منها حديث ابن مسعود رواه البخاري، قال: حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش عن زيد بن وهب: قال عبد الله: حدثنا رسول الله – وهو الصادق المصدوق – قال:
إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأرب كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة(73).
قال الحافظ في الفتح: "حديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يوماً في ثلاثة أطوار، كل طور منها في أربعين، ثم بعد تكملتها ينفخ فيه الروح(74).
بينما حديث حذيفة في مسلم ظاهره يعارض حديث ابن مسعود. فبداية التخلق كما أرشد إليها حديث حذيفة الغفاري يكون بعد اثنتين وأربعين ليلة،
فقد روى مسلم، حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول:
الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص(75).
ومر معنا رأي الأطباء بما يوافق حديث حذيفة. فقد ذكرنا عن الأطباء أن النطفة الأمشاج تبقى إلى اليوم السادس، ففي اليوم السادس أو السابع تتحول إلى علقة، بحيث تعلق في جدار الرحم.
وفي الأسبوع الرابع (21-30) مخصص لظهور الكتل البدنية، والأسبوع الخامس والسادس، لتحول الكتل البدنية إلى قطاع عظمي وعضلي، والأسبوع السادس والسابع: لتكسي العظام بالعضلات. وهكذا يبقى في الرحم جنيناً مخلقاً في الأسبوع السابع(76).
يقول الدكتور محمد البار: في نهاية الأسبوع السادس (42) يوماً تكون النطفة قد بلغت أوج نشاطها في تكوين الأعضاء، وهي قمة المرحلة الحرجة الممتدة من الأسبوع الرابع حتى الثامن، فيكون دخول الملك في هذه الفترة تنويهاً بأهميتها، وإلا فللملك ملازمة ومراعاة بالنطفة الإنسانية في كافة مراحلها... نطفة وعلقة ومضغة، ودخوله هنا لتصويرها وشق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم بعد ذلك يحدد جنس الجنين ذكر أم أنثى حسب ما يؤمر به، فيحول الغدة إلى خصية أو إلى مبيض... والدليل على ذلك ما يشاهد في السقط حيث لا يمكن تمييز الغدة التناسلية قبل انتهاء الأسبوع السابع، وبداية الثامن: أي أنه لا يمكن تمييزها قبل دخول الملك لتحديد جنس الجنين ذكر أم أنثى كما يؤمر به من خالقها(77).
موقف العلماء من حديث حذيفة وحديث ابن مسعود:
إما الترجيح وإما الجمع:
قال القاضي عياض وغيره: ليس هو على ظاهره، يعني حديث حذيفة، ولا يصح حمله على ظاهره، بل المراد بتصويرها. إلخ أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة. اهـ(78).
قال ابن الصلاح: "أعرض البخاري عن حديث حذيفة بن أسيد، إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئماً مع حديث ابن مسعود، وحديث ابن مسعود لا شك في صحته، وأما مسلم فأخرجهما معهاً، فاحتجنا إلى وجه الجمع بينهما بأن يحمل إرسال الملك على التعدد، فمرة في ابتداء الأربعين الثانية، وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح، وأما قوله في حديث حذيفة في ابتداء الأربعين الثانية، فصورها، فإن ظاهر حديث ابن مسعود أن التصوير إنما يقع بعد أن تصير مضغة، فيحمل الأول على أن المراد أنه يصورها لفظاً وكتابة، لا فعلاً، أي يذكر كيفية تصويرها، ويكتبها، بدليل أن جعلها ذكراً أو أنثى إنما يكون عند المضغة.
وقال ابن حجر متعقباً: "وقد نوزع في أن التصوير حقيقة إنما يقع في الأربعين الثالثة بأنه شوهد في كثير من الأجنة التصوير في الأربعين الثانية، وتمييز الذكر من الأنثى، فعلى هذا فيحتمل أن يقال: أول ما يبتدئ به الملك تصوير ذلك لفظاً وكتباً، ثم يشرع فيه فعلاً عند استكمال العلقة، ففي بعض الأجنة يتقدم ذلك، وفي بعضها يتأخر، ويكون بقي في حديث حذيفة أنه ذكر العظم واللحم، وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقة(79)، فيقوي ما قاله عياض ومن تبعه"(80).
قال ابن القيم في التبيان: فإن قيل: قد ذكرتم أن تعلق الروح بالجنين إنما يكون بعد الأربعين الثالثة، وإن خلق الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، وبينتم أن كلام الأطباء لا يناقض ما أخبر به الوحي من ذلك. فما تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
يدخل الملك في النطفة بعد أن تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، أي رب، ذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم يطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها، ولا ينقص.
قيل: نتلقاه بالقبول والتصديق، وترك التحريف، ولا ينافي ما ذكرناه إذ غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الثالثة، وكلاهما حق، قاله الصادق صلى الله عليه وسلم، وهذا تقدير بعد تقدير.
فالأول: تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق، التي هي أول مراتب الإنسان. وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق.
والتقدير الثاني: تقدير عند كمال خلقه ونفخ الروح، فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره، وهذا تقدير عند تمام خلقه وتصويره، وهذا أحسن من جواب من قال: إن المراد بهذه الأربعين التي في حديث حذيفة الأربعين الثالثة، وهذا بعيد جداً من لفظ الحديث، ولفظه يأباه كل الإباء، فتأمله.
فإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في صحيح مسلم.
فقد روى مسلم، حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول:
الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص(81).
وفي لفظ آخر في الصحيح أيضاً: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين، يقول: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ أسوي أم غير سوي؟ ثم يقول: يا رب ما رزقه؟ وما أجله؟ وما خلقه؟ ثم يجعله الله عز وجل شقياً أم سعيداً.
وفي لفظ آخر في الصحيح أيضاً: "أن ملكاً موكلاً بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئاً بإذن الله لبضع وأربعين ليلة" ثم ذكر نحوه.
قيل: نتلقاه أيضاً بالتصديق والقبول، وترك التحريف وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطباء من أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين(82).
فإن قيل: فكيف توفقون بين هذا، وبين حديث ابن مسعود، وهو صريح في أن النطفة: أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة.. ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيها، ولا جلد، ولا لحم، ولا عظم... وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطباء؛ فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم معصوم، وقولهم عرضة للخطأ، ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم..
قيل: لا تنافي بين الحديثين بحمد الله، وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة، وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة. وخطأ هذا ابن القيم، ثم قال: وظنت طائفة أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم، والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجي. والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية، ولكن هناك تصويران:
أحدهما: تصوير خفي، لا يظهر، وهو تصوير تقديري، كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب: مواضع القطع، والفصل، فيعلم عليها، ويضع مواضع الفصل والوصل، وكذلك كل من يضع صورة في مادة لا سيما مثل هذه الصورة.. ينشئ فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئاً بعد شيء، لا وهلة واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر في البيضة.
أحدهما: تصوير وتخليق علمي، لم يخرج إلى الخارج.
الثانية: مبدأ تصوير خفي، يعجز الحس عن إدراكه.
الثالثة: تصوير يناله الحس، ولكنه لم يتم بعد.
الرابعة: تمام التصوير الذي ليس بعده إلا نفخ الروح.
فالمرتبة الأولى علمية.. والثلاث الأخر عينية.
وهذا التصوير بعد التصوير، نظير التقدير بعد التقدير.. فالرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديراً عاماً قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
وهنا كتب الشقاوة والسعادة والأعمال والأرزاق والآجال.
والثاني تقدير بعد هذا، وهو أخص منه. وهو التقدير الواقع عند القبضتين حين قبض تبارك وتعالى أهل السعادة بيمينه، وقال: هؤلاء إلى الجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى، وقال: هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون.
والثالث: تقدير بعد هذا، وهو أخص منه عندما يمنى به، كما في حديث حذيفة بن أسيد المذكور.
والرابع: تقدير آخر بعد هذا.. وهو عندما يتم خلقه وينفخ فيه الروح، كما صرح به الحديث الذي قبله – يعني: حديث ابن مسعود –(83).
وفي الفتح: "وقال بعضهم يحتمل أن يكون الملك عند انتهاء الأربعين الأولى يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء بحسب الأعضاء، أو يقسم بعضها إلى جلد، وبعضها إلى لحم، وبعضها إلى عظم، فيقدر ذلك كله وجوده، ثم يتهيأ ذلك في آخر الأربعين الثانية، ويتكامل في الأربعين الثالثة.
وقال بعضهم: معنى حديث ابن مسعود أن النطفة يغلب عليها وصف المني في الأربعين الأولى، ووصف العلقة في الأربعين الثانية، ووصف المضغة في الأربعين الثالثة، ولا ينافي ذلك أن يتقدم تصويره(84).
وذهب بعضهم إلى أن قوله: مخلقة وغير مخلقة صفة للنطفة، وليست للمضغة، روي ذلك عن ابن مسعود بسند صحيح، رواه ابن جرير الطبري عنه.
فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثنا كريب، قال: ثنا معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إذا وقعت إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة، أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال: مخلقة، قال: يا رب فما صفة هذه النطفة؟، أذكر أم أنثى؟، ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟، قال: فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها(85).
هذا ما تيسر لي جمعه من أقوال أهل العلم في الجمع بين حديث ابن مسعود، وحديث حذيفة. والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد
--------------------------------------
(*) مادة البحث مستفادة من كتاب الحيض والنفاس رواية ودراية للشيخ دبيان بن محمد الدبيان
(1) تاج العروس (10/284)، والمصباح المنير (ص: 146).
(2) (2/411) وانظر البحر الرائق (8/389)، رد المحتار (5/276)، نهاية المحتاج (8/442)، مغني المحتاج (4/103)، الفروع (6/13).
(3) انظر مسألة تحديد النسل، د. محمد البوطي (ص: 67)، الطبيب أدبه وفقهه، د. محمد البار، الإجهاض من منظور إسلامي، د. عبد الفتاح محمد إدريس، مجلة الحكمة، العدد التاسع (ص: 119-123).
(4) تبيين الحقائق (2/166)، حاشية ابن عابدين (3/176)، البحر الرائق (8/233).
(5) حاشية الدسوقي (2/267)، أسهل المدارك (1/405)، حاشية العدوي، مطبوع مع الخرشي (3/225)، منح الجليل (3/360).
(6) نهاية المحتاج – الرملي (8/442)، إحياء علوم الدين (2/51)، حاشية الجمل (5/490).
(7) الفروع (1/281)، الإنصاف (1/386)، كشاف القناع (1/220).
(8) الشرح الكبير المطبوع مع حاشية الدسوقي (1/266، 267).
(9) القوانين الفقهية (ص: 235).
(10) أسهل المدارك (1/405).
(11) مجموع الفتاوى (34/160).
(12) صحيح البخاري (6740)، ومسلم (35-1681).
(13) المحلى (مسألة: 2124).
(14) الفتح (12/311) ح 6908.
(15) الجامع لأحكام القرطبي (12/8).
(16) صحيح مسلم بشرح النووي (16/191).
(17) فتح الباري (11/588) ح 6594.
(18) البخاري (3208)، ومسلم (2643).
(19) حاشية ابن عابدين (3/176).
(20) حاشية الدسوقي (2/267)، أسهل المدارك (1/405)، حاشية العدوي، مطبوع مع الخرشي (3/225)، منح الجليل (3/360).
جاء في الشرح الكبير (2/267): "لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل الأربعين ويماً" قال الدسوقي في حاشيته تعليقاً عليه (2/267): "وهو المعتمد".
وقال ابن جزي في القوانين الفقهية (ص 235): "وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له".
(21) قال الغزالي في إحياء علوم الدين (2/51): "وليس هذا – يقصد العزل – كالإجهاض والوأد؛ لأن ذلك جناية على موجود حاصل، وله أيضاً مراتب، وأول الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فغن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح، واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفحشاً، ومنتهى التفحش في الجناية بعد الانفصال حياً".
(22) جاء في تحفة المحتاج (8/241): "اختلفوا في التسبب لإسقاط ما لم يصل لحد نفخ الروح فيه، وهو مائة وعشرون يوماً، والذي يتجه وفاقاً لابن العماد وغيره الحرمة، ولا يشكل عليه جواز العزل لوضوح الفرق بينهما، بأن المني حال نزوله محض جماد، ولم يتهيأ للحياة بوجه بخلافه بعد استقراره في الرحم وأخذه في مبادئ التخلق".
(23) أحكام النساء – ابن الجوزي (ص: 374).
(24) يقول ابن عابدين في حاشيته المشهورة (3/176): "قال في النهر: بقي هل يباح الإسقاط بعد الحمل؟ نعم يباح، ما لم يتخلق منه شيء، ولن يكون ذلك إلا بعد مضي مائة وعشرين يوماً". وعلق ابنعابدين: "وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح، وإلا فهو غلط؛ لأن التخلق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة". وهذا مذكور بحروفه في شرح فتح القدير (3/401).
وجاء في تبيين الحقائق (2/166): "المرأة يسعها أن تعالج لإسقاط الحبل ما لم يستبن شيء من خلقه، وذلك ما لم يتم له مائة وعشرون يوماً". وانظر البناية (4/957)، الاختيار لتعليل المختار (5/186).
(25) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني (3/264).
(26) الفروع (1/281)، الإنصاف (1/386)، كشاف القناع (1/220).
(27) جاء في حاشية ابن عابدين (3/176): "وفي كراهة الخانية: ولا أقول بالحل؛ إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه؛ لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤخذ بالجزاء فلا أقل من أن يلحقها إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر" اهـ. قال ابن وهبان: ومن الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر، ويخاف هلاكه، ثم قال: قال ابن وهبان: فإباحة الإسقاط محمولةعلى حالة العذر، أو أنها لا تأثم إثم القتل" اهـ من حاشية ابن عابدين.
وإسقاط الجنين إذا انقطع اللبن قول ضعيف جداً، لأن الرزاق هو الله سبحانه وتعالى، (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) (هود: من الآية6)، وإذا هلك لقلة اللبن لم يكن من كسبها، ولا تأثم بذلك.
(28) جاء في نهاية المحتاج – الرملي (8/442): "قال الزركشي: وفي تعاليق بعض الفضلاء، قال الكرابيسي: سألت أبا بكر بن أبي سعيد الفراتي عن رجل سقى جارية شراباً لتسقط ولدها؟ فقال: ما دامت نظفة أو علقة فواسع له ذلك إن شاء الله تعالى. اهـ
(29) قال في حاشية ابن عابدين (3/176): "لو أرادت الإلقاء قبل مضي زمن ينفخ فيه الروح، هل يباح لها ذلك أم لا؟ اختلفوا فيه، وكان الفقيه علي بن موسى يقول: إنه يكره؛ فإن الماء بعدما وقع في الرحم مآله إلى الحياة، فيكون له حكم الحياة كما في بيضة الحرم، ونحوه في الظهيرية". اهـ وربما قصد بالكراهة كراهة التحريم، فيرجع القول إلى القول بالتحريم، وهو غير بعيد. والله أعلم.
(30) حاشية الدسوقي (2/266، 267).
(31) رواه أحمد (1/100). والحديث يرويه كل من إسحاق بن عبد الله بن الحارث، وزيد ابن علي بن جدعان، كلاهما، عن عبد الله بن الحارث، عن عثمان، عن علي.
واقتصر إسحاق بن عبد الله بن الحارث على قصة الحمار، ولم يذكر بيض النعام، وإسناد إسحاق إسناد حسن. وزاد زيد بن علي بن جدعان ذكر بيض النعام، وهو رجل ضعيف، فتكون زيادته منكرة.
(32) بتصرف يسير جداً إحياء علوم الدين (2/51).
(33) نهاية المحتاج (8/442).
(34) تحفة المحتاج (8/241)، حاشية الجمل (4/447)، الإجهاض من منظور إسلامي.
(35) مسلم (2645).
(36) رد المحتار (5/276).
(37) الفروع (1/281).
(38) وهو ظاهر إطلاق كلام الفقهاء المتقدم، في تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح.
يقول صاحب البحر الرائق (8/233): "وفي النوادر امرأة حامل اعترض الولد في بطنها، ولا يمكن إلا بقطعه أرباعاً، ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت، فإن كان الولد ميتاً فلا بأس به، وإن كان حياً، فلا يجوز؛ لأن إحياء نفس بقتل أخرى لم يرد في الشرع" اهـ. ووافقه ابن عابدين في حاشيته. انظر (2/238).
(39) جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة: "إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً، لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة، إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه، سواء كان مشوهاً، أو لا، دفعاً لأعظم الضررين" اهـ.
وجاء في قرار هيئة كبار العلماء رقم (140)، تاريخ 20/6/1407هـ
"بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر للحمل، لا يحل إسقاطه إلا أن يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين أن بقاء الجنين في بطن أمه بسبب موتها، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته، وإنما رخص الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعاً لأعظم الضررين، وجلباً لعظمى المصلحتين" اهـ..
(40) البحر الرائق (8/233).
(41) حاشية ابن عابدين (2/238).
(42) تيسير الكريم الرحمن (5/70، 71).
(43) مفتاح دار السعادة (2/403).
(44) قواعد الأحكام (1/88).
(45) صحيفة الرياض، عدد 4431 في 26/2/1400، صفحة المجتمع.
(46) نقلت أدلة القول ببعض التصرف من كتاب تنظيم النسل (ص: 228).
(47) البخاري (3208)، ومسلم (2643).
(48) مسلم (2645). قال القاضي عياض وغيره: ليس هو على ظاهره، ولا يصح حمله على ظاهره، بل المراد بتصويرها... إلخ أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة اهـ. كما في الديباج على صحيح مسلم (6/8). يقصد حديث ابن مسعود إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً... إلخ.
ولا يظهر لي جمع القاضي عياض، بل قد اطلعت على كتاب يصور مراحل الجنين، وكان يكبر العلقة، والمضغة عشرات المرات فكان يظهر فيها تخطيط، وحدود للجمجمة والأعضاء إلا أنه لا يتبين أنه خلق آدمي، وإنما هو خلق بدائي، فربما التخلق الذي في حديث حذيفة هو التخلق الخفي الذي لا يظهر بالعين المجردة وإنما عن طريق التكبير عشرات المرات، والمقصود في حديث ابن مسعود هو التخلق الجلي الذي يظهر لكل الناس. والله أعلم. ثم وجدت من كلام أهل العلم ما يؤيد هذا، قال ابن القيم كما في فتح الباري: قوله: "ثم تكون علقة مثل ذلك" فإن العلقة وإن كانت قطعة دم لكنها في هذه الأربعين الثانية تنتقل عن صورة المني، ويظهر التخطيط فيها ظهوراً خفياً على التدريج، ثم يتصلب في الأربعين يوماً بتزايد ذلك التخلق شيئاً فشيئاً حتى يصير مضغة مخلقة ويظهر للحس ظهوراً لا خفاء به، وعند تمام الأربعين الثالثة والطعن في الأربعين الرابعة ينفخ فيه الروح.
(49) ونقل البخاري هذا الكلام في صحيحه في تفسير سورة الإنسان (8/884) غير منسوب، وأوضح ابن حجر أن هذا الكلام للفراء. والله أعلم.
(50) تاج العروس (3/487). وذكر ابن جرير الطبري في تفسيره (12/354-356): أربعة معان للنطفة الأمشاج، ورجح أن تكون الأمشاج بمعنى الأخلاط.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره:
وقوله: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) (الإنسان: من الآية2) يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا ذرية آدم من نطفة، يعني: من ماء الرجل وماء المرأة. والنطفة: كل ماء قليل في وعاء كان ذلك ركية أو قربة أو غير ذلك كما قال عبد الله بن رواحة:
................. هل أنت إلا نطفة في شنه
وقوله (أمشاج) يعني أخلاط، واحدها: مشج، ومشيج، مثل خدن وخدين ومنه قول رؤبة بن العجاج:
يطرحن كل معجل نشاج لم يكس جلداً في دم أمشاج
يقال منه: مشجت هذا بهذا إذا خلطته به، وهو ممشوج به ومشيج أي مخلوط به، كما قال أبو ذؤيب:
كأن الريش والفوقين منه خلال النصل سيط به مشيج
واختلف أهل التأويل في معنى الأمشاج الذي عنى بها في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
ذكر من قال ذلك:
(35742) حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي، قالا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني عن عكرمة: أمشاج نبتليه، قال: ماء الرجل وماء المرأة يمشج أحدهما بالآخر.
(35743) حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن عكرمة، قال: ماء الرجل وماء المرأة يختلطان.
(35744) قال ثنا أبو أسامة، قال: ثنا زكريا، عن عطية، عن ابن عباس، قال: ماء المرأة وماء الرجل يمشجان.
(35746) قال ثنا عبد الله، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس قال: إذا اجتمع ماء الرجل وماء المرأة فهو أمشاج.
(35747) قال ثنا أبو أسامة، قال: ثنا المبارك، عن الحسن، قال: مشج ماء المرأة مع ماء الرجل.
(35748) قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا عثمان بن الأسود، عن مجاهد قال: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة وقد قال الله: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى.
(35749) قال: ثنا عبيد الله قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد قال: خلق من تارات ماء الرجل وماء المرأة.
القول الثاني: قال آخرون: إنما عني بذلك إنا خلقنا الإنسان من نطفة ألوان ينتقل إليه، يكون نطفة، ثم يصير علقة، ثم مضغة ثم عظماً ثم كسي لحماً.
ذكر من قال ذلك.
(35750) حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: قوله إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه الأمشاج: خلق من ألوان خلق من تراب، ثم من ماء الفرج والرحم: وهي النطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً ثم أنشأه خلقاً آخر فهو ذلك.
(35751) حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة في هذه الآية: أمشاج قال: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة ثم عظماً.
القول الثالث: وقال آخرون عني بذلك اختلاف ألوان النطفة.
ذكر من قال ذلك:
(35755) حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله أمشاج نبتليه يقول مختلفة الألوان.
(35756) حدثنا أبو هشام قال ثنا يحيى بن يمان قال ثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال ألوان النطفة.
القول الرابع: قال آخرون بل هي العروق التي تكون في النطفة.
ذكر من قال ذلك:
(35760) حدثنا أبو كريب وأبو هشام، قالا: ثنا وكيع، قال: ثنا المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه، عن عبد الله قال: أمشاجها عروقها.
(35761) حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا أسامة بن زيد، عن أبيه قال: هي العروق التي تكون في النطفة.
وأشبه هذه الأقوال بالصواب قول من قال معنى ذلك من نطفة أمشاج نطفة الرجل ونطفة المرأة لأن الله وصف النطفة بأنها أمشاج وهي إذا انتقلت فصارت علقة فقد استحالت عن معنى النطفة فكيف تكون نطفة أمشاجاً وهي علقة وأما الذين قالوا إن نطفة الرجل بيضاء وحمراء فإن المعروف من نطفة الرجل أنها سحراء على لون واحد وهي بيضاء تضرب إلى الحمرة وإذا كانت لوناً واحداً لم تكن ألواناً مختلفة وأحسب أن الذين قالوا هي العروق التي في النطفة قصدوا هذا المعنى. وانظر هذه الأقوال أيضاً في تفسير أبي السعود (9/70)، وتفسير السيوطي (8/368)، وتفسير القرطبي (19/120)، وزاد المسير (8/428).
(51) يقول د. محمد علي البار في كتابه: خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 185-192): "لم تكن البشرية تعرف شيئاً عن النطفة الأمشاج – يقصد عن طريق علومها التجريبية – (وهي الأخلاط من الذكر والأنثى) فقد كان الاعتقاد السائد لدى الفلاسفة والأطباء أن الجنين الإنساني إنما يتكون من ماء الرجل، وإن رحم المرأة ليس إلا محضناً لذلك الجنين، وشبهوا ذلك بالبذرة ترمى في الأرض فتأخذ منها غذاءها، وتخرج شجرة يافعة وارفة الظلال يانعة الثمار، وليس للمرأة دور في إيجاد الجنين سوى رعايته وتغذيته..
ثم ذكر نظريات الناس حول إيجاد الجنين من وقت أرسطو إلى القرن التاسع عشر، وقال بعد عرضها لها:
وهكذا يبدو بوضوح أن الإنسانية لم تعرف بواسطة علومها التجريبية أن الجنين الإنساني أو الحيواني يتكون من امتشاج واختلاط نطفة الذكر ونطفة الأنثى إلا في القرن التاسع عشر، ولم يتأكد لها ذلك إلا في القرن العشرين، والإعجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أنهما قد أكدا بما لا يدع مجالاً للشك أن الإنسان إنما خلق من نطفة مختلطة سماها النطفة الأمشاج (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (الإنسان:2).
(52) يقول د. محمد علي البار في كتابه: خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 120-122): الماء الذي يخرج من فرج المرأة لا علاقة به بتكوين الجنين؛ لأن الجنين إنما يتكون من الحيوان المنوي للرجل، وبويضة المرأة، ولكن العلم الحديث يكشف شيئاً مذهلاً:
إن الحيوان المنوي يحمله ماء دافق: هو ماء المني.
كذلك البويضة في المبيض تكون في حويصلة جراف، محاطة بالماء، فإذا انفجرت الحويصلة تدفق الماء على أقتاب البطن، وتلقفت أهداب البوق (قناة فالوب) البويضة لتدخلها إلى قناة الرحم، حيث تلتقي بالحيوان المنوي لتكون النطفة الأمشاج.
مما تقدم، أن للمرأة نوعين من الماء:
أولهما: ماء لزج، يسيل ولا يتدفق، وهو ماء المهبل، وليس له علاقة في تكوين الجنين سوى مساعدته في الإيلاج، وفي ترطيب المهبل، وتنظيفه من الجراثيم والميكروبات.
وثانيهما: ماء يتدافق، وهو يخرج مرة واحدة في الشهر من حويصلة جراف بالمبيض عندما تقترب هذه الحويصلة المليئة بالماء الأصفر – وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان: أن ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر – من حافة المبيض، فتنفجر عند تمام نموها وكماله، فتندلق المياه إلى أقتاب البطن، ويتلقف البوق، البويضة، فيدفعها دفعاً رقيقاً حتى تلتقي بالحيوان المنوي الذي يلقحها في الثلث الوحشي من قناة الرحم.
هذا الماء يحمل البويضة تماماً كما يحمل ماء الرجل الحيوانات المنوية. كلاهما يتدفق، وكلاهما يخرج من بين الصلب والترائب: ماء دافق يحمل الحيوانات المنوية.
وماء دافق من حويصلة إجراف بالمبيض يحمل البويضة. وصدق الله العظيم حيث يقول: (فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) (الطارق:5-7).
(53) اختلف في الترائب: هل المراد بها ترائب المرأة، أم المراد بها ترائب الرجل، والعلم الطبي يؤكد أن المراد بها ترائب الرجل والمرأة.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين (1/158): "ولا خلاف أن المراد بالصلب: صلب الرجل. واختلف في الترائب:
فقيل: المراد بها ترائبه أيضاً. وهي عظام الصدر: ما بين الترقوة إلى الثندوة.
وقيل: المراد بها ترائب المرأة. قال ابن القيم: والأول: أظهر؛ لأنه سبحانه وتعالى قال: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) ولم يقل: يخرج من الصلب والترائب، فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجاً من بين هذين الملتقين، كما قال في اللبن: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ) (النحل: من الآية66). وذكر نحو هذا في التبيان في أقسام القرآن (ص: 102-103).
وذكر القرطبي في تفسيره، والثعالبي في تفسيره (4/402): عن الحسن البصري بأنه يخرج من صلب الرجل وترائبه، وصلب المرأة وترائبها.
يقول د. محمد البار: الخصية والمبيض إنما يتكونان من الحدبة التناسلية بين صلب الجنين وترائبه، والصلب: هو العمود الفقري. والترائب: هي الأضلاع. وتتكون الخصية والمبيض في هذه المنطقة بالضبط: أي بين الصلب والترائب، ثم تنزل الخصية تدريجياً حتى تصل إلى كيس الصفن (خارج الجسم) في أواخر الشهر السابع من الحمل، وبينما ينزل المبيض إلى حوض المرأة، ولا ينزل أسفل من ذلك".
ثم يقول الدكتور وفقه الله: والآية الكريمة إعجاز علمي كامل حيث تقول: من بين الصلب والترائب، ولم تقل من الصلب والترائب، فكلمة (بين) ليست بلاغة فحسب، وإنما تعطي الدقة العلمية المتناهية، وقد أخطأ كثير من المفسرين القدامى حيث لم يهتموا بهذه اللفظة، وقالوا: إن المني يخرج من صلب الرجل، وماء المرأة يكون في ترائبها، وهذا خطأ علمي، وخطأ منهجي؛ حيث لم يعطوا الآية حقها فحذفوا كلمة (بين) ولذا وقعوا في الخطأ، والذي أوجب لهم هذا الخطأ أنهم رأوا أهل اللغة قالوا: الترائب: موضع القلادة من الصدر. قال الزجاج: أهل اللغة مجمعون على ذلك، وهذا لا يدل على اختصاص الترائب بالمرأة، بل يطلق على الرجل والمرأة. قال الجوهري: الترائب عظام الصدر، ما بين الترقوة لى الثندوة... إلخ كلامه وفقه الله انظر كتابه الإنسان بين الطب والقرآن (س: 113-119).
(54) .أضواء البيان (3/213).
(55) بتصرف، الآيات العجاب في رحلة الإنجاب (ص: 84). وانظر بتوسع كتاب الإنسان هذا الكائن العجيب (1/101)، ويذكر المؤلف أن البويضة قلما تعيش أكثر من 36 ساعة بعد خروجها من المبيض، ونطفة الرجل تحتاج من 7-30 ساعة للوصول إلى البويضة لتلقيحها. وانظر روعة الخلق (ص: 50).
(56) انظر تفسير أبي السعود (6/93، 126)، وتفسير الطبري، سورة المؤمنون ()، وتفسير القرطبي (12/6)، (20/119)، وتفسير ابن كثير (3/241)، وأضواء البيان (5/21)، وانظر مختار الصحاح (ص: 189).
(57) تاج العروس (13/344) وحديث سرية بني سليم، وابن أبي أوفى لم أقف عليهما مسندين، وقد ذكرهما ابن الأثير في النهاية (3/288). والله أعلم.
(58) رواه مسلم (261-262).
(59) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 204).
(60) انظر تاج العروس (13/344-354)، مختار الصحاح (ص: 189).
(61) لا يظهر لي أن تفسير العلماء ناتج عن الملاحظة بالعين المجردة، بل ناتج عن استعمال أحد معاني الكلمة، فالعلقة باللغة تطلق على الدم، وتطلق على ما يعلق، فالمفسرون اختاروا أحد معاني الكلمة، ولم يطبق المفسرون على هذا التفسير، فقد ذكر ابن الجوزي في زاد المسير المسمى علم التفسير: وقيل: سميت علقة لرطوبتها، وتعلقها بما تمر به" وقد نقله الدكتور البار في كتابه فيما سبق.
(62) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 205-206).
(63) رواه البخاري (52)، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير ن الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حولا لحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب. رواه مسلم (1599).
(64) تفسير ابن كثير (5/395).
(65) وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (12/9) في معنى "مخلقة" إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإن النطفة والعلقة والمضغة مخلقة؛ لأن الكل خلق الله تعالى، وإن رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) فذلك ما قال ابن زيد وقد ساق قوله قبل: وهو المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، وغير المخلقة التي لم يخلق فيها شيء.
(66) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (24922)، وهذا الأثر على خلاف ما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود، وما جاء في حديث مسلم من حديث حذيفة بأن الله يأمر الملك أن يكتب، ولا يحيله إلى أم الكتاب. والله أعلم.
(67) أضواء البيان (5/21).
(68) أضواء البيان (5/21).
(69) تفسير الطبري (9/110، 111).
(70) المرجع السابق.
(71) أضواء البيان (5/21).
(72) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 252). هذا وقد ذكر الدكتور البار تفسيرات أخرى في حاشيته (208)، فقال في معنى مخلقة وغير مخلقة:
إن العلقة وهي تنغرز في جدار الرحم، وتنشب فيه في اليوم السابع من التلقيح تبدأ بالتمايز إلى طبقتين:
خارجية: ووظيفتها قضم خلايا الرحم، والاتصال المباشر بالبرك الدموية الرحمية لامتصاص الغذاء منها.
وداخلية: ووظيفتها تكوين الجنين وأغشيته.
باختصار أن هناك طبقتين: مخلقة، وغير مخلقة، فالطبقة الخارجية غير مخلقة قطعاً، والداخلية مخلقة؛ لأنه يخلق منها الجنين، وأغشيته.
قال البار: وهناك وجه قوي أشار إليه الدكتور عزيز عبد العليم رئيس قسم وأستاذ جراحة الأطفال في جامعة طنطا، قال: الآية مخلقة وغير مخلقة تتحدث عن خلايا غير متميزة وهي خلايا عميمة وجميمة، ولها قدرة بأمر بارئها وخالقها على التشكل والتحول، وهي موجودة في الجنين في مرحلة المضغة وما بعدها، وتعرف بالخلايا الميزانيكيمية ومصدرها الطبقة المتوسطة (الميزودرم)، وهذه الخلايا تتحول إلى خلايا متميزة عند تكون العظام، أو خلايا الدم الحمراء، أو اليضاء أو عندما تلتئم الجروح والكسور، ولها دور هام في الجنين والطفل، بل وفي البالغ والكبير.
هذه الخلايا غير المتميزة هي الخلايا غير المخلقة، وأما الخلايا المتميزة فيه مخلقة، وعلى ذلك فإن مخلقة وغير مخلقة فهي صفة للمضغة، وما بعد المضغة حتى نهاية العمر. قال البار تعقبياً: وهو وجه مستساغ، ودليله من علم الطب قائم، ولا يمنعه مفهوم الآية، بل يؤيده.
يقول الدكتور ليزلي في كتابه Devevopmental anatomy الطبعة السابعة (ص: 26): "وفي الجنين تتمايز الخلايا على حسب برامج زمنية مختلفة، فمنها ما يتمايز (يتخلق) بسرعة، ويسير في طريقه حثيثاً إلى نهايته المحددة المرسومة له (المقدرة).. ومنها ما يسير ببطء في هذا التمايز.. ومنها ما يتوقف بعد المسير، ثم يواصل سير التمايز، وتبقى مجموعة من هذه الخلايا غير متمايزة إلى آخر العمر.. وتشكل بذلك الاحتياطي الذي يمكن أن يطلب في أي لحظة.
وفي كتاب مع الطب في القرآن للدكاترة عبد الحميد دياب، وأحمد قرقوز: "فطور المضغة يمر إذاً بمرحلتين: .. المرحلة الأولى: حيث لم يتشكل أي عضو أو أي جهاز وأسميها مرحلة المضغة غير المخلقة.
والمرحلة الثانية: حيث تم فيها تمييز الأجهزة المختلفة، وأسميناها: مرحلة المضغة المخلقة. وهكذا يتضح جلياً إعجاز القرآن الكريم في وصفه لطور المضغة بقوله: (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)، وقد اعتبر المؤلفان أن مرحلة المضغة تبدأ من الأسبوع الثالث، وتكون في هذه المرحلة غير مميزة حتى نهاية الأسبوع الرابع.. ويبدأ التمايز في بداية الأسبوع الخامس، وهو ما يؤدي إلى ظهور الأعضاء، والأجهزة، وبذلك يكون قبل مرحلة التمايز هو المضغة غير المخلقة، وما بعد التمايز، يعتبر المضغة المخلقة.
قال الدكتور البار تعليقاً: وهو قريب من المفهوم السابق الذي ذكرناه عن الدكتور عزيز عبد العليم، والذي وسع مفهومه باعتبار التمايز يستمر منذ مرحلة المضغة إلى أن يولد، ثم يستمر بعد ذلك أثناء الحياة متفاوتة حتى نهاية العمر. اهـ نقلاً من كتاب الدكتور محمد البار.
(73) البخاري (3208)، ومسلم (2643).
(74) فتح الباري (11/591)، وإليك بقية كلام الحافظ، قال رحمه الله: "وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد بمدة في عدة سور. منها في الحج، ودلت الآية على أن التخليق يكون للمضغة، وبين الحديث أن ذلك يكون فيها إذا تكاملت الأربعين، وهي المدة التي إذا انتهت سميت مضغة، وذكر الله النطفة ثم العلقة، ثم المضغة في سورة أخرى وزاد في سورة قد أفلح بعد المضغة (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً) (المؤمنون: من الآية14) ثم قال: وقد رتب الأطوار في الآية بالفاء؛ لأن المراد أنه لا يتخلل بين الطورين طور آخر، ورتبها في الحديث بـ"ثم" إشارة إلى المدة التي تتخلل بين الطورين ليتكامل فيها الطور، وإنما أتى بـ ثم بين النطفة والعلقة؛ لأن النطفة قد لا تكون إنساناً، وأتى بـ ثم في آخر الآية عند قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) ليدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه..
(75) مسلم (2645).
(76) وهذا التقدير موافق تقريباً ما ذكره ابن القيم قال في التبيان (ص: 336)، ونقله الحافظ في الفتح ببعض التصرف كعادته (11/588) ح 6594)، قال ابن القيم: "اقتضت حكمة الخلاق العليم سبحانه وتعالى أن جعل داخل الرحم خشن كالاسفنج.. وجعل فيه طلباً للمني وقبولاً له كطلب الأرض الشديدة العطش للماء، وقبولها له، فجعله طالباً حافظاً، مشتاقاً إليه بالعطش، فلذلك إذا ظفر به، ضمه، ولم يضيعه، بل يشتمل عليه أتم الاشتمال، وينضم أعظم انضمام، لئلا يفسده الهواء، فيتولى القوة والحرارة التي هناك بإذن الله ملك الرحم، فإذا اشتمل على المني، ولم يقذف به إلى خارج، استدار على نفسه وصار كالكرة في الشدة إلى تمام ستة أيام (وقد ذكرت فيما سبق عن الأطباء أن نطفة الأمشاج تبقى ستة أيام قبل أن تتحول إلى علقة) فإذا اشتد نقط نقطة في الوسط، وهو موضع القلب، ونقطة في أعلاه وهي نقطة الدماغ، وفي اليمين: وهي نقطة الكبد. ثم تتباعد تلك النقط، ويظهر بينها خطوط حمر، إلى تمام ثلاثة أيام أخر، ثم تنفذ الدموية في الجميع بعد ستة أيام أخر، فيصير ذلك خمسة عشر يوماً، ويصير المجموع سبعة وعشرين يوماً، ثم ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الضلوع، والبطن عن الجنبين، وذلك في تسعة أيام، فتصير ستة وثلاثين يوماً، ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس ظهوراً بيناً في تمام أربعة أيام، فيصير المجموع أربعين يوماً تجمع خلقه، وهذا مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، واكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الإجمال عن التفصيل، وهذا يقتضي أن الله قد جمع فيها خلقاً جمعاً خفياً، وذلك الخلق في ظهور خفي على التدريج" اهـ.
(77) خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 389).
يقول الطبيب سيف الدين السباعي في كتابه: الإجهاض بين الفقه والطب والقانون (ص: 37): "المضغة: هي المرحلة الثالثة من تكون الجنين، فبعد أن زودت المضغة بمصادر التغذية المناسبة وانفصلت خلاياها إلى وريقات ثلاث، تبدأ تلك الوريقات بالتمايز، وتصوير الأعضاء، والأجهزة، ويكون ذلك في بدء الشهر الثاني، وبينما كانت العلقة تقيس 5مم، تصبح المضغة في نهاية الشهر الثاني 30مم طولاً، و11 غراماً وزناً.
في هذه الفترة يتشكل الجهاز العصبي والحويصلان السمعي والبصري، وتظهر مولدات الغضروف والعضلات، والأدمة ووحدات الجهاز البولي والتناسلي، والأغشية المصلية، والقلب، وجهاز الهضم، وبراعم الأطراف العلوية والسفلية، وتمر المضغة بطورين: أولهما المضغة غير المخلقة، حيث تتصور الأعضاء دون أن تظهر أي تتمايز مجموعات خلوية مختلفة، ومن ثم تتطور وتتخلق معطية الأجهزة والأعضاء، وتلك المضغة المخلقة (الطور الثاني).
وفي منتصف هذا الشهر: أي في يوم (40-45) تحدث تبدلات خاصة تنتقل بالجنين نقلة واسعة نحو تكونه الإنساني، فالقلب الذي كان بشكل أنبوب مغلق ابتدائي يدق دقات خفيفة، يصبح في اليوم 38 قلباً رباعي الأجواف، يضرب ضربات عادية، ويتصل بالدوران المشيمي، إلا أن سماع دقات القلب بوسائلنا العادية لا يكون قبل الأسبوع 22 من الحمل، وكذا تتشكل العينان، والأذنان والأنف، والشفتان، وبراعم الأسنان، وبعض العضلات، وتكون اليدان قصيرتين، والساقان أقصر، إلا أنها واضحة المعالم، وهكذا تصورت وتخلقت المضغة، وهذا ما أثبته الحديث الشريف الصحيح، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم يقول: أي رب ذكر أم أنثى؟ اهـ.
(78) نقلاً من الديباج على صحيح مسلم (6/8).
(79) الثابت طبياً خلافه كما شرحت من قبل.
(80) فتح الباري (11/592) ح 6594.
(81) مسلم (2645).
(82) في كلام ابن القيم ما يشير إلى أنه في عهده كان إجماعاً من الأطباء على أن التصوير بعد الأربعين، وهذا ما فصله الطب الحديث بعد وصوله لعلم التصوير والتكبير. والله أعلم.
(83) التبيان في أقسام القرآن (ص: 345).
(84) فتح الباري (11/592). 6594.
(85) والحديث وإن كان رجاله ثقات إلا أنه شاذ لمخالفته ما في الصحيحين.
المصدر : موقع المسلم

Heba Khled
08-19-2011, 06:50 PM
http://www.mezan.net/forum/g5/0%20(9).gif

التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (1/2)


الدكتور/ سلمان بن صالح الدخيل


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فهذا بحث في التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون وأحكامها.
وفيه تمهيد ومبحثان:
المبحث الأول: ضرر مجرد التأخير في المماطلة في الديون.
المبحث الثاني: الضرر الناتج عن فوات الربح المفترض في المماطلة في الديون.

تمهيد:
المماطلة في الديون تعود بالضرر على أهل الحقوق من جهة تأخر ديونهم، ومنعهم من الانتفاع بها تلك المدة وعدم تمكنهم من التصرف فيها، وهذا التأخر في سداد الديون هو في نفسه ضرر، وقد يترتب عليه ضرر آخر من جهة فوات أرباح متوقعة أو متيقنة، وقد يكون الضرر فعلياً كأن يحمله هذا التأخر والمماطلة إلى تكبد الخسائر المادية لأجل استخلاص حقه والظفر به أو ببعضه فضلاً عن الضرر المعنوي الذي قد يتكبده الدائن من الحزن والابتذال بالمرافعة والمخاصمة وكثرة التردد، الأمر الذي يتنـزه عن مثله أهل المروءات.

لذا فإن بحث التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون ، من جهة جواز التعويض المالي عنها أو عدمه، يعد من أهم مسائل هذا البحث، وهي من المسائل المعاصرة الملحة في كثير من الجهات ذات العلاقة، وقبل الشروع في بيان هذه الأضرار، يجدر بيان معنى الضرر، وشروط التعويض المالي عنه، وتحرير محل النزاع في التعويض عن أضرار المماطلة في الديون، والكلام في ذلك ينتظم في ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: تعريف الضرر.
والضُّر في اللغة: ضد النفع، ويطلق على سوء الحال، والفقر، والشدة في البدن والمرض(1)، ومنه قوله _تعالى_: "مَسَّنِيَ الضُّرُّ"(2).
والضرر في الاصطلاح: يطلق على"كل أذى يَلحقُ الشخص، سواء أكان في مال متقوم محترم، أو جسم معصوم، أو عرض مصون"(3).

المبحث الثاني: شروط التعويض المالي للضرر.
نص العلماء على قاعدة هي من القواعد الكبرى في الشريعة، وهي أن الضرر يزال، وقد يكون زوال هذا الضرر بالتعويض المالي، إلا أن التعويض أخص من الضرر، فليس كل ضرر يعوض بالمال كي يزول، وقد ذكر الفقهاء شروطاً لاستحقاق الضرر للتعويض المالي(4)، وهي ما يلي:

الشرط الأول: أن يكون الضرر في مال.
فلا ضمان على ما ليس مالاً كالكلب والميتة والدم المسفوح.(5)
الشرط الثاني : أن يكون المال متقوماً مملوكاً للمتلف عليه.
وهذا يشمل المباح، فلا يجب الضمان بإتلاف الخمر والخنزير على المسلم؛ لسقوط تقوم الخمر والخنزير على حق المسلم(6).
الشرط الثالث: أن يكون في إيجاب التعويض فائدة.
بمعنى إمكان الوصول إلى الحق ودفع الضرر حتى لا يكون إيجاب التعويض عبثاً؛ لعدم القدرة على الوصول إلى الحق، فلا يضمن المسلم بإتلاف مال الحربي، ولا العكس.
الشرط الرابع: أن يكون المتلف من أهل الضمان.
وذلك بأن يكون له أهلية وجوب، وأهلية الوجوب تثبت لكل إنسان بدون قيد ولا شرط (7).
الشرط الخامس: أن يكون الضرر محقق الوقوع بصفة دائمة.
فلا يضمن بمجرد الفعل الضار دون حصول الضرر واستمراره، كمن حفر حفرةً في طريق، فسقط فيها إنسان، فلم يصب بشيء، أو قلع سناً فنبتت أخرى مكانـها(8)، وكذا لا يضمن الضرر المحتمل وقوعه، أو ضرر تفويت الفرصة، أو الضرر المعنوي.

المبحث الثالث: تحرير محل النزاع في الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون، وحكم التعويض عنها:
التعويض عن أضرار المماطلة في الديون، هو أهم المسائل المتعلقة بـهذا البحث؛ وذلك لأنـها هي الصيغة المطبقة عالمياً في معالجة الديون المتعثرة، سواء كان هذا التعثر في السداد بسبب المطل أو غيره، وقد نصت القوانين الوضعية على مشروعية التعويض المالي ضد التأخر في وفاء الديون، ونظراً لانتشار البنوك الإسلامية وتضررها من المماطلة في الديون بشكل أوضح من البنوك الربوية، لكونـها تحرم الربا في معاملاتـها فقد أثيرت هذه المسألة في محيط هذه البنوك الإسلامية، وحصل فيها خلاف بين المعاصرين، وهو ما سنعرضه _بإذن الله_ في هذا الفصل .
وقبل الشروع في تفصيل الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون، تجدر الإشارة إلى تحرير محل النزاع في المسألة، وبيان أحكام اتفق عليها الفقهاء المعاصرون بمن فيهم القائلون بجواز التعويض، وهي كما يلي :
أولاً: اتفق الفقهاء المعاصرون على أن المدين المعسر لا يجوز إلزامه بدفع تعويض مقابل تأخيره في الوفاء؛ لأن المعسر مستحق للإنظار إلى الميسرة، والإلزام بالتعويض ينافي الإنظار المأمور به شرعاً.
وقد نص على هذا القائلون بجواز التعويض المالي عن ضرر مماطلة المدين:
قال الشيخ مصطفى الزرقاء: "واستحقاق هذا التعويض على المدين مشروط بأن لا يكون له معذرة شرعية في هذا التأخير، بل يكون مليئاً مماطلاً يستحق الوصف بأنه ظالم كالغاصب" (9).
وقال الشيخ عبد الله بن منيع:" الغرامة لا يجوز الحكم بـها، إلا بثلاثة شروط هي: ثبوت المطل واللي، وثبوت القدرة على السداد، وانتفاء ضمان السداد لدى الدائن كالرهن والكفالة المليئة" (10).
وقال الدكتور الضرير: " لا يجوز أن يطالب البنك المدين المعسر بتعويض، وعليه أن ينتظره حتى يوسر " (11).
ثانياً: اتفق الفقهاء المعاصرون على منع اشتراط التعويض المالي عن التأخر في سداد الدَّين مع تحديد نسبة معينةٍ أو مبلغٍ محددٍ؛ لأن ذلك صورة من صور ربا الجاهلية المحرم( 12).
ثالثاً: يخرج من النزاع ما يحكم به الحاكم من عقوبة تعزيرية مالية إذا رأى المصلحة في ذلك، موردها بيت المال، ومصرفها مصالح المسلمين؛ لأن المال المأخوذ من باب الزواجر لا من باب الجوابر(13).

المبحث الأول: ضرر مجرد التأخير في المماطلة في الديون.
المطلب الأول: صورة ضرر مجرد التأخير في المماطلة في الديون. إذا تأخر المدين في وفاء دينه عن الوقت المحدد المتفق عليه مع الدائن ومضت مدة، فإن مجرد التأخير ضرر، وإن لم يفته به ربح مفترض، أو متيقن، أو تلحق به خسارة، أو يتأثر بشيء ولو معنوياً، فمجرد التأخير ضرر يستحق الدائن مقابله عوضاً مالياً، سواء كان المدين معسراً أولم يكن، بل يستحق التعويض المالي بمجرد التأخر عن المدة المتفق عليها ولو ليوم واحد.
ومثاله: أن يتعاقدا بيعاً مؤجلاً بعد سنة، أو مقسطاً يدفع كل شهر كذا من الثمن، فإذا تأخر المدين عن الوفاء بالتزامه في الموعد المحدد، فإن عليه عن كل يوم مبلغاً من المال قدره كذا،أو ما نسبته كذا من الثمن، تعويضاً عن التأخرفي السداد.

وهذه الصورة هي المطبقة في أكثر البنوك الربوية، والمشروطة في أكثر البطاقات المصرفية الإقراضية، ولها عدة أسماء، منها: الغرامة التأخيرية، والفوائد التأخيرية، أو بدل التأخير، أو خدمة الديون.

المطلب الثاني: حكم التعويض عن مجرد التأخر ذاته.
التعويض عن مجرد التأخر في وفاء الدَّين بصورته السابقة محرم قطعاً، إذ هو عين ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه، فقد كان المدين إذا حل عليه الدَّين قال له الدائن: إما أن تقضي وإما أن تربي.
وهو ما ابتليت به كثير من البنوك وأقرته كثير من الأنظمة،ويقوم عليه التعامل الدولي، وعليه أكثر المصارف في العالم.
وأدلة تحريم هذا التعويض هي أدلة تحريم الربا، وهي كثيرة متنوعة، وأشير إلى بعضٍ منها فيما يلي:
الدليل الأول:
قوله _تعالى_: "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا" (14)، إلى قوله في آخر الآية: "وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (15).

الدليل الثاني:
قوله _تعالى_: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ" (16).
و الدلالة من الآيات من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
أن الله نص على تحريم الربا، وتوعد من فعله بعد علمه بالتحريم بعذاب النار، وأمر المؤمنين بترك الربا ووضعه، وآذن من لم يذره بالحرب، ومن حارب الله ورسوله فهو الخاسر المهزوم قطعاً.
الوجه الثاني:
دل عموم الآيات على أن الدائن لا يستحق على المدين إلا رأس ماله، وهذا العموم يشمل المدين الموسر والمعسر، والمماطل والباذل، والمدين المماطل داخل في هذا العموم من جهة أنه يجب عليه وفاء رأس المال فقط دون ربا، ولم يستثن من وجوب الأداء إلا المعسر العاجز فينظر إلى ميسرته، فالقول باستحقاق الدائن للتعويض المالي مقابل مماطلة المدين وتأخره في الوفاء مخالف لعموم الآيات.
الوجه الثالث:
أن الربا المحرم الذي كان العرب يأخذونه هو زيادة في مقدار الدَّين مقابل تأخير أدائه، فظهر أن التعويض المالي لأجل التأخر في وفاء الدَّين داخل في الربا المحرم، وتسميته بالغرامة التأخيرية، أو الفوائد التأخيرية، أو تعويضاً عن ضرر، أو أنه عقوبة مالية، لا ينقله من كونه رباً، ولا يؤثر في الحكم بشيء؛ لأن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
الدليل الثاني:
ما ورد عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ : " اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟: قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " (17).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على أن الربا من كبائر الذنوب، وذلك يقتضى الترهيب من أخذه ومقارفته، وإلزام المدين بتعويض الدائن مالياً مقابل التأخر في السداد أخذٌ للربا المحرم ومقارفة له، فيكون باطلاً.
الدليل الثالث:
ما ورد عن جابر _رضي الله عنه_ قال: "لعن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، و شاهديه، وقال: هم سواء " (18).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على تحريم الربا أخذاً وإعطاءً وتعاوناً عليه، وإلزام المدين بدفع زيادة على رأس ماله مقابل تأخره في الوفاء هو من الربا المحرم، فيحرم وإن سُمِّيَ تعويضاً عن ضرر الدائن.
الدليل الرابع:
ما ورد عن جابر _رضي الله عنه_ في قصة حجة الوداع أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال:" ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله "(19).
وفي لفظ: " ألا وإن كل رباً من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون " (20).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث أن الربا موضوع وباطل، وذلك يقتضي تحريم أخذه، وعليه فليس للدائن على المدين إلا رأس ماله فقط، وإلزام المدين بدفع تعويض مالي زائد على أصل دينه مقابل مماطلته في الوفاء مخالف لمدلول الحديث.
الدليل الخامس:
إجماع العلماء على تحريم الربا، ومن الربا المحرم: الزيادة على أصل الدَّين لأجل تأخير وفائه، ومن أنواع الزيادة الربوية المحرمة: تعويض الدائن عن مماطلة المدين المماطل؛ لأنـه زيادة في مقابل التأخر في الوفاء، والإجماع منعقد على تحريم الربا، ومن عبارات العلماء في ذلك ما يلي:
قال ابن المنذر: " وأجمعوا أن المسلف إذا شرط عند السلف هدية أو زيادة، فأسلف على ذلك، أن أخذه الزيادة ربا " (21).
المبحث الثاني: الضرر الناتج عن فوات الربح المفترض في المماطلة في الديون. .
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: صورة الضرر الناتج عن فوات الربح المفترض في المماطلة في الديون.
إذا تأخر المدين في وفاء دينه عن وقته المحدد المتفق عليه مع الدائن ومضت مدة كان من المفترض أن يربح فيها الدائن من ماله لو أنه سُلِّم إليه في وقته، إذ بإمكانه أن يستثمره في تجارة أو مضاربة أو مزارعة ونحو ذلك، إلا أن المدين بمماطلته وعدم وفاء الدَّين في وقته قد فوت على الدائن تلك الأرباح المفترضة، فهل له المطالبة بتعويضه عن ضرر فوات هذا الربح الذي كان يتوقع حصوله لولا المماطلة في الديون أم لا؟

مثاله: باع رجل سيارة بيعاً مؤجلاً بمئة ألف ريال إلى سنة – بمرابحة قدرها العُشْر مثلاً- فماطل المدين في الوفاء سنتين، فلو أن ماله سدد في حينه ولم يماطل به لأمكنه تكرار هذه المرابحة مرتين خلال السنتين اللتين ماطل فيهما المدين، ولربح فيها ربحاً مقداره عشرون ألفاً تقريباً، فهل للدائن أن يطالب المدين المماطل بتعويضه عن ضرر فوات ربحه المفترض خلال سنتين أم لا؟
المطلب الثاني: حكم التعويض عن الضرر الناتج عن فوات الربح المفترض في المماطلة في الديون اختلف العلماء المعاصرون في حكم تعويض الدائن عن ضرر فوات منفعة المال وربحه بسبب مماطلة المدين القادر على الوفاء على قولين:
القول الأول:
عدم جواز إلزام المدين المماطل القادر على الوفاء بتعويض مالي غير مشروط في العقد يدفعه للدائن مقابل فوات منفعة ماله وتضرره بذلك مدة التأخير.
وبـهذا القول صدرت قرارات المجامع الفقهية، والهيئات العلمية، وهو قول جمهور العلماء المعاصرين (22).

جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشر عام 1409هـ ما نصه: " إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغاً من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط أو قرض باطل، ولا يجب الوفاء به بل ولا يحل، سواء كان الشارط هو المصرف أو غيره؛ لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه " (23).
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السادسة المتعلق ببيع التقسيط ما يلي:
" ثالثاً: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدَّين، بشرط سابق أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم.
رابعاً: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء" (24).
وجاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ما يلي: "(ب)لا يجوز اشتراط التعويض المالي...سواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة)، أم عن تغير قيمة العملة. (ج) لا تجوز المطالبة القضائية للمدين المماطل بالتعويض المالي نقداً أو عيناً عن تأخير الدَّين" (25).
ومنعته أيضاً هيئة الرقابة لبنك التنمية التعاوني الإسلامي بالسودان بتأريخ 6/8/1406هـ(26).
القول الثاني:
جواز إلزام المدين المماطل القادر على الوفاء بتعويض مالي غير مشروط في العقد يدفعه للدائن مقابل فوات منفعة ماله مدة التأخير.
وقال به بعض المعاصرين (27).
قال الزرقاء:" مبدأ تعويض الدائن عن ضرره نتيجة لمماطلة المدين وتأخير وفاء الدَّين في موعده مبدأ مقبول فقهياً، ولا يوجد في نصوص الشريعة وأصولها ومقاصدها العامة ما يتنافى معه، بل بالعكس يوجد ما يؤيده ويوجبه واستحقاق هذا التعويض على المدين مشروط بأنه لا يكون له معذرة شرعية في هذا التأخير، بل يكون مليئاً مماطلاً يستحق الوصف بأنه ظالم كالغاصب " (28).
وقال الشيخ عبد الله بن منيع: " القول بضمان ما فات من منافع المال نتيجة مطل أدائه لمستحقه قول تسنده قواعد الشريعة وأصولها، والنصوص الصريحة والواضحة في ذلك من كتاب الله _تعالى_ وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ " (29).

وأصحاب هذا القول مختلفون أيضاً: في حقيقة هذا المال المدفوع للدائن، هل هو عقوبة تعزيرة زاجرة، أم أنـها تعويض مالي جابر لضرر واقع؟ ويترتب عليه كيفية تقدير المال المدفوع. ومن له سلطة التطبيق؟ خلاف على رأيين:
الرأي الأول: أن غُرْمَ هذا المال بناء على أنه تعزيز بالمال، والتعويض إنما هو على سبيل التبعية، وعلى ذلك فمقدار التعزير بالمال لا يشترط أن يكون مساوياً للضرر الحقيقي الفعلي، أو الربح الفائت، وهو رأي الشيخ عبد الله بن منيع.
قال _حفظه الله_ تعقيباً على الشيخ مصطفى الزرقا: " ومع اتفاقي مع فضيلته في النتيجة إلا أنني أرى أن العقوبة المالية تعزيرية، وليست تعويضاً " (30).
وقال بعد ذلك: " ولكننا نقول بأنـها عقوبة وليست تعويضاً إلا على سبيل التبعية"(31).
وقال في موضع آخر: " خلاصة هذه الوقفة: أننا إذا اعتبرنا ما يأخذه الدائن من المدين تعويضاً فقط، فهذا الاعتبار يحيل الأمر من حل إلى تحريم... وإن اعتبرنا ما يغرمه المدين من مال لقاء مطله عقوبة ليس لها ارتباط أو علاقة بحجم الضرر الواقع على الدائن من المطل، وإنما تكييفها وتقديرها راجع إلى ما يوجب الردع والزجر، فهذا الاعتبار صحيح"(32).

الرأي الثاني: أن غُرْمَ هذا المال بناء على أنه تعويض للدائن عن ضرره الذي أصابه بسبب مماطلة مدينه، وعليه فقد شرطوا أن يكون التعويض مساوياً للضرر الواقع.
ثم اختلف أصحاب هذا الرأي فيمن يتولى تقدير التعويض، وكيفية تقديره:
(1) يرى الشيخ مصطفى الزرقا: أن القضاء وحده هو صاحب السلطة الوحيد في تقدير التعويض، وتقدير ضرر الدائن، وتقدير عذر المدين في التأخر، ولا يجوز الاتفاق مسبقاً بين الدائن والمدين على تقدير معين لضرر تأخير الدَّين.
وتقدير الضرر يكون بمقدار ما فات من ربح معتاد في طريق التجارة العامة بأدنى حدوده العادية، فيما لو أنه قبض ماله واستثمره بالطرق المشروعة الحلال في الإسلام كالمضاربة والمزارعة ونحوهما ولا عبرة لسعر الفائدة المصرفية، وتعتمد المحكمة في هذا التقدير رأي أهل الخبرة في هذا الشأن، وبعد وجود البنوك الإسلامية يمكن للمحكمة أن تعتمد في تقدير التعويض بناء على ما توزعه البنوك الإسلامية من أرباح سنوية(33).
(2) يرى الدكتور الضرير: أنه يجوز الاتفاق بين الدائن والمدين - العميل والبنك- على التعويض عن الضرر الحقيقي الفعلي مسبقاً.
ويكون تقديره على أساس الربح الفعلي الذي حققه الدائن – البنك - في المدة التي تأخر فيها المدين عن الوفاء(34).
(3) أن التعويض يكون بقدر الربح الذي حصل عليه المماطل من جراء متاجرته بالمال الذي ماطل فيه(35).

الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بعدم جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض مالي للدائن عن ضرر فوات منفعة ماله وربحه خلال مدة المماطلة بمايلي:
الدليل الأول:
عموم أدلة تحريم الربا، ومنها:
قوله _تعالى_: "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا"(36).
وقوله _تعالى_: "وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة"(37).

وجه الدلالة من الآيتين:
دلت الآيتين على تحريم الربا وإبطاله، ورد أصحاب الديون إلى رؤوس أموالهم بلا زيادة ولا تعويض عن تأخرٍ في الوفاء، ولم تفرق في ذلك بين موسر ومعسر، وبيان ذلك تفصيلاً من خمسة أوجه:
الوجه الأول: أن تعويض الدائن عن ضرر فوات منفعة المال مدة المماطلة إنما هو عوض عن تأخر أداء الدَّين، فهو زيادة في دين ثابت مقابل الأجل، وهو عين ربا الجاهلية الذي كانوا يفعلونه، وصورته: إما أن تقضي وإما أن تربي، واختلاف الاسم لا يغير في المعنى والحكم شيئاً، والعبرة بالمقاصد لا بالألفاظ (38).
الوجه الثاني: أن آيات تحريم الربا ورد الدائن التائب عن الربا إلى رأس ماله عامة،لم تفرق بين مدين معسر ومدين موسر باذل ومدين مماطل، فالزيادة على رأس المال ربا، سواء كان المدين موسراً أو معسراً، والفرق بين المعسر والموسر إنما هو في وجوب الإنظار إلى الميسرة وترك المطالبة (39).
الوجه الثالث: أن تخصيص المماطل بالتعويض دون المعسر مخالف لمدلول الآيات التي حرمت الظلم على الطرفين، فظلم الدائن هو أخذه زيادة على رأس ماله، وظلم المدين هو مماطلته بوفاء رأس مال الدَّين لصاحبه، ولم يخص المعسر إلا بوجوب إنظاره إلى الميسرة.

الوجه الرابع: أن التعويض المالي عن ضرر المماطل ظلم بنص الآية؛ لأنه زيادة على رأس المال، ولو كان المماطل ظالماً بمطله، فإنه لا يجوز رد الظلم بظلم آخر(40).
الوجه الخامس: أن الله _عز وجل_ أبطل الربا ورد الدائن لرأس ماله فحسب، ولو كان يستحق تعويضاً عن ما فاته من منافع ماله المحتمل، لبين ذلك وأوضحه وفرق بين الصورتين.
المناقشة:
نوقش الاستدلال بالآيتين بعدم التسليم بأن التعويض عن ضرر المماطل من جنس الربا، وذلك من أربعة أوجه، وهي كالتالي:
الوجه الأول:أن الزيادة الربوية في مسألة ( أتقضي أم تربي ) في غير مقابلة عوض، فهي نتيجة تراض بين الدائن والمدين على تأجيل السداد مقابل زيادة في الأجل، أما التعويض فهو مقابل تفويت منفعة على الدائن بلا رضاً منه(41).
الإجابة:
أجيب عن ذلك بما يلي:
أولاً: عدم التسليم بأن الزيادة الربوية في غير مقابلة عوض، بل هي في مقابلة عدم الاستفادة من المال خلال مدة التأجيل، وحبس المال، وعدم انتفاع صاحبه به.

ثانياً: أن المرابين المعاصرين حللوا أخذ الربا بمثل هذا التعليل، وابتكروا نظرية الفرصة الضائعة لتبرير أخذ الربا المحرم، و هي نفسها حجة من يرى التعويض، ولو كان التعويض عن الربح الفائت على صاحب الدَّين جائزاً، لأباح الشارع الفائدة على الديون المأخوذة للاستثمار في التجارة والصناعة؛ لأن هذه الفائدة تعويض للدائن عن منافع ماله مدة بقائها عند المدين، وكذا المقرض بلا فائدة تلحق به مضار وتفوته منافع من جراء قرضه المجاني، ولم يُبَحْ له زيادةٌ أو نفعٌ يزيد على رأس المال إن وقع مشروطاً ونحوه، فدل ذلك على أن التعويض نوع من الربا (42).
الوجه الثاني:
أن الزيادة الربوية مشروطةٌ سلفاً، ومحددةٌ لأجل تأخير مستقبلي برضاً من الطرفين، أما التعويض فهو لأجل رفع الظلم الواقع على صاحب المال، ولأجل تأخير ماضٍ وقع بغير رضاً من صاحب المال (43).
الإجابة:
أجيب عن ذلك بما يلي:
أولاً: أن هذا التفريق نظري لا يصلح أن يكون مناطاً للحكم، ثم على القول بجواز التعويض يصبح الأمر معلوماً سلفاً بالعرف، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (44).
ثانياً: نسلم أن المطل ظلم واقع على صاحب المال، إلا أنه ليس كل ظلم وضرر يلحق الإنسان من غيره يعد موجباً لتعويضه مالياً (45).
الوجه الثالث:
أن الزيادة الربوية الجاهلية لا تفرق بين مدين موسر ومدين معسر، فمتى حل الأجل طولب بالوفاء أو بالزيادة، أما التعويض فلا يلزم به إلا من كان موسراً مماطلاً، وإذا ثبت إعساره، فلا يلزم بأداء أي تعويض(46).
الإجابة:
أجيب عن ذلك بما يلي:
أولاً: النصوص في تحريم أخذ الربا عامة لم تفرق بين المعسر والموسر، فكلاهما لا يجوز أخذ الربا منه، إلا أن المعسر روعي في وجوب تأخيره وتحريم مطالبته حتى يوسر، فيبقى الموسر مطالباً برأس المال فقط دون زيادة.
ثانياً: أن أخذ مال زائد عن أصل الدَّين مقابل التأخير في وفاء الدَّين لا يخرج عن ثلاث حالات:
1- حالة المدين الذي لا يجد ما يقضي به، وهي محل اتفاق على منع التعويض؛ لكون الزيادة ربا محرماً، وتحرم مطالبته لعسرته، وحكمه التأجيل بلا زيادة.
2- حالة المدين الذي يتفق مع صاحب الدَّين على تأخيره مقابل الزيادة، وهي محل اتفاق على منع التعويض، لكونه نوع من ربا الجاهلية المحرم الصريح.
3- حالة المدين الممتنع الذي لا يقضي ما عليه، فيضع عليه صاحب الدَّين زيادة، وهي موضوع بحثنا، وحكم التعويض هنا محرم؛ لأنه زيادة على أصل الدَّين، فالعلماء لم يفرقوا بين الزيادة في الحالتين السابقتين وهذه الحالة، فالزيادة ولو سميت تعويضاً عن ضرر داخلة في ربا الجاهلية المحرم(47).
ثالثاً: أن هذا التعويض إن كان لأجل جبر ضرر الدائن وليس لعقاب المدين، فلا فرق بين أن يكون المدين موسراً أو معسراً؛ لأن المتضرر يستحق الجبر ولو كان المُضِر معسراً، كما يستحق الأرش على الجاني ولو كان فقيراً (48).
الوجه الرابع: أن نسبة الزيادة الربوية معلومة للطرفين في بداية العقد، أما التعويض فلا يمكن معرفة نسبته ابتداءً، وإنما يتحدد بناء على ما فات من ربح حقيقي خلال مدة المماطلة (49).

الإجابة:
أجيب عن ذلك بما يلي:
أولاً: أن هذا فرق غير مؤثر، وذلك أنه متى اشترطت الزيادة، أو قام عرف يدل عليها، أو أمكن فرضها للدائن، فهي ربا، سواء حددت في العقد، أو بعده، أو حددها القضاء، أو التحكيم، وسواء كانت كثيرة أو قليلة.
ثانياً: أن هذا الفرق نظريٌ ليس بعملي، إذ إن نسبة تحقيق الأرباح من العمليات الاستثمارية في البنوك والمصارف معلومة تقريباً، خصوصاً أن معظم عمليات المصارف الإسلامية تدور حول المرابحة المؤجلة، ونسبة أرباحها معلومة في الجملة، فآل الأمر إلى العلم بنسبة التعويض، إذا كان التعويض راجع إلى معدل الربحية خلال مدة المماطلة(50).

الدليل الثاني:
ما ورد عن عمرو بن الشريد عن أبيه أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " (51).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على عدم مشروعية تعويض الدائن عن ضرر مماطلة غريمه، وذلك أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أحل عرض المماطل وعقوبته فقط ولم يحل ماله، فالمشروع في حق المماطل الواجد شكايته، وفضحه، وعقوبته بما يزجره ويردعه عن المطل، ولو كان التعويض الجابر لضرر المماطلة مشروعاً لبينه _صلى الله عليه وسلم_ ؛ لشدة الحاجة إليه، والسكوت في موضع الحاجة بيان (52).

المناقشة:
نوقش الاستدلال بالحديث بأن عموم لفظ العقوبة يشمل العقوبة المالية، والنصوص العامة في اعتبار العقوبة المالية ضرباً من التعزير صريحة وواضحة، ومن أنوع العقوبة المالية: تمليك الغير، وتعويض الدائن عن ضرر المماطلة داخل فيها (53).
الإجابة:
أجيب بأنه لا يصح اعتبار التعويض المالي للدائن عن ضرره من باب العقوبة المالية؛ لأمرين:
الأول: أن ولاية إيقاع العقوبات التعزيرة للحاكم، و التعويض هنا يقع بالشرط أو العرف، ويباشره الدائن، فخرج عن كونه تعزيراً بالمال، ولو فوض تنفيذ العقوبات إلى آحاد الناس أو صح لكونه مشروطاً في العقد، لأفضى ذلك إلى فوضى واضطراب لا يقرها الشرع (54).
الثاني: أن المراد من العقوبة الزجر والردع وليس الجبر، وإلا لوجب جبر ضرر الدائن من مماطلة مدينه المعسر.
الدليل الثالث:
أن مسألة المماطلة في الديون وتأخر الأموال المستحقة بيد من يجب عليهم أداؤها لأصحابـها ليست مسألة نازلة تحتاج إلى اجتهاد جديد، بل هي من المسائل السابقة التي يكثر وقوعها، ويعاني منها الناس في سائر الأوطان والأزمان، وباستقراء ما ذكره العلماء في المدين المماطل بغير حق من العقوبات نجد أنه لم ينقل عن أحد منهم قبل هذا العصر أنه قضى أو أفتى بجواز التعويض المالي لأجل المماطلة في الديون، مع أن فكرة تعويض الدائن عن الأرباح الفائتة والمتوقعة مقابل ماله المحبوس عند المماطل قريبة إلى أذهانـهم - لو كانت جائزة -؛ إذ هي جزاء من جنس العمل، ومعاملة بنقيض القصد، وقد نصوا على العقوبات الزاجرة عن المماطلة في الديون، كالسجن، والضرب، والمنع من فضول المباحات، وبيع المال ونحوه، ولم يذكروا التعويض المالي عن ضرر المماطلة، مما يدل على أنه متقرر لديهم أن التعويض المالي للدائن بسبب المطل أنه داخل في الربا المحرم، سواء كان مقابل التأخر، أو فوات الربح المتوقع، أو الضرر الفعلي؛ إذ هو زيادة في دين مقابل زيادة في أجل السداد(55).

المناقشة:
نوقش بأن الفقهاء لم يبحثوا هذه المسألة في عصرهم؛ لعدم حاجتهم إليها، إذ لم يكن أمر التجارة من الأهمية والتأثير مثل ما أصبح عليه في العصر الحاضر، وكان وصول الدائن إلى حقه في عصرهم ميسوراً وسريعاً، بخلاف ما عليه الوضع الآن من طول الإجراءات وتأخرها (56).
الإجابة:
أجيب عن المناقشة بما يلي:
عدم التسليم بأن الفقهاء لم يبحثوا هذه المسألة، بل إنـهم بحثوها إلا أنـهم لم يُلِحُوا عليها، ولم يتوقفوا عندها كثيراً؛ لكونـها في نظرهم من مسلمات الفقه، إذ هي مشمولة بعموم نصوص القرآن والسنة في تحريم الربا، ومنه: الزيادة في الدَّين مقابل التأخير (57).
وبياناً لذلك يقال: إن الفقهاء من خلال استقراء كلامهم في المماطلة، وما يشابـهها من أحكام، يظهر أنـهم لا يرون التعويض المالي مقابل تأخر المال، وأن المماطل ليس عليه إلا أداء المال لصاحبه، وأن المطل لا يوجب زيادة في الدَّين، ولا يستحق به غلة المال، وبيان ذلك فيما يلي:
أولاً: أن أكثر العلماء فسروا العقوبة في الحديث: بأنـها الحبس، وقد فسرها بذلك وكيع، وسفيان الثوري، وابن المبارك.
قال ابن المنذر:" أكثر من نحفظ قوله من علماء الأمصار وقضاتـهم يرون الحبس في الدَّين، وممن نحفظ ذلك عنه: مالك، وأصحابه، والشافعي، والنعمان، وأصحابـهما، وأبو عبيد ، وبه قال سوار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن، وقد روينا هذا القول عن شريح، والشعبي، وكان عمر بن عبد العزيز يقول:" يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس" (58).
وقال الجصاص: " جعل مطل الغني ظلماً، والظالم لا محالة مستحق للعقوبة، وهي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره " (59).
وقال ابن تيمية: " يعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، ولا أعلم في هذا خلافاً " (60).
وقال أيضاً:" ولو كان قادراً على أداء الدَّين وامتنع، ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره، إذا لم يتعد حدود الله " (61)، والقول بالتعويض المالي عن ضرر المماطلة في الديون تعدٍ على حدود الله، فيمنع منه؛ لأنه ربا.

فظهر بما سبق أن السابقين يرون زجر المماطل بالعقوبات الرادعة، وهم متفقون على عدم القول بجواز التعويض المالي للدائن على مدينه المماطل؛ إذ لو قيل به لنقل، فالقول بالتعويض اجتهاد جديد في مقابلة هذا الاتفاق (62).
قال الدكتور أحمد فهمي أبو سِنَّة: "لم يقل أحد من العلماء بتغريمه – أي المماطل- مالاً، فالفتوى بأن المدين تجوز عقوبته بتغريم المال....اجتهاد جديد في مقابلة الإجماع" (63).
ثانياً: أن الفقهاء تكلموا عن مسائل - أشد من المماطلة في الديون - تُمنَعُ فيها الأموال عن أصحابـها أزماناً طويلة ظلماً وعدواناً، ولم يوجبوا فيها إلا ضمان المثل، ككلامهم في الأموال المسروقة، والمغصوبة، وأموال الأمانات المعتدى عليها، وربح المال المغصوب، فيقاس عليها تضمين المماطل رأس المال فقط وعدم تغريمه من باب أولى.
ومن أقوال الفقهاء في المال المغصوب ما يلي:
قال في الهداية: " ومن غصب شيئاً له مثل، كالمكيل والموزون، فهلك في يده، فعليه...ضمان مثله...؛ لأن الواجب هو المثل" (64).

وقال في المعونة: " الشيء المغصوب مضمون باليد، فمن غصب شيئاً فقد ضمنه إلى أن يرده، فإن رده كما غصبه، سقط عنه الضمان ولزم المالك قبوله " (65).
وقال في (روضة الطالبين): " ما كان مثلياً ضمن بمثله" (66).
وقال في (المغني):" وما تتماثل أجزاؤه وتتقارب صفاته كالدراهم والدنانير....ضمن بمثله بغير خلاف" (67).
ومن أقوالهم في المال المسروق ما يلي:
قال ابن المنذر: " وأجمعوا أن السارق إذا قطع ووجد المتاع بعينه، أن المتاع يرد على المسروق منه " (68).
وقال في الكتاب:" إذا قطع السارق والعين قائمة في يده، ردَّها " (69).
وقال في المعونة:" إذا قطع السارق ثم وجد الشيء المسروق عنده، لزمه رده إلى مالكه"(70).
وقال في الأم: " أُغرِم السارق ما سرق، قطع أو لم يقطع، والحد لله فلا يُسقِط حدُّ الله غُرمَ ما أتلف للعباد" (71).
وقال في المغني:" لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية، فأما إن كانت تالفة، فعلى السارق رد قيمتها، أو مثلها إن كانت مثلية، قطع أو لم يقطع، موسراً كان أو معسراً " (72). ومَنْعُ المال من صاحبه بسبب الغصب والسرقة أشد ظلماً من مَنْعِهِ بسبب المماطلة، ومع ذلك لم يوجبوا على الغاصب والسارق التعويضَ عن ضرر التأخر أو فوات منافع المال أو الضرر الحقيقي مقابل بقاء المال عنده تلك المدة، وحرمان صاحبه من الانتفاع به.

ثالثاً: نص بعض الفقهاء على عدم ضمان الغاصب للربح المفترض (الفرصة الضائعة)، والغاصب أشد ظلماً من المماطل، ومن ذلك ما يلي:
قال البهوتي:" ولا يضمن ربح فات على مالك بحبس غاصب مال تجارة مدة يمكن أن يربح فيها، إذا لم يتجر فيه غاصب " (73).
وأما غير الحنابلة، فهم لا يقولون بضمان الغاصب لربح المال المحقق، فضلاً عن ضمانه للربح المفترض (74).
رابعاً: نص بعض الفقهاء على أن المماطل ليس عليه إلا أداء رأس ماله، وأن المطل لا يوجب زيادة في الدَّين، ولا يغرم غلة المال، فمن ذلك:
ما قاله الشيخ عليش(75) -بعد ذكره قول الوانوغي بأن المماطل يضمن قيمة ما آلت إليه السكة الجديدة، فيما إذا بطلت الفلوس أو عدمت- ما يلي: " بحث بدر الدَّين القرافي مع الوانوغي بأن تقييده - أي المدين المماطل- لم يذكره غيره من شراح المدونة، وشراح ابن الحاجب، وللبحث فيه مجال ظاهر، لأن مطل المدين لا يوجب زيادة في الدِّين، وله طلبه عند الحاكم، وأخذه منه جبراً، كيف وقد دخل عند المعاملة معه على أن يتقاضى حقه منه كما دفعه.. وبحث فيه بعض أصحابنا: بأن غايته – أي: المماطل- أن يكون كالغاصب، والغاصب لا يتجاوز معه ما غصب ا.هـ...وقد ذكر في المعيار أن ابن لب: سئل عن النازلة نفسها،فأجاب: بأنه لا عبرة بالمماطلة، ولا فرق بين المماطل وغيره إلا في الإثم ".

وقد ذكر العدوي(76) في نفس المسألة ما نصه: " فإن قلت ما الفرق بينه –أي: المماطل- وبين الغاصب الذي يضمن المثلى - أي في هذه المسألة- ولو بغلاء، مع أنه أشد ظلماً من المماطل أو مثله؟ فالجواب: أن الغاصب لما كان يغرم الغلة في الجملة خفف عنه، ولا كذلك المماطل". وهذا نص واضح على أن المماطل لا يغرم شيئاً يزيد على أصل الحق.
خامساً: نص الحطاب المالكي على منع التعويض المالي إذا كان مشروطاً، فقال: " إذا التزم المدعى عليه للمدعي، أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا، فله عليه كذا وكذا، فهذا لا يختلف في بطلانه؛ لأنه صريح الربا، وسواء كان الشيء الملتزم به من جنس الدَّين أو غيره، وسواء كان شيئاً معيناً أو منفعة " (77)، والحكم بالتعويض بلا شرط يؤول إلى أن يكون مشروطاً بالعرف، فيصبح عرفاً لازماً، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
الدليل الرابع:
أن التعويض عن ضرر المماطلة إن لم يكن رباً في ذاته، فهو ذريعة موصلة إليه، وسدُّ الذرائع من القواعد الفقهية المعتبرة شرعاً(78)، والقول به يفتح باب الربا، والتواطؤ على أخذه، بحجة التعويض عن الضرر، أو فوات الانتفاع، وبنفس حجة التعويض عن الضررانتشر أخذ الربا، وبرَّرَ المرابون ظلم المدينين والمعسرين، وبيان هذا من أربعة أوجه:

الوجه الأول:
أن النصارى قد استحلوا الربا المحرم في شريعتهم بسبب دعوى التعويض عن الضرر، إذ كان إجماعهم منعقداً على تحريم الربا، إلا أن الضعف بدأ يدب في صفوفهم خلال القرنين السادس عشر والثامن عشر، حتى وقع رجال الكنائس في الربا، بناء على فتوى مجمع انتشار الإيمان المقدس في روما، والتي أجازت أخذ الربا في مقابلة الخطر من فقد أصل المال، ثم أثَّرت الأحوال الاقتصادية على آراء رجال الدَّين النصراني حتى ضيقوا دائرة الربا، فأباحوا الفائدة استثناءً في الحالات الآتية:
1- إباحة التعويض للمقترض عن أي خسارة حصلت عليه بسبب القرض.
2- إباحة التعويض عن الربح الفائت.
3- إباحة الشرط الجزائي الذي يلتزم بسببه المقترض إذا لم يسدد القرض في الميعاد وتأخر في وفائه، بأن يدفع مبلغاً إضافياً، وقد ترددت الكنيسة في إباحة هذا الشرط بادئ الأمر، ثم أجازته (79).
قال أحد النصارى:" إذا لحق المقرض ضرر ناجم عن تأخير المقترض عن الوفاء في الميعاد المحدد للسداد، يصبح للمقرض الحق في مطالبة المقترض بالتعويض شريطة إثبات الضرر الذي انتاب المقرض " (80)، فالتعويض عن ضرر تأخر المدين هي حجة من أباح الربا من النصارى.

الوجه الثاني:
توسع بعض المصارف الإسلامية التي أخذت بفتوى جواز التعويض في تطبيق التعويض، إذ صار التعويض عن ضرر المماطلة كالفائدة الربوية، مما حمل بعض من أفتى بالتعويض أن يتراجعوا عن فتواهم؛ لعدم إمكان تطبيق شروطهم التي قيدوا بـها الجواز(81).
الوجه الثالث:
أن صاحب المال لن يلح على المدين بتسديد دينه، ولن يحرص على متابعة مدينه، إذ إنه سيحصل من المماطل على أصل ماله مع عوضٍ مالي عن مماطلته، بل ربما يطمع في هذا العوض ويتطلع لتأخره ومطله، ومن جهة أخرى: فإن المدين المماطل لن يبالي في الوفاء في زمن السداد المحدد، بل سيستسهل التعويض، ويستصعب دفع المبلغ كاملاً لوفاء الدَّين، فينقلب التعويض مع مرور الزمن إلى اتفاق عرفي على التأخير بزيادة – تسمى تعويضاً عن ضرر – وهي ذريعة يجب سدها ومنعها.
الوجه الرابع:
أن تأخير تحديد مقدار التعويض يفضي إلى النزاع، مع ما فيه من صعوبة التقدير، فليس من المستبعد أن يتم تحديد التعويض في بداية العقد أو يربط بعدد الأيام، كما في الفوائد الربوية أو بنسبة معينة ونحوه، وهذا يؤدي إلى الربا المحرم بالاتفاق، ولذلك لزم القول بمنع التعويض؛ سداً للذريعة، وصوناً للشريعة (82).

الدليل الخامس:
أن جواز التعويض عن ضرر المماطلة في الديون - عند من يقول به - مقيد بشروط تخرجه عن الربا، وهذه الشروط نظرية يصعب تحقيقها في الواقع العملي، فمنها:
أولاً: شرط عدم كون المدين معسراً؛ لأن المعسر منظر بنص القرآن حتى يوسر، إلا أن التحقق من اليسار أو الإعسار أمر صعب في الوقت الحاضر، ويكاد يتعذر على الدائن التحقق من كل حالة بعينها، لا سيما في البنوك والمصارف التي يتعامل معها الآلاف، ولذا نجد أنه يُحتال على إسقاط هذا الشرط -وهو عدم كونه معسراً – بأن يكتب في العقد شرط آخر: وهو أن المدين يعتبر موسراً، ويعامل بناء على ذلك ما لم يحكم عليه بحالة الإفلاس قانوناً، وهي حالة نـهائية لا توجد إلا نادراً، مما يدل على أن كثيراً من المدينين الذين يطالبون بالتعويض هم من المعسرين حقاً (83).
ثانياً: القول بالتعويض المالي على المدين المماطل مفروض بناء على أساس وقوع ضرر على الدائن بسبب المماطلة، وهو فوات فرصة الربح، إذ يفترض أن هذا المال لو دفع لصاحبه لأمكن أن يستثمر بتجارة، أو مضاربة، أو صناعة، أو مشاركة، فيربح كذا، وهذا إن جاز نظرياً، فهو بعيد عملياً؛ لأن الدائن لا يقطع بتنمية ماله واستثماره، ثم لو استثمره فإنه لا يقطع بحصول الأرباح، فضلاً عن تحديدها بمقدار معين، إذ ماله معرض للربح والخسارة، وهذا ظاهر في المصارف والبنوك، إذ لا تستفيد من كل ما لديها من أموال، بل إن نسبة السيولة غالباً ما تكون أكثر من النسبة المحددة التي يجب الاحتفاظ بـها من قبل البنوك المركزية(84)، فإذا كان عند الدائن مال – فائض نقدي – يمكن أن يدفع به عن نفسه الأضرار الطارئة، ويستغل أي فرصة استثمارية يظن أنـها تدر له ربحاً، فإن دعوى الضرر لا تقبل، ويبطل شرط حصول الضرر.

"أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بجواز إلزام المدين المليء المماطل بتعويض الدائن عن ضرر فوات منفعة ماله وربحه المفترض بتسعة أدلة، وهي ما يلي:
الدليل الأول:
الآيات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود، والأمانات، وتحريم أكل المال بالباطل، ومن ذلك:
قوله _تعالى_: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (85).
وقوله _تعالى_: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" (86).
وقوله _تعالى_: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ" (87).
وجه الدلالة من هذه الآيات:
دلت الآيات على وجوب الوفاء بالعقد، وأداء الأمانة، وتحريم أكل المال بالباطل، وتأخير الوفاء عن ميعاده دون رضا صاحبه يعد من أكل المال أو منفعته بالباطل، وعليه فيكون المتخلف ظالماً لصاحب المال، ومسؤولاً عن الضرر الذي يلحقه من جراء مماطلته، فيضمن منفعة ماله تلك المدة (88).

المناقشة:
نوقش الاستدلال بالآيات من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
أن مدلول هذه الآيات خارج عن محل النزاع، وهو التعويض عن منافع المال الفائتة بالمماطلة.
الوجه الثاني:
عدم تسليم كون التأخير في أداء الدَّين أكلاً لمنفعة المال بغير حق خلال تلك المدة التي ماطل فيها المدين؛ لأن قابلية النقود للزيادة أمر محتمل، فلا تعد منفعة محققة الوجود قد أكلها المدين المماطل عدواناً حتى يطالب بالتعويض المالي عنها (89).
الوجه الثالث:
أن اعتبار المدين المماطل بغير عذر ظالماً معتدياً أمر مسلم لا خلاف فيه لنص الحديث على ذلك، ومنشأ ظلمه إلحاقه الضرر بالدائن نتيجة تأخير الوفاء عن وقته بلا عذر، إلا أنه ليس كل ضرر يلحقُهُ الإنسانُ بغيره ظلماً يعد موجباً للتعويض المالي(90).

الدليل الثاني:
ما ورد عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: " لا ضرر ولا ضرار "(91).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على تحريم الضرر ووجوب إزالته، والضرر الواقع على الدائن لا يزول إلا بتعويضه مالياً عما فاته من منافع ماله خلال مدة المماطلة، بل إن معاقبة المدين المماطل بغير التعويض المالي لا يفيد الدائن المتضرر شيئاً، فلا يرتفع ضرره إلا بذلك (92).

المناقشة:
نوقش الاستدلال بـهذا الحديث من أربعة أوجه:
الوجه الأول:
تسليم تحريم الضرر ووجوب إزالته بالطرق الشرعية، لكن من أين لكم أن زوال الضرر لا يكون إلا بالتعويض المالي؟؛ إذ إن إزالة هذا الضرر بالتعويض المالي ليس من مدلول النص صراحة ولا إشارة، ولو كان هذا النص يدل على أن ضرر المماطل يزال بفرض زيادة مالية تضاف لأصل الدَّين تعويضاً له عن ضرر فوات ربحه خلال مدة المماطلة لوجب الحكم بـها، و لوجب على كل قاض ومفت أن يقضي ويفتي بالتعويض المالي، ولكن لم يوجد في التاريخ قاض أو مفت حكم أو أفتى بذلك مع كثرة قضايا المماطلة في الديون في كل عصر ومصر (93).
الوجه الثاني:
أن ضرر الدائن المعترف به شرعاً هو عدم حصوله على ماله في وقته المحدد، وإزالة هذا الضرر بأن يسلم إليه ذلك المبلغ الذي هو حقه، وليس من حقه أخذه ما يزيد عن مبلغ دينه؛ لأنه ربا (94).
الوجه الثالث:
أن من فروع القاعدة الفقهية المستنبطة من هذا الحديث: ( الضرر يزال ) قاعدة مقيِّدة لها، وهي: ( أن الضرر لا يزال بمثله ولا بما هو أشد منه)، وفي إلزام المدين المماطل بالتعويض المالي إزالة للضرر بمثل الضرر الواقع بل أشد؛ إذ يفرض عليه الربا، وتُنَـزَّل المنفعة المحتملة منزل المحققة المستوفاة، فهو مقابلة لظلم المطل بظلم من نوع آخر(95).

الوجه الرابع:
قولكم: "معاقبة المدين المماطل بغير التعويض المالي لا يفيد الدائن المتضرر شيئاً "، لا يعني جواز الحكم بالتعويض؛ لأن هذه المسألة -أي عقوبة المماطل- لا تعالجها أصلاً قاعدة الجوابر؛ لخروجها عن نطاقها، وانضوائها تحت قاعدة الزواجر، التي تكفل دفع هذه المفسدة واستئصالها من حياة الناس، والعقوبات الشرعية ليس من شأنـها الجبر، ووظيفتها تنحصر في الزجر، فالسارق إذا قطعت يده، أو المحارب إذا أقيم عليه حد الحرابة، فإن هذه العقوبات لا تزيل الضرر المادي عن المتضرر المظلوم؛ لأن من شأن العقوبات زجر الناس عن الظلم، ومنعهم من اقتراف الذنوب الموجبة لها درءاً للمفسدة المتوقعة(96).
الدليل الثالث:
ما ورد عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال _صلى الله عليه وسلم_ : "مطل الغني ظلم " (97).
الدليل الرابع:
ما ورد عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ : " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته".

وجه الدلالة من الحديثين:
دل الحديثان أن المماطلة في أداء الدَّين من القادر على الوفاء ظلم يستحق فاعله الفضيحة والعقوبة، ومن أنواع العقوبة التعزيرية: التعزير بالمال، وهو مشروع كما قرر ذلك المحققين من أهل العلم، والتعزير بالمال أنواع:
النوع الأول: إتلاف.
النوع الثاني: تغيير.
النوع الثالث: تمليك للغير.
ومن النوع الثالث: تعويض الدائن عن فوات منافع ماله خلال مدة المماطلة (98).
ومن شواهده: مضاعفة الغرم على سارق مالا يوجب حداً (99).
المناقشة:
نوقش الاستدلال بالحديثين من ستة أوجه:
الوجه الأول:
عدم التسليم بأن العقوبة المالية داخلة فيما دل عليه الحديث من مشروعية عقوبة المماطل؛ بناء على فهم أهل العلم لها، إذ قصروا هذه العقوبة على الحبس، والضرب، وبيع المال، ونحو ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم تفسير العقوبة هنا: بتغريم المماطل مالاً عوضاً عن تأخره في الوفاء يدفع لصالح الدائن، بل نصوا على أن العقوبة هي الحبس، والضرب، وبيع المال، واتفاقهم على ذكر هذه العقوبات مع إعراضهم عن القول بالتعويض مع وجود المقتضي للقول به من كثرة حوادث المماطلة في الديون، دليل على أنه متقرر لديهم منعه؛ لاشتماله على الربا المحرم (100).

الوجه الثاني:
أن الحديث أحل أمرين من المماطل، هما: العرض والعقوبة، ولم يقل: (ويحل ماله)، فالعرض يعني: جواز شكايته وذمه وذكره بسوء المعاملة، والعقوبة كما سبق معناها: الحبس، والضرب، وبيع المال، ونحوه، مما شأنه الزجر والردع، وأما الجبر بالتعويض، فليس داخلاً فيها، وإلا لشرع التعويض في حق المعسر المتأخر في الوفاء متى ما أيسر ولم يقل به أحد (101).
الوجه الثالث:
أن مضاعفة الغرم على سارق ما لا يوجب حداً لا يصح الاستدلال به على ما نحن فيه من حكم إلزام المدين المماطل بدفع تعويض مقابل المماطلة؛ لأن هذا الحكم ثبت بالنص الشرعي، وذلك فيما رواه عمرو بن شعيب(102) عن أبيه عن جده أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ سئل عن الثمر المعلق، فقال: " من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشي منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجَرِين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة ".

ومثله الحديث الآخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ، قال: يا رسول الله جئت أسألك عن الضالة من الإبل؟ قال: معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء، فدعها حتى يأتيها باغيها، قال: الضالة من الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها، قال: الحريسة(103) التي توجد في مراتعها؟ قال: فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من عطنه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن "(104).
وجه الدلالة من الحديثين:
أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ فرق بين العقوبة والغرامة المالية، مما يدل على أن العقوبة يراد بـها الجزاء البدني من حبس وضرب وتضييق ونحوه، ويؤيده: قوله _صلى الله عليه وسلم_ : " لا عقوبة فوق عشرة ضربات إلا في حد من حدود الله "(105)، كما يؤيده أيضاً: تفريقه _صلى الله عليه وسلم_ بين العرض والعقوبة فيما يحل من المماطل الواجد، مع أن الشكوى والتظلم وذكره بسوء المعاملة عقوبة بالمعنى العام، وبناء على ما سبق، يظهر أن العقوبة في الحديث يراد بـها الجزاء الواقع على بدن المماطل دون ماله، والله أعلم (106).

الوجه الرابع:
أن الأصل في العقوبات الشرعية أن تكون زاجرة رادعة، وليس من شأنها أن تجبر الضرر، والعقوبات الزاجرة شرعت لكي ترفع المفسدة عن حياة الناس وتستأصلها، أما التعويض فإنه ربما حمل الطرفين على التواطؤ على المماطلة والتحايل لأخذه، فيصبح هذا التعويض ستاراً للربا المحرم(107)، فالتعويض لا يعالج مشكلة المطل بقدر ما يزيدها تعقيداً.
الوجه الخامس:
أن ولاية التعزير بالمال – على افتراض أن التعويض داخل في التعزير بالمال- للحاكم وليست للدائن، وقيام الدائن بتطبيق العقوبة على المدين وتنفيذها يؤدي إلى فوضى ونزاع لا يقره شرع ولا يقبله عقل، ولذا لم يقل أحد بأن للدائن أن يعاقب المدين بالحبس، أو الضرب، دون الحاكم الشرعي(108).
الوجه السادس:
أن هذا المال المأخوذ من المدين المماطل تعزيراً، لا يخلو إما أن يذهب إلى بيت المال، أو إلى الدائن، فإن ذهب إلى بيت المال كما هو الشأن في الغرامات المالية التعزيرية، فإن الغرض وهو تعويض الدائن لم يتحقق، - ولا ينفع الدائن تغريم المدين في هذه الحالة، فتبقى العقوبات الأخرى أنفع له؛ لكونـها تضيق على المدين في عرضه وبدنه حتى يسدده-، وقد لا يلحق المدين ضرر من دفع الغرامة لبيت المال إن كان غنياً، أو كان يربح من المال الذي يماطل به أكثر مما يدفعه من الغرامة.

وأما إن ذهبت إلى الدائن، فإن الأمر يؤول إلى أن تكون زيادة في دين مقابل زيادة في أجل، وهو عين ربا الجاهلية المحرم، إذ لا فرق بينهما في النتيجة (109).

الدليل الخامس:
أن من أسس الشريعة ومقاصدها العامة عدم المساواة بين الأمين والخائن، وبين المطيع والعاصي، وبين العادل والظالم، وبين المنصف والجائر، ولا بين من يؤدي الحقوق إلى أصحابـها ومن يؤخرها.
ولا شك أن تأخير الحق عن صاحبه عمداً ومطلاً بلا عذر شرعي ظلمٌ وجورٌ بشهادة النصوص الشرعية، وفيه ضرر لصاحب الحق بحرمانه منافع ماله مدة التأخير التي قد تطول كثيراً، فإذا لم يلزم المماطل بتعويض صاحب الحق عن ضرر هذا التأخير، كانت النتيجة أن هذا الظالم العاصي يتساوى مع الأمين العادل الذي لا يؤخر الحقوق ولا يلحق الأضرار، إذ كلاهما يؤدي مقدار الواجب فقط، بل إن ذلك يغري ويشجع المماطل على مماطلته، والجزاء الأخروي بمعاقبة هذا الظالم لا يفيد صاحب الحق المهضوم شيئاً في الدنيا، وحفظ المال مقصود للشارع، لذا جعل له ضمانات قضائية لتحصيله في الدنيا قبل الآخرة، ومنها هذا التعويض (110).

المناقشة:
نوقش بعدم تسليم دعوى أن عدم تعويض الدائن عن ضرر المماطلة يستلزم مساواة المماطل بغيره، وأن ذلك يشجع على المماطلة، وذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
أن المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر يخاف كل الخوف من الوقوع فيما حرمه الله _تعالى_ من مماطلة أهل الحقوق بغير عذر؛ لأنه ظلم للعباد يترتب عليه ما أعده الله للظالمين من عقوبة حذرت منها النصوص الشرعية، فهو ظلمات يوم القيامة، وسبب لسخط الله ونقمته على الظالم، وهو فاتح لأبواب السماء لاستجابة دعوة المظلوم على ظالمه، وهذا الوازع الإيماني هو الحامل للمؤمن والزاجر له كيلا يقع في المماطلة قبل أن تفرض عليه غرامة تعويضية للدائن(111).
الوجه الثاني:
أنه في حال ضعف الوازع الإيماني في قلب المدين عن زجره عن الوقوع في المماطلة، فإن اقترفه للمماطلة بغير حق يصيره في حكم الشريعة ظالماً يستحق الشكوى الفاضحة، والعقوبة الزاجرة، وهما كافيتان بردع المماطل الظالم عن ظلمه، وكفه عن المخالفة بقوة لا تعدلها أية غرامة مالية (112).

الوجه الثالث:
أنه في حال ضعف الوازع الإيماني، وعدم وجود الرادع السلطاني المُطَبِقِ لأحكام الشريعة في المماطلين-كما يبرر بذلك من أجاز التعويض ضرورة-، فإن الواجب على أهل الأموال أن يحتاطوا بالأخذ بالجوانب التوثيقية التي تضمن حفظ حقوقهم، وذلك بعدم التوسع في عقود المداينات، وعمل الدراسات الجادة واللازمة للمشاريع الاستثمارية قبل الدخول فيها، وتقييم جدوها الاقتصادية، وأخذ الضمانات الكافية لحفظ الحق واستيفائه، كالرهن والضمان ونحوها، والتحري في المعاملة مع ذوي الأمانة والصدق والكفاءة، إذ كثيراً ما يكون من أسباب المطل حصول التفريط في هذه الأمور.

الترجيح:
بعد عرض القولين وأدلتهما وما ورد عليها من المناقشة والتوجيه، يتبين أن القول الأول هو الراجح، وهو عدم جواز إلزام المدين بتعويض مالي يدفعه للدائن مقابل ضرر فوات منفعة المال وربحه بسبب مماطلته بالوفاء بالدَّين، وذلك لما يلي:
1) قوة أدلة القائلين بالمنع، وتوجيه المناقشات الواردة عليها، مع مناقشة أدلة القول الثاني، وبيان أنـها لا تدل على التعويض المالي.
2) اختلاف القائلين بالتعويض في تكييفه، هل هو تعزير أم تعويض؟ وفي كيفية تقديره؟ دليل على ضعف هذا القول.
3) أن النتيجة النهائية للتعويض هي نفس نتيجة الربا، والفرق بينهما في التخريجات فقط، فهو يأخذ مالاً زائداً بسبب التأخر في زمن الوفاء.
4) إن التعويض عن ضرر المماطلة إذا لم يكن رباً في ذاته، فهو ذريعة إلى الربا، فيمنع.
5) ما سبق نقله عن أهل العلم بأن المثلي يضمن بالمثلي، وأن المماطلة لا توجب زيادة في الدَّين، وأنه لا فرق بين المماطل وغيره إلا في الإثم، وأنه بالشرط يمنع اتفاقاً، فكذا بالإلزام القضائي، والله أعلم.


التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (2/2)



----------------------------------
(1) ينظر: معجم مقاييس اللغة ص (598)، لسان العرب ص (4/482)، القاموس المحيط ص (550)، المصباح المنير ص (136).
(2) سورة الأنبياء، جزء من الآية (83).
(3) التعويض عن الضرر في الفقه الإسلامي للدكتور محمد بوساق ص (68)، ينظر: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء ص (219).
(4) ينظر في هذه الشروط: الضمان في الفقه الإسلامي للشيخ علي الخفيف (48)، التعويض عن الضرر للدكتور محمد بوساق ص (177-211)، ونظرية الضمان للدكتور وهبة الزحيلي ص (188) وما بعدها ا.هـ
(5) اختلف الفقهاء في ضمان المنافع؟ بناء على خلافهم في مالية المنافع، فقال الجمهور: " هي مضمونة؛ لأنـها مال يمكن تقويمه وأخذ العوض عنه والمبادلة بينه وبين المال "، وخالف الحنفية فقالوا: بعدم مالية المنافع، والمال كل ما يمكن تملكه من أي شيء، والمنافع لا تملك ولا تدخر، ينظر: المبسوط (11/79)، الموسوعة الفقهية (13/37)، التعويض عن الضرر د. محمد المدني بوساق ص (180).
(6) ينظر: بدائع الصنائع (7/167)، الضمان للخفيف ص (169)، التعويض عن الضرر لبوساق ص (188).
(7) أهلية الوجوب: هي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق له وعليه معاً أو له أو عليه، ومبنى ذلك وجود ذمة صالحة، ينظر: بدائع الصنائع (7/168)، الشرح الكبير للدردير (3/443)، قواعد الأحكام (1/186)، الإقناع (2/354)، الموسوعة الفقهية الكويتية (7/152).
(8) ينظر: بدائع الصنائع (7/315)، الخرشي (8/42) المهذب (2/205)، المغني (12/133).
(9) حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض الدائن، مجلة دراسات اقتصادية إسلامية. ع: 2، م:3، ص(20)، ينظر: تعليق زكي شعبان عليه ص (198)، مجلة الملك عبد العزيز مجلد ص (20).
(10) بحث في مطل الغني وأنه ظلم يحل عرضه وعقوبته ضمن مجموع فتاوى وبحوث الشيخ (3/239).
(11) الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطل ص (112)، ينظر: التعويض عن الضرر من المدين المماطل لمحمد الزحيلي ص (82)، بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (37).
(12) التعويض عن الضرر من المدين الماطل د. محمد الزحيلي ص (82)، التعويض عن ضرر المماطلة في الدَّين بين الفقه و الاقتصاد د.محمد ابن الزرقاء ود. محمد بن علي القري ص (38).
(13) خروج هذه المسألة من النزاع لا لكون العقوبة بالتعزير بالمال مسألة متفق عليها، بل لأن الخلاف في التعويض ليس مبنياً على جواز التعزير بالمال، أما ما يتعلق بالتعزير بالمال، فيقال:
التعزير بأخذ المال محل إشكال، ومسألة تحتاج إلى تحرير، وذلك أن كثيراً من العلماء نصوا في مواضع على حرمة التعزير بالمال، وتحريم أخذه بدون حق وطيب نفس من صاحبه، ويعللون المنع بالخوف من تسلط الجبابرة على أموال الناس، وأخذها بالتشهي ظلماً وبغياً بدعوى التعزير بالمال .
قال ابن عابدين: " المذهب عدم التعزير بأخذ المال "، وقال قبل ذلك: " وعن أبي يوسف: يجوز التعزير للسلطان بأخذ المال، وعندهما وباقي الأئمة لا يجوز ا.هـ... ولا يفتى بـهذا، لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس فيأكلونه، … وأفاد في البزازية: أن معنى التعزير بأخذ المال على القول به: إمساك شيء من ماله عنه مدة لينزجر ثم يعيده الحاكم إليه، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه، أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي ".[ينظر: حاشية ابن عابدين (4/61-62) ].
وقال الإمام مالك: " لا يُحِلُ ذنبٌ من الذنوب مالَ إنسان ". [ ينظر: البيان والتحصيل لابن رشد (9/359) ]، وقال الدسوقي: " ولا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعاً ". [ينظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/355) ].
وقال الشافعي: " لا يعاقب رجل في ماله، وإنما يعاقب في بدنه، وإنما جعل الله الحدود على الأبدان، وكذلك العقوبات، فأما الأموال فلا عقوبة عليها". [ينظر: الأم (4/265) ].
وقال ابن قدامة: " التعزير يكون بالضرب، والحبس، والتوبيخ، ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه، ولا أخذ ماله؛ لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدي به، ولأن الواجب أدب، والتأديب لا يكون بالإتلاف ". [ينظر: المغني (12/526) ].
فهذه عبارات العلماء في تحريم التعزير بأخذ المال، حتى لا يُفتح الباب للظلمة لاستباحة أموال الناس المعصومة، قال في الإقناع (4/246): " قال الشيخ -يعني ابن تيمية-: وقد يكون التعزير بالنيل من عرضه، مثل أن يقال له: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس، وقال: التعزير بالمال سائغ إتلافاً وأخذاً، وقول أبي محمد المقدسي - يعني الموفق ابن قدامة-: لا يجوز أخذ ماله، إشارة منه إلى ما يفعله الحكام الظلمة " ا.هـ.
وقد خرَّج ابنُ تيمية القولَ بالجواز على مسائل مخصوصة في مذاهب أهل العلم، وبين أن العلماء ممن نص على المنع يقول به في تفاصيل بعض المسائل، قال _رحمه الله_: "والتعزيرات بالعقوبات المالية مشروع أيضاً،في مواضع مخصوصة، في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه، والشافعي في قول، وإن تنازعوا في تفصيل ذلك ". [ينظر: الحسبة ص (93)].
ولمزيد من البحث في التعزير بالمال، ينظر: الفتاوى الكبرى (5/530)، الطرق الحكمية ص (207)، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (12/125)، كتاب التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عوده (1/705)، والتعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبدالعزيز عامر ص (394-409)، الحدود و التعزيرات عند ابن القيم للشيخ بكر أبو زيد ص (496-498)، التعزير بالمال لماجد أبو رخية ص255-270.
(14) سورة البقرة، جزء من الآية (275).
(15) سورة البقرة، جزء من الآية (275).
(16) سورة البقرة الآيتين (278)و(279).
(17) أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الوصايا باب قول الله _تعالى_: "إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً".[سورة النساء، جزء من الآية (10)] (5/462) برقم (2766)، ومسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (1/92).
(18) أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب المساقاة والمزارعة، باب الربا (11/26).
(19) أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الحج، باب حجة النبي _صلى الله عليه وسلم_ (8/182).
(20) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب البيوع، باب وضع الربا (9/131)، ورقم الحديث (3332)، وابن ماجه في السنن، كتاب المناسك، باب الخطبة في يوم النحر (2/1015)، ورقم الحديث (3055).
(21) الإجماع (136)، أحكام القرآن (1/638)، المغني (6/52)، المجموع (9/391)، ينظر: القوانين الفقهية ص (165)، بداية المجتهد (2/128)، إعلام الموقعين (2/103).
(22) وممن اختاره من المعاصرين وكتب لنصرته:
الأستاذ الدكتور أحمد فهمي أبو سنة في مجلة الأزهر ص (754)، ج(7)، السنة (63) رجب 1411هـ
والدكتور نزيه كمال حماد في المؤيدات الشرعية لحمل المدين المماطل على الوفاء ص (295).
والدكتور علي السالوس كما في مجلة المجمع، العدد السادس (1/ 264).
والدكتور تقي العثماني في كتابه بحوث في قضايا فقهية معاصرة ص (40).
والدكتور محمد شبير كما في الندوة الرابعة لبيت التمويل الكويتي ص (281).
والدكتور حسن الأمين كما في تعليقه على بحث الزرقا ص (41) في مجلة دراسات اقتصادية إسلامية (م:3،ع:2).
والدكتور رفيق المصري كما في مجلة المجمع، العدد السادس (1/334).
والشيخ عبدالله بن بيه كما في تعليقه على بحث الزرقا ص (54) في مجلة دراسات اقتصادية إسلامية (م:3-ع:2).
والدكتور زكي الدِّين شعبان كما في تعليقه على بحث الزرقا ص (99)، في مجلة جامعة الملك عبد العزيز (م:1) عام 1409هـ.
والدكتور محمد زكي عبد البر كما في تعليقه على رأي الضرير ص (61)، في مجلة جامعة الملك عبد العزيز (م:3) عام1411هـ.
والدكتور محمد القري كما في مجلة المجمع، العدد الثامن (3/679).
(23) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ص (268).
(24) مجلة المجمع العدد (6) (1 / 447-448).
(25) المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص(34).
(26) الإجراءات المقترحة لمواجهة المماطلة، د. أحمد بن علي عبد الله ص(6).
(27) وممن اختاره من المعاصرين وكتب لنصرته:
الشيخ مصطفى بن أحمد الزرقاء رحمه الله في مقاله: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن، نشر في مجلة دراسات اقتصادية فقهية، ص (11-20)، مجلد (3 – ع:2) سنة 1417هـ.
والشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع في بحثه: مطل الغني ظلم وأنه يحل عرضه وعقوبته، نشر في مجموع فتاوى وبحوث الشيخ (3/191-266).
والدكتور محمد الزحيلي في بحث غير منشور بعنوان: التعويض عن الضرر من المدين المماطل، ص81- 82، مقدم لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بالبحرين1421هـ.
والدكتور عبد الحميد البعلي في كتابه: أساسيات العمل المصرفي الإسلامي ص(57-59).
والشيخ محمد خاطر كما في ورقة: الإجراءات المقترحة لمواجهة المماطلة ص (5).
والدكتور عبد العزيز القصار في كتابه: مطل الغني ظلم ص (76).
(28) جواز إلزام المدين المماطل ص (20).
(29) بحث في أن مطل الغني ظلم (3/193).
(30) بحث في أن مطل الغني ظلم (3/240).
(31) بحث في أن مطل الغني ظلم (3/252).
(32) مطل الغني ظلم للمنيع (3/264).
(33) حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض الدائن ص (20)، وقد أكد الشيخ أن الاتفاق المسبق على تقدير ضرر الدائن له محذور كبير، وهو أن يصبح التعويض ذريعة لربا مستور بتواطؤ بين الدائن والمدين، كأن يتفقا على القرض على فوائد زمنية ربوية، ثم يعقد القرض لمدة قصيرة، وهما متفاهمان على أن لا يسدد المدين القرض في ميعاده، لكي يستحق الدائن عليه تعويض تأخير متفق عليه مسبقاً يعادل سعر الفائدة. ولذا قال: " لذلك لا يجوز في نظري إذا أقرت فكرة التعويض عن ضرر التأخير، أن يحدد هذا التعويض باتفاق مسبق، بل يجب أن يناط تقدير التعويض بالقضاء ". ينظر: حول جواز إلزام المدين ص (18-19).
(34) الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطل (112)، علماً أن الشيخ ليس ممن يقول بتعويض الضرر بفوات الربح المفترض كما سيأتي في المبحث القادم.
(35) المنهج المحاسبي لعمليات المرابحة ص (120)، الخدمات المصرفية للشبيلي (2/608).
(36) سورة البقرة، جزء من الآية (275).
(37) سورة البقرة، جزء من الآيتين (279)و(280).
(38) ينظر: تعليق ابن بيه على بحث الزرقاء ص (49).
(39) ينظر: تعليق ابن بيه على بحث الزرقاء ص (48).
(40) ينظر: المؤيدات الشرعية لحمل المدين على الوفاء ص (292).
(41) ينظر: بحث في مطل الغني للمنيع (3/249).
(42) ينظر: تعليق د.رفيق المصري ص (63)، تعليق زكي الدين شعبان ص (200).
(43) ينظر: بحث في مطل الغني ظلم (3/250)، ينظر: مقال: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن ص (19).
(44) بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (42).
(45) المؤيدات الشرعية ص (209).
(46) بحث في مطل الغني (3/251)، بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (39).
(47) تعليق: ابن بيه في تعليقه على الزرقا ص (49).
(48) ينظر: تعليق محمد زكي عبد البر على بحث الضرر ص (62) مجلة الملك عبد العزيز (م:3) 1400هـ.
(49) ينظر: مقال: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن ص(19)، بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (39).
(50) ينظر:بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (43).
(51) سبق تخريجه ص (43).
(52) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (40).
(53) ينظر: بحث في مطل الغني للمنيع (3/251).
(54) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (42).
(55) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة ص (40)، مجلة الأزهر سنة 63 (جزء7) ص (754)، المؤيدات الشرعية ص (291)، تعليق ابن بيه على بحث الزرقا ص (51)، تعليق حسن الأمين على بحث الزرقا ص(43).
(56) مقال: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن ص (12).
(57) ينظر: تعليق ابن بيه على مقال الزرقا ص (48).
(58) الإشراف (1/145-146).
(59) أحكام القرآن للجصاص (1/648).
(60)السياسة الشرعية ص (64).
(61) الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص (202).
(62) مقال للدكتور أحمد فهمي أبو سنه، مجلة الأزهر ص( 754)، ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني(42).
(63) مجلة الأزهر ص (754) جزء (7) عام (63).
(64) الهداية مع فتح القدير (9/318).
(65) (2/1214).
(66) روضة الطالبين (5/18).
(67) المغني (7/362).
(68) الإجماع ص (160).
(69) للقدوري ص (194)، وقال شارحه في اللباب (3/210): "باتفاق".
(70) (3/1428).
(71) (8/371).
(72) (12/454).
(73) شرح منتهى الإرادات (3/873).
ولم أجد أحداً قال بتضمين الغاصب لربح المال المفترض إلا قولاً مرجوحاً لبعض المالكية، بل حكى بعضهم اتفاق المالكية على خلافه، وأن ربح الدراهم المغصوبة للغاصب.
قال القرافي في الذخيرة (8/317): " إذا غصب دراهم ودنانير فربح فيها -أي تحقق الربح- فثلاثة أقوال: قال مالك وابن القاسم: لا شيء لك إلا رأس المال....وعن ابن حبيب: إن تجر فيها موسراً فله-أي الغاصب- الربح لقبول ذمته الضمان أو معسراً فلك –أي للمغصوب منه-...وعن ابن سحنون: لك ما كنت تتجر فيها لو كانت في يديك ولم يتجر فيها الغاصب بل قضاها في دين أو أنفقها ". وحكى ابن رشد الاتفاق على أنـها للغاصب، قال في المقدمات الممهدات (2/497):" ما اغتل منها بتصريفها وتفويتها وتحويل عينها كالدنانير يغتصبها فيغتلها بالتجارة فيها...فالغلة له –أي الغاصب- قولاً واحداً في المذهب"، قال العدوي في حاشيته على الخرشي(6/143) بعد ذكر الأقوال السابقة:" الراجح أن الربح للغاصب مطلقاً، كما أفاده بعض الشيوخ خصوصاً وقد علمت أنه كلام مالك وابن القاسم، وحكى الاتفاق عليه ابن رشد ".
(74) وهو مذهب الحنفية، والراجح عند المالكية، وأظهر الوجهين عند الشافعية، واحتمال عند الحنابلة، ينظر: المبسوط (11/78)، مجمع الضمانات ص (130)، الرسالة ص (233)، الخرشي على خليل مع العدوي(6/143)، المهذب (14/248)، روضة الطالبين (5/59)، المغني (7/399)، الفروع(4/494)، الإنصاف (15/277).
(75) ينظر: منح الجليل (4/532-533).
(76) ينظر: الخرشي مع حاشية العدوي (5/55)، والغلة عند المالكية تشمل المنافع والزوائد، ينظر: نظرية الضمان للخفيف ص (51).
(77) ينظر: تحرير الكلام على مسائل الالتزام ص (176).
(78) ينظر: الفروق للقرافي (2/32)، موسوعة القواعد الفقهية (6/30).
(79)ينظر: متأخرات البنوك الإسلامية ص (46)، عقد القرض في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي لعلاء خروفة ص(201)، وفي قرار مجمع الفقه الإسلامي في مكة رقم(5) في الدورة العاشرة، وهو بشأن الرد على من أباح الفائدة الربوية ما نصه: " المجمع يستنكر بشدة هذا البحث....لمخالفته النصوص الواضحة والإجماعات القاطعة، وترويجه للشبه والحجج الزائفة، بنقله عن الجهلة لمقاصد الشريعة: أن الربا تعويض عن حرمان المقرض بماله مدة القرض، وهي من شبه اليهود في إحلالهم الربا " [قرارات المجمع ص(224-225)].
(80) وهو توما الإكويني، ينظر: تعليق المصري على بحث الزرقا جواز إلزام المدين المماطل بالتعويض ص (62).
(81) وهو الشيخ الضرير، مجلة جامعة الملك عبد العزيز (م:5)، 1413 هـ ص (70)، الإجراءات المفترضة لمواجهة المماطلة ص (5).
(82) ينظر: الخدمات المصرفية (2/ 628).
(84) بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (42).
(85) المنهج المحاسبي لعمليات المرابحة ص (115)، الخدمات المصرفية (2/626).
(86) سورة المائدة، جزء من الآية (1).
(87) سورة النساء، جزء من الآية (58).
(88) سورة النساء، جزء من آية (29).
(89) مقال: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن (13-14).
(90) ينظر: المؤيدات الشرعية (290).
(91) ينظر: المؤيدات الشرعية (290).
(92) رواه ابن ماجة في سننه واللفظ له في كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره (2/784) حديث رقم (2340)، ورواه أحمد في المسند (5/327) عن عبادة _رضي الله عنه_.
ورواه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع (2/57-58)، والدارقطني في السنن، كتاب الأقضية والأحكام (4/228) ورقم الحديث(85)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلح، باب لا ضرر ولا ضرار (6/69) عن أبي سعيد _رضي الله عنه_.
ورواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرفوعاً في كتاب الأقضية، باب القضاء في المرافق (2/745) وهو مرسل قال النووي: " له طرق يقوي بعضها بعضاً "، وقال ابن رجب: " قال ابن الصلاح هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه وقد تقبله أهل العلم واحتجوا به " [جامع العلوم والحكم ص (329-330)]، وصححه الألباني في إرواء الغليل (3/408) حديث رقم (896)، وينظر: نصب الراية للزيلعي (4/384)، فيض القدير(6/432).
(93) ينظر: مقال حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن ص (15).
(94) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص(40).
(95) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص(40).
(96) ينظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص(176)، موسوعة القواعد الفقهية (6/257)، المؤيدات الشرعية ص(291-292).
(97) المؤيدات الشرعية ص (292) ويؤيد هذا المعنى: أن الزواجر لا تقبل الجبر، فعل النبي _صلى الله عليه وسلم_ حينما رد على الأعرابي - والد العسيف الذي زنى بامرأة مؤجِّره - التعويض المالي الذي بذله لزوج المرأة، وهو مئة شاة ووليدة، وأمر بإقامة الحد الشرعي تحصيلاً لزجر الناس، وحتى لا يتواطأ الناس على الجرائم والذنوب، ويتراضوا بالمعاوضة عنها مالياً، قال _صلى الله عليه وسلم_ : " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". [الحديث أخرج البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على جور فالصلح مردود (5/355) وقم الحديث(2695-2696)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب حد الزنا (11/205) من حديث زيد بن خالد، وأبي هريرة ].
وأطال القرافي النَّفس في التفريق بين قاعدة الزواجر والجوابر في الذخيرة (8/289)، والفروق (1/213).
(98) ينظر: الحسبة ص (93)، ومجموع الفتاوى (28/109-119).
(99) ينظر: بحث في مطل الغني (3/200-206).
(100) ينظر: بحث في مطل الغني (3/200)، الحسبة ص (107).
(101) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص(42).
(102) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص(42).
(103) أخرجه أبو داود في سننه واللفظ له، كتاب الحدود باب ما لا قطع فيه (12/37) رقم الحديث (4380)، والنسائي في سننه، كتاب قطع السارق، باب الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين (8/85) رقم الحديث(4958)، وابن ماجه في السنن كتاب الحدود باب من سرق من حرز (2/865) رقم الحديث(2596)، وابن الجارود في المنتقى (1/210) رقم الحديث(827)، والبيهقي في السنن الكبرى (4/153)، والحاكم في المستدرك في كتاب الحدود (4/381)، و حسنه الألباني كما في إرواء الغليل (8/69).
(104) الحريسة: هي التي تؤخذ من المرعى، وليس فيه قطع لعدم الحرز، ينظر:: شرح السنة للبغوي(8/319).
(105) رواه الإمام أحمد في المسند واللفظ له (2/180)، والبغوي في شرح السنة في كتاب العطايا باب اللقطة (8/318) وقد حسن إسناده شعيب الأرنؤوط وأصحابه في تخريج المسند(11/274).
وقد روى البيهقي عن الشافعي أنه قال: " لا تضعف الغرامة على أحد في شيء، إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال، وإنما تركنا تضعيف الغرامة من قبل أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قضى فيما أفسدت ناقة البراء بن عازب أن على أهل الأموال حفظها بالنهار وما أفسدت المواشي بالليل، فهو ضامن على أهلها: قال: فإنما يضمنونه بالقيمة لا بقيمتين " [ ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (8/279)]، والقول بالتضعيف هو مذهب الإمام أحمد وهو من مفرداته، ينظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص (280)، شرح الزركشي (6/336).
(106) رواه البخاري في صحيحه عن أبي بردة _رضي الله عنه_، كتاب الحدود، باب كم التعزير والأدب (12/183) رقم الحديث (8648)و(8649).
(107) ينظر: موقف الشريعة من الدَّين للدكتور سامي السويلم ص (40).
(108) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص(42)، المؤيدات الشرعية (292-295).
(109) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني(42).
(110) ينظر: مجلة الأزهر (ج:7)، عام:63 ص (754).
(111) ينظر: جواز إلزام المدين المماطل بالتعويض للزرقا، بتصرف ص (16).
(112) ينظر: المؤيدات الشرعية ص(293).


المصدر : موقع المسلم

Heba Khled
08-19-2011, 06:50 PM
http://www.mezan.net/forum/g5/0%20(9).gif
التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (1/2)
الدكتور/ سلمان بن صالح الدخيل

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فهذا بحث في التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون وأحكامها.
وفيه تمهيد ومبحثان:
المبحث الأول: ضرر مجرد التأخير في المماطلة في الديون.
المبحث الثاني: الضرر الناتج عن فوات الربح المفترض في المماطلة في الديون.
تمهيد:
المماطلة في الديون تعود بالضرر على أهل الحقوق من جهة تأخر ديونهم، ومنعهم من الانتفاع بها تلك المدة وعدم تمكنهم من التصرف فيها، وهذا التأخر في سداد الديون هو في نفسه ضرر، وقد يترتب عليه ضرر آخر من جهة فوات أرباح متوقعة أو متيقنة، وقد يكون الضرر فعلياً كأن يحمله هذا التأخر والمماطلة إلى تكبد الخسائر المادية لأجل استخلاص حقه والظفر به أو ببعضه فضلاً عن الضرر المعنوي الذي قد يتكبده الدائن من الحزن والابتذال بالمرافعة والمخاصمة وكثرة التردد، الأمر الذي يتنـزه عن مثله أهل المروءات.
لذا فإن بحث التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون ، من جهة جواز التعويض المالي عنها أو عدمه، يعد من أهم مسائل هذا البحث، وهي من المسائل المعاصرة الملحة في كثير من الجهات ذات العلاقة، وقبل الشروع في بيان هذه الأضرار، يجدر بيان معنى الضرر، وشروط التعويض المالي عنه، وتحرير محل النزاع في التعويض عن أضرار المماطلة في الديون، والكلام في ذلك ينتظم في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الضرر.
والضُّر في اللغة: ضد النفع، ويطلق على سوء الحال، والفقر، والشدة في البدن والمرض(1)، ومنه قوله _تعالى_: "مَسَّنِيَ الضُّرُّ"(2).
والضرر في الاصطلاح: يطلق على"كل أذى يَلحقُ الشخص، سواء أكان في مال متقوم محترم، أو جسم معصوم، أو عرض مصون"(3).
المبحث الثاني: شروط التعويض المالي للضرر.
نص العلماء على قاعدة هي من القواعد الكبرى في الشريعة، وهي أن الضرر يزال، وقد يكون زوال هذا الضرر بالتعويض المالي، إلا أن التعويض أخص من الضرر، فليس كل ضرر يعوض بالمال كي يزول، وقد ذكر الفقهاء شروطاً لاستحقاق الضرر للتعويض المالي(4)، وهي ما يلي:
الشرط الأول: أن يكون الضرر في مال.
فلا ضمان على ما ليس مالاً كالكلب والميتة والدم المسفوح.(5)
الشرط الثاني : أن يكون المال متقوماً مملوكاً للمتلف عليه.
وهذا يشمل المباح، فلا يجب الضمان بإتلاف الخمر والخنزير على المسلم؛ لسقوط تقوم الخمر والخنزير على حق المسلم(6).
الشرط الثالث: أن يكون في إيجاب التعويض فائدة.
بمعنى إمكان الوصول إلى الحق ودفع الضرر حتى لا يكون إيجاب التعويض عبثاً؛ لعدم القدرة على الوصول إلى الحق، فلا يضمن المسلم بإتلاف مال الحربي، ولا العكس.
الشرط الرابع: أن يكون المتلف من أهل الضمان.
وذلك بأن يكون له أهلية وجوب، وأهلية الوجوب تثبت لكل إنسان بدون قيد ولا شرط (7).
الشرط الخامس: أن يكون الضرر محقق الوقوع بصفة دائمة.
فلا يضمن بمجرد الفعل الضار دون حصول الضرر واستمراره، كمن حفر حفرةً في طريق، فسقط فيها إنسان، فلم يصب بشيء، أو قلع سناً فنبتت أخرى مكانـها(8)، وكذا لا يضمن الضرر المحتمل وقوعه، أو ضرر تفويت الفرصة، أو الضرر المعنوي.
المبحث الثالث: تحرير محل النزاع في الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون، وحكم التعويض عنها:
التعويض عن أضرار المماطلة في الديون، هو أهم المسائل المتعلقة بـهذا البحث؛ وذلك لأنـها هي الصيغة المطبقة عالمياً في معالجة الديون المتعثرة، سواء كان هذا التعثر في السداد بسبب المطل أو غيره، وقد نصت القوانين الوضعية على مشروعية التعويض المالي ضد التأخر في وفاء الديون، ونظراً لانتشار البنوك الإسلامية وتضررها من المماطلة في الديون بشكل أوضح من البنوك الربوية، لكونـها تحرم الربا في معاملاتـها فقد أثيرت هذه المسألة في محيط هذه البنوك الإسلامية، وحصل فيها خلاف بين المعاصرين، وهو ما سنعرضه _بإذن الله_ في هذا الفصل .
وقبل الشروع في تفصيل الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون، تجدر الإشارة إلى تحرير محل النزاع في المسألة، وبيان أحكام اتفق عليها الفقهاء المعاصرون بمن فيهم القائلون بجواز التعويض، وهي كما يلي :
أولاً: اتفق الفقهاء المعاصرون على أن المدين المعسر لا يجوز إلزامه بدفع تعويض مقابل تأخيره في الوفاء؛ لأن المعسر مستحق للإنظار إلى الميسرة، والإلزام بالتعويض ينافي الإنظار المأمور به شرعاً.
وقد نص على هذا القائلون بجواز التعويض المالي عن ضرر مماطلة المدين:
قال الشيخ مصطفى الزرقاء: "واستحقاق هذا التعويض على المدين مشروط بأن لا يكون له معذرة شرعية في هذا التأخير، بل يكون مليئاً مماطلاً يستحق الوصف بأنه ظالم كالغاصب" (9).
وقال الشيخ عبد الله بن منيع:" الغرامة لا يجوز الحكم بـها، إلا بثلاثة شروط هي: ثبوت المطل واللي، وثبوت القدرة على السداد، وانتفاء ضمان السداد لدى الدائن كالرهن والكفالة المليئة" (10).
وقال الدكتور الضرير: " لا يجوز أن يطالب البنك المدين المعسر بتعويض، وعليه أن ينتظره حتى يوسر " (11).
ثانياً: اتفق الفقهاء المعاصرون على منع اشتراط التعويض المالي عن التأخر في سداد الدَّين مع تحديد نسبة معينةٍ أو مبلغٍ محددٍ؛ لأن ذلك صورة من صور ربا الجاهلية المحرم( 12).
ثالثاً: يخرج من النزاع ما يحكم به الحاكم من عقوبة تعزيرية مالية إذا رأى المصلحة في ذلك، موردها بيت المال، ومصرفها مصالح المسلمين؛ لأن المال المأخوذ من باب الزواجر لا من باب الجوابر(13).
المبحث الأول: ضرر مجرد التأخير في المماطلة في الديون.
المطلب الأول: صورة ضرر مجرد التأخير في المماطلة في الديون. إذا تأخر المدين في وفاء دينه عن الوقت المحدد المتفق عليه مع الدائن ومضت مدة، فإن مجرد التأخير ضرر، وإن لم يفته به ربح مفترض، أو متيقن، أو تلحق به خسارة، أو يتأثر بشيء ولو معنوياً، فمجرد التأخير ضرر يستحق الدائن مقابله عوضاً مالياً، سواء كان المدين معسراً أولم يكن، بل يستحق التعويض المالي بمجرد التأخر عن المدة المتفق عليها ولو ليوم واحد.
ومثاله: أن يتعاقدا بيعاً مؤجلاً بعد سنة، أو مقسطاً يدفع كل شهر كذا من الثمن، فإذا تأخر المدين عن الوفاء بالتزامه في الموعد المحدد، فإن عليه عن كل يوم مبلغاً من المال قدره كذا،أو ما نسبته كذا من الثمن، تعويضاً عن التأخرفي السداد.
وهذه الصورة هي المطبقة في أكثر البنوك الربوية، والمشروطة في أكثر البطاقات المصرفية الإقراضية، ولها عدة أسماء، منها: الغرامة التأخيرية، والفوائد التأخيرية، أو بدل التأخير، أو خدمة الديون.
المطلب الثاني: حكم التعويض عن مجرد التأخر ذاته.
التعويض عن مجرد التأخر في وفاء الدَّين بصورته السابقة محرم قطعاً، إذ هو عين ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه، فقد كان المدين إذا حل عليه الدَّين قال له الدائن: إما أن تقضي وإما أن تربي.
وهو ما ابتليت به كثير من البنوك وأقرته كثير من الأنظمة،ويقوم عليه التعامل الدولي، وعليه أكثر المصارف في العالم.
وأدلة تحريم هذا التعويض هي أدلة تحريم الربا، وهي كثيرة متنوعة، وأشير إلى بعضٍ منها فيما يلي:
الدليل الأول:
قوله _تعالى_: "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا" (14)، إلى قوله في آخر الآية: "وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (15).
الدليل الثاني:
قوله _تعالى_: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ" (16).
و الدلالة من الآيات من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
أن الله نص على تحريم الربا، وتوعد من فعله بعد علمه بالتحريم بعذاب النار، وأمر المؤمنين بترك الربا ووضعه، وآذن من لم يذره بالحرب، ومن حارب الله ورسوله فهو الخاسر المهزوم قطعاً.
الوجه الثاني:
دل عموم الآيات على أن الدائن لا يستحق على المدين إلا رأس ماله، وهذا العموم يشمل المدين الموسر والمعسر، والمماطل والباذل، والمدين المماطل داخل في هذا العموم من جهة أنه يجب عليه وفاء رأس المال فقط دون ربا، ولم يستثن من وجوب الأداء إلا المعسر العاجز فينظر إلى ميسرته، فالقول باستحقاق الدائن للتعويض المالي مقابل مماطلة المدين وتأخره في الوفاء مخالف لعموم الآيات.
الوجه الثالث:
أن الربا المحرم الذي كان العرب يأخذونه هو زيادة في مقدار الدَّين مقابل تأخير أدائه، فظهر أن التعويض المالي لأجل التأخر في وفاء الدَّين داخل في الربا المحرم، وتسميته بالغرامة التأخيرية، أو الفوائد التأخيرية، أو تعويضاً عن ضرر، أو أنه عقوبة مالية، لا ينقله من كونه رباً، ولا يؤثر في الحكم بشيء؛ لأن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
الدليل الثاني:
ما ورد عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ : " اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟: قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " (17).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على أن الربا من كبائر الذنوب، وذلك يقتضى الترهيب من أخذه ومقارفته، وإلزام المدين بتعويض الدائن مالياً مقابل التأخر في السداد أخذٌ للربا المحرم ومقارفة له، فيكون باطلاً.
الدليل الثالث:
ما ورد عن جابر _رضي الله عنه_ قال: "لعن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، و شاهديه، وقال: هم سواء " (18).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على تحريم الربا أخذاً وإعطاءً وتعاوناً عليه، وإلزام المدين بدفع زيادة على رأس ماله مقابل تأخره في الوفاء هو من الربا المحرم، فيحرم وإن سُمِّيَ تعويضاً عن ضرر الدائن.
الدليل الرابع:
ما ورد عن جابر _رضي الله عنه_ في قصة حجة الوداع أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال:" ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله "(19).
وفي لفظ: " ألا وإن كل رباً من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون " (20).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث أن الربا موضوع وباطل، وذلك يقتضي تحريم أخذه، وعليه فليس للدائن على المدين إلا رأس ماله فقط، وإلزام المدين بدفع تعويض مالي زائد على أصل دينه مقابل مماطلته في الوفاء مخالف لمدلول الحديث.
الدليل الخامس:
إجماع العلماء على تحريم الربا، ومن الربا المحرم: الزيادة على أصل الدَّين لأجل تأخير وفائه، ومن أنواع الزيادة الربوية المحرمة: تعويض الدائن عن مماطلة المدين المماطل؛ لأنـه زيادة في مقابل التأخر في الوفاء، والإجماع منعقد على تحريم الربا، ومن عبارات العلماء في ذلك ما يلي:
قال ابن المنذر: " وأجمعوا أن المسلف إذا شرط عند السلف هدية أو زيادة، فأسلف على ذلك، أن أخذه الزيادة ربا " (21).
المبحث الثاني: الضرر الناتج عن فوات الربح المفترض في المماطلة في الديون. .
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: صورة الضرر الناتج عن فوات الربح المفترض في المماطلة في الديون.
إذا تأخر المدين في وفاء دينه عن وقته المحدد المتفق عليه مع الدائن ومضت مدة كان من المفترض أن يربح فيها الدائن من ماله لو أنه سُلِّم إليه في وقته، إذ بإمكانه أن يستثمره في تجارة أو مضاربة أو مزارعة ونحو ذلك، إلا أن المدين بمماطلته وعدم وفاء الدَّين في وقته قد فوت على الدائن تلك الأرباح المفترضة، فهل له المطالبة بتعويضه عن ضرر فوات هذا الربح الذي كان يتوقع حصوله لولا المماطلة في الديون أم لا؟
مثاله: باع رجل سيارة بيعاً مؤجلاً بمئة ألف ريال إلى سنة – بمرابحة قدرها العُشْر مثلاً- فماطل المدين في الوفاء سنتين، فلو أن ماله سدد في حينه ولم يماطل به لأمكنه تكرار هذه المرابحة مرتين خلال السنتين اللتين ماطل فيهما المدين، ولربح فيها ربحاً مقداره عشرون ألفاً تقريباً، فهل للدائن أن يطالب المدين المماطل بتعويضه عن ضرر فوات ربحه المفترض خلال سنتين أم لا؟
المطلب الثاني: حكم التعويض عن الضرر الناتج عن فوات الربح المفترض في المماطلة في الديون اختلف العلماء المعاصرون في حكم تعويض الدائن عن ضرر فوات منفعة المال وربحه بسبب مماطلة المدين القادر على الوفاء على قولين:
القول الأول:
عدم جواز إلزام المدين المماطل القادر على الوفاء بتعويض مالي غير مشروط في العقد يدفعه للدائن مقابل فوات منفعة ماله وتضرره بذلك مدة التأخير.
وبـهذا القول صدرت قرارات المجامع الفقهية، والهيئات العلمية، وهو قول جمهور العلماء المعاصرين (22).
جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشر عام 1409هـ ما نصه: " إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغاً من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط أو قرض باطل، ولا يجب الوفاء به بل ولا يحل، سواء كان الشارط هو المصرف أو غيره؛ لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه " (23).
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السادسة المتعلق ببيع التقسيط ما يلي:
" ثالثاً: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدَّين، بشرط سابق أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم.
رابعاً: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء" (24).
وجاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ما يلي: "(ب)لا يجوز اشتراط التعويض المالي...سواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة)، أم عن تغير قيمة العملة. (ج) لا تجوز المطالبة القضائية للمدين المماطل بالتعويض المالي نقداً أو عيناً عن تأخير الدَّين" (25).
ومنعته أيضاً هيئة الرقابة لبنك التنمية التعاوني الإسلامي بالسودان بتأريخ 6/8/1406هـ(26).
القول الثاني:
جواز إلزام المدين المماطل القادر على الوفاء بتعويض مالي غير مشروط في العقد يدفعه للدائن مقابل فوات منفعة ماله مدة التأخير.
وقال به بعض المعاصرين (27).
قال الزرقاء:" مبدأ تعويض الدائن عن ضرره نتيجة لمماطلة المدين وتأخير وفاء الدَّين في موعده مبدأ مقبول فقهياً، ولا يوجد في نصوص الشريعة وأصولها ومقاصدها العامة ما يتنافى معه، بل بالعكس يوجد ما يؤيده ويوجبه واستحقاق هذا التعويض على المدين مشروط بأنه لا يكون له معذرة شرعية في هذا التأخير، بل يكون مليئاً مماطلاً يستحق الوصف بأنه ظالم كالغاصب " (28).
وقال الشيخ عبد الله بن منيع: " القول بضمان ما فات من منافع المال نتيجة مطل أدائه لمستحقه قول تسنده قواعد الشريعة وأصولها، والنصوص الصريحة والواضحة في ذلك من كتاب الله _تعالى_ وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ " (29).
وأصحاب هذا القول مختلفون أيضاً: في حقيقة هذا المال المدفوع للدائن، هل هو عقوبة تعزيرة زاجرة، أم أنـها تعويض مالي جابر لضرر واقع؟ ويترتب عليه كيفية تقدير المال المدفوع. ومن له سلطة التطبيق؟ خلاف على رأيين:
الرأي الأول: أن غُرْمَ هذا المال بناء على أنه تعزيز بالمال، والتعويض إنما هو على سبيل التبعية، وعلى ذلك فمقدار التعزير بالمال لا يشترط أن يكون مساوياً للضرر الحقيقي الفعلي، أو الربح الفائت، وهو رأي الشيخ عبد الله بن منيع.
قال _حفظه الله_ تعقيباً على الشيخ مصطفى الزرقا: " ومع اتفاقي مع فضيلته في النتيجة إلا أنني أرى أن العقوبة المالية تعزيرية، وليست تعويضاً " (30).
وقال بعد ذلك: " ولكننا نقول بأنـها عقوبة وليست تعويضاً إلا على سبيل التبعية"(31).
وقال في موضع آخر: " خلاصة هذه الوقفة: أننا إذا اعتبرنا ما يأخذه الدائن من المدين تعويضاً فقط، فهذا الاعتبار يحيل الأمر من حل إلى تحريم... وإن اعتبرنا ما يغرمه المدين من مال لقاء مطله عقوبة ليس لها ارتباط أو علاقة بحجم الضرر الواقع على الدائن من المطل، وإنما تكييفها وتقديرها راجع إلى ما يوجب الردع والزجر، فهذا الاعتبار صحيح"(32).
الرأي الثاني: أن غُرْمَ هذا المال بناء على أنه تعويض للدائن عن ضرره الذي أصابه بسبب مماطلة مدينه، وعليه فقد شرطوا أن يكون التعويض مساوياً للضرر الواقع.
ثم اختلف أصحاب هذا الرأي فيمن يتولى تقدير التعويض، وكيفية تقديره:
(1) يرى الشيخ مصطفى الزرقا: أن القضاء وحده هو صاحب السلطة الوحيد في تقدير التعويض، وتقدير ضرر الدائن، وتقدير عذر المدين في التأخر، ولا يجوز الاتفاق مسبقاً بين الدائن والمدين على تقدير معين لضرر تأخير الدَّين.
وتقدير الضرر يكون بمقدار ما فات من ربح معتاد في طريق التجارة العامة بأدنى حدوده العادية، فيما لو أنه قبض ماله واستثمره بالطرق المشروعة الحلال في الإسلام كالمضاربة والمزارعة ونحوهما ولا عبرة لسعر الفائدة المصرفية، وتعتمد المحكمة في هذا التقدير رأي أهل الخبرة في هذا الشأن، وبعد وجود البنوك الإسلامية يمكن للمحكمة أن تعتمد في تقدير التعويض بناء على ما توزعه البنوك الإسلامية من أرباح سنوية(33).
(2) يرى الدكتور الضرير: أنه يجوز الاتفاق بين الدائن والمدين - العميل والبنك- على التعويض عن الضرر الحقيقي الفعلي مسبقاً.
ويكون تقديره على أساس الربح الفعلي الذي حققه الدائن – البنك - في المدة التي تأخر فيها المدين عن الوفاء(34).
(3) أن التعويض يكون بقدر الربح الذي حصل عليه المماطل من جراء متاجرته بالمال الذي ماطل فيه(35).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بعدم جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض مالي للدائن عن ضرر فوات منفعة ماله وربحه خلال مدة المماطلة بمايلي:
الدليل الأول:
عموم أدلة تحريم الربا، ومنها:
قوله _تعالى_: "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا"(36).
وقوله _تعالى_: "وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة"(37).
وجه الدلالة من الآيتين:
دلت الآيتين على تحريم الربا وإبطاله، ورد أصحاب الديون إلى رؤوس أموالهم بلا زيادة ولا تعويض عن تأخرٍ في الوفاء، ولم تفرق في ذلك بين موسر ومعسر، وبيان ذلك تفصيلاً من خمسة أوجه:
الوجه الأول: أن تعويض الدائن عن ضرر فوات منفعة المال مدة المماطلة إنما هو عوض عن تأخر أداء الدَّين، فهو زيادة في دين ثابت مقابل الأجل، وهو عين ربا الجاهلية الذي كانوا يفعلونه، وصورته: إما أن تقضي وإما أن تربي، واختلاف الاسم لا يغير في المعنى والحكم شيئاً، والعبرة بالمقاصد لا بالألفاظ (38).
الوجه الثاني: أن آيات تحريم الربا ورد الدائن التائب عن الربا إلى رأس ماله عامة،لم تفرق بين مدين معسر ومدين موسر باذل ومدين مماطل، فالزيادة على رأس المال ربا، سواء كان المدين موسراً أو معسراً، والفرق بين المعسر والموسر إنما هو في وجوب الإنظار إلى الميسرة وترك المطالبة (39).
الوجه الثالث: أن تخصيص المماطل بالتعويض دون المعسر مخالف لمدلول الآيات التي حرمت الظلم على الطرفين، فظلم الدائن هو أخذه زيادة على رأس ماله، وظلم المدين هو مماطلته بوفاء رأس مال الدَّين لصاحبه، ولم يخص المعسر إلا بوجوب إنظاره إلى الميسرة.
الوجه الرابع: أن التعويض المالي عن ضرر المماطل ظلم بنص الآية؛ لأنه زيادة على رأس المال، ولو كان المماطل ظالماً بمطله، فإنه لا يجوز رد الظلم بظلم آخر(40).
الوجه الخامس: أن الله _عز وجل_ أبطل الربا ورد الدائن لرأس ماله فحسب، ولو كان يستحق تعويضاً عن ما فاته من منافع ماله المحتمل، لبين ذلك وأوضحه وفرق بين الصورتين.
المناقشة:
نوقش الاستدلال بالآيتين بعدم التسليم بأن التعويض عن ضرر المماطل من جنس الربا، وذلك من أربعة أوجه، وهي كالتالي:
الوجه الأول:أن الزيادة الربوية في مسألة ( أتقضي أم تربي ) في غير مقابلة عوض، فهي نتيجة تراض بين الدائن والمدين على تأجيل السداد مقابل زيادة في الأجل، أما التعويض فهو مقابل تفويت منفعة على الدائن بلا رضاً منه(41).
الإجابة:
أجيب عن ذلك بما يلي:
أولاً: عدم التسليم بأن الزيادة الربوية في غير مقابلة عوض، بل هي في مقابلة عدم الاستفادة من المال خلال مدة التأجيل، وحبس المال، وعدم انتفاع صاحبه به.
ثانياً: أن المرابين المعاصرين حللوا أخذ الربا بمثل هذا التعليل، وابتكروا نظرية الفرصة الضائعة لتبرير أخذ الربا المحرم، و هي نفسها حجة من يرى التعويض، ولو كان التعويض عن الربح الفائت على صاحب الدَّين جائزاً، لأباح الشارع الفائدة على الديون المأخوذة للاستثمار في التجارة والصناعة؛ لأن هذه الفائدة تعويض للدائن عن منافع ماله مدة بقائها عند المدين، وكذا المقرض بلا فائدة تلحق به مضار وتفوته منافع من جراء قرضه المجاني، ولم يُبَحْ له زيادةٌ أو نفعٌ يزيد على رأس المال إن وقع مشروطاً ونحوه، فدل ذلك على أن التعويض نوع من الربا (42).
الوجه الثاني:
أن الزيادة الربوية مشروطةٌ سلفاً، ومحددةٌ لأجل تأخير مستقبلي برضاً من الطرفين، أما التعويض فهو لأجل رفع الظلم الواقع على صاحب المال، ولأجل تأخير ماضٍ وقع بغير رضاً من صاحب المال (43).
الإجابة:
أجيب عن ذلك بما يلي:
أولاً: أن هذا التفريق نظري لا يصلح أن يكون مناطاً للحكم، ثم على القول بجواز التعويض يصبح الأمر معلوماً سلفاً بالعرف، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (44).
ثانياً: نسلم أن المطل ظلم واقع على صاحب المال، إلا أنه ليس كل ظلم وضرر يلحق الإنسان من غيره يعد موجباً لتعويضه مالياً (45).
الوجه الثالث:
أن الزيادة الربوية الجاهلية لا تفرق بين مدين موسر ومدين معسر، فمتى حل الأجل طولب بالوفاء أو بالزيادة، أما التعويض فلا يلزم به إلا من كان موسراً مماطلاً، وإذا ثبت إعساره، فلا يلزم بأداء أي تعويض(46).
الإجابة:
أجيب عن ذلك بما يلي:
أولاً: النصوص في تحريم أخذ الربا عامة لم تفرق بين المعسر والموسر، فكلاهما لا يجوز أخذ الربا منه، إلا أن المعسر روعي في وجوب تأخيره وتحريم مطالبته حتى يوسر، فيبقى الموسر مطالباً برأس المال فقط دون زيادة.
ثانياً: أن أخذ مال زائد عن أصل الدَّين مقابل التأخير في وفاء الدَّين لا يخرج عن ثلاث حالات:
1- حالة المدين الذي لا يجد ما يقضي به، وهي محل اتفاق على منع التعويض؛ لكون الزيادة ربا محرماً، وتحرم مطالبته لعسرته، وحكمه التأجيل بلا زيادة.
2- حالة المدين الذي يتفق مع صاحب الدَّين على تأخيره مقابل الزيادة، وهي محل اتفاق على منع التعويض، لكونه نوع من ربا الجاهلية المحرم الصريح.
3- حالة المدين الممتنع الذي لا يقضي ما عليه، فيضع عليه صاحب الدَّين زيادة، وهي موضوع بحثنا، وحكم التعويض هنا محرم؛ لأنه زيادة على أصل الدَّين، فالعلماء لم يفرقوا بين الزيادة في الحالتين السابقتين وهذه الحالة، فالزيادة ولو سميت تعويضاً عن ضرر داخلة في ربا الجاهلية المحرم(47).
ثالثاً: أن هذا التعويض إن كان لأجل جبر ضرر الدائن وليس لعقاب المدين، فلا فرق بين أن يكون المدين موسراً أو معسراً؛ لأن المتضرر يستحق الجبر ولو كان المُضِر معسراً، كما يستحق الأرش على الجاني ولو كان فقيراً (48).
الوجه الرابع: أن نسبة الزيادة الربوية معلومة للطرفين في بداية العقد، أما التعويض فلا يمكن معرفة نسبته ابتداءً، وإنما يتحدد بناء على ما فات من ربح حقيقي خلال مدة المماطلة (49).
الإجابة:
أجيب عن ذلك بما يلي:
أولاً: أن هذا فرق غير مؤثر، وذلك أنه متى اشترطت الزيادة، أو قام عرف يدل عليها، أو أمكن فرضها للدائن، فهي ربا، سواء حددت في العقد، أو بعده، أو حددها القضاء، أو التحكيم، وسواء كانت كثيرة أو قليلة.
ثانياً: أن هذا الفرق نظريٌ ليس بعملي، إذ إن نسبة تحقيق الأرباح من العمليات الاستثمارية في البنوك والمصارف معلومة تقريباً، خصوصاً أن معظم عمليات المصارف الإسلامية تدور حول المرابحة المؤجلة، ونسبة أرباحها معلومة في الجملة، فآل الأمر إلى العلم بنسبة التعويض، إذا كان التعويض راجع إلى معدل الربحية خلال مدة المماطلة(50).
الدليل الثاني:
ما ورد عن عمرو بن الشريد عن أبيه أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " (51).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على عدم مشروعية تعويض الدائن عن ضرر مماطلة غريمه، وذلك أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أحل عرض المماطل وعقوبته فقط ولم يحل ماله، فالمشروع في حق المماطل الواجد شكايته، وفضحه، وعقوبته بما يزجره ويردعه عن المطل، ولو كان التعويض الجابر لضرر المماطلة مشروعاً لبينه _صلى الله عليه وسلم_ ؛ لشدة الحاجة إليه، والسكوت في موضع الحاجة بيان (52).
المناقشة:
نوقش الاستدلال بالحديث بأن عموم لفظ العقوبة يشمل العقوبة المالية، والنصوص العامة في اعتبار العقوبة المالية ضرباً من التعزير صريحة وواضحة، ومن أنوع العقوبة المالية: تمليك الغير، وتعويض الدائن عن ضرر المماطلة داخل فيها (53).
الإجابة:
أجيب بأنه لا يصح اعتبار التعويض المالي للدائن عن ضرره من باب العقوبة المالية؛ لأمرين:
الأول: أن ولاية إيقاع العقوبات التعزيرة للحاكم، و التعويض هنا يقع بالشرط أو العرف، ويباشره الدائن، فخرج عن كونه تعزيراً بالمال، ولو فوض تنفيذ العقوبات إلى آحاد الناس أو صح لكونه مشروطاً في العقد، لأفضى ذلك إلى فوضى واضطراب لا يقرها الشرع (54).
الثاني: أن المراد من العقوبة الزجر والردع وليس الجبر، وإلا لوجب جبر ضرر الدائن من مماطلة مدينه المعسر.
الدليل الثالث:
أن مسألة المماطلة في الديون وتأخر الأموال المستحقة بيد من يجب عليهم أداؤها لأصحابـها ليست مسألة نازلة تحتاج إلى اجتهاد جديد، بل هي من المسائل السابقة التي يكثر وقوعها، ويعاني منها الناس في سائر الأوطان والأزمان، وباستقراء ما ذكره العلماء في المدين المماطل بغير حق من العقوبات نجد أنه لم ينقل عن أحد منهم قبل هذا العصر أنه قضى أو أفتى بجواز التعويض المالي لأجل المماطلة في الديون، مع أن فكرة تعويض الدائن عن الأرباح الفائتة والمتوقعة مقابل ماله المحبوس عند المماطل قريبة إلى أذهانـهم - لو كانت جائزة -؛ إذ هي جزاء من جنس العمل، ومعاملة بنقيض القصد، وقد نصوا على العقوبات الزاجرة عن المماطلة في الديون، كالسجن، والضرب، والمنع من فضول المباحات، وبيع المال ونحوه، ولم يذكروا التعويض المالي عن ضرر المماطلة، مما يدل على أنه متقرر لديهم أن التعويض المالي للدائن بسبب المطل أنه داخل في الربا المحرم، سواء كان مقابل التأخر، أو فوات الربح المتوقع، أو الضرر الفعلي؛ إذ هو زيادة في دين مقابل زيادة في أجل السداد(55).
المناقشة:
نوقش بأن الفقهاء لم يبحثوا هذه المسألة في عصرهم؛ لعدم حاجتهم إليها، إذ لم يكن أمر التجارة من الأهمية والتأثير مثل ما أصبح عليه في العصر الحاضر، وكان وصول الدائن إلى حقه في عصرهم ميسوراً وسريعاً، بخلاف ما عليه الوضع الآن من طول الإجراءات وتأخرها (56).
الإجابة:
أجيب عن المناقشة بما يلي:
عدم التسليم بأن الفقهاء لم يبحثوا هذه المسألة، بل إنـهم بحثوها إلا أنـهم لم يُلِحُوا عليها، ولم يتوقفوا عندها كثيراً؛ لكونـها في نظرهم من مسلمات الفقه، إذ هي مشمولة بعموم نصوص القرآن والسنة في تحريم الربا، ومنه: الزيادة في الدَّين مقابل التأخير (57).
وبياناً لذلك يقال: إن الفقهاء من خلال استقراء كلامهم في المماطلة، وما يشابـهها من أحكام، يظهر أنـهم لا يرون التعويض المالي مقابل تأخر المال، وأن المماطل ليس عليه إلا أداء المال لصاحبه، وأن المطل لا يوجب زيادة في الدَّين، ولا يستحق به غلة المال، وبيان ذلك فيما يلي:
أولاً: أن أكثر العلماء فسروا العقوبة في الحديث: بأنـها الحبس، وقد فسرها بذلك وكيع، وسفيان الثوري، وابن المبارك.
قال ابن المنذر:" أكثر من نحفظ قوله من علماء الأمصار وقضاتـهم يرون الحبس في الدَّين، وممن نحفظ ذلك عنه: مالك، وأصحابه، والشافعي، والنعمان، وأصحابـهما، وأبو عبيد ، وبه قال سوار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن، وقد روينا هذا القول عن شريح، والشعبي، وكان عمر بن عبد العزيز يقول:" يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس" (58).
وقال الجصاص: " جعل مطل الغني ظلماً، والظالم لا محالة مستحق للعقوبة، وهي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره " (59).
وقال ابن تيمية: " يعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، ولا أعلم في هذا خلافاً " (60).
وقال أيضاً:" ولو كان قادراً على أداء الدَّين وامتنع، ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره، إذا لم يتعد حدود الله " (61)، والقول بالتعويض المالي عن ضرر المماطلة في الديون تعدٍ على حدود الله، فيمنع منه؛ لأنه ربا.
فظهر بما سبق أن السابقين يرون زجر المماطل بالعقوبات الرادعة، وهم متفقون على عدم القول بجواز التعويض المالي للدائن على مدينه المماطل؛ إذ لو قيل به لنقل، فالقول بالتعويض اجتهاد جديد في مقابلة هذا الاتفاق (62).
قال الدكتور أحمد فهمي أبو سِنَّة: "لم يقل أحد من العلماء بتغريمه – أي المماطل- مالاً، فالفتوى بأن المدين تجوز عقوبته بتغريم المال....اجتهاد جديد في مقابلة الإجماع" (63).
ثانياً: أن الفقهاء تكلموا عن مسائل - أشد من المماطلة في الديون - تُمنَعُ فيها الأموال عن أصحابـها أزماناً طويلة ظلماً وعدواناً، ولم يوجبوا فيها إلا ضمان المثل، ككلامهم في الأموال المسروقة، والمغصوبة، وأموال الأمانات المعتدى عليها، وربح المال المغصوب، فيقاس عليها تضمين المماطل رأس المال فقط وعدم تغريمه من باب أولى.
ومن أقوال الفقهاء في المال المغصوب ما يلي:
قال في الهداية: " ومن غصب شيئاً له مثل، كالمكيل والموزون، فهلك في يده، فعليه...ضمان مثله...؛ لأن الواجب هو المثل" (64).
وقال في المعونة: " الشيء المغصوب مضمون باليد، فمن غصب شيئاً فقد ضمنه إلى أن يرده، فإن رده كما غصبه، سقط عنه الضمان ولزم المالك قبوله " (65).
وقال في (روضة الطالبين): " ما كان مثلياً ضمن بمثله" (66).
وقال في (المغني):" وما تتماثل أجزاؤه وتتقارب صفاته كالدراهم والدنانير....ضمن بمثله بغير خلاف" (67).
ومن أقوالهم في المال المسروق ما يلي:
قال ابن المنذر: " وأجمعوا أن السارق إذا قطع ووجد المتاع بعينه، أن المتاع يرد على المسروق منه " (68).
وقال في الكتاب:" إذا قطع السارق والعين قائمة في يده، ردَّها " (69).
وقال في المعونة:" إذا قطع السارق ثم وجد الشيء المسروق عنده، لزمه رده إلى مالكه"(70).
وقال في الأم: " أُغرِم السارق ما سرق، قطع أو لم يقطع، والحد لله فلا يُسقِط حدُّ الله غُرمَ ما أتلف للعباد" (71).
وقال في المغني:" لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية، فأما إن كانت تالفة، فعلى السارق رد قيمتها، أو مثلها إن كانت مثلية، قطع أو لم يقطع، موسراً كان أو معسراً " (72). ومَنْعُ المال من صاحبه بسبب الغصب والسرقة أشد ظلماً من مَنْعِهِ بسبب المماطلة، ومع ذلك لم يوجبوا على الغاصب والسارق التعويضَ عن ضرر التأخر أو فوات منافع المال أو الضرر الحقيقي مقابل بقاء المال عنده تلك المدة، وحرمان صاحبه من الانتفاع به.
ثالثاً: نص بعض الفقهاء على عدم ضمان الغاصب للربح المفترض (الفرصة الضائعة)، والغاصب أشد ظلماً من المماطل، ومن ذلك ما يلي:
قال البهوتي:" ولا يضمن ربح فات على مالك بحبس غاصب مال تجارة مدة يمكن أن يربح فيها، إذا لم يتجر فيه غاصب " (73).
وأما غير الحنابلة، فهم لا يقولون بضمان الغاصب لربح المال المحقق، فضلاً عن ضمانه للربح المفترض (74).
رابعاً: نص بعض الفقهاء على أن المماطل ليس عليه إلا أداء رأس ماله، وأن المطل لا يوجب زيادة في الدَّين، ولا يغرم غلة المال، فمن ذلك:
ما قاله الشيخ عليش(75) -بعد ذكره قول الوانوغي بأن المماطل يضمن قيمة ما آلت إليه السكة الجديدة، فيما إذا بطلت الفلوس أو عدمت- ما يلي: " بحث بدر الدَّين القرافي مع الوانوغي بأن تقييده - أي المدين المماطل- لم يذكره غيره من شراح المدونة، وشراح ابن الحاجب، وللبحث فيه مجال ظاهر، لأن مطل المدين لا يوجب زيادة في الدِّين، وله طلبه عند الحاكم، وأخذه منه جبراً، كيف وقد دخل عند المعاملة معه على أن يتقاضى حقه منه كما دفعه.. وبحث فيه بعض أصحابنا: بأن غايته – أي: المماطل- أن يكون كالغاصب، والغاصب لا يتجاوز معه ما غصب ا.هـ...وقد ذكر في المعيار أن ابن لب: سئل عن النازلة نفسها،فأجاب: بأنه لا عبرة بالمماطلة، ولا فرق بين المماطل وغيره إلا في الإثم ".
وقد ذكر العدوي(76) في نفس المسألة ما نصه: " فإن قلت ما الفرق بينه –أي: المماطل- وبين الغاصب الذي يضمن المثلى - أي في هذه المسألة- ولو بغلاء، مع أنه أشد ظلماً من المماطل أو مثله؟ فالجواب: أن الغاصب لما كان يغرم الغلة في الجملة خفف عنه، ولا كذلك المماطل". وهذا نص واضح على أن المماطل لا يغرم شيئاً يزيد على أصل الحق.
خامساً: نص الحطاب المالكي على منع التعويض المالي إذا كان مشروطاً، فقال: " إذا التزم المدعى عليه للمدعي، أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا، فله عليه كذا وكذا، فهذا لا يختلف في بطلانه؛ لأنه صريح الربا، وسواء كان الشيء الملتزم به من جنس الدَّين أو غيره، وسواء كان شيئاً معيناً أو منفعة " (77)، والحكم بالتعويض بلا شرط يؤول إلى أن يكون مشروطاً بالعرف، فيصبح عرفاً لازماً، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
الدليل الرابع:
أن التعويض عن ضرر المماطلة إن لم يكن رباً في ذاته، فهو ذريعة موصلة إليه، وسدُّ الذرائع من القواعد الفقهية المعتبرة شرعاً(78)، والقول به يفتح باب الربا، والتواطؤ على أخذه، بحجة التعويض عن الضرر، أو فوات الانتفاع، وبنفس حجة التعويض عن الضررانتشر أخذ الربا، وبرَّرَ المرابون ظلم المدينين والمعسرين، وبيان هذا من أربعة أوجه:
الوجه الأول:
أن النصارى قد استحلوا الربا المحرم في شريعتهم بسبب دعوى التعويض عن الضرر، إذ كان إجماعهم منعقداً على تحريم الربا، إلا أن الضعف بدأ يدب في صفوفهم خلال القرنين السادس عشر والثامن عشر، حتى وقع رجال الكنائس في الربا، بناء على فتوى مجمع انتشار الإيمان المقدس في روما، والتي أجازت أخذ الربا في مقابلة الخطر من فقد أصل المال، ثم أثَّرت الأحوال الاقتصادية على آراء رجال الدَّين النصراني حتى ضيقوا دائرة الربا، فأباحوا الفائدة استثناءً في الحالات الآتية:
1- إباحة التعويض للمقترض عن أي خسارة حصلت عليه بسبب القرض.
2- إباحة التعويض عن الربح الفائت.
3- إباحة الشرط الجزائي الذي يلتزم بسببه المقترض إذا لم يسدد القرض في الميعاد وتأخر في وفائه، بأن يدفع مبلغاً إضافياً، وقد ترددت الكنيسة في إباحة هذا الشرط بادئ الأمر، ثم أجازته (79).
قال أحد النصارى:" إذا لحق المقرض ضرر ناجم عن تأخير المقترض عن الوفاء في الميعاد المحدد للسداد، يصبح للمقرض الحق في مطالبة المقترض بالتعويض شريطة إثبات الضرر الذي انتاب المقرض " (80)، فالتعويض عن ضرر تأخر المدين هي حجة من أباح الربا من النصارى.
الوجه الثاني:
توسع بعض المصارف الإسلامية التي أخذت بفتوى جواز التعويض في تطبيق التعويض، إذ صار التعويض عن ضرر المماطلة كالفائدة الربوية، مما حمل بعض من أفتى بالتعويض أن يتراجعوا عن فتواهم؛ لعدم إمكان تطبيق شروطهم التي قيدوا بـها الجواز(81).
الوجه الثالث:
أن صاحب المال لن يلح على المدين بتسديد دينه، ولن يحرص على متابعة مدينه، إذ إنه سيحصل من المماطل على أصل ماله مع عوضٍ مالي عن مماطلته، بل ربما يطمع في هذا العوض ويتطلع لتأخره ومطله، ومن جهة أخرى: فإن المدين المماطل لن يبالي في الوفاء في زمن السداد المحدد، بل سيستسهل التعويض، ويستصعب دفع المبلغ كاملاً لوفاء الدَّين، فينقلب التعويض مع مرور الزمن إلى اتفاق عرفي على التأخير بزيادة – تسمى تعويضاً عن ضرر – وهي ذريعة يجب سدها ومنعها.
الوجه الرابع:
أن تأخير تحديد مقدار التعويض يفضي إلى النزاع، مع ما فيه من صعوبة التقدير، فليس من المستبعد أن يتم تحديد التعويض في بداية العقد أو يربط بعدد الأيام، كما في الفوائد الربوية أو بنسبة معينة ونحوه، وهذا يؤدي إلى الربا المحرم بالاتفاق، ولذلك لزم القول بمنع التعويض؛ سداً للذريعة، وصوناً للشريعة (82).
الدليل الخامس:
أن جواز التعويض عن ضرر المماطلة في الديون - عند من يقول به - مقيد بشروط تخرجه عن الربا، وهذه الشروط نظرية يصعب تحقيقها في الواقع العملي، فمنها:
أولاً: شرط عدم كون المدين معسراً؛ لأن المعسر منظر بنص القرآن حتى يوسر، إلا أن التحقق من اليسار أو الإعسار أمر صعب في الوقت الحاضر، ويكاد يتعذر على الدائن التحقق من كل حالة بعينها، لا سيما في البنوك والمصارف التي يتعامل معها الآلاف، ولذا نجد أنه يُحتال على إسقاط هذا الشرط -وهو عدم كونه معسراً – بأن يكتب في العقد شرط آخر: وهو أن المدين يعتبر موسراً، ويعامل بناء على ذلك ما لم يحكم عليه بحالة الإفلاس قانوناً، وهي حالة نـهائية لا توجد إلا نادراً، مما يدل على أن كثيراً من المدينين الذين يطالبون بالتعويض هم من المعسرين حقاً (83).
ثانياً: القول بالتعويض المالي على المدين المماطل مفروض بناء على أساس وقوع ضرر على الدائن بسبب المماطلة، وهو فوات فرصة الربح، إذ يفترض أن هذا المال لو دفع لصاحبه لأمكن أن يستثمر بتجارة، أو مضاربة، أو صناعة، أو مشاركة، فيربح كذا، وهذا إن جاز نظرياً، فهو بعيد عملياً؛ لأن الدائن لا يقطع بتنمية ماله واستثماره، ثم لو استثمره فإنه لا يقطع بحصول الأرباح، فضلاً عن تحديدها بمقدار معين، إذ ماله معرض للربح والخسارة، وهذا ظاهر في المصارف والبنوك، إذ لا تستفيد من كل ما لديها من أموال، بل إن نسبة السيولة غالباً ما تكون أكثر من النسبة المحددة التي يجب الاحتفاظ بـها من قبل البنوك المركزية(84)، فإذا كان عند الدائن مال – فائض نقدي – يمكن أن يدفع به عن نفسه الأضرار الطارئة، ويستغل أي فرصة استثمارية يظن أنـها تدر له ربحاً، فإن دعوى الضرر لا تقبل، ويبطل شرط حصول الضرر.
"أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بجواز إلزام المدين المليء المماطل بتعويض الدائن عن ضرر فوات منفعة ماله وربحه المفترض بتسعة أدلة، وهي ما يلي:
الدليل الأول:
الآيات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود، والأمانات، وتحريم أكل المال بالباطل، ومن ذلك:
قوله _تعالى_: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (85).
وقوله _تعالى_: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" (86).
وقوله _تعالى_: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ" (87).
وجه الدلالة من هذه الآيات:
دلت الآيات على وجوب الوفاء بالعقد، وأداء الأمانة، وتحريم أكل المال بالباطل، وتأخير الوفاء عن ميعاده دون رضا صاحبه يعد من أكل المال أو منفعته بالباطل، وعليه فيكون المتخلف ظالماً لصاحب المال، ومسؤولاً عن الضرر الذي يلحقه من جراء مماطلته، فيضمن منفعة ماله تلك المدة (88).
المناقشة:
نوقش الاستدلال بالآيات من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
أن مدلول هذه الآيات خارج عن محل النزاع، وهو التعويض عن منافع المال الفائتة بالمماطلة.
الوجه الثاني:
عدم تسليم كون التأخير في أداء الدَّين أكلاً لمنفعة المال بغير حق خلال تلك المدة التي ماطل فيها المدين؛ لأن قابلية النقود للزيادة أمر محتمل، فلا تعد منفعة محققة الوجود قد أكلها المدين المماطل عدواناً حتى يطالب بالتعويض المالي عنها (89).
الوجه الثالث:
أن اعتبار المدين المماطل بغير عذر ظالماً معتدياً أمر مسلم لا خلاف فيه لنص الحديث على ذلك، ومنشأ ظلمه إلحاقه الضرر بالدائن نتيجة تأخير الوفاء عن وقته بلا عذر، إلا أنه ليس كل ضرر يلحقُهُ الإنسانُ بغيره ظلماً يعد موجباً للتعويض المالي(90).
الدليل الثاني:
ما ورد عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: " لا ضرر ولا ضرار "(91).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على تحريم الضرر ووجوب إزالته، والضرر الواقع على الدائن لا يزول إلا بتعويضه مالياً عما فاته من منافع ماله خلال مدة المماطلة، بل إن معاقبة المدين المماطل بغير التعويض المالي لا يفيد الدائن المتضرر شيئاً، فلا يرتفع ضرره إلا بذلك (92).
المناقشة:
نوقش الاستدلال بـهذا الحديث من أربعة أوجه:
الوجه الأول:
تسليم تحريم الضرر ووجوب إزالته بالطرق الشرعية، لكن من أين لكم أن زوال الضرر لا يكون إلا بالتعويض المالي؟؛ إذ إن إزالة هذا الضرر بالتعويض المالي ليس من مدلول النص صراحة ولا إشارة، ولو كان هذا النص يدل على أن ضرر المماطل يزال بفرض زيادة مالية تضاف لأصل الدَّين تعويضاً له عن ضرر فوات ربحه خلال مدة المماطلة لوجب الحكم بـها، و لوجب على كل قاض ومفت أن يقضي ويفتي بالتعويض المالي، ولكن لم يوجد في التاريخ قاض أو مفت حكم أو أفتى بذلك مع كثرة قضايا المماطلة في الديون في كل عصر ومصر (93).
الوجه الثاني:
أن ضرر الدائن المعترف به شرعاً هو عدم حصوله على ماله في وقته المحدد، وإزالة هذا الضرر بأن يسلم إليه ذلك المبلغ الذي هو حقه، وليس من حقه أخذه ما يزيد عن مبلغ دينه؛ لأنه ربا (94).
الوجه الثالث:
أن من فروع القاعدة الفقهية المستنبطة من هذا الحديث: ( الضرر يزال ) قاعدة مقيِّدة لها، وهي: ( أن الضرر لا يزال بمثله ولا بما هو أشد منه)، وفي إلزام المدين المماطل بالتعويض المالي إزالة للضرر بمثل الضرر الواقع بل أشد؛ إذ يفرض عليه الربا، وتُنَـزَّل المنفعة المحتملة منزل المحققة المستوفاة، فهو مقابلة لظلم المطل بظلم من نوع آخر(95).
الوجه الرابع:
قولكم: "معاقبة المدين المماطل بغير التعويض المالي لا يفيد الدائن المتضرر شيئاً "، لا يعني جواز الحكم بالتعويض؛ لأن هذه المسألة -أي عقوبة المماطل- لا تعالجها أصلاً قاعدة الجوابر؛ لخروجها عن نطاقها، وانضوائها تحت قاعدة الزواجر، التي تكفل دفع هذه المفسدة واستئصالها من حياة الناس، والعقوبات الشرعية ليس من شأنـها الجبر، ووظيفتها تنحصر في الزجر، فالسارق إذا قطعت يده، أو المحارب إذا أقيم عليه حد الحرابة، فإن هذه العقوبات لا تزيل الضرر المادي عن المتضرر المظلوم؛ لأن من شأن العقوبات زجر الناس عن الظلم، ومنعهم من اقتراف الذنوب الموجبة لها درءاً للمفسدة المتوقعة(96).
الدليل الثالث:
ما ورد عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال _صلى الله عليه وسلم_ : "مطل الغني ظلم " (97).
الدليل الرابع:
ما ورد عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ : " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته".
وجه الدلالة من الحديثين:
دل الحديثان أن المماطلة في أداء الدَّين من القادر على الوفاء ظلم يستحق فاعله الفضيحة والعقوبة، ومن أنواع العقوبة التعزيرية: التعزير بالمال، وهو مشروع كما قرر ذلك المحققين من أهل العلم، والتعزير بالمال أنواع:
النوع الأول: إتلاف.
النوع الثاني: تغيير.
النوع الثالث: تمليك للغير.
ومن النوع الثالث: تعويض الدائن عن فوات منافع ماله خلال مدة المماطلة (98).
ومن شواهده: مضاعفة الغرم على سارق مالا يوجب حداً (99).
المناقشة:
نوقش الاستدلال بالحديثين من ستة أوجه:
الوجه الأول:
عدم التسليم بأن العقوبة المالية داخلة فيما دل عليه الحديث من مشروعية عقوبة المماطل؛ بناء على فهم أهل العلم لها، إذ قصروا هذه العقوبة على الحبس، والضرب، وبيع المال، ونحو ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم تفسير العقوبة هنا: بتغريم المماطل مالاً عوضاً عن تأخره في الوفاء يدفع لصالح الدائن، بل نصوا على أن العقوبة هي الحبس، والضرب، وبيع المال، واتفاقهم على ذكر هذه العقوبات مع إعراضهم عن القول بالتعويض مع وجود المقتضي للقول به من كثرة حوادث المماطلة في الديون، دليل على أنه متقرر لديهم منعه؛ لاشتماله على الربا المحرم (100).
الوجه الثاني:
أن الحديث أحل أمرين من المماطل، هما: العرض والعقوبة، ولم يقل: (ويحل ماله)، فالعرض يعني: جواز شكايته وذمه وذكره بسوء المعاملة، والعقوبة كما سبق معناها: الحبس، والضرب، وبيع المال، ونحوه، مما شأنه الزجر والردع، وأما الجبر بالتعويض، فليس داخلاً فيها، وإلا لشرع التعويض في حق المعسر المتأخر في الوفاء متى ما أيسر ولم يقل به أحد (101).
الوجه الثالث:
أن مضاعفة الغرم على سارق ما لا يوجب حداً لا يصح الاستدلال به على ما نحن فيه من حكم إلزام المدين المماطل بدفع تعويض مقابل المماطلة؛ لأن هذا الحكم ثبت بالنص الشرعي، وذلك فيما رواه عمرو بن شعيب(102) عن أبيه عن جده أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ سئل عن الثمر المعلق، فقال: " من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشي منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجَرِين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة ".
ومثله الحديث الآخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ، قال: يا رسول الله جئت أسألك عن الضالة من الإبل؟ قال: معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء، فدعها حتى يأتيها باغيها، قال: الضالة من الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها، قال: الحريسة(103) التي توجد في مراتعها؟ قال: فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من عطنه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن "(104).
وجه الدلالة من الحديثين:
أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ فرق بين العقوبة والغرامة المالية، مما يدل على أن العقوبة يراد بـها الجزاء البدني من حبس وضرب وتضييق ونحوه، ويؤيده: قوله _صلى الله عليه وسلم_ : " لا عقوبة فوق عشرة ضربات إلا في حد من حدود الله "(105)، كما يؤيده أيضاً: تفريقه _صلى الله عليه وسلم_ بين العرض والعقوبة فيما يحل من المماطل الواجد، مع أن الشكوى والتظلم وذكره بسوء المعاملة عقوبة بالمعنى العام، وبناء على ما سبق، يظهر أن العقوبة في الحديث يراد بـها الجزاء الواقع على بدن المماطل دون ماله، والله أعلم (106).
الوجه الرابع:
أن الأصل في العقوبات الشرعية أن تكون زاجرة رادعة، وليس من شأنها أن تجبر الضرر، والعقوبات الزاجرة شرعت لكي ترفع المفسدة عن حياة الناس وتستأصلها، أما التعويض فإنه ربما حمل الطرفين على التواطؤ على المماطلة والتحايل لأخذه، فيصبح هذا التعويض ستاراً للربا المحرم(107)، فالتعويض لا يعالج مشكلة المطل بقدر ما يزيدها تعقيداً.
الوجه الخامس:
أن ولاية التعزير بالمال – على افتراض أن التعويض داخل في التعزير بالمال- للحاكم وليست للدائن، وقيام الدائن بتطبيق العقوبة على المدين وتنفيذها يؤدي إلى فوضى ونزاع لا يقره شرع ولا يقبله عقل، ولذا لم يقل أحد بأن للدائن أن يعاقب المدين بالحبس، أو الضرب، دون الحاكم الشرعي(108).
الوجه السادس:
أن هذا المال المأخوذ من المدين المماطل تعزيراً، لا يخلو إما أن يذهب إلى بيت المال، أو إلى الدائن، فإن ذهب إلى بيت المال كما هو الشأن في الغرامات المالية التعزيرية، فإن الغرض وهو تعويض الدائن لم يتحقق، - ولا ينفع الدائن تغريم المدين في هذه الحالة، فتبقى العقوبات الأخرى أنفع له؛ لكونـها تضيق على المدين في عرضه وبدنه حتى يسدده-، وقد لا يلحق المدين ضرر من دفع الغرامة لبيت المال إن كان غنياً، أو كان يربح من المال الذي يماطل به أكثر مما يدفعه من الغرامة.
وأما إن ذهبت إلى الدائن، فإن الأمر يؤول إلى أن تكون زيادة في دين مقابل زيادة في أجل، وهو عين ربا الجاهلية المحرم، إذ لا فرق بينهما في النتيجة (109).
الدليل الخامس:
أن من أسس الشريعة ومقاصدها العامة عدم المساواة بين الأمين والخائن، وبين المطيع والعاصي، وبين العادل والظالم، وبين المنصف والجائر، ولا بين من يؤدي الحقوق إلى أصحابـها ومن يؤخرها.
ولا شك أن تأخير الحق عن صاحبه عمداً ومطلاً بلا عذر شرعي ظلمٌ وجورٌ بشهادة النصوص الشرعية، وفيه ضرر لصاحب الحق بحرمانه منافع ماله مدة التأخير التي قد تطول كثيراً، فإذا لم يلزم المماطل بتعويض صاحب الحق عن ضرر هذا التأخير، كانت النتيجة أن هذا الظالم العاصي يتساوى مع الأمين العادل الذي لا يؤخر الحقوق ولا يلحق الأضرار، إذ كلاهما يؤدي مقدار الواجب فقط، بل إن ذلك يغري ويشجع المماطل على مماطلته، والجزاء الأخروي بمعاقبة هذا الظالم لا يفيد صاحب الحق المهضوم شيئاً في الدنيا، وحفظ المال مقصود للشارع، لذا جعل له ضمانات قضائية لتحصيله في الدنيا قبل الآخرة، ومنها هذا التعويض (110).
المناقشة:
نوقش بعدم تسليم دعوى أن عدم تعويض الدائن عن ضرر المماطلة يستلزم مساواة المماطل بغيره، وأن ذلك يشجع على المماطلة، وذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
أن المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر يخاف كل الخوف من الوقوع فيما حرمه الله _تعالى_ من مماطلة أهل الحقوق بغير عذر؛ لأنه ظلم للعباد يترتب عليه ما أعده الله للظالمين من عقوبة حذرت منها النصوص الشرعية، فهو ظلمات يوم القيامة، وسبب لسخط الله ونقمته على الظالم، وهو فاتح لأبواب السماء لاستجابة دعوة المظلوم على ظالمه، وهذا الوازع الإيماني هو الحامل للمؤمن والزاجر له كيلا يقع في المماطلة قبل أن تفرض عليه غرامة تعويضية للدائن(111).
الوجه الثاني:
أنه في حال ضعف الوازع الإيماني في قلب المدين عن زجره عن الوقوع في المماطلة، فإن اقترفه للمماطلة بغير حق يصيره في حكم الشريعة ظالماً يستحق الشكوى الفاضحة، والعقوبة الزاجرة، وهما كافيتان بردع المماطل الظالم عن ظلمه، وكفه عن المخالفة بقوة لا تعدلها أية غرامة مالية (112).
الوجه الثالث:
أنه في حال ضعف الوازع الإيماني، وعدم وجود الرادع السلطاني المُطَبِقِ لأحكام الشريعة في المماطلين-كما يبرر بذلك من أجاز التعويض ضرورة-، فإن الواجب على أهل الأموال أن يحتاطوا بالأخذ بالجوانب التوثيقية التي تضمن حفظ حقوقهم، وذلك بعدم التوسع في عقود المداينات، وعمل الدراسات الجادة واللازمة للمشاريع الاستثمارية قبل الدخول فيها، وتقييم جدوها الاقتصادية، وأخذ الضمانات الكافية لحفظ الحق واستيفائه، كالرهن والضمان ونحوها، والتحري في المعاملة مع ذوي الأمانة والصدق والكفاءة، إذ كثيراً ما يكون من أسباب المطل حصول التفريط في هذه الأمور.
الترجيح:
بعد عرض القولين وأدلتهما وما ورد عليها من المناقشة والتوجيه، يتبين أن القول الأول هو الراجح، وهو عدم جواز إلزام المدين بتعويض مالي يدفعه للدائن مقابل ضرر فوات منفعة المال وربحه بسبب مماطلته بالوفاء بالدَّين، وذلك لما يلي:
1) قوة أدلة القائلين بالمنع، وتوجيه المناقشات الواردة عليها، مع مناقشة أدلة القول الثاني، وبيان أنـها لا تدل على التعويض المالي.
2) اختلاف القائلين بالتعويض في تكييفه، هل هو تعزير أم تعويض؟ وفي كيفية تقديره؟ دليل على ضعف هذا القول.
3) أن النتيجة النهائية للتعويض هي نفس نتيجة الربا، والفرق بينهما في التخريجات فقط، فهو يأخذ مالاً زائداً بسبب التأخر في زمن الوفاء.
4) إن التعويض عن ضرر المماطلة إذا لم يكن رباً في ذاته، فهو ذريعة إلى الربا، فيمنع.
5) ما سبق نقله عن أهل العلم بأن المثلي يضمن بالمثلي، وأن المماطلة لا توجب زيادة في الدَّين، وأنه لا فرق بين المماطل وغيره إلا في الإثم، وأنه بالشرط يمنع اتفاقاً، فكذا بالإلزام القضائي، والله أعلم.
التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (2/2)
----------------------------------
(1) ينظر: معجم مقاييس اللغة ص (598)، لسان العرب ص (4/482)، القاموس المحيط ص (550)، المصباح المنير ص (136).
(2) سورة الأنبياء، جزء من الآية (83).
(3) التعويض عن الضرر في الفقه الإسلامي للدكتور محمد بوساق ص (68)، ينظر: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء ص (219).
(4) ينظر في هذه الشروط: الضمان في الفقه الإسلامي للشيخ علي الخفيف (48)، التعويض عن الضرر للدكتور محمد بوساق ص (177-211)، ونظرية الضمان للدكتور وهبة الزحيلي ص (188) وما بعدها ا.هـ
(5) اختلف الفقهاء في ضمان المنافع؟ بناء على خلافهم في مالية المنافع، فقال الجمهور: " هي مضمونة؛ لأنـها مال يمكن تقويمه وأخذ العوض عنه والمبادلة بينه وبين المال "، وخالف الحنفية فقالوا: بعدم مالية المنافع، والمال كل ما يمكن تملكه من أي شيء، والمنافع لا تملك ولا تدخر، ينظر: المبسوط (11/79)، الموسوعة الفقهية (13/37)، التعويض عن الضرر د. محمد المدني بوساق ص (180).
(6) ينظر: بدائع الصنائع (7/167)، الضمان للخفيف ص (169)، التعويض عن الضرر لبوساق ص (188).
(7) أهلية الوجوب: هي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق له وعليه معاً أو له أو عليه، ومبنى ذلك وجود ذمة صالحة، ينظر: بدائع الصنائع (7/168)، الشرح الكبير للدردير (3/443)، قواعد الأحكام (1/186)، الإقناع (2/354)، الموسوعة الفقهية الكويتية (7/152).
(8) ينظر: بدائع الصنائع (7/315)، الخرشي (8/42) المهذب (2/205)، المغني (12/133).
(9) حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض الدائن، مجلة دراسات اقتصادية إسلامية. ع: 2، م:3، ص(20)، ينظر: تعليق زكي شعبان عليه ص (198)، مجلة الملك عبد العزيز مجلد ص (20).
(10) بحث في مطل الغني وأنه ظلم يحل عرضه وعقوبته ضمن مجموع فتاوى وبحوث الشيخ (3/239).
(11) الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطل ص (112)، ينظر: التعويض عن الضرر من المدين المماطل لمحمد الزحيلي ص (82)، بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (37).
(12) التعويض عن الضرر من المدين الماطل د. محمد الزحيلي ص (82)، التعويض عن ضرر المماطلة في الدَّين بين الفقه و الاقتصاد د.محمد ابن الزرقاء ود. محمد بن علي القري ص (38).
(13) خروج هذه المسألة من النزاع لا لكون العقوبة بالتعزير بالمال مسألة متفق عليها، بل لأن الخلاف في التعويض ليس مبنياً على جواز التعزير بالمال، أما ما يتعلق بالتعزير بالمال، فيقال:
التعزير بأخذ المال محل إشكال، ومسألة تحتاج إلى تحرير، وذلك أن كثيراً من العلماء نصوا في مواضع على حرمة التعزير بالمال، وتحريم أخذه بدون حق وطيب نفس من صاحبه، ويعللون المنع بالخوف من تسلط الجبابرة على أموال الناس، وأخذها بالتشهي ظلماً وبغياً بدعوى التعزير بالمال .
قال ابن عابدين: " المذهب عدم التعزير بأخذ المال "، وقال قبل ذلك: " وعن أبي يوسف: يجوز التعزير للسلطان بأخذ المال، وعندهما وباقي الأئمة لا يجوز ا.هـ... ولا يفتى بـهذا، لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس فيأكلونه، … وأفاد في البزازية: أن معنى التعزير بأخذ المال على القول به: إمساك شيء من ماله عنه مدة لينزجر ثم يعيده الحاكم إليه، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه، أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي ".[ينظر: حاشية ابن عابدين (4/61-62) ].
وقال الإمام مالك: " لا يُحِلُ ذنبٌ من الذنوب مالَ إنسان ". [ ينظر: البيان والتحصيل لابن رشد (9/359) ]، وقال الدسوقي: " ولا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعاً ". [ينظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/355) ].
وقال الشافعي: " لا يعاقب رجل في ماله، وإنما يعاقب في بدنه، وإنما جعل الله الحدود على الأبدان، وكذلك العقوبات، فأما الأموال فلا عقوبة عليها". [ينظر: الأم (4/265) ].
وقال ابن قدامة: " التعزير يكون بالضرب، والحبس، والتوبيخ، ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه، ولا أخذ ماله؛ لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدي به، ولأن الواجب أدب، والتأديب لا يكون بالإتلاف ". [ينظر: المغني (12/526) ].
فهذه عبارات العلماء في تحريم التعزير بأخذ المال، حتى لا يُفتح الباب للظلمة لاستباحة أموال الناس المعصومة، قال في الإقناع (4/246): " قال الشيخ -يعني ابن تيمية-: وقد يكون التعزير بالنيل من عرضه، مثل أن يقال له: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس، وقال: التعزير بالمال سائغ إتلافاً وأخذاً، وقول أبي محمد المقدسي - يعني الموفق ابن قدامة-: لا يجوز أخذ ماله، إشارة منه إلى ما يفعله الحكام الظلمة " ا.هـ.
وقد خرَّج ابنُ تيمية القولَ بالجواز على مسائل مخصوصة في مذاهب أهل العلم، وبين أن العلماء ممن نص على المنع يقول به في تفاصيل بعض المسائل، قال _رحمه الله_: "والتعزيرات بالعقوبات المالية مشروع أيضاً،في مواضع مخصوصة، في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه، والشافعي في قول، وإن تنازعوا في تفصيل ذلك ". [ينظر: الحسبة ص (93)].
ولمزيد من البحث في التعزير بالمال، ينظر: الفتاوى الكبرى (5/530)، الطرق الحكمية ص (207)، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (12/125)، كتاب التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عوده (1/705)، والتعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبدالعزيز عامر ص (394-409)، الحدود و التعزيرات عند ابن القيم للشيخ بكر أبو زيد ص (496-498)، التعزير بالمال لماجد أبو رخية ص255-270.
(14) سورة البقرة، جزء من الآية (275).
(15) سورة البقرة، جزء من الآية (275).
(16) سورة البقرة الآيتين (278)و(279).
(17) أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الوصايا باب قول الله _تعالى_: "إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً".[سورة النساء، جزء من الآية (10)] (5/462) برقم (2766)، ومسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (1/92).
(18) أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب المساقاة والمزارعة، باب الربا (11/26).
(19) أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الحج، باب حجة النبي _صلى الله عليه وسلم_ (8/182).
(20) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب البيوع، باب وضع الربا (9/131)، ورقم الحديث (3332)، وابن ماجه في السنن، كتاب المناسك، باب الخطبة في يوم النحر (2/1015)، ورقم الحديث (3055).
(21) الإجماع (136)، أحكام القرآن (1/638)، المغني (6/52)، المجموع (9/391)، ينظر: القوانين الفقهية ص (165)، بداية المجتهد (2/128)، إعلام الموقعين (2/103).
(22) وممن اختاره من المعاصرين وكتب لنصرته:
الأستاذ الدكتور أحمد فهمي أبو سنة في مجلة الأزهر ص (754)، ج(7)، السنة (63) رجب 1411هـ
والدكتور نزيه كمال حماد في المؤيدات الشرعية لحمل المدين المماطل على الوفاء ص (295).
والدكتور علي السالوس كما في مجلة المجمع، العدد السادس (1/ 264).
والدكتور تقي العثماني في كتابه بحوث في قضايا فقهية معاصرة ص (40).
والدكتور محمد شبير كما في الندوة الرابعة لبيت التمويل الكويتي ص (281).
والدكتور حسن الأمين كما في تعليقه على بحث الزرقا ص (41) في مجلة دراسات اقتصادية إسلامية (م:3،ع:2).
والدكتور رفيق المصري كما في مجلة المجمع، العدد السادس (1/334).
والشيخ عبدالله بن بيه كما في تعليقه على بحث الزرقا ص (54) في مجلة دراسات اقتصادية إسلامية (م:3-ع:2).
والدكتور زكي الدِّين شعبان كما في تعليقه على بحث الزرقا ص (99)، في مجلة جامعة الملك عبد العزيز (م:1) عام 1409هـ.
والدكتور محمد زكي عبد البر كما في تعليقه على رأي الضرير ص (61)، في مجلة جامعة الملك عبد العزيز (م:3) عام1411هـ.
والدكتور محمد القري كما في مجلة المجمع، العدد الثامن (3/679).
(23) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ص (268).
(24) مجلة المجمع العدد (6) (1 / 447-448).
(25) المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص(34).
(26) الإجراءات المقترحة لمواجهة المماطلة، د. أحمد بن علي عبد الله ص(6).
(27) وممن اختاره من المعاصرين وكتب لنصرته:
الشيخ مصطفى بن أحمد الزرقاء رحمه الله في مقاله: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن، نشر في مجلة دراسات اقتصادية فقهية، ص (11-20)، مجلد (3 – ع:2) سنة 1417هـ.
والشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع في بحثه: مطل الغني ظلم وأنه يحل عرضه وعقوبته، نشر في مجموع فتاوى وبحوث الشيخ (3/191-266).
والدكتور محمد الزحيلي في بحث غير منشور بعنوان: التعويض عن الضرر من المدين المماطل، ص81- 82، مقدم لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بالبحرين1421هـ.
والدكتور عبد الحميد البعلي في كتابه: أساسيات العمل المصرفي الإسلامي ص(57-59).
والشيخ محمد خاطر كما في ورقة: الإجراءات المقترحة لمواجهة المماطلة ص (5).
والدكتور عبد العزيز القصار في كتابه: مطل الغني ظلم ص (76).
(28) جواز إلزام المدين المماطل ص (20).
(29) بحث في أن مطل الغني ظلم (3/193).
(30) بحث في أن مطل الغني ظلم (3/240).
(31) بحث في أن مطل الغني ظلم (3/252).
(32) مطل الغني ظلم للمنيع (3/264).
(33) حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض الدائن ص (20)، وقد أكد الشيخ أن الاتفاق المسبق على تقدير ضرر الدائن له محذور كبير، وهو أن يصبح التعويض ذريعة لربا مستور بتواطؤ بين الدائن والمدين، كأن يتفقا على القرض على فوائد زمنية ربوية، ثم يعقد القرض لمدة قصيرة، وهما متفاهمان على أن لا يسدد المدين القرض في ميعاده، لكي يستحق الدائن عليه تعويض تأخير متفق عليه مسبقاً يعادل سعر الفائدة. ولذا قال: " لذلك لا يجوز في نظري إذا أقرت فكرة التعويض عن ضرر التأخير، أن يحدد هذا التعويض باتفاق مسبق، بل يجب أن يناط تقدير التعويض بالقضاء ". ينظر: حول جواز إلزام المدين ص (18-19).
(34) الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطل (112)، علماً أن الشيخ ليس ممن يقول بتعويض الضرر بفوات الربح المفترض كما سيأتي في المبحث القادم.
(35) المنهج المحاسبي لعمليات المرابحة ص (120)، الخدمات المصرفية للشبيلي (2/608).
(36) سورة البقرة، جزء من الآية (275).
(37) سورة البقرة، جزء من الآيتين (279)و(280).
(38) ينظر: تعليق ابن بيه على بحث الزرقاء ص (49).
(39) ينظر: تعليق ابن بيه على بحث الزرقاء ص (48).
(40) ينظر: المؤيدات الشرعية لحمل المدين على الوفاء ص (292).
(41) ينظر: بحث في مطل الغني للمنيع (3/249).
(42) ينظر: تعليق د.رفيق المصري ص (63)، تعليق زكي الدين شعبان ص (200).
(43) ينظر: بحث في مطل الغني ظلم (3/250)، ينظر: مقال: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن ص (19).
(44) بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (42).
(45) المؤيدات الشرعية ص (209).
(46) بحث في مطل الغني (3/251)، بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (39).
(47) تعليق: ابن بيه في تعليقه على الزرقا ص (49).
(48) ينظر: تعليق محمد زكي عبد البر على بحث الضرر ص (62) مجلة الملك عبد العزيز (م:3) 1400هـ.
(49) ينظر: مقال: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن ص(19)، بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (39).
(50) ينظر:بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (43).
(51) سبق تخريجه ص (43).
(52) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (40).
(53) ينظر: بحث في مطل الغني للمنيع (3/251).
(54) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (42).
(55) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة ص (40)، مجلة الأزهر سنة 63 (جزء7) ص (754)، المؤيدات الشرعية ص (291)، تعليق ابن بيه على بحث الزرقا ص (51)، تعليق حسن الأمين على بحث الزرقا ص(43).
(56) مقال: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن ص (12).
(57) ينظر: تعليق ابن بيه على مقال الزرقا ص (48).
(58) الإشراف (1/145-146).
(59) أحكام القرآن للجصاص (1/648).
(60)السياسة الشرعية ص (64).
(61) الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص (202).
(62) مقال للدكتور أحمد فهمي أبو سنه، مجلة الأزهر ص( 754)، ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني(42).
(63) مجلة الأزهر ص (754) جزء (7) عام (63).
(64) الهداية مع فتح القدير (9/318).
(65) (2/1214).
(66) روضة الطالبين (5/18).
(67) المغني (7/362).
(68) الإجماع ص (160).
(69) للقدوري ص (194)، وقال شارحه في اللباب (3/210): "باتفاق".
(70) (3/1428).
(71) (8/371).
(72) (12/454).
(73) شرح منتهى الإرادات (3/873).
ولم أجد أحداً قال بتضمين الغاصب لربح المال المفترض إلا قولاً مرجوحاً لبعض المالكية، بل حكى بعضهم اتفاق المالكية على خلافه، وأن ربح الدراهم المغصوبة للغاصب.
قال القرافي في الذخيرة (8/317): " إذا غصب دراهم ودنانير فربح فيها -أي تحقق الربح- فثلاثة أقوال: قال مالك وابن القاسم: لا شيء لك إلا رأس المال....وعن ابن حبيب: إن تجر فيها موسراً فله-أي الغاصب- الربح لقبول ذمته الضمان أو معسراً فلك –أي للمغصوب منه-...وعن ابن سحنون: لك ما كنت تتجر فيها لو كانت في يديك ولم يتجر فيها الغاصب بل قضاها في دين أو أنفقها ". وحكى ابن رشد الاتفاق على أنـها للغاصب، قال في المقدمات الممهدات (2/497):" ما اغتل منها بتصريفها وتفويتها وتحويل عينها كالدنانير يغتصبها فيغتلها بالتجارة فيها...فالغلة له –أي الغاصب- قولاً واحداً في المذهب"، قال العدوي في حاشيته على الخرشي(6/143) بعد ذكر الأقوال السابقة:" الراجح أن الربح للغاصب مطلقاً، كما أفاده بعض الشيوخ خصوصاً وقد علمت أنه كلام مالك وابن القاسم، وحكى الاتفاق عليه ابن رشد ".
(74) وهو مذهب الحنفية، والراجح عند المالكية، وأظهر الوجهين عند الشافعية، واحتمال عند الحنابلة، ينظر: المبسوط (11/78)، مجمع الضمانات ص (130)، الرسالة ص (233)، الخرشي على خليل مع العدوي(6/143)، المهذب (14/248)، روضة الطالبين (5/59)، المغني (7/399)، الفروع(4/494)، الإنصاف (15/277).
(75) ينظر: منح الجليل (4/532-533).
(76) ينظر: الخرشي مع حاشية العدوي (5/55)، والغلة عند المالكية تشمل المنافع والزوائد، ينظر: نظرية الضمان للخفيف ص (51).
(77) ينظر: تحرير الكلام على مسائل الالتزام ص (176).
(78) ينظر: الفروق للقرافي (2/32)، موسوعة القواعد الفقهية (6/30).
(79)ينظر: متأخرات البنوك الإسلامية ص (46)، عقد القرض في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي لعلاء خروفة ص(201)، وفي قرار مجمع الفقه الإسلامي في مكة رقم(5) في الدورة العاشرة، وهو بشأن الرد على من أباح الفائدة الربوية ما نصه: " المجمع يستنكر بشدة هذا البحث....لمخالفته النصوص الواضحة والإجماعات القاطعة، وترويجه للشبه والحجج الزائفة، بنقله عن الجهلة لمقاصد الشريعة: أن الربا تعويض عن حرمان المقرض بماله مدة القرض، وهي من شبه اليهود في إحلالهم الربا " [قرارات المجمع ص(224-225)].
(80) وهو توما الإكويني، ينظر: تعليق المصري على بحث الزرقا جواز إلزام المدين المماطل بالتعويض ص (62).
(81) وهو الشيخ الضرير، مجلة جامعة الملك عبد العزيز (م:5)، 1413 هـ ص (70)، الإجراءات المفترضة لمواجهة المماطلة ص (5).
(82) ينظر: الخدمات المصرفية (2/ 628).
(84) بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (42).
(85) المنهج المحاسبي لعمليات المرابحة ص (115)، الخدمات المصرفية (2/626).
(86) سورة المائدة، جزء من الآية (1).
(87) سورة النساء، جزء من الآية (58).
(88) سورة النساء، جزء من آية (29).
(89) مقال: حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن (13-14).
(90) ينظر: المؤيدات الشرعية (290).
(91) ينظر: المؤيدات الشرعية (290).
(92) رواه ابن ماجة في سننه واللفظ له في كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره (2/784) حديث رقم (2340)، ورواه أحمد في المسند (5/327) عن عبادة _رضي الله عنه_.
ورواه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع (2/57-58)، والدارقطني في السنن، كتاب الأقضية والأحكام (4/228) ورقم الحديث(85)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلح، باب لا ضرر ولا ضرار (6/69) عن أبي سعيد _رضي الله عنه_.
ورواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرفوعاً في كتاب الأقضية، باب القضاء في المرافق (2/745) وهو مرسل قال النووي: " له طرق يقوي بعضها بعضاً "، وقال ابن رجب: " قال ابن الصلاح هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه وقد تقبله أهل العلم واحتجوا به " [جامع العلوم والحكم ص (329-330)]، وصححه الألباني في إرواء الغليل (3/408) حديث رقم (896)، وينظر: نصب الراية للزيلعي (4/384)، فيض القدير(6/432).
(93) ينظر: مقال حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض للدائن ص (15).
(94) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص(40).
(95) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص(40).
(96) ينظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص(176)، موسوعة القواعد الفقهية (6/257)، المؤيدات الشرعية ص(291-292).
(97) المؤيدات الشرعية ص (292) ويؤيد هذا المعنى: أن الزواجر لا تقبل الجبر، فعل النبي _صلى الله عليه وسلم_ حينما رد على الأعرابي - والد العسيف الذي زنى بامرأة مؤجِّره - التعويض المالي الذي بذله لزوج المرأة، وهو مئة شاة ووليدة، وأمر بإقامة الحد الشرعي تحصيلاً لزجر الناس، وحتى لا يتواطأ الناس على الجرائم والذنوب، ويتراضوا بالمعاوضة عنها مالياً، قال _صلى الله عليه وسلم_ : " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". [الحديث أخرج البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على جور فالصلح مردود (5/355) وقم الحديث(2695-2696)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب حد الزنا (11/205) من حديث زيد بن خالد، وأبي هريرة ].
وأطال القرافي النَّفس في التفريق بين قاعدة الزواجر والجوابر في الذخيرة (8/289)، والفروق (1/213).
(98) ينظر: الحسبة ص (93)، ومجموع الفتاوى (28/109-119).
(99) ينظر: بحث في مطل الغني (3/200-206).
(100) ينظر: بحث في مطل الغني (3/200)، الحسبة ص (107).
(101) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص(42).
(102) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص(42).
(103) أخرجه أبو داود في سننه واللفظ له، كتاب الحدود باب ما لا قطع فيه (12/37) رقم الحديث (4380)، والنسائي في سننه، كتاب قطع السارق، باب الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين (8/85) رقم الحديث(4958)، وابن ماجه في السنن كتاب الحدود باب من سرق من حرز (2/865) رقم الحديث(2596)، وابن الجارود في المنتقى (1/210) رقم الحديث(827)، والبيهقي في السنن الكبرى (4/153)، والحاكم في المستدرك في كتاب الحدود (4/381)، و حسنه الألباني كما في إرواء الغليل (8/69).
(104) الحريسة: هي التي تؤخذ من المرعى، وليس فيه قطع لعدم الحرز، ينظر:: شرح السنة للبغوي(8/319).
(105) رواه الإمام أحمد في المسند واللفظ له (2/180)، والبغوي في شرح السنة في كتاب العطايا باب اللقطة (8/318) وقد حسن إسناده شعيب الأرنؤوط وأصحابه في تخريج المسند(11/274).
وقد روى البيهقي عن الشافعي أنه قال: " لا تضعف الغرامة على أحد في شيء، إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال، وإنما تركنا تضعيف الغرامة من قبل أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قضى فيما أفسدت ناقة البراء بن عازب أن على أهل الأموال حفظها بالنهار وما أفسدت المواشي بالليل، فهو ضامن على أهلها: قال: فإنما يضمنونه بالقيمة لا بقيمتين " [ ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (8/279)]، والقول بالتضعيف هو مذهب الإمام أحمد وهو من مفرداته، ينظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص (280)، شرح الزركشي (6/336).
(106) رواه البخاري في صحيحه عن أبي بردة _رضي الله عنه_، كتاب الحدود، باب كم التعزير والأدب (12/183) رقم الحديث (8648)و(8649).
(107) ينظر: موقف الشريعة من الدَّين للدكتور سامي السويلم ص (40).
(108) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص(42)، المؤيدات الشرعية (292-295).
(109) ينظر: بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني(42).
(110) ينظر: مجلة الأزهر (ج:7)، عام:63 ص (754).
(111) ينظر: جواز إلزام المدين المماطل بالتعويض للزرقا، بتصرف ص (16).
(112) ينظر: المؤيدات الشرعية ص(293).
المصدر : موقع المسلم

Heba Khled
08-19-2011, 06:53 PM
http://www.mezan.net/forum/g5/0%20(9).gif


التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (2/2)


الدكتور/ سلمان بن صالح الدخيل


التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (1/2)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
أمابعد: فهذه تتمة للبحث السابق
المبحث الثالث: الضرر الحقيقي الفعلي الناتج عن المماطلة في الديون .

المطلب الأول: صورة الضرر الحقيقي الفعلي الناتج عن المماطلة في الديون .
إذا تأخر المدين في وفاء الدَّين عن الوقت المحدد المتفق عليه مع الدائن، ومضت مدة طالب الدائن فيها المدين بالوفاء فماطل فيه، ثم ترتب على الدائن ضرر مالي فعلي حقيقي: إما بفوات ربح محقق لماله المماطَل فيه، أو حصول ضرر مالي عليه كغرامات مالية سببها شروط جزائية مقابل إخلاله بتنفيذ التزامات عقدها الدائن مع أفراد أو مؤسسات ونحوها، أو بسبب بذله أموالاً لتحصيل ماله من المماطل، أو بسبب نقص سعر النقد ، فهل يستحق الدائن أن يعوض عن هذه الأضرار الحقيقية أم لا يستحق ؟
ومن أمثلة الضرر الحقيقي الفعلي ما يلي:
1- مماطل امتنع عن دفع المال لصاحبه، وقام بالتجارة فيه، فربح المماطل منه مالاً كثيراً، فهل هذا الربح الحقيقي الواقعي للمماطل أو لصاحب المال ؟
2- دائن اعتمد في عقوده مع عملائه على أن المدينين سيوفونه في الأجل المتفق عليه، وارتبط بناء على ذلك على إنجاز تلك العقود بأوقات محددة، وتحمل شروطاً جزائية في حال تأخره في إنجازها، فماطل المدينون في الوفاء، ولم يستطيع الوفاء بالتزامه لأجل مماطلة مدينيه ، فلحق به خسائر مادية بمقتضى الشروط الجزائية ، فهل يستحق صاحب الدَّين على المماطلين تعويضاً مقابل هذا الضرر الحقيقي الفعلي أم لا ؟ (1).
3- دائن له مال عند مدينين مماطلين ، وهو مدين لغيره بديون أقل مقداراً من ماله لدى الناس ولم يستطع السداد ، فحُكِم عليه بالإفلاس بسبب ديونه الحالة ، وبِيْع عليه ماله الموجود جبراً لسداد دينه، وتضرر من ذلك ، فهل يستحق تعويضاً عن أضرار النقص الحاصل بسبب البيع أم لا ؟ (2).
4- دائن ماطله مدينوه فطالبهم وامتنعوا من الوفاء ، فخسر لأجل متابعتهم ومخاصمتهم وتحصيل حقه منهم أموالاً ، فهل له أن يُعَوَّض عن ضرر فوات هذه الأموال أم لا ؟
5- مدين ماطَل دائنه بملبغ مئة ألف دينار لمدة عشر سنين ، فنقصت قيمة الدنانير في مدة المماطلة، فهل يضمن نقص السعر أم لا ؟
ومن خلال الأمثلة السابقة يمكن أن تقسم هذه الأضرار الحقيقة الفعلية إلى قسمين :
القسم الأول: ضرر يلحق الدائن بسبب فعل المماطل نفسه ، كخسارة المال للمخاصمة والمرافعة ودفع أجور المحصلين ونحو ذلك.
القسم الثاني : ضرر يلحق الدائن بسبب خارج عن المماطل، كفوات ربح محقق أو خسارة مالية تلحق بالدائن لأجل عقود فيها شروط جزائية لم يستطع تنفيذها، أو يكون الضررُ ضرراً عاماً كنقص السعر ونحوه.

المطلب الثاني: حكم التعويض عن الضرر الحقيقي الفعلي الناتج عن المماطلة في الديون .
حكم التعويض عن الضرر الحقيقي الفعلي الناتج عن المماطلة في الديون يختلف باختلاف التقسيم السابق ، وعليه فيمكن بيان حكم التعويض المالي من خلال فرعين هما:
الفرع الأول: التعويض عن الضرر المادي الحقيقي الواقع بسبب تعدٍ من المدين المماطل .
وذلك مثل نفقات الشكاية، والمطالبة، والمحاماة، وأجور التحصيل، والتعقيب، التي يتكبدها الدائن لأجل حصوله على ماله من مدينه المماطل، فهذه الأضرار المادية يستحق التعويض عنها إذا كان غرم الدائن لها على القدر المعتاد والوجه المعروف لا وكس ولا شطط ، وقد نص العلماء على هذا الحكم في المماطل ، ومن أقوالهم :
قال ابن تيمية : " وإذا كان الذي عليه الحق قادراً على الوفاء ، ومطل صاحب الحق حقه حتى أحوجه إلى الشكاية ، فما غرمه بسبب ذلك، فهو على الظالم المبطل ، إذا كان غرمه على الوجه المعتاد " (3).
وقال ابن فرحون : "إذا تبين أن المطلوب ألدَّ بالمدعي ، ودعاه الطالب إلى الارتفاع إلى القاضي فأبى، فيكون على المطلوب أجرة الرسول إليه، ولا يكون على الطالب من ذلك بشيء " (4).
وقال في كشاف القناع : "وإن غرم إنسان بسبب كذب عليه عند ولي الأمر، فله تغريم الكاذب لتسببه في ظلمه ، وله الرجوع على الآخذ منه لأنه المباشر ، ولم يزل مشايخنا يفتون به، كما يعلم مما تقدم في الحجر فيما غرمه رب الدَّين بمطل المدين ونحوه؛ لأنه بسببه" (5).

وقال في شرح المنتهى : "وما غرم رب دين بسببه، أي بسبب مطل مدين أحوج رب الدَّين إلى شكواه، فعلى مماطل لتسببه في غرمه ، أشبه ما لو تعدى – أي بالغصب – على مال لحمله أجرة ، وحمله إلى بلد آخر وغاب، ثم غَرِمَ مالكُهُ أجرةً لعوده إلى محله الأول، فإنه يرجع به على من تعدى بنقله " (6).
وهكذا فإن العلماء يلزمون كل ظالم معتدٍ ممن يباشر إتلاف مال غيره، أو يتسبب فيه بضمان المتلف، وقد نصوا على ذلك في مواضع في الغصب وغيره ، ومن نصوصهم ما يلي:
قال في بدائع الصنائع :" ومؤنة الرد على الغاصب؛ لأنـها من ضرورات الرد ، فإذا وجب عليه الرد ، وجب عليه ما هو من ضروراته" (7).
وقال في مغني المحتاج : " وعلى الغاصب الرد للمغصوب على الفور عند التمكن، وإن عظمت المؤونة في رده " (8).
وقال في المقنع : " ويلزم رد المغصوب إن قَدِرَ على رده ، وإن غرم أضعاف قيمته" (9).
وقال في الشرح الكبير: "وجمله ذلك: أن المغصوب متى كان باقياً وجب رده، لقوله_صلى الله عليه وسلم_ :" على اليد ما أخذت حتى تؤديه "(10)، فإن غصب شيئاً فبَعَّدَه لزم رده ، وإن غرم عليه أضعاف قيمته ؛ لأنه جنى بتبعيده، فكان ضرر ذلك عليه" (11).
وجاء في المنتهى مع شرحه: " وعلى غاصب رد مغصوب قدر عليه، ولو بأضعاف قيمته"(12).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم : " وذلك أن العلماء نصوا على أن كل من غرم غرامة بسبب عدوان شخص آخر عليه أن ذلك الشخص هو الذي يتحمل تلك الغرامة " (13).
ومما سبق يتبين أن العلماء يرون تضمين المعتدي - وهو المدين المماطل- المتسبب في الضرر الحقيقي الذي يلحق بالدائن لما يلي:
1) أن إلجاء الدائن للمخاصمة، وتغريمه المال لأجل تحصيل حقه ظلم وضرر تجب إزالته، والضرر هنا لا يمكن إزالته إلا بتعويض الدائن ما خسره من نفقات التقاضي والتحصيل(14).
2) أن هذه الأموال المبذولة لتحصيل الحق والمطالبة به واقعة بسبب امتناع المماطل من السداد، فيضمنها لتسببه فيها، كما لو أتلفها (15).
3) أن عدم إلزام المدين المماطل بالتعويض عن أضرار التقاضي والترافع يجرئ المماطلين على المماطلة، وأكل أموال الناس بالباطل ، ويحمل أصحاب الأموال إلى رفع الدعاوى للمطالبة بـها، فتكثر الخصومات، ويُشْغَل القضاة، وتُتْعَب جهات التنفيذ بغير حق، ويتأخر وفاء الدَّين المدد الطويلة، فتصبح المماطلة مركبة من مماطلة المدين الأول، ومماطلة إجراءات التقاضي والمرافعة، إذ يلزم من الترافع التأخر لأجل النظر في الدعوى، ثم سماع البينة، ثم إثباتـها، ثم الحكم بناء عليها، ومن ثَمَّ يُطْلَب تمييزها، وبعد تمييزها، تذهب لجهات التنفيذ الأخرى ، وهذا الأعمال الطويلة إن قام بـها الدائن بنفسه لحقته مشقة بالغة ، وإن وكَّل بـها من يقوم بالمرافعة والمطالبة غرم له أجرة، والعدل أن لا يجتمع على الدائن ظلمان ، ظلم تأخير حقه ، وظلم غرامة ما بذله لأجل تحصيل حقه الثابت له، فتعين تحميل المماطل الظالم نفقات المطالبة وتحصيل المال .
4) أن عدم تحميل المدين نفقات الدعوى قد يحمل أصحاب الحقوق على ترك حقوقهم، وعدم المطالبة بـها، إذ تُكَلِّف نفقات التقاضي أحياناً أكثر من ماله الذي يطالب به(16).
ولا أظن أن أحداً من العلماء يخالف في مضمون هذا القول ، وقد صدر ما يوافقه في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية ، ونصه: " يتحمل المدين المماطل مصروفات الدعوى وغيرها من المصروفات التي غرمها الدائن من أجل تحصيل أصل دينه " (17).

الفرع الثاني: التعويض عن الضرر المادي الحقيقي الواقع بسبب خارجٍ عن المدين المماطل.
هذا القسم – في نظري- ينسحب فيه الخلاف السابق المذكور في مسألة ضرر فوات الربح المفترض ، بيد أن هذه المسألة أضيق من تلك المسألة ، إذ القائلون بالتعويض في هذه المسألة يقصرون التعويض على فوات الربح المحقق، أو حصول الضرر الحقيقي، ويمنعون التعويض عن الربح المفترض، ولذا فقد اختار بعض العلماء القول بتعويض الدائن عن الضرر المحقق فقط دون الضرر المفترض ، وبعض العلماء أطلق القول بمنع تعويض الدائن عن ضرر المماطلة مطلقاً ، وعليه فسأذكر _إن شاء الله_ في هذه المسألة من منع التعويض عن الضرر الفعلي نصاً، أو أجازه كذلك ، فيقال :

اختلف العلماء المعاصرون في حكم تعويض الدائن عن ضرره الحقيقي كفوات الربح المحقق، أو حصول ضرر مادي بسبب خارج عن المدين المماطل على قولين:
القول الأول :
عدم جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض للدائن عن فوات ربحه المحقق أو حصول ضرر مادي عليه إذا كان بسبب خارج عن المدين المماطل .
وقال به بعض المعاصرين (18).
والمنع من التعويض هنا داخل في عموم قرارات المجامع الفقهية المانعة للتعويض مطلقاً ، وهي:
- ما جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشر عام 1409هـ ونصه: "إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغاً من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة، إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما فهو شرط أو فرض باطل ، ولا يجب الوفاء به، بل ولا يحل ، سواء كان الشارط هو المصرف أو غيره؛ لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه " (19).

- وما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السادسة المتعلق ببيع التقسيط، ونصه:
" ثالثاً: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدَّين ، بشرط سابق أو بدون شرط ؛ لأن ذلك ربا محرم .
رابعاً: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط ، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء" (20).
- وما جاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ، ما يلي : "(ب) لا يجوز اشتراط التعويض المالي ...سواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة)، أم عن تغير قيمة العملة . (ج) لا تجوز المطالبة القضائية للمدين المماطل بالتعويض المالي نقداً أو عيناً عن تأخير الدَّين" (21).

القول الثاني :
جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض للدائن عن فوات ربحه المحقق أو حصول ضرر مادي عليه إذا كان بسبب خارج عن المدين المماطل .

وقال به بعض المعاصرين (22).
قال الدكتور الصِّدِّيق الضرير في جواب عن استفتاء وجه إليه من أحد البنوك : "يجوز أن يتفق البنك مع العميل المدين على أن يدفع له تعويضاً عن الضرر الذي يصيبه بسبب تأخره عن الوفاء، شريطة: أن يكون الضرر الذي أصاب البنك ضرراً مادياً وفعلياً ، وأن يكون العميل موسراً ومماطلاً ، وخير وسيلة لتقدير هذا التعويض، هو أن يحسب على أساس الربح الفعلي الذي حققه البنك – الدائن- في المدة التي تأخر فيها المدين عن الوفاء"(23).
أدلة القولين :
هي نفس أدلة القولين في المسألة السابقة في حكم تعويض الدائن عن فوات الربح المفترض، مع توجيه أن الضررَ فعليٌ حقيقيٌ، وليس ضرراً محتملاً أو ربحاً مفترضاً، ويَرِدُ عليهما من المناقشة والتوجيه ما سبق ذكره في تلك المسألة

الترجيح :
الراجح _والله أعلم_ هو القول الأول ، وهو عدم جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض للدائن عن فوات ربحه المحقق، أو حصول ضرر مادي عليه، إذا كان بسبب خارج عن المدين المماطل، وذلك لما يلي :
أولاً: قوة أدلة القول الأول، وعدم صمود أدلة القول الثاني أمام المناقشة الواردة عليها.
ثانياً: أن التعويض هنا زيادة في مقابل تـأخر الأجل، فيكون رباً محرماً، فيمنع منه، ولو كان المماطل ظالماً .
ثالثاً: أن ظلم المماطلة في الديون منفك عن الضرر الحقيقي الواقع على الدائن؛ إذ لم يكن بسبب منه.
رابعاً: أن تحميل المماطل فوق ما تحتمله ذمته ظلم له ، وهي أضرار لم يتسبب بـها ، فكيف يلزم بضمانـها ، وقد نص العلماء أن المماطل يضمن ما تسبب به من أضرار مالية تلحق بالدائن ، كأجور الشكوى، وتحصيل الدَّين ، إذ هذه أضرار حاصلة بسبب ظلم المدين المماطل دون الأضرار الخارجة عنه ، والتي قد تحصل لأي إنسان ماطله مدينوه أم لم يماطلوه، بل قد لا يكون دائناً لأحد .
ويمكن إرجاع سبب الخلاف في مسألة التعويض -والله أعلم- إلى ثلاثة أمور، وهي ما يلي:

الأمر الأول: هل الزيادة المفروضة على المدين المماطل ، زيادة ربوية أم لا ؟.
الأمر الثاني : هل المدين المتأخر عن الوفاء ظلماً - وهو المماطل- أشبه بالدائن المتأخر عن الوفاء بعذر وهو المعسر، أو من لا يجد مالاً حاضراً يفي بدينه ، أم شَبَهُهُ بالغاصب أقرب؟
الأمر الثالث: حكم أرباح النقود والأموال المماطَل فيها ؟

فأما الأمر الأول : فمن رأى أن الزيادة المفروضة على المدين في مقابل التأخير ربا، فقد منع التعويض مطلقاً ، ولو لحق الدائن ضرر؛ إذ إن هذه الأضرار قد تلحق المرء ولو لم يكن دائناً، وليس هناك تسبب من المماطل بحصولها ، والدائن قد دخل مع المدين على ألا يعطيه إلا حقه ، والمطل لا يوجب زيادة في الدَّين ، وظلمه له يستحق عليه التعويض في الآخرة ، والعقوبة الزاجرة في الدنيا .
و أما من منع أن تكون الزيادة المفروضة على المدين في مقابل التأخير ربا، فقد أجاز التعويض؛ لأنـها عوض عن ضرر واقع .
ولا شك – في نظري- أن هذه الزيادة هي صورة من صور الربا الجاهلي ، وما كان الربا والزيادة التي يأخذها المرابون في الجاهلية إلا تعويضاً عن ضرر بقاء المال عند المدينين وتأخر هذا المال عنهم تلك الفترة .

قال الدكتور عبد الله بن بيه بعد ذكره الأدلة والنقول : " يتبين أن إلزام المدين بتعويض للدائن إذا مطله بدينه لا يجوز ، وأنه من الربا الذي لا يختلف العلماء في منعه" (24).

وأما الأمر الثاني : فإن من ألحق المدين المماطل بغيره من المدينين، وهو المدين المعسر أو المليء الذي غاب ماله، فقد منع فرض غرامة مالية أو تعويض عليه، إذ لا يجوز فرض الزيادة على المعسر بالإجماع كما سبق (25)، وهذا الإلحاق هو الراجح ، والله أعلم .
وأما من ألحق المدين المماطل بالغاصب فحكموا أن المماطل غاصب للمال منذ حلول أجل الدَّين وامتناعه عن الوفاء بعد المطالبة بلا عذر .

وأما الأمر الثالث: وهو أرباح النقود والدراهم المماطل فيها، فقد تكلم الفقهاء في الأموال المغصوبة، هل هي للمالك المغصوب منه أم للغاصب، وعلى هذا فتُخَرَّجُ مسألة ربح المدين المماطل بالدراهم ونحوها على مسألة ربح الغاصب من الأثمان المغصوبة.
وحكم المسألة لا يخلو من حالتين :
الحالة الأولى : أن يتجر بـها الغاصب فيربح .
الحالة الثانية : أن لا يتجر بـها الغاصب .

الحالة الأولى : أن يتجر بـها الغاصب فيربح .
اختلف العلماء فيمن يستحق ربح المال المغصوب على خمسة أقوال :
القول الأول :
ربح الدراهم المغصوبة للغاصب.
وهو مذهب الحنفية (26)، والراجح عند المالكية(27)، وأظهر القولين عند الشافعية (28)، واحتمال عند الحنابلة (29).

القول الثاني :
ربح الدراهم المغصوبة للمالك .
وهو قول للشافعية يقابل الأظهر(30)، ومذهب الحنابلة (31).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: " فإن اتجر بالدراهم فالربح لمالكها ، هذا هو المذهب، وهو من مفرداته" (32).

القول الثالث :
أنه يُتَصَدَّق بربح الدراهم المغصوبة.
وهو قول لبعض المالكية، ورواية عن أحمد، وقال به من جعل الربح للغاصب، وهم بعض أصحاب القول الأول، إذ نصوا على أنـها لا تطيب له، وعليه أن يتصدق بـها:
قال في مجمع الضمانات:" لو ربح بدراهم مغصوبة كان الربح له، ويتصدق به، ولو دفع الغلة إلى المالك حل له تناولها "(33).
وجاء في الرسالة :" ولا يطيب لغاصب المال رِبْحُهُ حتى يرد رأس المال على رَبِّه ، ولو تصدق بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك " (34).
وقال في المغني : " وعن أحمد : أنه يتصدق به " (35).

القول الرابع :
يقسم ربح الدراهم المغصوبة بين الغاصب والمالك مناصفة كالمضاربة .
وقال به ابن تيمية.
قال _رحمه الله_ : " إن كان جميع ما بيده أخذه من الناس بغير حق : ...مثل أن يغصب مال قوم بافتراء يفتريه عليهم... فهذه الأموال مستحقة لأصحابـها، ومن اكتسب بـهذه الأموال بتجارة ونحوها ، فقيل : الربح لأرباب الأموال ، وقيل: له إذا اشترى في ذمته ، وقيل: بل يتصدقان به ؛ لأنه ربح خبيث ، وقيل : بل يقسم الربح بينه وبين أرباب الأموال كالمضاربة ، كما فعل عمر بن الخطاب في المال الذي أقرضه أبوموسى الأشعري لابنيه دون العسكر ، وهذا أعدل الأقوال " (36).

القول الخامس :
أن الغاصب إن كان موسراً فالربح له، وإن كان معسراً فالربح للمالك صاحب المال.
وهو قول لبعض المالكية (37).

أدلة الأقوال :
دليل القول الأول:
استدل من قال بأن الربح للغاصب:
قالوا: إن الخراج بالضمان والغنم بالغرم، والغاصب ضامن لما غصب، فيكون ربح الدراهم له مقابل ضمانه لها، سواء أنفقها أم اتجر بـها (38).
المناقشة:
نوقش بأن هذا ليس على إطلاقه؛ وذلك لأن العين المغصوبة إذا لم تتغير ردها وبرئ من ضمانها، والعين لا تضمن إلا إذا هلكت أو تغيرت، و إلا فلا (39).

دليل القول الثاني :
استدل من قال بأن الربح لمالك الأثمان (المغصوب منه) :
قالوا: إن الربح نماء ملك صاحب الدراهم، فيستحقها دون الغاصب؛ لأنه ظالم بغصبه فيهدر عمله .
المناقشة:
يناقش بما يلي:
أولاً: نسلم أن الغاصب ظالم بغصب العين، وذلك يقتضي ضمان ما غصب بلا زيادة؛ لعموم قوله_صلى الله عليه وسلم_" على اليد ما أخذت حتى تؤديه " (40).
ثانياً : أرباح المال حاصل بالمال المغصوب وبجهد الغاصب المبذول فلا يحرم منها مطلقاً ولا يفوز بـها مطلقاً ، بل يشتركان في ربح المال كالمضاربة .

دليل القول الثالث:
استدل من قال بأن الربح يتصدق به بما يلي:
قالوا: هذا الربح كسب خبيث؛ إذ هو ربح مال مغصوب فلا يطيب للغاصب، وإذا لم يطب له لزمه التخلص منه، وذلك بالصدقة به.
المناقشة:
يناقش بأن الصدقة تُفَوِّت الربح عليهما جميعاً ، وأثر الغصب إنما هو في ضمان العين لصاحبها إن وجدت، أو مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن لم تكن مثلية ، والعدل في الربح أن يشترك فيه صاحب المال وصاحب العمل .

دليل القول الرابع:
استدل من قال بأن الربح بينهما مناصفة بما يلي:
ما جاء عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال : "خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق ، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرَّحب بـهما وسهَّل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت ، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه ، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق ، ثم تبيعانه بالمدينة ، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك ففعل ، وكتب إلى عمر بن الخطاب، أن يأخذ منهما المال ، فلما قدما باعا فأُربِحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر ، قال أكلُّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا : لا ، فقال عمر بن الخطاب : ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه ، فأما عبد الله فسكت ، وأما عبيد الله ، فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا ، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه ، فقال عمر: أدياه ، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله ، فقال رجل من جلساء عمر : يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً ، فقال عمر : قد جعلته قراضاً ، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه ، وأخذ عبد الله و عبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال"(41).

وجه الدلالة من الأثر:
أن عمر أعطاهما نصف الربح ، وأخذ لبيت المال رأس المال ونصف الربح الآخر، مع أنـهما قد ضمنا المال، فلم يجعل لهما الربح كله مقابل الضمان ، ولم يسلبهما الربح كله نظير اختصاصهما بمال المسلمين دون بقية الجيش، بل جعله بينهما كالمضاربة، وهو مقتضى العدل، فكذا في أرباح المال المماطل فيه، يضمن الغاصب رأس المال، والربح بينهما مناصفة، للمالك نصفٌ مقابل ماله، وللغاصب نصفٌ مقابل جهده المبذول.

دليل القول الخامس :
استدل من قال بأن الربح للغاصب إن كان موسراً، وللمالك إن كان معسراً بما يلي:
قالوا: قياساً على ولي اليتيم -عند بعضهم- إذا اتجر بمال اليتيم لنفسه، فإن كان موسراً فهي له؛ لقبول ذمته الضمان ، وإن كان معسراً فهي لليتيم؛ لعدم قبول ذمته الضمان(42).
المناقشة:
يناقش بأنه قياس مع الفارق فلا يصح ، والفرق بينهما اختلاف اليد في كل منهما، إذ وليُّ اليتيم أمين، ويده على المال يد أمانة، أما الغاصب فمعتدي، ويده يد ضمان (43).

الترجيح :
الراجح _والله أعلم_ هو القول الرابع ، وهو أن الربح يقسم بين مالك المال والغاصب، وهو قول ابن تيمية؛ وذلك لقوة دليله، ولما لحق الأقوال الأخرى من المناقشة، ولأنه يحقق العدل، إذ الربح تحقق من وجود المال وحصول العمل، فيقسم بينهما، وأما أصل المال المعتدى عليه بالغصب، فهو مضمون مطلقاً.

الحالة الثانية : ألا يتجر بـها الغاصب .
إن لم يتجر الغاصب بالنقود المغصوبة بل حبسها، فإنه لا يضمن الربح المفترض عند جمهور أهل العلم، وبيان ذلك ما يلي :
سبق أن جمهور العلماء يرون أن الأرباح المحققة من التجارة بالمال المغصوب هي للغاصب، وأن مالك الدراهم لا يستحق شيئاً منها ، ومن باب أولى ألا يضمنوا الغاصب ربحاً مفترضاً لم يحصل عليه الغاصب .
أما الحنابلة القائلون بأن الربح المحقق للمالك ، وهو من مفردات مذهبهم ، فإنـهم نصوا على عدم ضمان الربح الفائت إذا لم يتجر الغاصب بالمال .

قال البهوتي : " ولا يضمن ربح فات على مالك بحبس غاصب مال تجارة مدة يمكن أن يربح منها، إذا لم يتجر فيه غاصب " (44).
وقال في مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد : " لا يضمن الغاصب ما فوته على المالك من الربح بحبسه مال التجارة " (45).
ولم أجد من قال بأن ربح المال يضمن، سواء اتجر الغاصب به أو لم يتجر إلا قولاً لبعض المالكية، قال الخرشي : " وشمل قوله "وغيرهما بالفوات" من غَصَب دراهم ودنانير لشخص، فحبسها عنده مدة، فإنه يضمن الربح لو اتجر ربُّها بـها " (46).
ونسبه القرافي إلى ابن سحنون(47).
وقد خالفهم ابن رشد فنقل اتفاق المذهب على أن الربح للغاصب ، إذ قال : "ما اغتل منها – أي العين المغصوبة- بتصريفها، وتفويتها، وتحويل عينها، كالدنانير يغتصبها فيغتلها بالتجارة فيها ...فالغلة له قولاً واحداً في المذهب" (48).

والراجح _والله أعلم_ هو عدم تضمين الغاصب أرباح المال المفترضة ؛ لما يلي:
أولاً: عموم قوله_صلى الله عليه وسلم_ :"على اليد ما أخذت حتى تؤديه "(49).
ثانياً: أنه لو استحق التعويض عن ربحه المفترض لنقل خصوصاً مع كثرة حوادث الغصب.
ثالثاً: أن القول بتضمين الأرباح المفترضة قول مخالف لما عليه عامة أهل العلم، فلا يصح اعتباره أصلاً يُعتمد عليه في التعويض عن ضرر المطل بسبب فوات الربح، ولو كان محققاً.

المبحث الرابع : الضرر الأدبي الناتج عن المماطلة في الديون .
تمهيد :
الضرر الأدبي مصطلح قانوني يطلق على ما يقابل الضرر المادي، ويسمى أيضاً الضرر المعنوي (50).
والضرر الأدبي يعني : الاعتداء الذي يصيب الإنسان في شعوره، أو عاطفته، أو كرامته، أو شرفه، ويجعله يظهر بمظهر غير لائق، وما يصيبه من ألم نتيجة الاعتداء على حق من حقوقه المالية وغير المالية (51).
وقيل هو: إلحاق مفسدة في شخص الآخرين لا في أموالهم (52).
وقيل هو : الضرر الذي يصيب مصلحة غير مالية (53).
وهذا الضرر الأدبي قد يكون ضرراً أدبياً محضاً لا يقترن به ضرر مادي ، ومثاله الضرر الذي يصيب الشخص في عاطفة الحنان والمحبة، أو الحزن الذي يجده المرء بسبب سوء الخلق ونحوه .

و قد يكون الضرر الأدبي ضرراً أدبياً غير محض ، أي قد يترتب عليه ضرر مادي ، ومثاله: الضرر الذي يشوه الجسم، أو يؤثر في أداء العامل و إنتاجه وقدرته على الكسب، أو الفرية التي تجعل المرء يطرد من عمله، أو لا يحصل عليه أصلاً (54).
ومن أمثلة الأضرار الأدبية التي ما يلي (55):
1) الضرر الذي يصيب الإنسان نظراً لاتـهامه في دينه .
2) الضرر الذي يصيب الإنسان في عرضه وسمعته وأمانته .
3) الضرر الذي يلحق مكانة الإنسان ويمس كرامته .
4) الألم الذي يحصل للإنسان نتيجة ضرب أو جرح وليس له أثر.
وقد تقرر في الشريعة تحريم الاعتداء على الناس وإيذائهم بغير حق، سواء كان هذا الاعتداء في أنفسهم، أو في أموالهم، أو في مشاعرهم، قال _تعالى_: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً" (56).
وقال_صلى الله عليه وسلم_ :" إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (57).

وجاءت الشريعة بعقوبات رادعة وزاجرة لدرء هذا الضرر المعنوي ورفعه ، وتكلم الفقهاء في فروع من هذا الضرر، منها ما يلي(58):
1) القذف بالزنا أو اللواط أو بنفي النسب ، وجاء في عقوبته حد القذف ومنع قبول الشهادة .
2) الرمي بما لا يستوجب القذف ، ويشمل كل أذى بالكلام والفعل ما لم يصل للقذف، وفيه التعزير الزاجر.
3) ما يصيب الجسم من ألم، نتيجة ضرب أو جرح لم يترك أثراً ولم يفوت منفعة، وفيه التعزير الزاجر.

المطلب الأول: صورة الضرر الأدبي الناتج عن المماطلة في الديون .
قد يتأخر المدين في وفاء دينه، ويطالبه الدائن فيماطل في الوفاء، فيلحق بالدائن أضرار معنوية بسبب ذلك، من صورها ما يلي :
1- أن يكون الدائن من أشراف الناس الذين يغض من قدرهم ، وينقص من مكانتهم، التردد على المحاكم، ومراكز الشرط، وجهات التنفيذ الأخرى .
2- ضرر الدائن من كثرة الاتصالات على المدين، والذهاب إليه، وملاحقته، وانتظاره، وما ينتج عن ذلك من هم وحزن، وخوف من ضياع الحق، مما قد يعود بالضرر الصحي على بدنه .
3- ضرر ما يلحق سمعة الدائن عند الناس إذا علموا بمطالبته للمدين، إذ قد يظنون أنه ظالم بالمطالبة، وذو قسوة وغلظة على مدينيه الذين يدعون الإعسار، ولا يعلمون حقيقة ملاءتـهم .
4- ضرر عدم طمأنينة العملاء الجدد للدائن أو للشركة الدائنة، إذا كانت تعاني من ديون متعثرة لدى عملاء آخرين مدينين، فيحمل هذا على نقدها عبر وسائل إعلامية مما يعود على استثماراتـها وإقبال الناس عليها بالضعف .

فهل يستحق المتضرر بمثل هذه الأضرار الأدبية المعنوية تعويضاً مالياً عن ضرره أم لا ؟

المطلب الثاني : حكم التعويض عن الضرر الأدبي الناتج عن المماطلة في الديون .
لبيان حكم التعويض عن الضرر الأدبي لا بد من تحرير محل النزاع، ومعرفة حكم التعويض عن الضرر الأدبي، ثم بناء حكم التعويض عن الضرر الأدبي فيما يخص المماطلة في الديون عليه، وينتظم ذلك في ثلاث فروع :

الفرع الأول : تحرير محل النزاع في الضرر الأدبي .
سبق أن الضرر الأدبي: إما أن يكون ضرراً أدبياً محضاً، أو ضرراً أدبياً غير محض، فإن كان الضرر أدبياً غير محض أي ينطوي عليه ضرر مادي كمن كُذِب عليه ظلماً، فساءت سمعته، ومن ثَمَّ فُصِلَ من عمله لسوء السمعة، أو حُرِمَ من ترقيته بناء على ذلك، فهذا النوع له حكم التعويض عن الضرر المادي الفعلي، وقد سبق تفصيله.
ومحل النزاع هو في النوع الآخر، وهو الضرر الأدبي المحض الذي لا يترتب عليه ضرر مادي .

الفرع الثاني : حكم التعويض المالي عن الضرر الأدبي.
لم أجد فيما اطلعت عليه أن أحداً من الفقهاء السابقين تكلم عن الضرر المعنوي أو الضرر الأدبي بهذا المسمى، وقد جاء في الموسوعة الفقهية ما نصه :" لم نجد أحداً من الفقهاء عبَّر بـهذا –الضرر الأدبي أو المعنوي- وإنما هو تعبير حادث ، ولم نجد في الكتب الفقهية أن أحداً من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية " (59).

أما المعاصرون فقد اختلفوا في حكم التعويض عن الضرر الأدبي على قولين :
القول الأول :
عدم جواز التعويض المالي عن الضرر الأدبي -المعنوي- .
وهذا مقتضى قول عامة الفقهاء السابقين ، واختارته بعض المجامع والمجالس الشرعية، وقال به بعض المعاصرين (60).
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 109/(3/12) بشأن موضوع الشرط الجزائي ما نصه:
"خامساً: الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي.....ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي" (61).
وقال الشيخ علي الخفيف: " ليس فيهما –أي الضرر الأدبي والمعنوي- تعويض مالي على ما تقضي به قواعد الفقه الإسلامي ، وذلك محل اتفاق بين المذاهب" (62).
وقال الشيخ مصطفى الزرقا: "خلاصة القول: إننا لا نرى مبرراً استصلاحياً لمعالجة الأضرار الأدبية بالتعويض المالي ، ما دامت الشريعة قد فتحت مجالاً واسعاً لقمعه بالزواجر التعزيرية" (63).

القول الثاني :
جواز التعويض المالي عن الضرر الأدبي – المعنوي - .

وقال به بعض المعاصرين(64)،
وهو ما عليه العمل في القوانين الوضعية المعاصرة (65).

الأدلة :
أدلة القول الأول :
استدل المانعون للتعويض المالي عن الضرر الأدبي المحض بما يلي :
الدليل الأول :
الضرر الأدبي المعنوي ليس فيه خسارة مالية، فلا يمكن تقديره بالمال بحال ، والتعويض المالي لا يكون إلا عن ضرر مالي واقع فعلاً يمكن تقديره بالمثل أو بالقيمة ، لذا شرع في مقابل مال فائت أو بدلاً عن قصاص تعذر استيفاؤه؛ لفقد شرط القصد في الجناية، أولعفو المجني عليه، أو وليه، ونحو ذلك، إذ هي أشياء محسوسة يمكن تقديرها ، وفي الغالب يترتب عليها خسارة مالية، أما الضرر الأدبي فيمكن إزالته بالتعزير والعقوبة الرادعة، فيقتصر عليها.
قال الشيخ على الخفيف :" ليس فيهما – أي الضرر الأدبي والمعنوي- تعويض مالي على ما تقضي به قواعد الفقه الإسلامي ، وذلك محل اتفاق بين المذاهب ، وأساس ذلك فيهما أن التعويض بالمال يقوم على الجبر بالتعويض ، وذلك بإحلال مال محل مال فاقد مكافئ لرد الحال إلى ما كانت عليه، إزالة للضرر، وجبراً للنقص، وذلك لا يتحقق إلا بإحلال مال محل مال مكافئ له ليقوم مقامه ويسد مسده، وكأنه لم يضع على صاحب المال الفاقد شيء، وليس ذلك بمتحقق فيهما " (66).

وقال الشيخ مصطفى الزرقا: " مبدأ التعويض المالي عن الأضرار الأدبية له محذور واضح ، وهو أن مقدار التعويض اعتباطي محض لا ينضبط بضابط ، بينما يظهر في أحكام الشريعة الحرص على التكافؤ الموضوعي بين الضرر والتعويض، وهذا متعذر هنا ، وكثيراً ما نسمع فنندهش في أخبار الدعاوى والأقضية الأمنية أرقاماً بالملايين لقاء مزاعم أضرار أدبية في منتهى التفاهة" (67).
الدليل الثاني :
أن أبرز صور الضرر الأدبي المعنوي القذف ، وشرع فيه الحد ثمانون جلدة، وهي عقوبة بدنية زاجرة، ولذا لا يجوز الصلح عنه بمال؛ إذ لا يحتمل المعاوضة ؛ لأن التعويض يخرجه عن موضوعه، مع أن القذف حق خالص للمقذوف ، ومثل القذف غيره من الأضرار المعنوية فلا تعوض بالمال .
قال الحطاب : " ومن صالح من قذف على شقص أو مال لم يجز، ورد، ولا شفعة فيه، بلغ الإمام أو لا...-لأنه من- باب الأخذ على العرض مالاً" (68).
وقال ابن قدامة : " لو صالح سارقاً ليطلقه، أو شاهداً ليكتم شهادته، أو شفيعاً عن شفعته، أو مقذوفاً عن حده، لم يصح الصلح "(69)، قال في الإنصاف : "بلا نزاع" (70).

الدليل الثالث :
أن الضرر الأدبي المعنوي لا يجبره التعويض المالي، فهو يجحف في حق الفقير، ولا يردع الغني، أما العقوبة البدنية: فهي زاجرة للمعتدي فقيراً كان أم غنياً ، ولذا شرع لهذا الضرر ما يناسبه من الحد، والتعزير الزاجر، والتأديب الرادع ، وهو كافٍ في شفاء غيظ المتضرر، وإزالة ضرره ، وزوال العار عنه، وإعادة الاعتبار له (71).
الدليل الرابع :
عمل أهل العلم على عدم تعويض المتضرر ضرراً أدبياً معنوياً غير مادي ، فقد نصوا على تنكيل من آذى غيره ، وأن الضمان لا يجب إلا في ما كان مثلياً أو قيمياً ، ومن أقوالهم في ذلك ما يلي :
قال السيوطي: " الأصل أن ضمان المثل بالمثلي ، والمتقوم بالقيمة" (72).
وقال ابن نجيم :" من آذى غيره بقول أو فعل يعزر ...ولو بغمز العين " (73).
وجاء في المدونة فيمن قذف المحدود في الزنا :" أرأيت من افترى على رجل مرجوم في الزنا، أيحد حد الفرية أم لا في قول مالك ؟ قال : قال مالك : لا حد عليه.....قال : فهل ينكل في قذفه هؤلاء في قول مالك؟ قال : إذا آذى مسلماً نُكِّل" (74).

وقال في تبصرة الحكام :" من قام بشكيةٍ بغير حق أو ادعى باطلاً، فينبغي أن يؤدب، وأقل ذلك بالحبس؛ ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد"(75).
وقال في الإقناع : " وإذا ظهر كذب المدعي في دعواه بما يؤذي به المدعى عليه، عزر؛ لكذبه وأذاه" (76).

أدلة القول الثاني :
استدل المجيزون للتعويض عن الضرر الأدبي المحض بما يلي :
الدليل الأول :
استدلوا بما جاء عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة في الشجة إذا عادت فالتحمت بأن فيها أرش الألم.
جاء في تبيين الحقائق :" وإن شج رجلاً فالتحمت ولم يبق أثر، أو ضرب فجرح فبرأ وذهب أثره، فلا أرش ، وهذا قول أبي حنيفة _رحمه الله_ ، وقال أبو يوسف _رحمه الله_ : عليه أرش الألم ، وهو حكومة عدل؛ لأن الشين الموجب إن زال فالألم الحاصل لم يزل ، وقال محمد _رحمه الله_ : عليه أجرة الطبيب ؛ لأن ذلك لزمه بفعله، فكأنه أخذ ذلك من ماله وأعطاه الطبيب" (77).
فأبو يوسف قرر التعويض المالي مقابل الألم ، والألم ضرر أدبي ، وعليه فيقاس على الألم غيره من الأضرار الأدبية المحضة ، فيجوز التعويض المالي عن الضرر الأدبي (78).

المناقشة:
نوقش بأن قول أبي يوسف لا يصلح دليلاً على مشروعة التعويض عن الضرر الأدبي بالمال؛ لأنه ليس حجة في نفسه ، ولأنه اجتهاد مقابل بمثله ، ثم إن قوله خارج عن محل النزاع ؛ لأن الضرر هنا ليس ضرراً أدبياً محضاً، بل هو ضرر نتج عنه ضرر مادي ، فيسوغ التعويض فيه باعتباره يؤدي إلى خسارة مالية ، لأنه قد يعطله عن الكسب والعمل ، ويتحمل فيه أجرةً للطبيب وثمناً للدواء .

الدليل الثاني :
قالوا: الواجب في الضرر المعنوي الأدبي هو التعزير، ومن أنواعه: التعزير بالمال، وهو مقرر شرعاً، والتعويض بالمال عن الضرر الأدبي لا يخرج عن التعزير بالمال المقرر شرعاً (79).
المناقشة:
نوقش بأن هذا خارج عن محل النزاع ، إذ النزاع في تعويض المتضرر ضرراً أدبياً بالمال ، واستدلالكم في التعزير بالمال يختلف عن التعويض المالي ، إذ إن مورد التعزير بالمال لبيت المال، ومصرفه مصالح المسلمين، بخلاف التعويض فهو للمتضرر مقابل ما لحقه من ضرر مادي يمكن أن يقابل بمثله أو قيمته، والسمعة والشرف ليست من الأشياء المتقومة بالمال(80).
قال الشيخ مصطفى الزرقا : " الأسلوب الذي اتبعته الشريعة في معالجة الأضرار الأدبية إنما هو التعزير الزاجر، وليس التعويض المالي ، إذ لا تَعُدُ الشريعةُ شرفَ الإنسان وسمعته مالاً متقوماً يعوض بمال آخر إذا اعتدي عليه" (81).

الترجيح :
بعد عرض القولين وأدلتهما يظهر _والله أعلم_ أن القول الراجح هو القول الأول وهو عدم جواز التعويض المالي عن الضرر الأدبي المحض ، وذلك لما يلي :
1. قوة أدلة القول الأول ، وضعف أدلة القول الآخر بالمناقشة الواردة عليها .
2. أن العلماء بنوا قولهم بالتعويض المالي في الضرر الحقيقي الفعلي على ما يتكبده المضرور من خسارة مالية بسبب ذلك الضرر، وهذا مخالف للضرر الأدبي إذ لا يكبده خسارة مالية.
3. العقوبة البدنية من جنس الضرر الأدبي إذ الضرر حاصل بأذى المضرور ، وهذا يمكن إزالته بمثله، وذلك بالتعزير والتأديب الذي يشفى غيظ المضرور ويؤذي الضار في شعوره وكرامته ويلحق به الأذى .
4. أن هذا فعل الصحابة ومن بعدهم من العلماء ، ولو كان التعويض بالمال جائزاً لنقل إلينا ، وعدم النقل مع كثرة الحوادث دليل على أن المتقرر عندهم هو عدم التعويض المالي مقابل الضرر الأدبي .
ومن أفعال الصحابة : ما جاء أن عمر وعثمان _رضي الله عنهما_ كانا يعاقبان على الهجاء (82).
وجاء أن علياً _رضي الله عنه_ قال: في الرجل يقول في الرجل : يا خبيث ، يا فاسق ، قال :" ليس عليه حد معلوم ، يعزر الوالي بما رأى " (83).

الفرع الثالث : التعويض عن الضرر الأدبي المحض الناتج عن المماطلة في الديون
مما سبق يظهر رجحان القول بعدم التعويض المالي مقابل الضرر الأدبي ، وعليه فإن ما يترتب على المماطلة من ضرر أدبي لا تعويض فيه، لما تقدم ، ولما يلي:
أولاً : عدم تقوم هذا الضرر، وقد سبق أن من شروط التعويض عن الضرر أن يكون متقوماً، أي يمكن تقويمه بما يعادل الضرر، ولا يمكن تقويم ضرر المطل الأدبي.
ثانياً: أن الديون يتشدد فيها مالا يتشدد في غيرها؛ منعاً للوقوع في المحذور، فيمنع التعويض عن الضرر الأدبي في المماطلة في الديون؛ سدَّاً للذريعة.

ثالثاً: أن صاحب الحق داخل في عقد المداينة على بصيرة من أمره، وهو يدرك احتمال وقوع مطل أو إفلاس ونحوه، ويمكنه أن يحتاط لنفسه بما شاء من التوثيقات التي تحفظ له حقه، فإن فرط فما لحقه من ضرر فبسبب تقصيره، فلا يتحمله المماطل ، وغالباً ما يزيد الدائن في ثمن سلعته المؤجل بما يطمعه في دخول تلك المخاطرة ، وهذا واقع أكثر المؤسسات المالية المتعاملة بعقود المداينات؛ إذ ترفع من هامش الربح لتوقعها مثل هذه الأضرار الحقيقية والأدبية .
علماً بأن هذه الأضرار المادية والمعنوية لا تذهب هدراً على من وقعت عليه بل يتحملها المماطل في الآخرة ما لم يتحلل من أصحابـها في الدنيا ، وقد ذكر بعض الفقهاء في كتاب الغصب : أن ألم منع المال عن صاحبه لا يزول إلا بالتوبة، ومثله المماطل.
قال البهوتي في شرح المنتهى: "ولو ندم غاصب على فعله، وقد مات المغصوب منه، وردَّ ما غصبه على الورثة برئ من إثمه، أي المغصوب لوصوله لمستحقه ، ولا يبرأ من إثم الغصب؛ لما أدخل على قلب مالكه من ألم الغصب، ومضرة المنع من ملكه مدة حياته، فلا يزول إثم ذلك إلا بالتوبة، ولو رده أي المغصوبَ ورثةُ غاصبه بعد موته، وموت مالكه إلى ورثته، فلمغصوب منه مطالبته أي الغاصب بما غصبه منه في الآخرة، لأن المظالم لو انتقلت لما استقر لمظلوم حق في الآخرة، ولأنـها ظلامة عليه قد مات ولم يتحلل منها برد ولا تبرئة، فلا تسقط عنه برد غيره لها إلى غير المظلوم" (84) .

و يؤيده أن مطل الغني ظلم ، والمماطل ظالم ، والواجب على الظالم أن يسعى في التخلص من الظلم في الدنيا قبل أن يحاسب عليه في الآخرة ، ويشهد له ما جاء عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ أن النبي_صلى الله عليه وسلم_ قال:" من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" (85).
وإذا بادر المماطل بتقديم زيادة مالية على أصل الدَّين عند السداد، وهي غير مشروطة عليه في العقد أو بعده ، ولم تفرض عليه بحكم أو إلزام ، و لم يجر بـها عرف أو تواطؤٌ عليها ، بل بذلها من تلقاء نفسه وباختياره، فإنه لا مانع شرعاً من قبول هذه الزيادة ، إذ تعد هذه الزيادة من حسن القضاء وتطييب القلب ، وهي من الدائن لطلب رفع الظلم الواقع منه بالمطل ، ولزوال الإثم بسبب حبسه لمال المضرور بغير حق، وفي قوله_صلى الله عليه وسلم_ : "فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم " إشارة إلى أن المؤمن إذا وقع في ظلم أخيه، فعليه أن يبادر في التحلل منه ولو بالدينار والدرهم ، وقد كان النبي_صلى الله عليه وسلم_ أحسن الناس قضاء، وأثنى على من كان بـهذه الصفة ، كما جاء في حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_ " أن رجلاً أتى النبي_صلى الله عليه وسلم_ ليتقاضاه ، فأغلظ ، فهَمَّ به أصحابه ، فقال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_: دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً ، ثم قال: أعطوه سناً مثل سنِّه ، قالوا : يا رسول الله إلا أَمْثَلَ من سِنِّه ، فقال : أعطوه، فإن من خيركم أحسنكم قضاءً "(86).

وجاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما نصه: " لا مانع من قبول ما يقدمه المدين المماطل عند السداد من زيادة على الدَّين على أن لا يكون هناك شرط مكتوب، أو ملفوظ، أو ملحوظ، أو عرف، أو تواطؤ على هذه الزيادة " (87).


--------------------------
(1) ينظر: تعليق زكي الدين شعبان على بحث الزرقا ص (198) .
(2) ينظر: تعليق زكي الدين شعبان على بحث الزرقا ص (198) .
(3) الاختيارات العلمية للبعلي ص (201) ، وينظر: الفتاوى (30/24-25) .
(4) تبصرة الحكام (1/371) .
(5) (4/116-117) .
(6) (3/441)، وفيه قياس تحميل المماطل نفقات الشكاية على تحميل الغاصب أجرة رد المغصوب إلى موضعه بجامع التسبب في غرم هذا المال بغير حق .
(7) (7/148) .
(8) (2/276) .
(9) (15/127) .
(10) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة، باب الرقبى (3/296) برقم(3561) والترمذي في السنن ، كتاب البيوع ، باب ما جاء أن العارية مؤداة ، (3/566) ، وابن ماجة في سننه ، كتاب الصدقات ، باب في العارية (2/802) ورقمه(2402) ، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب العارية ، باب العارية مضمونة (6/90؛) وأحمد في المسند (5/8-12) ، والنسائي في السنن الكبرى ، كتاب العارية ، باب المنيحة ، (3/410) والحاكم في المستدرك في كتاب البيوع (2/55) ، والدارمي في سننه ، كتاب السير ، باب العارية مؤداة (2/342) ورقمه(2596) ، والروياني في مسنده (2/41) ورقمه(784) وابن الجارود في المنتقى ص (256) والحديث من رواية الحسن عن سمرة ، وقد اختلف في سماع الحسن البصري من سمرة ، و أعل الحديث بذلك الحافظ في التلخيص (3/60)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (5/348) .
(11) (15/127) .
(12) (4/122) .
(13) فتاوى ورسائل الشيخ (13/54-55).
(14) ينظر: التعويض عن أضرار التقاضي للدكتور عبد الكريم اللاحم ص(33).
(15) ينظر: التعويض عن أضرار التقاضي ص(33).
(16) ينظر: التعويض عن أضرار التقاضي ص (34) ، وص (157) من هذا البحث.
(17) المعايير الشرعية ص (34) .
(18) وهو مقتضى قول من منع ولم يفصل، ونص عليه من المعاصرين :
- الدكتور تقي العثماني كما في بيع التقسيط له في كتابه بحوث في قضايا فقهية معاصرة ص(40).
- والدكتور نزيه كمال حماد كما في بحثه المؤيدات الشرعية لحمل المدين المماطل على الوفاء ص (295) وقضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد ص(351).
- والدكتور محمد شبير كما في الندوة الرابعة لبيت التمويل الكويتي ص(282).
- الشيخ عبدالله بن بيه كما في تعليقه على بحث الزرقا في مجلة دراسات فقهية إسلامية ص (54).
- والدكتور رفيق المصري كما في مجلة المجمع العدد السادس (1/334)، وتعليقه على بحث الزرقا في مجلة دراسات اقتصادية إسلامية ص (75).
(19) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ص(268).
(20) مجلة المجمع ، العدد السادس (1/ 447-448) .
(21) المعايير الشرعية ص(34).
(22) وهو مقتضى قول من أجاز التعويض عن ضرر فوات الربح المفترض، و نص عليه من المعاصرين – ممن منع التعويض عن الربح المفترض-:
- الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير، في فتواه لدار المال الإسلامي بالسودان وهي منشورة في مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي (م :3 ع :1) عام 1405هـ بعنوان : الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطلة، ص (111- 113).
- والدكتور زكي عبد البر كما في تعليقه على فتوى الضرير في مجلة جامعة الملك عبد العزيز ( م :3) 1411هـ ص (61) .
- والشيخ زكي الدِّين شعبان كما في تعليقه على بحث الزرقا في مجلة جامعة الملك عبد العزيز ( م :1) 1409هـ ص (199) .
(23) الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطلة ص (112)، والشيخ في نظري لا يقول بتعويض ضرر فوات الربح المفترض كما هو ظاهر تأصيله؛ إذ يدل على اختياره للتعويض عن الضرر الفعلي ، ويُدْخِل في الضرر الفعلي: الربح المؤكد الفائت على صاحبه، وقد نسب له القول بالتعويض عن ضرر فوات الربح المفترض وليس بصحيح، وقد تراجع الضرير أخيراً عن فتواه هذه، فقال : "البنك الذي أصدرت له الفتوى لم يستطع تنفيذها التنفيذ الصحيح الذي قصدته؛ لأنه أراد أن يعتمد على الربح التقريبي وليس الفعلي في تقدير الضرر، فوجهت بوقف العمل بالفتوى خوفاً من أن يؤدي تنفيذها إلى ما يشبه الفائدة (الربا)". [ينظر: مجلة جامعة الملك عبدالعزيز- الاقتصاد الإسلامي، المجلد:(5) 1413هـ ص(70)]، وقد ذكر الدكتور أحمد بن علي بن عبد الله الأمين العام للهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية في السودان : أنه بناء على فتوى الضرير، والشيخ محمد خاطر، والشيخ عبد الله بن منيع، تم العمل بهذه الفتوى في بنك البركة، ودار المال الإسلامي، وبعض المصارف في السودان، ومن خلال تطبيق المصارف اتضح للشيخ الضرير أن معالجات الضرر الفعلي المادي عن المطل أصبح شبيها بالفائدة الربوية، وسداً لذريعة الربا منع المصارف التي يتولى فيها مسؤولية الرقابة الشرعية من العمل بتكلم الفتوى. [ينظر: الإجراءات المفترضة لمواجهة المماطل ص(5) ] .
(24) مجلة دراسات فقهية إسلامية (م :3) العدد الثاني ص(54)، وعليه مدار الأدلة السابقة في ص(359-391).
(25) ينظر: ص(233) وص(339) من هذا البحث.
(26) ينظر: مجمع الضمانات ص (130) .
(27) ينظر: الرسالة ص(233)، الذخيرة (8/317)، الخرشي مع العدوي (6/143)، وحكاه قولاً واحداً في مذهب المالكية ابن رشد في المقدمات الممهدات(2/498).
(28) فيما إذا اشترى في ذمته ونقد الثمن المغصوب، ينظر: المهذب (14/248)، روضة الطالبين (5/59).
(29) فيما إذا اشترى في ذمته ونقد الثمن المغصوب، ينظر: المغني (7/399).
(30) ينظر: روضة الطالبين (5/59) ، تكملة المجموع للمطيعي (14/248-250) .
(31) ينظر: المغني (7/399) ، الفروع (4/494) ، الإنصاف (15/277) .
(32) حاشيته على المقنع (2/251) .
(33) ص (130) .
(34) لابن أبي زيد القيرواني ص(233) .
(35) (7/399) .
(36) مجموع الفتاوى (30/328-329) .
(37) ينظر: الذخيرة (8/317) ، حاشية العدوي على الخرشي (6/143) .
(38) ينظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص (255) .
(39) ينظر: الذخيرة (8/318) .
(40) سبق تخريجه ص(396).
(41) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب القراض ، باب ما جاء في القراض (2/687) ، والشافعي في مسنده ص (252)، البيهقي في كتاب القراض (6/110)، والدارقطني في سننه (3/63) وصحح الحافظ إسناده في التلخيص (3/57)، وقال الألباني في إرواء الغليل (5/291): "وهو على شرط الشيخين".
(42) ينظر: الذخيرة (8/317) .
(43) ينظر: المنثور في القواعد الفقهية للزركشي (2/323-324) .
(44) شرح المنتهى (3/873) .
(45) المادة( 1397) .
(46) الخرشي على خليل (6/143) .
(47) ينظر: الذخيرة (8/317) واستحسن القرافي أن تقسم المسألة إلى أربعة أقسام:
1. إن كان المغصوب منه لا يتجر فيها لو كانت في يده، ولم يتجر فيها غاصب، فرأس المال؛ لعدم تعيُّن تضييع ربح على المغصوب منه.
2. وإن كان المغصوب منه يتجر فيها لو كانت في يده، ولم يتجر فيها الغاصب، فللمغصوب منه ما كان يربحه في تلك المدة؛ لأنه حرمه إياه، وقياساً على ما لو غصب داره وأغلقها إلا أن يعلم أن التجارة تلك المدة غير مربحة.
3. إن كان المغصوب منه لا يتجر فيها، وتَجِر فيها الغاصب وهو موسر بغيرها، ولم يعامَل من أجلها، فالربح له؛ لتقررها في ذمته بالتصرف.
4. إن كان المغصوب منه لا يتجر فيها، وتَجِر فيها الغاصب وهو فقير عومِل لأجلها، فالربح للمغصوب منه؛ لقوة شبهة تحصيله للربح، وإن كان المغصوب منه يتجر فيها فعلى الغاصب الأكثر مما ربح أو ما كنت تربحه.
(48) المقدمات الممهدات (2/497-498).
(49) سبق تخريجه ص(396).
(50) ينظر: نظرية الضمان للدكتور وهبة الزحيلي ص(23) وص(53)، أما الشيخ على الخفيف فقد فرق بين الضرر الأدبي والضرر المعنوي :
فالضرر الأدبي : هو ما يصيب الإنسان في شرفه، وعرضه من فعل أو قول يعد مهانة له، كما في القذف والسب، وفيما يصيبه من ألم في جسمه، أو عاطفته من ضرب لا يحدث فيه أثراً، أو من تحقير في مخاطبته، أو امتهان في معاملته.
والضرر المعنوي : هو تفويت مصلحة غير مالية ملتزم بـها ، كما في التزام امتنع فيه الملتزم عن تنفيذ التزامه ، كالوديع يمتنع عن تسليم الوديعة إلى مالكها ، والمستعير يمتنع من تسليم العارية إلى المعير ، والمستأجر يمتنع عن تسليم العين المستأجرة إلى مؤجرها ، ونحو ذلك من كل ما ليس فيه تفويت مال على صاحب العين ؛ وبيَّن أنـهما لا يستحقان التعويض في الفقه الإسلامي. [ ينظر : الضمان في الفقه الإسلامي ص (44-45) ] .
(51) التعويض عن الضرر الأدبي للدهمشي ص (8)، وينظر: النظرية العامة للالتزام لجميل شرقاوي ص (484) .
(52) نظرية الضمان د. محمد فوزي (92) وينظر: الضرر الأدبي للدكتور عبد الله بن مبروك النجار ص (125) .
(53) الوسيط في شرح القانون المدني للسنهوري (2/981) .
(54) ينظر: الفعل الضار للزرقا ص(121)، الموجز في النظرية العامة للالتزام لأنور سلطان ص (21) ، التعويض عن السحن للدكتور: ناصر الجوفان ص (225) .
(55) ينظر : الضمان في الفقه الإسلامي للشيخ علي الحفيف ص (44) نظرية الضمان د. وهبه الزحيلي ص (23-24-53) ، التعويض عن الضرر الأدبي للدهمشي ص (7) ، التعويض عن السجن (272) .
(56) سورة الأحزاب الآية (58)
(57) أخرجه بـهذا اللفظ البخاري في صحيحه، كتاب الأدب ، باب الحب في الله (10/478) ، رقم الحديث(6043) ، وقد سبق تخرجه ص(37).
(58) ينظر: التعويض عن الضرر للدكتور محمد بوساق ص (30-33)، التعويض عن الضرر الأدبي ص (12-14).
(59) الموسوعة الفقهية الكويتية (13/40) .
(60) وممن قال به من المعاصرين :
الشيخ علي الخفيف كما في كتابه الضمان في الفقه الإسلامي ص (45) .
والشيخ مصطفى الزرقا في كتابه الفعل الضار ص (19-20/ 121-124) .
والدكتور صبحي محمصاني كما في كتابه النظرية العامة للموجبات والعقود (1/172) .
والدكتور الصديق محمد الأمين الضرير كما في بحثه الشرط الجزائي في مجلة المجمع العدد الثاني عشر (2/64-76).
والدكتور محمد الزحيلي كما في بحثه التعويض عن الضرر من المدين المماطل ص(77).
والدكتور محمد بوساق كما في كتابه التعويض عن الضرر ص (34).
(61) مجلة المجمع، (ع :12) (2/306) .
(62) الضمان في الفقه الإسلامي ص (45) .
(63) الفعل الضار ص (124) .
(64) وممن قال به من المعاصرين :
الشيخ محمود شلتوت كما في كتابه المسؤولية المدنية ص (35) .
والدكتور محمد فوزي فيض الله كما في كتابه نظرية الضمان ص (92) .
والدكتور وهبه الزحيلي كما في كتابة نظرية الضمان ص (54) .
والدكتور ناصر الجوفان كما في بحثه التعويض عن السجن ص(277) في مجلة البحوث العلمية المعاصرة، العدد الواحد والستون.
(65) ينظر: التعويض عن الضرر الأدبي ص (35-36) .
(66) الضمان في الفقه الإسلامي ص (45) .
(67) الفعل الضار ص (124) .
(68) مواهب الجليل (6/305) ، ينظر: المبسوط (21/9) ، بدائع الصنائع (6/48) ، والأحكام السلطانية للماوردي(286) ، الفروع (4/271) .
(69) المقنع (13/164) .
(70) الإنصاف (13/164) .
(71) ينظر: التعويض عن الضرر لمحمد بوساق ص(35) .
(72) الأشباه والنظائر ص (571) .
(73) الأشباه والنظائر ص (186) .
(74) المدونة (4/505) .
(75) (1/51) .
(76) (4/250) .
(77) تبيين الحقائق (6/138) ، وينظر : الهداية مع العناية (10/296) ، مجمع الضمانات ص (171) .
(78) ينظر: نظرية الضمان للدكتور وهبة الزحيلي ص (25) .
(79) المرجع السابق، وينظر: ص(340) من هذا البحث .
(80) ينظر: التعويض عن الضرر لأبي ساق ص (38) .
(81) الفعل الضار (124) .
(82) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الحدود ، باب ما جاء في الشتم دون القذف (8/253) .
(83) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الحدود، باب ما جاء في الشتم دون القذف (8/253)، وسكت عنه الحافظ في التلخيص(4/90)، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (8/54).
(84) شرح منتهى الإرادات (3/897) .
(85) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب المظالم، باب من كانت له مظلمة عند رجل فحللها له (5/121) رقم الحديث(2449) .
(86) أخرج البخاري في صحيحه – واللفظ له – في كتاب الوكالة ، باب الوكالة في قضاء الديون ، رقم الحديث (2306) (4/564) ، وأخرجه مسلم في الصحيح في كتاب المساقات والمزارعة ، باب جواز اقتراض الحيوان واستحباب توفيقه خيرا مما عليه (11/38) .
(87) المعايير الشرعية للهيئة ص(35) .


المصدر : موقع المسلم

Heba Khled
08-19-2011, 06:54 PM
http://www.mezan.net/forum/g5/0%20(9).gif

التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (2/2)
الدكتور/ سلمان بن صالح الدخيل

التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (1/2)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
أمابعد: فهذه تتمة للبحث السابق
المبحث الثالث: الضرر الحقيقي الفعلي الناتج عن المماطلة في الديون .
المطلب الأول: صورة الضرر الحقيقي الفعلي الناتج عن المماطلة في الديون .
إذا تأخر المدين في وفاء الدَّين عن الوقت المحدد المتفق عليه مع الدائن، ومضت مدة طالب الدائن فيها المدين بالوفاء فماطل فيه، ثم ترتب على الدائن ضرر مالي فعلي حقيقي: إما بفوات ربح محقق لماله المماطَل فيه، أو حصول ضرر مالي عليه كغرامات مالية سببها شروط جزائية مقابل إخلاله بتنفيذ التزامات عقدها الدائن مع أفراد أو مؤسسات ونحوها، أو بسبب بذله أموالاً لتحصيل ماله من المماطل، أو بسبب نقص سعر النقد ، فهل يستحق الدائن أن يعوض عن هذه الأضرار الحقيقية أم لا يستحق ؟
ومن أمثلة الضرر الحقيقي الفعلي ما يلي:
1- مماطل امتنع عن دفع المال لصاحبه، وقام بالتجارة فيه، فربح المماطل منه مالاً كثيراً، فهل هذا الربح الحقيقي الواقعي للمماطل أو لصاحب المال ؟
2- دائن اعتمد في عقوده مع عملائه على أن المدينين سيوفونه في الأجل المتفق عليه، وارتبط بناء على ذلك على إنجاز تلك العقود بأوقات محددة، وتحمل شروطاً جزائية في حال تأخره في إنجازها، فماطل المدينون في الوفاء، ولم يستطيع الوفاء بالتزامه لأجل مماطلة مدينيه ، فلحق به خسائر مادية بمقتضى الشروط الجزائية ، فهل يستحق صاحب الدَّين على المماطلين تعويضاً مقابل هذا الضرر الحقيقي الفعلي أم لا ؟ (1).
3- دائن له مال عند مدينين مماطلين ، وهو مدين لغيره بديون أقل مقداراً من ماله لدى الناس ولم يستطع السداد ، فحُكِم عليه بالإفلاس بسبب ديونه الحالة ، وبِيْع عليه ماله الموجود جبراً لسداد دينه، وتضرر من ذلك ، فهل يستحق تعويضاً عن أضرار النقص الحاصل بسبب البيع أم لا ؟ (2).
4- دائن ماطله مدينوه فطالبهم وامتنعوا من الوفاء ، فخسر لأجل متابعتهم ومخاصمتهم وتحصيل حقه منهم أموالاً ، فهل له أن يُعَوَّض عن ضرر فوات هذه الأموال أم لا ؟
5- مدين ماطَل دائنه بملبغ مئة ألف دينار لمدة عشر سنين ، فنقصت قيمة الدنانير في مدة المماطلة، فهل يضمن نقص السعر أم لا ؟
ومن خلال الأمثلة السابقة يمكن أن تقسم هذه الأضرار الحقيقة الفعلية إلى قسمين :
القسم الأول: ضرر يلحق الدائن بسبب فعل المماطل نفسه ، كخسارة المال للمخاصمة والمرافعة ودفع أجور المحصلين ونحو ذلك.
القسم الثاني : ضرر يلحق الدائن بسبب خارج عن المماطل، كفوات ربح محقق أو خسارة مالية تلحق بالدائن لأجل عقود فيها شروط جزائية لم يستطع تنفيذها، أو يكون الضررُ ضرراً عاماً كنقص السعر ونحوه.
المطلب الثاني: حكم التعويض عن الضرر الحقيقي الفعلي الناتج عن المماطلة في الديون .
حكم التعويض عن الضرر الحقيقي الفعلي الناتج عن المماطلة في الديون يختلف باختلاف التقسيم السابق ، وعليه فيمكن بيان حكم التعويض المالي من خلال فرعين هما:
الفرع الأول: التعويض عن الضرر المادي الحقيقي الواقع بسبب تعدٍ من المدين المماطل .
وذلك مثل نفقات الشكاية، والمطالبة، والمحاماة، وأجور التحصيل، والتعقيب، التي يتكبدها الدائن لأجل حصوله على ماله من مدينه المماطل، فهذه الأضرار المادية يستحق التعويض عنها إذا كان غرم الدائن لها على القدر المعتاد والوجه المعروف لا وكس ولا شطط ، وقد نص العلماء على هذا الحكم في المماطل ، ومن أقوالهم :
قال ابن تيمية : " وإذا كان الذي عليه الحق قادراً على الوفاء ، ومطل صاحب الحق حقه حتى أحوجه إلى الشكاية ، فما غرمه بسبب ذلك، فهو على الظالم المبطل ، إذا كان غرمه على الوجه المعتاد " (3).
وقال ابن فرحون : "إذا تبين أن المطلوب ألدَّ بالمدعي ، ودعاه الطالب إلى الارتفاع إلى القاضي فأبى، فيكون على المطلوب أجرة الرسول إليه، ولا يكون على الطالب من ذلك بشيء " (4).
وقال في كشاف القناع : "وإن غرم إنسان بسبب كذب عليه عند ولي الأمر، فله تغريم الكاذب لتسببه في ظلمه ، وله الرجوع على الآخذ منه لأنه المباشر ، ولم يزل مشايخنا يفتون به، كما يعلم مما تقدم في الحجر فيما غرمه رب الدَّين بمطل المدين ونحوه؛ لأنه بسببه" (5).
وقال في شرح المنتهى : "وما غرم رب دين بسببه، أي بسبب مطل مدين أحوج رب الدَّين إلى شكواه، فعلى مماطل لتسببه في غرمه ، أشبه ما لو تعدى – أي بالغصب – على مال لحمله أجرة ، وحمله إلى بلد آخر وغاب، ثم غَرِمَ مالكُهُ أجرةً لعوده إلى محله الأول، فإنه يرجع به على من تعدى بنقله " (6).
وهكذا فإن العلماء يلزمون كل ظالم معتدٍ ممن يباشر إتلاف مال غيره، أو يتسبب فيه بضمان المتلف، وقد نصوا على ذلك في مواضع في الغصب وغيره ، ومن نصوصهم ما يلي:
قال في بدائع الصنائع :" ومؤنة الرد على الغاصب؛ لأنـها من ضرورات الرد ، فإذا وجب عليه الرد ، وجب عليه ما هو من ضروراته" (7).
وقال في مغني المحتاج : " وعلى الغاصب الرد للمغصوب على الفور عند التمكن، وإن عظمت المؤونة في رده " (8).
وقال في المقنع : " ويلزم رد المغصوب إن قَدِرَ على رده ، وإن غرم أضعاف قيمته" (9).
وقال في الشرح الكبير: "وجمله ذلك: أن المغصوب متى كان باقياً وجب رده، لقوله_صلى الله عليه وسلم_ :" على اليد ما أخذت حتى تؤديه "(10)، فإن غصب شيئاً فبَعَّدَه لزم رده ، وإن غرم عليه أضعاف قيمته ؛ لأنه جنى بتبعيده، فكان ضرر ذلك عليه" (11).
وجاء في المنتهى مع شرحه: " وعلى غاصب رد مغصوب قدر عليه، ولو بأضعاف قيمته"(12).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم : " وذلك أن العلماء نصوا على أن كل من غرم غرامة بسبب عدوان شخص آخر عليه أن ذلك الشخص هو الذي يتحمل تلك الغرامة " (13).
ومما سبق يتبين أن العلماء يرون تضمين المعتدي - وهو المدين المماطل- المتسبب في الضرر الحقيقي الذي يلحق بالدائن لما يلي:
1) أن إلجاء الدائن للمخاصمة، وتغريمه المال لأجل تحصيل حقه ظلم وضرر تجب إزالته، والضرر هنا لا يمكن إزالته إلا بتعويض الدائن ما خسره من نفقات التقاضي والتحصيل(14).
2) أن هذه الأموال المبذولة لتحصيل الحق والمطالبة به واقعة بسبب امتناع المماطل من السداد، فيضمنها لتسببه فيها، كما لو أتلفها (15).
3) أن عدم إلزام المدين المماطل بالتعويض عن أضرار التقاضي والترافع يجرئ المماطلين على المماطلة، وأكل أموال الناس بالباطل ، ويحمل أصحاب الأموال إلى رفع الدعاوى للمطالبة بـها، فتكثر الخصومات، ويُشْغَل القضاة، وتُتْعَب جهات التنفيذ بغير حق، ويتأخر وفاء الدَّين المدد الطويلة، فتصبح المماطلة مركبة من مماطلة المدين الأول، ومماطلة إجراءات التقاضي والمرافعة، إذ يلزم من الترافع التأخر لأجل النظر في الدعوى، ثم سماع البينة، ثم إثباتـها، ثم الحكم بناء عليها، ومن ثَمَّ يُطْلَب تمييزها، وبعد تمييزها، تذهب لجهات التنفيذ الأخرى ، وهذا الأعمال الطويلة إن قام بـها الدائن بنفسه لحقته مشقة بالغة ، وإن وكَّل بـها من يقوم بالمرافعة والمطالبة غرم له أجرة، والعدل أن لا يجتمع على الدائن ظلمان ، ظلم تأخير حقه ، وظلم غرامة ما بذله لأجل تحصيل حقه الثابت له، فتعين تحميل المماطل الظالم نفقات المطالبة وتحصيل المال .
4) أن عدم تحميل المدين نفقات الدعوى قد يحمل أصحاب الحقوق على ترك حقوقهم، وعدم المطالبة بـها، إذ تُكَلِّف نفقات التقاضي أحياناً أكثر من ماله الذي يطالب به(16).
ولا أظن أن أحداً من العلماء يخالف في مضمون هذا القول ، وقد صدر ما يوافقه في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية ، ونصه: " يتحمل المدين المماطل مصروفات الدعوى وغيرها من المصروفات التي غرمها الدائن من أجل تحصيل أصل دينه " (17).
الفرع الثاني: التعويض عن الضرر المادي الحقيقي الواقع بسبب خارجٍ عن المدين المماطل.
هذا القسم – في نظري- ينسحب فيه الخلاف السابق المذكور في مسألة ضرر فوات الربح المفترض ، بيد أن هذه المسألة أضيق من تلك المسألة ، إذ القائلون بالتعويض في هذه المسألة يقصرون التعويض على فوات الربح المحقق، أو حصول الضرر الحقيقي، ويمنعون التعويض عن الربح المفترض، ولذا فقد اختار بعض العلماء القول بتعويض الدائن عن الضرر المحقق فقط دون الضرر المفترض ، وبعض العلماء أطلق القول بمنع تعويض الدائن عن ضرر المماطلة مطلقاً ، وعليه فسأذكر _إن شاء الله_ في هذه المسألة من منع التعويض عن الضرر الفعلي نصاً، أو أجازه كذلك ، فيقال :
اختلف العلماء المعاصرون في حكم تعويض الدائن عن ضرره الحقيقي كفوات الربح المحقق، أو حصول ضرر مادي بسبب خارج عن المدين المماطل على قولين:
القول الأول :
عدم جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض للدائن عن فوات ربحه المحقق أو حصول ضرر مادي عليه إذا كان بسبب خارج عن المدين المماطل .
وقال به بعض المعاصرين (18).
والمنع من التعويض هنا داخل في عموم قرارات المجامع الفقهية المانعة للتعويض مطلقاً ، وهي:
- ما جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشر عام 1409هـ ونصه: "إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغاً من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة، إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما فهو شرط أو فرض باطل ، ولا يجب الوفاء به، بل ولا يحل ، سواء كان الشارط هو المصرف أو غيره؛ لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه " (19).
- وما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السادسة المتعلق ببيع التقسيط، ونصه:
" ثالثاً: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدَّين ، بشرط سابق أو بدون شرط ؛ لأن ذلك ربا محرم .
رابعاً: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط ، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء" (20).
- وما جاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ، ما يلي : "(ب) لا يجوز اشتراط التعويض المالي ...سواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة)، أم عن تغير قيمة العملة . (ج) لا تجوز المطالبة القضائية للمدين المماطل بالتعويض المالي نقداً أو عيناً عن تأخير الدَّين" (21).
القول الثاني :
جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض للدائن عن فوات ربحه المحقق أو حصول ضرر مادي عليه إذا كان بسبب خارج عن المدين المماطل .
وقال به بعض المعاصرين (22).
قال الدكتور الصِّدِّيق الضرير في جواب عن استفتاء وجه إليه من أحد البنوك : "يجوز أن يتفق البنك مع العميل المدين على أن يدفع له تعويضاً عن الضرر الذي يصيبه بسبب تأخره عن الوفاء، شريطة: أن يكون الضرر الذي أصاب البنك ضرراً مادياً وفعلياً ، وأن يكون العميل موسراً ومماطلاً ، وخير وسيلة لتقدير هذا التعويض، هو أن يحسب على أساس الربح الفعلي الذي حققه البنك – الدائن- في المدة التي تأخر فيها المدين عن الوفاء"(23).
أدلة القولين :
هي نفس أدلة القولين في المسألة السابقة في حكم تعويض الدائن عن فوات الربح المفترض، مع توجيه أن الضررَ فعليٌ حقيقيٌ، وليس ضرراً محتملاً أو ربحاً مفترضاً، ويَرِدُ عليهما من المناقشة والتوجيه ما سبق ذكره في تلك المسألة
الترجيح :
الراجح _والله أعلم_ هو القول الأول ، وهو عدم جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض للدائن عن فوات ربحه المحقق، أو حصول ضرر مادي عليه، إذا كان بسبب خارج عن المدين المماطل، وذلك لما يلي :
أولاً: قوة أدلة القول الأول، وعدم صمود أدلة القول الثاني أمام المناقشة الواردة عليها.
ثانياً: أن التعويض هنا زيادة في مقابل تـأخر الأجل، فيكون رباً محرماً، فيمنع منه، ولو كان المماطل ظالماً .
ثالثاً: أن ظلم المماطلة في الديون منفك عن الضرر الحقيقي الواقع على الدائن؛ إذ لم يكن بسبب منه.
رابعاً: أن تحميل المماطل فوق ما تحتمله ذمته ظلم له ، وهي أضرار لم يتسبب بـها ، فكيف يلزم بضمانـها ، وقد نص العلماء أن المماطل يضمن ما تسبب به من أضرار مالية تلحق بالدائن ، كأجور الشكوى، وتحصيل الدَّين ، إذ هذه أضرار حاصلة بسبب ظلم المدين المماطل دون الأضرار الخارجة عنه ، والتي قد تحصل لأي إنسان ماطله مدينوه أم لم يماطلوه، بل قد لا يكون دائناً لأحد .
ويمكن إرجاع سبب الخلاف في مسألة التعويض -والله أعلم- إلى ثلاثة أمور، وهي ما يلي:
الأمر الأول: هل الزيادة المفروضة على المدين المماطل ، زيادة ربوية أم لا ؟.
الأمر الثاني : هل المدين المتأخر عن الوفاء ظلماً - وهو المماطل- أشبه بالدائن المتأخر عن الوفاء بعذر وهو المعسر، أو من لا يجد مالاً حاضراً يفي بدينه ، أم شَبَهُهُ بالغاصب أقرب؟
الأمر الثالث: حكم أرباح النقود والأموال المماطَل فيها ؟
فأما الأمر الأول : فمن رأى أن الزيادة المفروضة على المدين في مقابل التأخير ربا، فقد منع التعويض مطلقاً ، ولو لحق الدائن ضرر؛ إذ إن هذه الأضرار قد تلحق المرء ولو لم يكن دائناً، وليس هناك تسبب من المماطل بحصولها ، والدائن قد دخل مع المدين على ألا يعطيه إلا حقه ، والمطل لا يوجب زيادة في الدَّين ، وظلمه له يستحق عليه التعويض في الآخرة ، والعقوبة الزاجرة في الدنيا .
و أما من منع أن تكون الزيادة المفروضة على المدين في مقابل التأخير ربا، فقد أجاز التعويض؛ لأنـها عوض عن ضرر واقع .
ولا شك – في نظري- أن هذه الزيادة هي صورة من صور الربا الجاهلي ، وما كان الربا والزيادة التي يأخذها المرابون في الجاهلية إلا تعويضاً عن ضرر بقاء المال عند المدينين وتأخر هذا المال عنهم تلك الفترة .
قال الدكتور عبد الله بن بيه بعد ذكره الأدلة والنقول : " يتبين أن إلزام المدين بتعويض للدائن إذا مطله بدينه لا يجوز ، وأنه من الربا الذي لا يختلف العلماء في منعه" (24).
وأما الأمر الثاني : فإن من ألحق المدين المماطل بغيره من المدينين، وهو المدين المعسر أو المليء الذي غاب ماله، فقد منع فرض غرامة مالية أو تعويض عليه، إذ لا يجوز فرض الزيادة على المعسر بالإجماع كما سبق (25)، وهذا الإلحاق هو الراجح ، والله أعلم .
وأما من ألحق المدين المماطل بالغاصب فحكموا أن المماطل غاصب للمال منذ حلول أجل الدَّين وامتناعه عن الوفاء بعد المطالبة بلا عذر .
وأما الأمر الثالث: وهو أرباح النقود والدراهم المماطل فيها، فقد تكلم الفقهاء في الأموال المغصوبة، هل هي للمالك المغصوب منه أم للغاصب، وعلى هذا فتُخَرَّجُ مسألة ربح المدين المماطل بالدراهم ونحوها على مسألة ربح الغاصب من الأثمان المغصوبة.
وحكم المسألة لا يخلو من حالتين :
الحالة الأولى : أن يتجر بـها الغاصب فيربح .
الحالة الثانية : أن لا يتجر بـها الغاصب .
الحالة الأولى : أن يتجر بـها الغاصب فيربح .
اختلف العلماء فيمن يستحق ربح المال المغصوب على خمسة أقوال :
القول الأول :
ربح الدراهم المغصوبة للغاصب.
وهو مذهب الحنفية (26)، والراجح عند المالكية(27)، وأظهر القولين عند الشافعية (28)، واحتمال عند الحنابلة (29).
القول الثاني :
ربح الدراهم المغصوبة للمالك .
وهو قول للشافعية يقابل الأظهر(30)، ومذهب الحنابلة (31).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: " فإن اتجر بالدراهم فالربح لمالكها ، هذا هو المذهب، وهو من مفرداته" (32).
القول الثالث :
أنه يُتَصَدَّق بربح الدراهم المغصوبة.
وهو قول لبعض المالكية، ورواية عن أحمد، وقال به من جعل الربح للغاصب، وهم بعض أصحاب القول الأول، إذ نصوا على أنـها لا تطيب له، وعليه أن يتصدق بـها:
قال في مجمع الضمانات:" لو ربح بدراهم مغصوبة كان الربح له، ويتصدق به، ولو دفع الغلة إلى المالك حل له تناولها "(33).
وجاء في الرسالة :" ولا يطيب لغاصب المال رِبْحُهُ حتى يرد رأس المال على رَبِّه ، ولو تصدق بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك " (34).
وقال في المغني : " وعن أحمد : أنه يتصدق به " (35).
القول الرابع :
يقسم ربح الدراهم المغصوبة بين الغاصب والمالك مناصفة كالمضاربة .
وقال به ابن تيمية.
قال _رحمه الله_ : " إن كان جميع ما بيده أخذه من الناس بغير حق : ...مثل أن يغصب مال قوم بافتراء يفتريه عليهم... فهذه الأموال مستحقة لأصحابـها، ومن اكتسب بـهذه الأموال بتجارة ونحوها ، فقيل : الربح لأرباب الأموال ، وقيل: له إذا اشترى في ذمته ، وقيل: بل يتصدقان به ؛ لأنه ربح خبيث ، وقيل : بل يقسم الربح بينه وبين أرباب الأموال كالمضاربة ، كما فعل عمر بن الخطاب في المال الذي أقرضه أبوموسى الأشعري لابنيه دون العسكر ، وهذا أعدل الأقوال " (36).
القول الخامس :
أن الغاصب إن كان موسراً فالربح له، وإن كان معسراً فالربح للمالك صاحب المال.
وهو قول لبعض المالكية (37).
أدلة الأقوال :
دليل القول الأول:
استدل من قال بأن الربح للغاصب:
قالوا: إن الخراج بالضمان والغنم بالغرم، والغاصب ضامن لما غصب، فيكون ربح الدراهم له مقابل ضمانه لها، سواء أنفقها أم اتجر بـها (38).
المناقشة:
نوقش بأن هذا ليس على إطلاقه؛ وذلك لأن العين المغصوبة إذا لم تتغير ردها وبرئ من ضمانها، والعين لا تضمن إلا إذا هلكت أو تغيرت، و إلا فلا (39).
دليل القول الثاني :
استدل من قال بأن الربح لمالك الأثمان (المغصوب منه) :
قالوا: إن الربح نماء ملك صاحب الدراهم، فيستحقها دون الغاصب؛ لأنه ظالم بغصبه فيهدر عمله .
المناقشة:
يناقش بما يلي:
أولاً: نسلم أن الغاصب ظالم بغصب العين، وذلك يقتضي ضمان ما غصب بلا زيادة؛ لعموم قوله_صلى الله عليه وسلم_" على اليد ما أخذت حتى تؤديه " (40).
ثانياً : أرباح المال حاصل بالمال المغصوب وبجهد الغاصب المبذول فلا يحرم منها مطلقاً ولا يفوز بـها مطلقاً ، بل يشتركان في ربح المال كالمضاربة .
دليل القول الثالث:
استدل من قال بأن الربح يتصدق به بما يلي:
قالوا: هذا الربح كسب خبيث؛ إذ هو ربح مال مغصوب فلا يطيب للغاصب، وإذا لم يطب له لزمه التخلص منه، وذلك بالصدقة به.
المناقشة:
يناقش بأن الصدقة تُفَوِّت الربح عليهما جميعاً ، وأثر الغصب إنما هو في ضمان العين لصاحبها إن وجدت، أو مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن لم تكن مثلية ، والعدل في الربح أن يشترك فيه صاحب المال وصاحب العمل .
دليل القول الرابع:
استدل من قال بأن الربح بينهما مناصفة بما يلي:
ما جاء عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال : "خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق ، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرَّحب بـهما وسهَّل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت ، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه ، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق ، ثم تبيعانه بالمدينة ، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك ففعل ، وكتب إلى عمر بن الخطاب، أن يأخذ منهما المال ، فلما قدما باعا فأُربِحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر ، قال أكلُّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا : لا ، فقال عمر بن الخطاب : ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه ، فأما عبد الله فسكت ، وأما عبيد الله ، فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا ، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه ، فقال عمر: أدياه ، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله ، فقال رجل من جلساء عمر : يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً ، فقال عمر : قد جعلته قراضاً ، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه ، وأخذ عبد الله و عبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال"(41).
وجه الدلالة من الأثر:
أن عمر أعطاهما نصف الربح ، وأخذ لبيت المال رأس المال ونصف الربح الآخر، مع أنـهما قد ضمنا المال، فلم يجعل لهما الربح كله مقابل الضمان ، ولم يسلبهما الربح كله نظير اختصاصهما بمال المسلمين دون بقية الجيش، بل جعله بينهما كالمضاربة، وهو مقتضى العدل، فكذا في أرباح المال المماطل فيه، يضمن الغاصب رأس المال، والربح بينهما مناصفة، للمالك نصفٌ مقابل ماله، وللغاصب نصفٌ مقابل جهده المبذول.
دليل القول الخامس :
استدل من قال بأن الربح للغاصب إن كان موسراً، وللمالك إن كان معسراً بما يلي:
قالوا: قياساً على ولي اليتيم -عند بعضهم- إذا اتجر بمال اليتيم لنفسه، فإن كان موسراً فهي له؛ لقبول ذمته الضمان ، وإن كان معسراً فهي لليتيم؛ لعدم قبول ذمته الضمان(42).
المناقشة:
يناقش بأنه قياس مع الفارق فلا يصح ، والفرق بينهما اختلاف اليد في كل منهما، إذ وليُّ اليتيم أمين، ويده على المال يد أمانة، أما الغاصب فمعتدي، ويده يد ضمان (43).
الترجيح :
الراجح _والله أعلم_ هو القول الرابع ، وهو أن الربح يقسم بين مالك المال والغاصب، وهو قول ابن تيمية؛ وذلك لقوة دليله، ولما لحق الأقوال الأخرى من المناقشة، ولأنه يحقق العدل، إذ الربح تحقق من وجود المال وحصول العمل، فيقسم بينهما، وأما أصل المال المعتدى عليه بالغصب، فهو مضمون مطلقاً.
الحالة الثانية : ألا يتجر بـها الغاصب .
إن لم يتجر الغاصب بالنقود المغصوبة بل حبسها، فإنه لا يضمن الربح المفترض عند جمهور أهل العلم، وبيان ذلك ما يلي :
سبق أن جمهور العلماء يرون أن الأرباح المحققة من التجارة بالمال المغصوب هي للغاصب، وأن مالك الدراهم لا يستحق شيئاً منها ، ومن باب أولى ألا يضمنوا الغاصب ربحاً مفترضاً لم يحصل عليه الغاصب .
أما الحنابلة القائلون بأن الربح المحقق للمالك ، وهو من مفردات مذهبهم ، فإنـهم نصوا على عدم ضمان الربح الفائت إذا لم يتجر الغاصب بالمال .
قال البهوتي : " ولا يضمن ربح فات على مالك بحبس غاصب مال تجارة مدة يمكن أن يربح منها، إذا لم يتجر فيه غاصب " (44).
وقال في مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد : " لا يضمن الغاصب ما فوته على المالك من الربح بحبسه مال التجارة " (45).
ولم أجد من قال بأن ربح المال يضمن، سواء اتجر الغاصب به أو لم يتجر إلا قولاً لبعض المالكية، قال الخرشي : " وشمل قوله "وغيرهما بالفوات" من غَصَب دراهم ودنانير لشخص، فحبسها عنده مدة، فإنه يضمن الربح لو اتجر ربُّها بـها " (46).
ونسبه القرافي إلى ابن سحنون(47).
وقد خالفهم ابن رشد فنقل اتفاق المذهب على أن الربح للغاصب ، إذ قال : "ما اغتل منها – أي العين المغصوبة- بتصريفها، وتفويتها، وتحويل عينها، كالدنانير يغتصبها فيغتلها بالتجارة فيها ...فالغلة له قولاً واحداً في المذهب" (48).
والراجح _والله أعلم_ هو عدم تضمين الغاصب أرباح المال المفترضة ؛ لما يلي:
أولاً: عموم قوله_صلى الله عليه وسلم_ :"على اليد ما أخذت حتى تؤديه "(49).
ثانياً: أنه لو استحق التعويض عن ربحه المفترض لنقل خصوصاً مع كثرة حوادث الغصب.
ثالثاً: أن القول بتضمين الأرباح المفترضة قول مخالف لما عليه عامة أهل العلم، فلا يصح اعتباره أصلاً يُعتمد عليه في التعويض عن ضرر المطل بسبب فوات الربح، ولو كان محققاً.
المبحث الرابع : الضرر الأدبي الناتج عن المماطلة في الديون .
تمهيد :
الضرر الأدبي مصطلح قانوني يطلق على ما يقابل الضرر المادي، ويسمى أيضاً الضرر المعنوي (50).
والضرر الأدبي يعني : الاعتداء الذي يصيب الإنسان في شعوره، أو عاطفته، أو كرامته، أو شرفه، ويجعله يظهر بمظهر غير لائق، وما يصيبه من ألم نتيجة الاعتداء على حق من حقوقه المالية وغير المالية (51).
وقيل هو: إلحاق مفسدة في شخص الآخرين لا في أموالهم (52).
وقيل هو : الضرر الذي يصيب مصلحة غير مالية (53).
وهذا الضرر الأدبي قد يكون ضرراً أدبياً محضاً لا يقترن به ضرر مادي ، ومثاله الضرر الذي يصيب الشخص في عاطفة الحنان والمحبة، أو الحزن الذي يجده المرء بسبب سوء الخلق ونحوه .
و قد يكون الضرر الأدبي ضرراً أدبياً غير محض ، أي قد يترتب عليه ضرر مادي ، ومثاله: الضرر الذي يشوه الجسم، أو يؤثر في أداء العامل و إنتاجه وقدرته على الكسب، أو الفرية التي تجعل المرء يطرد من عمله، أو لا يحصل عليه أصلاً (54).
ومن أمثلة الأضرار الأدبية التي ما يلي (55):
1) الضرر الذي يصيب الإنسان نظراً لاتـهامه في دينه .
2) الضرر الذي يصيب الإنسان في عرضه وسمعته وأمانته .
3) الضرر الذي يلحق مكانة الإنسان ويمس كرامته .
4) الألم الذي يحصل للإنسان نتيجة ضرب أو جرح وليس له أثر.
وقد تقرر في الشريعة تحريم الاعتداء على الناس وإيذائهم بغير حق، سواء كان هذا الاعتداء في أنفسهم، أو في أموالهم، أو في مشاعرهم، قال _تعالى_: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً" (56).
وقال_صلى الله عليه وسلم_ :" إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (57).
وجاءت الشريعة بعقوبات رادعة وزاجرة لدرء هذا الضرر المعنوي ورفعه ، وتكلم الفقهاء في فروع من هذا الضرر، منها ما يلي(58):
1) القذف بالزنا أو اللواط أو بنفي النسب ، وجاء في عقوبته حد القذف ومنع قبول الشهادة .
2) الرمي بما لا يستوجب القذف ، ويشمل كل أذى بالكلام والفعل ما لم يصل للقذف، وفيه التعزير الزاجر.
3) ما يصيب الجسم من ألم، نتيجة ضرب أو جرح لم يترك أثراً ولم يفوت منفعة، وفيه التعزير الزاجر.
المطلب الأول: صورة الضرر الأدبي الناتج عن المماطلة في الديون .
قد يتأخر المدين في وفاء دينه، ويطالبه الدائن فيماطل في الوفاء، فيلحق بالدائن أضرار معنوية بسبب ذلك، من صورها ما يلي :
1- أن يكون الدائن من أشراف الناس الذين يغض من قدرهم ، وينقص من مكانتهم، التردد على المحاكم، ومراكز الشرط، وجهات التنفيذ الأخرى .
2- ضرر الدائن من كثرة الاتصالات على المدين، والذهاب إليه، وملاحقته، وانتظاره، وما ينتج عن ذلك من هم وحزن، وخوف من ضياع الحق، مما قد يعود بالضرر الصحي على بدنه .
3- ضرر ما يلحق سمعة الدائن عند الناس إذا علموا بمطالبته للمدين، إذ قد يظنون أنه ظالم بالمطالبة، وذو قسوة وغلظة على مدينيه الذين يدعون الإعسار، ولا يعلمون حقيقة ملاءتـهم .
4- ضرر عدم طمأنينة العملاء الجدد للدائن أو للشركة الدائنة، إذا كانت تعاني من ديون متعثرة لدى عملاء آخرين مدينين، فيحمل هذا على نقدها عبر وسائل إعلامية مما يعود على استثماراتـها وإقبال الناس عليها بالضعف .
فهل يستحق المتضرر بمثل هذه الأضرار الأدبية المعنوية تعويضاً مالياً عن ضرره أم لا ؟
المطلب الثاني : حكم التعويض عن الضرر الأدبي الناتج عن المماطلة في الديون .
لبيان حكم التعويض عن الضرر الأدبي لا بد من تحرير محل النزاع، ومعرفة حكم التعويض عن الضرر الأدبي، ثم بناء حكم التعويض عن الضرر الأدبي فيما يخص المماطلة في الديون عليه، وينتظم ذلك في ثلاث فروع :
الفرع الأول : تحرير محل النزاع في الضرر الأدبي .
سبق أن الضرر الأدبي: إما أن يكون ضرراً أدبياً محضاً، أو ضرراً أدبياً غير محض، فإن كان الضرر أدبياً غير محض أي ينطوي عليه ضرر مادي كمن كُذِب عليه ظلماً، فساءت سمعته، ومن ثَمَّ فُصِلَ من عمله لسوء السمعة، أو حُرِمَ من ترقيته بناء على ذلك، فهذا النوع له حكم التعويض عن الضرر المادي الفعلي، وقد سبق تفصيله.
ومحل النزاع هو في النوع الآخر، وهو الضرر الأدبي المحض الذي لا يترتب عليه ضرر مادي .
الفرع الثاني : حكم التعويض المالي عن الضرر الأدبي.
لم أجد فيما اطلعت عليه أن أحداً من الفقهاء السابقين تكلم عن الضرر المعنوي أو الضرر الأدبي بهذا المسمى، وقد جاء في الموسوعة الفقهية ما نصه :" لم نجد أحداً من الفقهاء عبَّر بـهذا –الضرر الأدبي أو المعنوي- وإنما هو تعبير حادث ، ولم نجد في الكتب الفقهية أن أحداً من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية " (59).
أما المعاصرون فقد اختلفوا في حكم التعويض عن الضرر الأدبي على قولين :
القول الأول :
عدم جواز التعويض المالي عن الضرر الأدبي -المعنوي- .
وهذا مقتضى قول عامة الفقهاء السابقين ، واختارته بعض المجامع والمجالس الشرعية، وقال به بعض المعاصرين (60).
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 109/(3/12) بشأن موضوع الشرط الجزائي ما نصه:
"خامساً: الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي.....ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي" (61).
وقال الشيخ علي الخفيف: " ليس فيهما –أي الضرر الأدبي والمعنوي- تعويض مالي على ما تقضي به قواعد الفقه الإسلامي ، وذلك محل اتفاق بين المذاهب" (62).
وقال الشيخ مصطفى الزرقا: "خلاصة القول: إننا لا نرى مبرراً استصلاحياً لمعالجة الأضرار الأدبية بالتعويض المالي ، ما دامت الشريعة قد فتحت مجالاً واسعاً لقمعه بالزواجر التعزيرية" (63).
القول الثاني :
جواز التعويض المالي عن الضرر الأدبي – المعنوي - .
وقال به بعض المعاصرين(64)،
وهو ما عليه العمل في القوانين الوضعية المعاصرة (65).
الأدلة :
أدلة القول الأول :
استدل المانعون للتعويض المالي عن الضرر الأدبي المحض بما يلي :
الدليل الأول :
الضرر الأدبي المعنوي ليس فيه خسارة مالية، فلا يمكن تقديره بالمال بحال ، والتعويض المالي لا يكون إلا عن ضرر مالي واقع فعلاً يمكن تقديره بالمثل أو بالقيمة ، لذا شرع في مقابل مال فائت أو بدلاً عن قصاص تعذر استيفاؤه؛ لفقد شرط القصد في الجناية، أولعفو المجني عليه، أو وليه، ونحو ذلك، إذ هي أشياء محسوسة يمكن تقديرها ، وفي الغالب يترتب عليها خسارة مالية، أما الضرر الأدبي فيمكن إزالته بالتعزير والعقوبة الرادعة، فيقتصر عليها.
قال الشيخ على الخفيف :" ليس فيهما – أي الضرر الأدبي والمعنوي- تعويض مالي على ما تقضي به قواعد الفقه الإسلامي ، وذلك محل اتفاق بين المذاهب ، وأساس ذلك فيهما أن التعويض بالمال يقوم على الجبر بالتعويض ، وذلك بإحلال مال محل مال فاقد مكافئ لرد الحال إلى ما كانت عليه، إزالة للضرر، وجبراً للنقص، وذلك لا يتحقق إلا بإحلال مال محل مال مكافئ له ليقوم مقامه ويسد مسده، وكأنه لم يضع على صاحب المال الفاقد شيء، وليس ذلك بمتحقق فيهما " (66).
وقال الشيخ مصطفى الزرقا: " مبدأ التعويض المالي عن الأضرار الأدبية له محذور واضح ، وهو أن مقدار التعويض اعتباطي محض لا ينضبط بضابط ، بينما يظهر في أحكام الشريعة الحرص على التكافؤ الموضوعي بين الضرر والتعويض، وهذا متعذر هنا ، وكثيراً ما نسمع فنندهش في أخبار الدعاوى والأقضية الأمنية أرقاماً بالملايين لقاء مزاعم أضرار أدبية في منتهى التفاهة" (67).
الدليل الثاني :
أن أبرز صور الضرر الأدبي المعنوي القذف ، وشرع فيه الحد ثمانون جلدة، وهي عقوبة بدنية زاجرة، ولذا لا يجوز الصلح عنه بمال؛ إذ لا يحتمل المعاوضة ؛ لأن التعويض يخرجه عن موضوعه، مع أن القذف حق خالص للمقذوف ، ومثل القذف غيره من الأضرار المعنوية فلا تعوض بالمال .
قال الحطاب : " ومن صالح من قذف على شقص أو مال لم يجز، ورد، ولا شفعة فيه، بلغ الإمام أو لا...-لأنه من- باب الأخذ على العرض مالاً" (68).
وقال ابن قدامة : " لو صالح سارقاً ليطلقه، أو شاهداً ليكتم شهادته، أو شفيعاً عن شفعته، أو مقذوفاً عن حده، لم يصح الصلح "(69)، قال في الإنصاف : "بلا نزاع" (70).
الدليل الثالث :
أن الضرر الأدبي المعنوي لا يجبره التعويض المالي، فهو يجحف في حق الفقير، ولا يردع الغني، أما العقوبة البدنية: فهي زاجرة للمعتدي فقيراً كان أم غنياً ، ولذا شرع لهذا الضرر ما يناسبه من الحد، والتعزير الزاجر، والتأديب الرادع ، وهو كافٍ في شفاء غيظ المتضرر، وإزالة ضرره ، وزوال العار عنه، وإعادة الاعتبار له (71).
الدليل الرابع :
عمل أهل العلم على عدم تعويض المتضرر ضرراً أدبياً معنوياً غير مادي ، فقد نصوا على تنكيل من آذى غيره ، وأن الضمان لا يجب إلا في ما كان مثلياً أو قيمياً ، ومن أقوالهم في ذلك ما يلي :
قال السيوطي: " الأصل أن ضمان المثل بالمثلي ، والمتقوم بالقيمة" (72).
وقال ابن نجيم :" من آذى غيره بقول أو فعل يعزر ...ولو بغمز العين " (73).
وجاء في المدونة فيمن قذف المحدود في الزنا :" أرأيت من افترى على رجل مرجوم في الزنا، أيحد حد الفرية أم لا في قول مالك ؟ قال : قال مالك : لا حد عليه.....قال : فهل ينكل في قذفه هؤلاء في قول مالك؟ قال : إذا آذى مسلماً نُكِّل" (74).
وقال في تبصرة الحكام :" من قام بشكيةٍ بغير حق أو ادعى باطلاً، فينبغي أن يؤدب، وأقل ذلك بالحبس؛ ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد"(75).
وقال في الإقناع : " وإذا ظهر كذب المدعي في دعواه بما يؤذي به المدعى عليه، عزر؛ لكذبه وأذاه" (76).
أدلة القول الثاني :
استدل المجيزون للتعويض عن الضرر الأدبي المحض بما يلي :
الدليل الأول :
استدلوا بما جاء عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة في الشجة إذا عادت فالتحمت بأن فيها أرش الألم.
جاء في تبيين الحقائق :" وإن شج رجلاً فالتحمت ولم يبق أثر، أو ضرب فجرح فبرأ وذهب أثره، فلا أرش ، وهذا قول أبي حنيفة _رحمه الله_ ، وقال أبو يوسف _رحمه الله_ : عليه أرش الألم ، وهو حكومة عدل؛ لأن الشين الموجب إن زال فالألم الحاصل لم يزل ، وقال محمد _رحمه الله_ : عليه أجرة الطبيب ؛ لأن ذلك لزمه بفعله، فكأنه أخذ ذلك من ماله وأعطاه الطبيب" (77).
فأبو يوسف قرر التعويض المالي مقابل الألم ، والألم ضرر أدبي ، وعليه فيقاس على الألم غيره من الأضرار الأدبية المحضة ، فيجوز التعويض المالي عن الضرر الأدبي (78).
المناقشة:
نوقش بأن قول أبي يوسف لا يصلح دليلاً على مشروعة التعويض عن الضرر الأدبي بالمال؛ لأنه ليس حجة في نفسه ، ولأنه اجتهاد مقابل بمثله ، ثم إن قوله خارج عن محل النزاع ؛ لأن الضرر هنا ليس ضرراً أدبياً محضاً، بل هو ضرر نتج عنه ضرر مادي ، فيسوغ التعويض فيه باعتباره يؤدي إلى خسارة مالية ، لأنه قد يعطله عن الكسب والعمل ، ويتحمل فيه أجرةً للطبيب وثمناً للدواء .
الدليل الثاني :
قالوا: الواجب في الضرر المعنوي الأدبي هو التعزير، ومن أنواعه: التعزير بالمال، وهو مقرر شرعاً، والتعويض بالمال عن الضرر الأدبي لا يخرج عن التعزير بالمال المقرر شرعاً (79).
المناقشة:
نوقش بأن هذا خارج عن محل النزاع ، إذ النزاع في تعويض المتضرر ضرراً أدبياً بالمال ، واستدلالكم في التعزير بالمال يختلف عن التعويض المالي ، إذ إن مورد التعزير بالمال لبيت المال، ومصرفه مصالح المسلمين، بخلاف التعويض فهو للمتضرر مقابل ما لحقه من ضرر مادي يمكن أن يقابل بمثله أو قيمته، والسمعة والشرف ليست من الأشياء المتقومة بالمال(80).
قال الشيخ مصطفى الزرقا : " الأسلوب الذي اتبعته الشريعة في معالجة الأضرار الأدبية إنما هو التعزير الزاجر، وليس التعويض المالي ، إذ لا تَعُدُ الشريعةُ شرفَ الإنسان وسمعته مالاً متقوماً يعوض بمال آخر إذا اعتدي عليه" (81).
الترجيح :
بعد عرض القولين وأدلتهما يظهر _والله أعلم_ أن القول الراجح هو القول الأول وهو عدم جواز التعويض المالي عن الضرر الأدبي المحض ، وذلك لما يلي :
1. قوة أدلة القول الأول ، وضعف أدلة القول الآخر بالمناقشة الواردة عليها .
2. أن العلماء بنوا قولهم بالتعويض المالي في الضرر الحقيقي الفعلي على ما يتكبده المضرور من خسارة مالية بسبب ذلك الضرر، وهذا مخالف للضرر الأدبي إذ لا يكبده خسارة مالية.
3. العقوبة البدنية من جنس الضرر الأدبي إذ الضرر حاصل بأذى المضرور ، وهذا يمكن إزالته بمثله، وذلك بالتعزير والتأديب الذي يشفى غيظ المضرور ويؤذي الضار في شعوره وكرامته ويلحق به الأذى .
4. أن هذا فعل الصحابة ومن بعدهم من العلماء ، ولو كان التعويض بالمال جائزاً لنقل إلينا ، وعدم النقل مع كثرة الحوادث دليل على أن المتقرر عندهم هو عدم التعويض المالي مقابل الضرر الأدبي .
ومن أفعال الصحابة : ما جاء أن عمر وعثمان _رضي الله عنهما_ كانا يعاقبان على الهجاء (82).
وجاء أن علياً _رضي الله عنه_ قال: في الرجل يقول في الرجل : يا خبيث ، يا فاسق ، قال :" ليس عليه حد معلوم ، يعزر الوالي بما رأى " (83).
الفرع الثالث : التعويض عن الضرر الأدبي المحض الناتج عن المماطلة في الديون
مما سبق يظهر رجحان القول بعدم التعويض المالي مقابل الضرر الأدبي ، وعليه فإن ما يترتب على المماطلة من ضرر أدبي لا تعويض فيه، لما تقدم ، ولما يلي:
أولاً : عدم تقوم هذا الضرر، وقد سبق أن من شروط التعويض عن الضرر أن يكون متقوماً، أي يمكن تقويمه بما يعادل الضرر، ولا يمكن تقويم ضرر المطل الأدبي.
ثانياً: أن الديون يتشدد فيها مالا يتشدد في غيرها؛ منعاً للوقوع في المحذور، فيمنع التعويض عن الضرر الأدبي في المماطلة في الديون؛ سدَّاً للذريعة.
ثالثاً: أن صاحب الحق داخل في عقد المداينة على بصيرة من أمره، وهو يدرك احتمال وقوع مطل أو إفلاس ونحوه، ويمكنه أن يحتاط لنفسه بما شاء من التوثيقات التي تحفظ له حقه، فإن فرط فما لحقه من ضرر فبسبب تقصيره، فلا يتحمله المماطل ، وغالباً ما يزيد الدائن في ثمن سلعته المؤجل بما يطمعه في دخول تلك المخاطرة ، وهذا واقع أكثر المؤسسات المالية المتعاملة بعقود المداينات؛ إذ ترفع من هامش الربح لتوقعها مثل هذه الأضرار الحقيقية والأدبية .
علماً بأن هذه الأضرار المادية والمعنوية لا تذهب هدراً على من وقعت عليه بل يتحملها المماطل في الآخرة ما لم يتحلل من أصحابـها في الدنيا ، وقد ذكر بعض الفقهاء في كتاب الغصب : أن ألم منع المال عن صاحبه لا يزول إلا بالتوبة، ومثله المماطل.
قال البهوتي في شرح المنتهى: "ولو ندم غاصب على فعله، وقد مات المغصوب منه، وردَّ ما غصبه على الورثة برئ من إثمه، أي المغصوب لوصوله لمستحقه ، ولا يبرأ من إثم الغصب؛ لما أدخل على قلب مالكه من ألم الغصب، ومضرة المنع من ملكه مدة حياته، فلا يزول إثم ذلك إلا بالتوبة، ولو رده أي المغصوبَ ورثةُ غاصبه بعد موته، وموت مالكه إلى ورثته، فلمغصوب منه مطالبته أي الغاصب بما غصبه منه في الآخرة، لأن المظالم لو انتقلت لما استقر لمظلوم حق في الآخرة، ولأنـها ظلامة عليه قد مات ولم يتحلل منها برد ولا تبرئة، فلا تسقط عنه برد غيره لها إلى غير المظلوم" (84) .
و يؤيده أن مطل الغني ظلم ، والمماطل ظالم ، والواجب على الظالم أن يسعى في التخلص من الظلم في الدنيا قبل أن يحاسب عليه في الآخرة ، ويشهد له ما جاء عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ أن النبي_صلى الله عليه وسلم_ قال:" من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" (85).
وإذا بادر المماطل بتقديم زيادة مالية على أصل الدَّين عند السداد، وهي غير مشروطة عليه في العقد أو بعده ، ولم تفرض عليه بحكم أو إلزام ، و لم يجر بـها عرف أو تواطؤٌ عليها ، بل بذلها من تلقاء نفسه وباختياره، فإنه لا مانع شرعاً من قبول هذه الزيادة ، إذ تعد هذه الزيادة من حسن القضاء وتطييب القلب ، وهي من الدائن لطلب رفع الظلم الواقع منه بالمطل ، ولزوال الإثم بسبب حبسه لمال المضرور بغير حق، وفي قوله_صلى الله عليه وسلم_ : "فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم " إشارة إلى أن المؤمن إذا وقع في ظلم أخيه، فعليه أن يبادر في التحلل منه ولو بالدينار والدرهم ، وقد كان النبي_صلى الله عليه وسلم_ أحسن الناس قضاء، وأثنى على من كان بـهذه الصفة ، كما جاء في حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_ " أن رجلاً أتى النبي_صلى الله عليه وسلم_ ليتقاضاه ، فأغلظ ، فهَمَّ به أصحابه ، فقال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_: دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً ، ثم قال: أعطوه سناً مثل سنِّه ، قالوا : يا رسول الله إلا أَمْثَلَ من سِنِّه ، فقال : أعطوه، فإن من خيركم أحسنكم قضاءً "(86).
وجاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما نصه: " لا مانع من قبول ما يقدمه المدين المماطل عند السداد من زيادة على الدَّين على أن لا يكون هناك شرط مكتوب، أو ملفوظ، أو ملحوظ، أو عرف، أو تواطؤ على هذه الزيادة " (87).
--------------------------
(1) ينظر: تعليق زكي الدين شعبان على بحث الزرقا ص (198) .
(2) ينظر: تعليق زكي الدين شعبان على بحث الزرقا ص (198) .
(3) الاختيارات العلمية للبعلي ص (201) ، وينظر: الفتاوى (30/24-25) .
(4) تبصرة الحكام (1/371) .
(5) (4/116-117) .
(6) (3/441)، وفيه قياس تحميل المماطل نفقات الشكاية على تحميل الغاصب أجرة رد المغصوب إلى موضعه بجامع التسبب في غرم هذا المال بغير حق .
(7) (7/148) .
(8) (2/276) .
(9) (15/127) .
(10) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة، باب الرقبى (3/296) برقم(3561) والترمذي في السنن ، كتاب البيوع ، باب ما جاء أن العارية مؤداة ، (3/566) ، وابن ماجة في سننه ، كتاب الصدقات ، باب في العارية (2/802) ورقمه(2402) ، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب العارية ، باب العارية مضمونة (6/90؛) وأحمد في المسند (5/8-12) ، والنسائي في السنن الكبرى ، كتاب العارية ، باب المنيحة ، (3/410) والحاكم في المستدرك في كتاب البيوع (2/55) ، والدارمي في سننه ، كتاب السير ، باب العارية مؤداة (2/342) ورقمه(2596) ، والروياني في مسنده (2/41) ورقمه(784) وابن الجارود في المنتقى ص (256) والحديث من رواية الحسن عن سمرة ، وقد اختلف في سماع الحسن البصري من سمرة ، و أعل الحديث بذلك الحافظ في التلخيص (3/60)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (5/348) .
(11) (15/127) .
(12) (4/122) .
(13) فتاوى ورسائل الشيخ (13/54-55).
(14) ينظر: التعويض عن أضرار التقاضي للدكتور عبد الكريم اللاحم ص(33).
(15) ينظر: التعويض عن أضرار التقاضي ص(33).
(16) ينظر: التعويض عن أضرار التقاضي ص (34) ، وص (157) من هذا البحث.
(17) المعايير الشرعية ص (34) .
(18) وهو مقتضى قول من منع ولم يفصل، ونص عليه من المعاصرين :
- الدكتور تقي العثماني كما في بيع التقسيط له في كتابه بحوث في قضايا فقهية معاصرة ص(40).
- والدكتور نزيه كمال حماد كما في بحثه المؤيدات الشرعية لحمل المدين المماطل على الوفاء ص (295) وقضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد ص(351).
- والدكتور محمد شبير كما في الندوة الرابعة لبيت التمويل الكويتي ص(282).
- الشيخ عبدالله بن بيه كما في تعليقه على بحث الزرقا في مجلة دراسات فقهية إسلامية ص (54).
- والدكتور رفيق المصري كما في مجلة المجمع العدد السادس (1/334)، وتعليقه على بحث الزرقا في مجلة دراسات اقتصادية إسلامية ص (75).
(19) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ص(268).
(20) مجلة المجمع ، العدد السادس (1/ 447-448) .
(21) المعايير الشرعية ص(34).
(22) وهو مقتضى قول من أجاز التعويض عن ضرر فوات الربح المفترض، و نص عليه من المعاصرين – ممن منع التعويض عن الربح المفترض-:
- الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير، في فتواه لدار المال الإسلامي بالسودان وهي منشورة في مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي (م :3 ع :1) عام 1405هـ بعنوان : الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطلة، ص (111- 113).
- والدكتور زكي عبد البر كما في تعليقه على فتوى الضرير في مجلة جامعة الملك عبد العزيز ( م :3) 1411هـ ص (61) .
- والشيخ زكي الدِّين شعبان كما في تعليقه على بحث الزرقا في مجلة جامعة الملك عبد العزيز ( م :1) 1409هـ ص (199) .
(23) الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطلة ص (112)، والشيخ في نظري لا يقول بتعويض ضرر فوات الربح المفترض كما هو ظاهر تأصيله؛ إذ يدل على اختياره للتعويض عن الضرر الفعلي ، ويُدْخِل في الضرر الفعلي: الربح المؤكد الفائت على صاحبه، وقد نسب له القول بالتعويض عن ضرر فوات الربح المفترض وليس بصحيح، وقد تراجع الضرير أخيراً عن فتواه هذه، فقال : "البنك الذي أصدرت له الفتوى لم يستطع تنفيذها التنفيذ الصحيح الذي قصدته؛ لأنه أراد أن يعتمد على الربح التقريبي وليس الفعلي في تقدير الضرر، فوجهت بوقف العمل بالفتوى خوفاً من أن يؤدي تنفيذها إلى ما يشبه الفائدة (الربا)". [ينظر: مجلة جامعة الملك عبدالعزيز- الاقتصاد الإسلامي، المجلد:(5) 1413هـ ص(70)]، وقد ذكر الدكتور أحمد بن علي بن عبد الله الأمين العام للهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية في السودان : أنه بناء على فتوى الضرير، والشيخ محمد خاطر، والشيخ عبد الله بن منيع، تم العمل بهذه الفتوى في بنك البركة، ودار المال الإسلامي، وبعض المصارف في السودان، ومن خلال تطبيق المصارف اتضح للشيخ الضرير أن معالجات الضرر الفعلي المادي عن المطل أصبح شبيها بالفائدة الربوية، وسداً لذريعة الربا منع المصارف التي يتولى فيها مسؤولية الرقابة الشرعية من العمل بتكلم الفتوى. [ينظر: الإجراءات المفترضة لمواجهة المماطل ص(5) ] .
(24) مجلة دراسات فقهية إسلامية (م :3) العدد الثاني ص(54)، وعليه مدار الأدلة السابقة في ص(359-391).
(25) ينظر: ص(233) وص(339) من هذا البحث.
(26) ينظر: مجمع الضمانات ص (130) .
(27) ينظر: الرسالة ص(233)، الذخيرة (8/317)، الخرشي مع العدوي (6/143)، وحكاه قولاً واحداً في مذهب المالكية ابن رشد في المقدمات الممهدات(2/498).
(28) فيما إذا اشترى في ذمته ونقد الثمن المغصوب، ينظر: المهذب (14/248)، روضة الطالبين (5/59).
(29) فيما إذا اشترى في ذمته ونقد الثمن المغصوب، ينظر: المغني (7/399).
(30) ينظر: روضة الطالبين (5/59) ، تكملة المجموع للمطيعي (14/248-250) .
(31) ينظر: المغني (7/399) ، الفروع (4/494) ، الإنصاف (15/277) .
(32) حاشيته على المقنع (2/251) .
(33) ص (130) .
(34) لابن أبي زيد القيرواني ص(233) .
(35) (7/399) .
(36) مجموع الفتاوى (30/328-329) .
(37) ينظر: الذخيرة (8/317) ، حاشية العدوي على الخرشي (6/143) .
(38) ينظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص (255) .
(39) ينظر: الذخيرة (8/318) .
(40) سبق تخريجه ص(396).
(41) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب القراض ، باب ما جاء في القراض (2/687) ، والشافعي في مسنده ص (252)، البيهقي في كتاب القراض (6/110)، والدارقطني في سننه (3/63) وصحح الحافظ إسناده في التلخيص (3/57)، وقال الألباني في إرواء الغليل (5/291): "وهو على شرط الشيخين".
(42) ينظر: الذخيرة (8/317) .
(43) ينظر: المنثور في القواعد الفقهية للزركشي (2/323-324) .
(44) شرح المنتهى (3/873) .
(45) المادة( 1397) .
(46) الخرشي على خليل (6/143) .
(47) ينظر: الذخيرة (8/317) واستحسن القرافي أن تقسم المسألة إلى أربعة أقسام:
1. إن كان المغصوب منه لا يتجر فيها لو كانت في يده، ولم يتجر فيها غاصب، فرأس المال؛ لعدم تعيُّن تضييع ربح على المغصوب منه.
2. وإن كان المغصوب منه يتجر فيها لو كانت في يده، ولم يتجر فيها الغاصب، فللمغصوب منه ما كان يربحه في تلك المدة؛ لأنه حرمه إياه، وقياساً على ما لو غصب داره وأغلقها إلا أن يعلم أن التجارة تلك المدة غير مربحة.
3. إن كان المغصوب منه لا يتجر فيها، وتَجِر فيها الغاصب وهو موسر بغيرها، ولم يعامَل من أجلها، فالربح له؛ لتقررها في ذمته بالتصرف.
4. إن كان المغصوب منه لا يتجر فيها، وتَجِر فيها الغاصب وهو فقير عومِل لأجلها، فالربح للمغصوب منه؛ لقوة شبهة تحصيله للربح، وإن كان المغصوب منه يتجر فيها فعلى الغاصب الأكثر مما ربح أو ما كنت تربحه.
(48) المقدمات الممهدات (2/497-498).
(49) سبق تخريجه ص(396).
(50) ينظر: نظرية الضمان للدكتور وهبة الزحيلي ص(23) وص(53)، أما الشيخ على الخفيف فقد فرق بين الضرر الأدبي والضرر المعنوي :
فالضرر الأدبي : هو ما يصيب الإنسان في شرفه، وعرضه من فعل أو قول يعد مهانة له، كما في القذف والسب، وفيما يصيبه من ألم في جسمه، أو عاطفته من ضرب لا يحدث فيه أثراً، أو من تحقير في مخاطبته، أو امتهان في معاملته.
والضرر المعنوي : هو تفويت مصلحة غير مالية ملتزم بـها ، كما في التزام امتنع فيه الملتزم عن تنفيذ التزامه ، كالوديع يمتنع عن تسليم الوديعة إلى مالكها ، والمستعير يمتنع من تسليم العارية إلى المعير ، والمستأجر يمتنع عن تسليم العين المستأجرة إلى مؤجرها ، ونحو ذلك من كل ما ليس فيه تفويت مال على صاحب العين ؛ وبيَّن أنـهما لا يستحقان التعويض في الفقه الإسلامي. [ ينظر : الضمان في الفقه الإسلامي ص (