المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موسوعة,, الفكر الاسلامي,,


Heba Khled
08-31-2011, 04:03 AM
الغيب بالنسبة للبشر نوعان


أ _ الغيب المطلق:
الذي لم يستطع البشر أن يدركوه إلا عن طريق ما أخبر لهم من أوصافه في المتواترات والآيات الدالة على وجوده في هذا الكون، وهذا الغيب يشمل الله تعالى والملائكة واليوم الأخر والموت والكسب.
وهذا الغيب لا يخضع للتحقيق التجريبي أو وسائل البحث العلمي لأنه فوق مستوى العقل البشري.


ب _ الغيب النسبي:
أ _ الميتافزيقا العلمية مثل الذرة والكهرباء والجاذبية وغير ذلك. فأنها غيب بالنسبة للبشر علم بالنسبة لله تعالى إلا أنها احتمالية الغيب بالنسبة للبشر لماذا؟ لأنه ربما يأتي اليوم ليكشف العلم عن هذه النظريات فتصبح واقعا تجريبيا مدركا بالوسائل الحسية والعلمية.


ج _ الغيب باختلاف الزمان والمكان:
وهو ما يعرفه البعض دون البعض الآخر، وذلك مثل المشرف على الكنترول يعرف الطالب الناجح والناجح لا يعرف نفسه إلا بعد ظهور النتيجة، فكانت النتيجة علم للمشرف غيب للطالب. إذن فالعلم بالغيب نسبي ومطلق فهو مطلق بالنسبة لله تعالى ونسبي بالنسبة للبشر وهذا ما يتعلق برقم (ب) الغيب النسبي أما بالنسبة لرقم (أ) الغيب المطلق فلا دخل للبشر فيها إلا بما دلت عليه الأدلة من القرآن أو الكتب السماوية الصحيحة ولنا بعد ذلك أن نسأل أيهما يخضع للسؤال كيف؟ أو غيره من الأسئلة التي توجه كبحث علمي.
في الحقيقة إن الغيب المطلق لا يخضع للسؤال كيف أو غيره للإجابة عنه.[/COLOR]

لأن الخالق له من صفات العلم والقدرة والكمال ما ليس للمخلوق من هذه الصفات إلا نسبيتها فقط.
إذن لا يجوز البحث في هذا الجانب لأن البحث فيه لم يحقق نتائج، وفي نفس الوقت فيه إرهاق للذهن مع عدم الوصول إلى شيء في ذلك.

أما الذي يتطلب البحث فيه فهو الميتافزيقا العلمية وغيرها من المتغيرات والمسخرات في هذا الكون للإنسانية، لكي تكشف عن سنن الله الكونية، وليس شرطا أن يصل فيها العلم إلى شيء. إنما المقصود قابليتها للتحقيق التجريبي المباشر أو غير المباشر.

أما الغيب باختلاف الزمان والمكان فيكون إجابة عن السؤال هل؟ أو عن طريق الإخبار.
وهذا ما نراه في الانسجام الدقيق بين حركة الكواكب وغيرها.


قال تعالى {الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، فأرجع البصر هل ترى من فطور، ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير، ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين} الملك 3، 4، 5.


هذه الحقائق الجمالية والتناسقية، عنصر أساسي في النظام الكوني، توحي إلى قلب المؤمن بالاطمئنان إلى هذا الكون الذي يعيش فيه بالسلام معه ومع الأحياء فلا يجيش فيه القلق لشيء من الظواهر الكونية.
فإذا حدث قلق في قلب المؤمن من ناحية خرق بعض السنن التي جرت العادة على رؤيتها في نظام تام، فإنه يفزع إلى ربه راداً كل شيء إلى إرادة الله تعالى المطلقة فيطمئن قلبه. قال تعالى {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} يس 82.
وقوله تعالى {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر، قال كذلك الله يفعل ما يشاء} آل عمران 40.

وقوله تعالى {قالوا حرقوه وانصروا ألهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } الأنبياء 68، 69.

وإذا كانت هذه الآيات تبين تعطيل السنن الكونية في بعض الأحيان، فما هو سبيل الموازنة في الكون؟ قال تعالى {ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ن قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور} الحديد 22, 23. وقوله تعالى {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} التوبة 51.
هذه الوقائع الإحصائية هي التي تعطي الموازنة للتغير في السنن الكونية التي تخضع لإرادة الله عز وجل وذلك ما يبرز لنا صفة مميزة للمنهج في القرآن عندما يحدث خلل في السنن الكونية، فإن الباحث يرتد إلى أصل ثابت بخلاف أي منهج Method أخر فأنه عندما يرتد دائما إلى المطلق، يضاف إلى هذا إن التغيران التي تحدث للكون ليس للكون دخل فيها لأنه طائع لربه في كل حركاته وسكناته.

قال تعالى {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليماً غفوراً} الإسراء 44.

وقوله تعالى {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والأصال} الرعد 15.

وقوله تعالى {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أئتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} فصلت 11.

فهذا الكون لا دخل له بما يحدث فيه لأنه مطيع ومسبح لله عز وجل فكل سننه وقوانينه ملازمه لكن فيكون وليست للقوانين العلمية التي توصل إليها البشر.
ولكن عندما يظن العلماء بأن ما وصلوا إليه من قوانين أصبحوا قادرين على التحكم في الكون وما فيه فهذا إيذان بقرب النهاية.

قال تعالى {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس, كذلك نفصّل الأيات لقوم يتفكرون} يونس 24.

فالكون باقي على نظامه فلا يحدث فيه الخلل إلا عندما يأخذ العلم للتزيين والترف والاستعلاء في الأرض بغير حق. فمنذ ذلك تحدث التحولات قبل نهايته من النظام إلى الخل. وكثير من الآيات تدل على نهاية الكون منها:

قوله تعالى {إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتشرت وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت} (الإنفطار 1: 4

وقوله تعالى {إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت، وإذا الجبال سيرت، وإذا العشار عطلت، وإذا الوحوش حشرت، وإذا البحار سجرت} التكوير 1: 6.

وهذا ما يدل على نهاية الكون وبداية عالم الآخرة إذن ما الذي يخضع للبحث العلمي في النظام الكوني؟

هو مجموعة المتغيرات داخل الكون والمسخرات وبالجملة كل ما يندرج تحت التسخير الكوني وما تحتاجه الخلافة الإنسانية. وهذه الأمور أي المتغيرات والمسخرات تعطي بعطاء الإنسان لها أو حسب ما ينفعل الإنسان معها يكون عطائها. أما الثوابت فهي تعطي بدون تدخل للإنسان فيها وللعلماء أن يأخذوا منها العبرة والعظمة والنظريات الدالة على بديع الصانع. وليس معنى هذا أن هناك انفصالا بين الثوابت والمتغيرات، بل يوجد بينهما ارتباط ضروري وعلى الإنسان أن يكتشف هذا الارتباط.
--------------------------------
المصدر : أسس المنهج القرآني في بحث العلوم الطبيعية[/][/SIZE][/CENTER][/B]

Heba Khled
08-31-2011, 04:07 AM
أسباب الخلل الإرادي
عبد المجيد عمر النجار


لهذا الخلل الإرادي الذي يصيب الأمّة اليوم أسباب متعدّدة، بعضها مترسّب من الماضي، وبعضها ناشئ من تفاعلات الحاضر، كما أن بعضها يعتبر من إفراز الذات، بينما بعضها الآخر يعتبر من تأثيرات خارجية. وتعود هذه الأسباب في جملتها إلى معنى نفسي مهما تكن صلتها بمعان أخرى؛ إذ هي تنتهي في آخر الأمر إلى تأثير كيفي على النفس في وجودها الفردي، أو في هيئتها الجماعية، ويصيب ذلك التأثير فيما يصيب الإرادة المنبعثة من النفس وتدفع إلى العمل، فإذا ما أصابت النفس أسباب تؤثّر فيها تأثيراً سلبياً، كان لذلك تأثيره السلبي أيضاً في قوة الإرادة المنبعثة منها. ولعلّ تلك الأسباب المؤدّية إلى الخلل الإرادي تعود إلى الأسباب الأربعة التالية:
أولاً خلل الفكرة:
والمقصود به ما طرأ على أسس العقيدة الإسلامية في الأذهان من خلل بالنسبة لما هي عليه في حقيقتها، وكما كانت عليه زمن الاندفاعة الإسلامية للتحضّر.
إن المسلمين في واقعهم يعيشون على الإيمان بالعقيدة الإسلامية في مجملها، وبذلك هم مسلمون، ولكن هذه العقيدة أصابها من الغبش في التصوّر ما خفّ به وزنها في النفوس، فلم يعد يقوى على أن يكيّفها بحيث يصبح الإيمان بالعقيدة نافذاً من التصوّر إلى الجوارج، ومحرّكاً بما ينبعث من النفس من عزم يدفع تلك الجوارح كي تنطلق لتنجز مقتضيات العقيدة النظرية أعمالاً في الواقع: تعميراً في الأرض، وترقية للفرد والمجتمع في سلّم الفضيلة والعمل، فآل الأمر إذن بالعقيدة الإسلامية في واقع المسلمين إلى ما وصفه الشيخ ابن عاشور من أنها "تعمر بها قلوبهم، وتشهد عليها ألسنتهم، ولكنّها لا تتجاوز القلوب والحناجر إلى الأعضاء والجوارح" إشارة في ذلك إلى ما أصاب الإرادة الإسلامية التي من شأن العقيدة أن تبعثها في النفوس من خلل عطّل الأعمال، وأعاق عن حركة الإنجاز.
ثانياً: انفصام الذات:
والواقع الإسلامي الراهن تنطبق عليه حالة انفصام الذات بين حياة تصوّرية وحياة سلوكية تناقضها، وهو بالتالي يحصد نتائج هذه الحالة ومضاعفاتها. ففي هذا الواقع يعيش الفرد المسلم كما تعيش الهيئة الاجتماعية ازدواجية بين التصوّر والسلوك، وهي ازدواجية يتناقض فيها الإيمان التصوّري بالعقيدة الإسلامية مع الممارسة السلوكية في واقع الحياة تناقضاً ينشأ شطر منه من إخلال ذاتي بالمقتضيات التطبيقية من قبل المجتمع الإسلامي عموماً، وينشأ شطر آخر منه من تكريس مفروض عليه من العلمانية التي تبعد المقتضيات التطبيقية للعقيدة عن أن يكون لها تطبيق في الواقع.
وبالإضافة إلى هذه المفارقة الناشئة من محض الاختيار تقصيراً وإخلالاً، فإن مفارقة أخرى عمّقت في النفوس الانفصال بين الإيمان التصوّري وبين الواقع الجاري، ولكنها مفارقة فرضت على جموع المسلمين فرضاً، وكرّست عليهم قسراً وهي تلك المتأتية بالتصوّر العلماني الذي اصبح سائداً في نظام الحكم في أغلب بلاد المسلمين, ففي حين يستقرّ في الضمير الشعبي العام منحدراً عبر القرون ذلك الإيمان بأن الإسلام دين شامل، ينظّم شؤون الحياة كلّها، ويمتدّ فيه الإيمان بالعقيدة إلى كل مظاهر الحياة الخاصّة والعامّة لتنتظم وفق ضوابط شرعية، في حين يستقرّ هذا الإيمان في الضمير العام للمسلمين يجري الأمر في الواقع على أنظمة للحكم تصرف الحياة العامّة عن أن تحتكم إلى شيء من الدين، وترسلها لتنتظم وفق اجتهادات العقل المستقلّ، تاركة للدين مجال الشؤون الشخصية في العلاقة التعبدية الفردية بين المسلم وربه. وكانت نتيجة ذلك أن أصبح المسلمون في عمومهم يعيشون الإسلام الشامل في تصوّرهم العقدي، ولكنهم لا يعيشون إلا قليلاً منه في حياتهم العامّة التي تجري بحسب قوانين بعيدة عن قوانين الشريعة، بل مناقضة لها في كثير من الأحيان.
وتلتقي هذه المضاعفات النفسية كلها لتحدث في النفس انهزاماً تنكفئ به عن المبادرة الفاعلة، وتضعف به إرادتها الإنشائية إلى حدّ يقعدها عن الإنجاز المثمر، إنها نفس مهتزّة مختلّة التوازن لما اصابها من الانفصام.
ثالثا: عقدة النقص:
يعيش المسلمون اليوم وضعاً من المغلوبية الحضارية إزاء حضارة الغرب الضاربة, فهم من حيث الواقع عالة على هذه الحضارة في حياتهم كلّها من الغذاء إلى الكساء إلى التنقل، إلى سائر مرافق الحياة، وهم من حيث العلوم والتكنولوجيا لا يبلغون بالنسبة لها حتى مستوى التلاميذ الصغار الذين يحدوهم أمل أن يلحقوا يوماً ما من الأيام المنظورة بمستوى أساتذتهم أو يقاربوه، وهم من حيث قوة البطش العسكرية يشبه وضعهم وضع الحملان بالنسبة للأسود. والممارسة اليومية للحياة العملية في الارتفاق والتعلم، وكذلك الممارسة اليومية للحياة العامّة في العلاقة بين الدول والشعوب تعمّق في نفوس المسلمين باطّراد هذا الشعور بالمغلوبية الحضارية حتى صار وضعاً نفسياً مستقراً على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة الإسلامية.
وفي غياب الوعي بالقيمة الحقيقية للحضارة الغربية، وبواقع ما هي عليه من عناصر الحقّ ومن عناصر الباطل، تولّد في نفوس الكثير من المسلمين انبهار بهذه الحضارة وافتتان بها غشّى ما فيها من باطل، فظهر منها ما هو حقّ فقط، ووقع في الأوهام أن ما عليه أهل هذه الحضارة الغالبة هو الطريق القويم؛ إذ أوصلهم إلى هذه القوّة الغالبة، وأن ما عليه هم ليس هو بالطريق القويم إذ أبقاهم في حالة المغلوبية، ومن ثمة نشأ في النفوس شعور باستنقاص الذات، وإحساس بالدونية إزاء الآخر الغالب، واستفحلت إذن عقدة النقص ترهق المسلمين، ولا يجدون منها فكاكاً، فتكيّفت حياتهم النفسية بها إلى حد كبير.
لقد كان لهذه العقدة أثر سلبي على إرادة الفعل الفردية والجماعية؛ إذ فزع بها فريق كبير من المسلمين إلى التقليد الأعمى للغرب وأهله فيما يشبه من سُلبت إرادته فلا يملك من أمر نفسه شيئاً. والمقلّد على هذه الدرجة من التقليد إنما هو يحاكي ما يفعله الآخر دون وعي بل دون فهم لما يحاكي فيه كي يستقلّ عقدة النقص إلى شراء مظاهر التحضّر، ظنّاً منه أن من يشتري هذه المظاهر يصبح هو قوياً كمن شرى منه، متنكّباً في ذلك الطريق الصعب المتطلّب للصبر وقوّة الإرادة، وهو طريق التعليم الواعي لا طريق الشراء السهل، فهو إذن فريق قصرت إرادته عن ركوب الصعاب بالتعلّم والصبر عليه، وسلّى نفسه بامتلاك الإنجاز عن طريق الشراء، وهو لا يمتلك إلا بالإرادة الفاعلة. وأصاب فريقاً ثالثاً يأس مباشر من أن يكون في الإمكان بهذه الحضارة الغالبة لحاق، فلزموا ما هم عليه من وضع، خائرة قواهم عن الحركة, مستسلمين لما توهّموا أنه قدرهم المحتوم الذي ليس منه فكاك.
رابعاً: الاستبداد"
لعلّ هذا العامل يعد أشدّ العوامل تأثيراً في الخلل الإرادي للأمة الإسلامية في وضعها الراهن، وذلك لشمول ما تعاني منه هذه الأمّة من استبداد عليها ومصادرة لحريتها. ونعني بهذا الاستبداد ما يخضع له عامّة المسلمين في أفرادهم وفي هيئتهم الاجتماعية من تحكّم في الفكر والسلوك يمنع الحقوق الطبيعية في إبداء الرأي وتبليغه، وفي المشاركة في تدبير الشؤون العامّة وتنفيذها، كما يمنع الحقوق الأساسية للإنسان مثل حقّ التعلم والعدل والكرامة والتنقل وسواها، ويكون هذا التحكّم من قبل قلّة من الأفراد أو الجماعات توجّه ذلك المنع بحسب هواها ومصالحها الخاصة، ومناقضة للمصلحة العامّة.
وأثر الاستبداد في خلل الإرادة الإنجازية للأفراد والشعوب أمر ليس بالخفي، لا من حيث النظر المنطقي، ولا من حيث الواقع الفعلي، فالأفراد والشعوب حينما يعيشون حالة التسلّط والقيد، ويمنعون من حقوقهم، وخاصّة منها حقّ الحرية في التفكير والتعبير، وحقّ المشاركة في تدبير الشؤون العامّة، حينما يعيشون ذلك فإنهم يسقطون في حالة من الانكفاء على الذات الداخلية، ويزهدون في كل فعل خارجي سواء بدا في شكل تفكير أو عمل؛ إذ هم يعلمون أنهم مصدودون عنه، معرّضون للعقاب إن هم مارسوه على غير ما رسم لهم، ومن جهة أخرى فإنهم عن وجّهوا إلى عمل ما رُسم لهم، لم يكن في نفوسهم دافع للمضي فيه، إذ هو غير مقنع لهم، أو غير معلوم أصلاً، فإذا الزهد فيه يظهر في مظاهر غير مباشرة من اللامبالاة والتعطيل المتعمّد، عن لم يظهر في مظاهر مباشرة من الرفض. وفي كل ذلك فإن الاستبداد عليهم يخذل نفوسهم عن الاندفاع في العمل المثمر.
-----------------------------------
المصدر : عن عوامل الشهود الحضاري/ج2

Heba Khled
08-31-2011, 04:08 AM
عوامل النفير الحضاري
عبد المجيد عمر النجار


كيف يمكن أن يحدث عامل النّفير في واقع الأمّة في ظروفها الرّاهنة حتى يكون دافعاً لها في ظلّ هذه الظروف كي تنطلق في الأداء الحضاري؟
والنفير الحضاري يحدث في الأمم بصفة عامّة إمّا بدعوات انقلابية من العقائد الدّينية على الأخصّ تحدث فيها تغييراً شاملاً في غاية الحياة فإذا هي تنعطف في مسيرة حياتها إلى الغاية الجديدة في نفير شامل تندفع به إلى تحقيق تلك الغاية، وما وقع في أمّة الجزيرة العربية بدعوة التوحيد خير مثال على ذلك، وأشباهه في التاريخ قائمة متمثّلة في الحضارات التي نشأت بعامل ديني وهي أغلب الحضارات التي عرفها الإنسان. وإمّا بتحدّيات كبرى تواجهها، طبيعية كانت أو إنسانية، فتنشأ فيها روح من المغالبة لحفظ الوجود، أو للحفاظ على الكبرياء والاستعلاء، فتنطلق في المدافعة في نفير حضاري شامل، وهذا ما عبّر عنه توينبي بالاستجابة للتحدّي الذي جعله قانوناً في نشوء الحضارات.
وقد واجهت الأمّة الإسلامية في تاريخها الحديث وهي في وضع العطالة الحضارية بعضاً من التحدّيات ذات الشأن، نذكر منها ما تعرّضت له من استعمار مباشر من قبل الغرب المسيحي في القرن الماضي وأوائل هذا القرن، وهو الاستعمار الذي أذلّها إذلالاً، بل واستهدف وجودها كأمّة إسلامية، وكذلك ما تعرّضت له من غزو صهيوني استهدف اقتطاع جزء عزيز من أرضها، وكذلك ما تتعرّض له اليوم من هيمنة شاملة من قبل قوى الاستكبار تستهدف تحطيم مقوّمات هويتها، واستنزاف مقدّراتها المادية، وتوجيه مواقفها في إذلال مشهود، وذلك ما تنطق به الأحداث اليوم صباح مساء.
إنّ تحدّي الاستعمار المباشر كان حدثاً شديد الوقع على الأمّة الإسلامية بحيث إنّه حرّك فيها دواعي النّهوض للدّفاع عن النفس، فكان ذلك الجهاد التحريري الذي نشأ في مختلف جهات العالم الإسلامي، والذي بلغ من القوة والشّمول والشدّة في بعض البلاد الإسلامية على الأخصّ ما حشّد الأمّة فيها إلى نفير جهادي شديد، وكان من شأن هذا النفير الجهادي أن يتطوّر إلى نفير حضاري بما أنّ الاستعمار الذي أصيبت به الأمّة إنّما كان بسبب مغلوبيتها الحضارية التي كوّنت فيها قابلية الاستعمار على حدّ تعبير مالك بن نبي، فيكون إذن النفير الجهادي العسكري مقدّمة تتطوّر إلى نفير جهادي حضاري يقضي على التحدّي من أصله، ولكنّ هذا التطوّر لم يقع، وأجهضت روح النفير في الأمّة بما غيّر التحدّي من ثوبه الذي كان مباشراً يستثير روح الجهاد إلى ثوب غير مباشر يعمل عمله القاتل ولكنه لا يستثير تلك الرّوح،. وهكذا اغتالت الاشتراكية روح النفير الجزائر، واغتالتها القومية في مصر، وكذا في غيرها من البلاد الإسلامية، فإذا المسلمون يعودون إلى وضع التراخي، تعمل معاول الهدم فيهم وهم فيما يشبه غيبة الوعي لا يثيرهم التحدّي في أثوابه الجديدة التي صاغها يبحث تتفادى استثارة النّفير من جديد.
إلا أنّه يبدو أنّ حدوث نفير حضاري عامّ في الأمّة الإسلامية في واقعه الرّاهن يحتاج إلى عمل دعوي عميق يحرّك فيها تلك الطاقة المخزونة، ويخرجها من طور الكمون إلى طور الفعل، فتنطلق إذاً مباشرة إلى العمل البنّاء، كما انطلقت أمّة الجزيرة مباشرة إلى البناء الحضاري بفعل دعوة التوحيد، أو تصبح على الأقلّ مهيّأة بقابلية عالية الحساسية للتفاعل مع الأحداث التي تتعرّض لها في نطاق التحدّيات التي تجابهها، فتكون تلك التحدّيات مهما كانت أثوابها خفية مثيرةً لقابلية النفير فيها، فتنطلق في اندفاع شامل في سبيل النّهضة لمغالبة التحدّيات بالترقّي في مضمار المادة والروح، ومدافعتها بالتحضّر.
ويمكن أن يكون ذلك العمل الدّعوي المستهدف لإحداث النفير الحضاري مركّزاً على إنشاء وعي عميق وشامل في نفوس المسلمين من شأنه أن ينبّههم من الغفلة التي هم فيها، ويجعلهم على درجة من الإدراك لقيمة أنفسهم، ولرسالتهم في الحياة، وللأخطار المحدقة بهم.
إنّ ما نقصده من عوامل النّفير في هذا المقام يتجاوز ما حدثه الدّعوة العامّة للإصلاح من وعي ينشأ تبعاً للانصلاح بصفة هي أقرب إلى أن تكون غير مباشرة؛ ذلك أنّ العوامل المقصودة هنا هي عوامل تستهدف الإثارة المباشرة للوعي المحرّك للنفوس تحريكاً استنفارياً بما تكون عليه من صفة تحريضية تحشيدية تستفزّ الهمم وتحفّزها للانطلاق في العمل فيما يشبه التّعبئة العامّة للأمم في أوقات الشّدائد. هذا وإنّ الوعي الكفيل بإحداث النفير الحضاري هو وعي ذو شعب، كلّ شعبة منه تختصّ بجهد في الدّعوة مخصوص، وكلّ منها يُعتبر عاملاً من عوامل الاستنفار. ويمكن أنّ نميّز في هذه الشعب ما نقدّمه تالياً.
أ ـ الوعي الاستعلائي:أنّ من عوامل تخلّف المسلمين وعطالتهم الحضارية ما يستشعره الفرد المسلم في نفسه من إحساس بالدّونية والضآلة بحكم المغلوبية الحضارية التي هو فيها، فذلك الشعور من شأنه إرخاء إرادته وتثبيط عزمه، ودفعه إلى الاستكانة والعقود، وحينما يصبح ذلك شعوراً جماعياً فإنّه يؤدّي إلى قعود جماعي، ولإدراك هذا المعنى إدراكاً واعياً من قبل أعداء الأمة الإسلامية، فإنهم ما فتئوا منذ زمن يعملون بأساليب متنوّعة على بثّ الشعور الانهزامي في نفوس المسلمين وترسيخه فيها، وكان ذلك محوراً أساسياً من محاور الغزو الثقافي، فمن نظرية رينان Renan التي تتّهم العقلية الشرقية عموماً والإسلامية خصوصاً بالنقص الطبيعي بالنسبة للعقلية الأوروبيّة، إلى حملة المستشرقين بادّعاء أنّ التراث الإسلامي ليس إلاّ إعادةً خاليةً من الابتكار للتّراث اليوناني والمسيحي القديم، إلى الحملات الإعلامية الراهنة التي تظهر أنّ كلّ نقص وشرّ إنما هو من قِبل المسلمين، وأنّ كلّ خير وكمال إنما هو من قبل الغرب وحضارته.
وتفادي هذه الحالة من الانهزامية واستنقاص الذات لا يكون إلا بمعالجة النّفوس ببثّ روح العزّة والاستعلاء فيها، وذلك بإشعار الفرد المسلم بطرق مختلفة ومتنوعة برفعة ذاته وعلّو شأنه باعتباره مسلماً، وذلك في الحدود التي لا ينقلب فيها الشعور بالاستعلاء إلى كِبر واستعظام مرضي للنفس يُستنقص فيه الآخرون ويُستحقرون، وإنما في حدود الاعتزاز بالنفس والشعور بقيمة الذّات، والتخلّص من مركّب النّقص والانهزامية.
ولعلّ من أهمّ روافد ذلك الوعي الملتقية عنده والمكوّنة له ما يلي:
أوّلاً: الوعي الإيماني:
وذلك بأن يبصّر المسلم بأنّ إيمانه بالإسلام وانتماءه إلى أمته هو مبعث عزّة واستعلاء، وذلك بالنظر إلى ما ينطوي عليه هذا الإيمان من الحقّ المطلق الذي لا يدانيه حقّ في جميع فروعه وشعبه، وبالنظر إلى ما يتأسّس عليه من توحيد لله تعالى الذي يتحرّر به المسلم من عبودية كلّ ما سواه، كما أنّه يتحرّر به من أن يخضع لرأي بشر مثله يحكّمه في حياته، وآراء البشر حبالى بالنقائص والنقائض، فذلك كلّه من شأنه أن يشيع في النفس الشعور بالكرامة والعزّة، إذ الإنسان بفخر ويزهو بعلوّ مصدره في الاهتداء، وقوّة ملاذه في الاحتماء، وكفى المؤمن بالله هادياً وحامياً، فهو مصدر فخره وزهوه.
ويمكن أيضاً أن ينبعث في المسلم الاعتزاز بإيمانه بإجراء المقارنة بينه وبين كسوب الآخرين من العقائد والمذاهب، وذلك في قيمتها الذاتية، وفي آثارها العملية كما هو الأمر في واقعها اليوم، بله ما كانت في واقعها بالأمس. وذلك التفوق الظاهر من المقارنة يثير في النفس الاعتزاز والرفعة، إذ من شأن الإنسان أن يعتزّ ويزهو بما يتوفّر عليه من منهج في الحياة يتبيّن له أنّه يفوق كلّ المناهج في ذاته وفي آثاره العملية.
إنّ هذه المعاني حينما تتشرّبها النفوس في حركة دعوية ناجحة فإنّ من شأنها أن تحدث في نفوس المسلمين اليوم انقلاباً من استشعار الهوان والدونية إلى استشعار العزّة والاستعلاء، وذلك ما حدث في صدر الدّعوة حينما انقلب حال المستضعفين في مكة بما أُشربوه من إيمان من استشعار للهوان إزاء الأسياد من قريش إلى استشعار للقوّة والاستعلاء والشموخ على أهل الكفر كافّة. وذلك هو أيضاً ما جاء في البيان القرآني في قوله تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأنتُمُ الأَعْلَونَ إِن كُنتُم مُّؤْمنِينَ) (سورة آل عمران/ 139) فالإيمان يثمر في النّفس الاستعلاء والعزّة.
ثانياً: الوعي الحضاري:
وذلك بأن يبصّر المسلم بأنّ الأمّة التي ينتمي إليها هي أمّة ساهمت في البناء الحضاري للإنسانية بقسط وافر من شأنه أن يكون سبباً للاعتزاز والفخر، وهي أمّة تحمل من القدرة في كلّ زمن ما تستطيع به أن تساهم في التحضّر الإنساني باستمرار، وإن تعطّل عطاؤها في بعض الأزمان فإنما ذلك لظروف عارضة ما إن تنقضي حتى تعود إلى العطاء، وذلك لأنّها تتوفّر في بنائها الدّيني والثقافي على مقوّمات أساسية للبناء الحضاري، وهي مقومّات ثابتة إذا ما استنهضت فإنه تثمر الحضارة في كل حين.
كما يمكن أيضاً إحداث هذا الوعي الحضاري من خلال المقارنة بين الحضارة الإسلامية وبين الحضارات الأخرى بما فيها الحضارة القائمة الآن، وإبراز المزايا التي كانت عليها الحضارة الإسلامية بإزاء العيوب والنقائص التي عليها الحضارة الرّاهنة خاصّة فيما يتعلق بالبعد الإنساني الرّوحي الذي أولته الحضارة الإسلامية أهمية بالغة، فكان فيها محقّقاً للقدر الكبير من الأمن والأمان في النفس والمجتمع، بينما أهملته الحضارة الراهنة فكان ما نشهده اليوم من الخواء الروحي الذي أثمر ثماراً مرّة من الحيرة والقلق واليأس في النفوس، ومن التسلط والهيمنة والاستبداد والعنف في المجتمع البشري كما تشهد به حركات الاستعمار القديم والجديد.
ب ـ الوعي الخلافي: إنّ من دواعي قعود الإنسان، وقصوره عن العمل التعميري، هو عدم وعيه بمهمّته في الحياة وغايته من الوجود، فغياب ذلك الوعي يجعله تائهاً لا يمضي في طريق بيّن يثمر فيه ما يؤدّي إلى غاية، ويكتفي إذن بأقل قدر يكفيه لحفظ الوجود، ويسلك في ذلك أيسر طريق ممكن، وإذا كان الإسلام قد رسم للإنسان غاية واضحة لحياته، وكلّفه بمهمّة بيّنة يؤدّيها أثناء وجوده، وهي مهمّة الخلافة في الأرض، فإنّ العامّة من المسلمين اليوم لا يستقرّ في نفوسهم تصوّر واعٍ لهذه المهمّة، بل هم بين جاهل بها أصلاً، وبين مختلط عليه شأنها، فلا يعيها الوعي الصحيح، وقلّ منهم من يتصوّرها على حقيقتها، ويؤمن بها كما هي مطلوبة منه في أوامر الدّين. ولو افترضت سؤالاً يُلقى على أفراد المسلمين يطلب فيه تحديد غايتهم في الحياة ومهمتهم فيها لكانت الأجوبة مصدّاقاً لهذا التقرير.
ولمّا كان واقع العموم من المسلمين على هذا النّحو من غيبة الوعي بغاية الحياة فإنّ سبباً مهمّاً من أسباب الاندفاع إلى العمل البنّاء قد غاب عن نفوسهم، فإذا هم على نحو ما يُرى من فتور في المبادرة، وقعود عن النهوض لتحقيق الغاية الخلافية التي كلّفوا بها بتحقيق التعمير في الأرض بفصوله المختلفة، وغفلة عن أن يدرجوا ما يبذل من بعض الجهود في إطار تلك الغاية، فإذا هو شتات لا يربطه رابط، ولا يوحّده سبب يزكو به ويثمر على نحو ما بيّنا سابقاً.
واعتباراَ لذلك فإنّه يكون من أهمّ أسباب نفير المسلمين للانطلاق في النهوض الحضاري أن يحصل فيهم وعي حقيقي بغاية الحياة التي هم مكلّفون بتحقيقها، وهي الخلافة في الأرض، بحيث يكون الفرد المسلم مستشعراً استشعاراً عميقاً أنّ لحياته غاية هو مدعوّ إليها، فإذا لم يسع إليها بعمل من شأنه أن يحقّقها فإنّ هذه الحياة تذهب هدراً، ولم يبق لها من قيمة، إذ هي معطلة عن أداء ما من أجله وجدت.
--------------------------
المصدر : عوامل الشهود الحضاري/ ج2

Heba Khled
08-31-2011, 04:10 AM
الإسلام والأديان الأخرى
د. وهبة الزحيلي


(أ‌) الإسلام بالمعنى العام: (وهو الدعوة الخالصة إلى الإيمان والخضوع والانقياد والإذعان لله وحده ولأحكامه) هو قديم، دعا له جميع الأنبياء والمرسلين.
قال نوح عليه السلام لقومه: (إن أجري إلا على الله، وأمرت أن أكون من المسلمين) وقال إبراهيم عليه السلام: (يا قوم إني برئ مما تشركون) (إذ قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب، يا بني، إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) فأجاب أبناء يعقوب: (قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً، ونحن له مسلمون).
ودعا له موسى عليه السلام إلى الإسلام: (وقال موسى: يا قوم، إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا).
وأجاب الحواريون عيسى عليه السلام: (نحن أنصار الله آمنا بالله، وأشهد بأنا مسلمون).
وجمع القرآن دين الأنبياء جميعاً في هذه الآية: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين، ولا تتفرقوا فيه).
وطالب القرآن الكريم بالإيمان برسالات الأنبياء السابقين والإقرار بأصولها الأولى التي أنزلها الله على أنبيائه، وأصبح شعار المسلمين: (لا نفرق بين أحد من رسله) أي أن المؤمنين يقولون ذلك ويعلنون أنهم يصدِّقون إجمالاً بجميع الرسائل وبكتبهم وبمبادئهم، ويقرون أن ما جاءوا به كان من عند الله، وأنهم دعوا إلى الله، وإلى طاعته، ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الذين أقروا بموسى، وكذبوا عيسى، والنصارى الذين أقروا بموسى وعيسى، وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحدوا نبوته، ومن أشبههم من الأمم الذين كذبوا بعض رسل الله، وأقروا ببعضهم.
فالإسلام بهذا المعنى العام لا يختلف عن الأديان الأخرى، وإنما يكوِّن معها وحدة منسجمة لا تعارض بينها ولا تضارب.
وأما الإسلام الخاص الذي هو علم على الدين الأخير الذي ختمت به رسالات السماء، واشتمل عليه القرآن وسنة النبي عليه السلام، فيحتاج في تحديد علاقته بالديانات السماوية الأخرى وهي اليهودية والنصرانية إلى تفصيل وإيضاح، يتلاءم مع مفهوم هاتين الديانتين في عهدهما الأصلي الأول، وفي الصورة الأخيرة القائمة الآن بين أتباعهما.
(ب‌) أما في العهد الأول لليهودية والنصرانية: أي قبل التحريف والتبديل فلا نجد بينهما وبين الإسلام اختلافاً في الجوهر والأصول والمبادئ العامة، التي تنادي بتوحيد الإله، والإيمان باليوم الآخر، وتطالب بالتزام الأوامر الإلهية، والقواعد الأخلاقية، والامتناع عن الفواحش والقبائح، ومكافحة المنكرات كالكفر والقتل والزنى وإيذاء الناس، والحرص على توفير الخير والسعادة لبني الإنسان.
وفي هذا المحور يعتبر القرآن مصدقاً لما بين يديه من الكتب السماوية، وإعلاناً صارخاً يدعو إلى العجب والتشهير بأتباع الديانات الأخرى التي لا تسارع إلى الانضمام في لواء القرآن، لولا حب العناد والإصرار على الكفر.
فالله وحده هو مصدر الكتب المنزلة، كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن، واتحاد المصدر ووحدة الجهة المشرِّعة مدعاة للاعتراف بالإسلام كما حدده القرآن، قال الله تعالى منوهاً بذلك:( الله لا إله إلا هو الحي القيوم. نزَّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، وأنزل الفرقان).
وتتوالى تأييدات القرآن لهذا المعنى، كما في قوله سبحانه: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق، مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، ومهيمناً عليه) أي أن القرآن الكتاب الكامل الذي أكمل الله به الدين ينطق بتصديق كون الكتب الإلهية السابقة كالتوراة والإنجيل من عند الله، وأن الرسل الذين جاءوا بها لم يفتروها من عند أنفسهم، فتلك الكتب في صورتها الأولى ووضعها الحقيقي الصحيح الذي جاء به من عند الله مؤيدة وموثقة ومعترف بها في القرآن.
والخلاصة: أن علاقة الإسلام الحالي منذ نزول القرآن بالديانات السماوية في صورتها الأولى هي علاقة تصديق وتأكيد كلي كامل.
(ج) وأما الصورة الحالية لليهودية والنصرانية: فلا يقرها الإسلام، وإنما يعارضها معارضة تامة، لما وقع فيها من تحريف وتغيير وتبديل بسبب التأويلات الفاسدة أو رعاية لمصالح رؤساء الدين والكهنة القائمين عليها. وموقف الإسلام منها موقف المصحح للأخطاء والنافي للتحريف، والمزيل للزوائد، بل والناسخ لكل دين سابق، سواء أكان صحيحاً أم مبدلاً: (ما ننسخ من آية أن ننسها نأت بخير منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) والمقصود بالآية عند بعض المفسرين هي الرسالة.
ويصرح القرآن في آيات أخرى بأنه رقيب وشهيد ومهيمن على الكتب السابقة بما بيَّنه من حقيقة حالها، وشأن متبعيها وتحريف كثير منها أو تأويله، فهو يحكم عليها، لأن جاء بعدها، ويبين انتهاء مهمتها بمجيئه، حتى ولو بقيت سليمة عن التغيير والتبديل، قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) أي لا دين مرضي عند الله تعالى سوى الإسلام، وهو كما قال قتادة: "شهادة أن لا إله إلا الله تعالى، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى، وهو دين الله تعالى الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به".
وهذا يدل على أن القرآن هو الصورة الأخيرة لدين الله، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن، والمصدر النهائي في منهج الحياة وشرائع الناس ونظم حياتهم، بلا تعديل بعد ذلك ولا تبديل، قال الله عز وجل: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين).
ويتحدى القرآن وجود تلك التحريفات والزوائد التي وضعها الأحبار والرهبان في تلك الكتب الأصلية: (قل: فأتوا بالتوراة فأتلوها أن كنتم صادقين).
وفي الجملة: إن علاقة الإسلام بالأديان الأخرى في وضعها الحاضر علاقة تصديق للصحيح الباقي منها، وتصحيح لما طرأ عليها من البدع والإضافات والزيادات الموضوعة المشوهة لأصل الديانة، والمنافية لأصول الأديان العامة التي حافظ عليها القرآن، واعترف بها الناس قاطبة وأقرها العقل، ولكن في جوهرها لا في شكلها المحرف.
(د) مهمة الإسلام في عهد القرآن: وتبقى مهمة الإسلام بالإضافة إلى تقريره التزام أصول الدين الكبرى المشتركة بين جميع الأديان، هي مهمة إكمال الدين الإلهي، وإنضاج له بما يتلاءم مع مقتضى ختم النبوات، ويتناسب مع تطور الأمم ودرجة الترقي والمدنية التي وصلت إليها، ورقي العقل البشري وتقدم العلم، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم لتحديد موضع خاتم النبيين ورسول الإسلام من الأنبياء والرسل السابقين في قوله سبحانه: (قل: ما كنت بدعا من الرسل) أي ما أنا بأول رسول. وفي قوله تعالى أيضاً حكاية عن لسان إبراهيم عليه السلام: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم) فكان النبي صلى الله عليه وسلم دعوة أبيه إبراهيم، وبشارة أخيه عيسى عليه السلام: (وإذ قال عيسى ابن مريم: يا بني إسرائيل: إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي أسمه احمد). ولقد كان المسيح يعبر عن المبشر به محمد بلفظ "فارقليط"، وهو تفسير لفظ "بيركلنلوس" اليونانية، ومعناها الذي له حمد كثير، وهو موجود في الأناجيل الحالية. وعبارة إنجيل برنابا في ذلك هي: "وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء، كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله".
وقد ثبت في السنة النبوية الصحيحة أحاديث تصور هذه المعاني أدق تصوير، كقوله صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن نفسه، أو بدء أمره، فأجاب: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام" قال ابن كثير: وهذا إسناده جيد. وروي له شواهد من وجوه أخر، أخرج الإمام احمد فيما يرويه بسنده عن العرباض بن سارية قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات الأنبياء يرين".
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل من بنى بيتاً، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية ـ ركن ـ فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللينة، وأنا خاتم النبيين" وهذا من أوضح الأدلة على تكامل الرسالات السماوية في روحها ومعناها، وإن اختلفت صورها وأشكالها بحسب مقتضيات التطور وحاجة البشر.
وبما أن النبوات ختمت بالإسلام الذي هيمن على جميع الرسالات الدينية السابقة، فإن جميع الناس يهوداً أو نصارى أو وثنيين مطالبون بالاستجابة للدعوة الإلهية الأخيرة التي حدد القرآن مهام رسولها في قوله عز وجل: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين أمنوا به وعزَّروه ونصروه، وأتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) (يا أيها النبي إنا أرسلنك شاهداً ومبشراً ونذيراً، ودعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) أي إن وظائف النبي صلى الله عليه وسلم خمسة: شهادته لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة، وتبشيره بالجنة لمن أطاع أوامر الله، وإنذاره من النار لمن عصى، ودعوة الخلق إلى عبادة ربهم بأمر الله، والسراج المنير فيما جاء من الحق، وظهور أمره كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند.
ويقرر القرآن في أجلى بيان اكتمال الأديان بالإسلام ورضا لله به ديناً حكماً فصلاً بين الناس: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً) وبهذا كان من حق النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول بوحي من الله: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار".
(ه‍) مبدأ وحدة الدين الإلهي أو (الأصول المشتركة بين الأديان): يستحيل في العقل والعادة اختلاف الأديان في أصولها الأساسية التي تتفرع عنها المبادئ والشرائع والأحكام بحسب الزمان والمكان لصدورها عن مصدر واحد وجهة واحدة. ووحدة المصدر تقتضي وحدة المنهج، ووحدة الاتجاه، ووحدة النظام والرسالة ووحدة الهدف.
وهذا ما كان محققاً في دعوة جميع الأنبياء والرسل من عهد آدم ونوح وإبراهيم إلى خاتم النبيين محمد ومن بينهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم دعوا إلى دين واحد لا تختلف أصوله، ولا تتعدد أغراضه، كشجرة واحدة جذرها وروحها توحيد الله سبحانه، وجذعها عبادته وحده دون سواه، وأغصانها أنظمته وشرائعه المحققة لسعادة البشرية، وأثمارها وأزهارها قد تتعدد أشكالها وألوانها وطعومها بحسب الأمزجة المختلفة المتغيرة والمصالح المتجددة.
وقد أرشد إلى ذلك القرآن المجيد الذي حدد أصول الدين المشتركة بين جميع الرسل، وطالب محمداً صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليه، وحدد نواحي الاختلاف الواقعة في الشرائع، وبيَّن سبب تفرق أتباع الأديان، وتوارث الخلاف في العقائد، وهو ما تضمنته الآيات القرآنية التالية:
1- (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) حددت هذه الآية الكريمة مهام أولي العزم الخمسة وجميع الرسل والأنبياء، وأبانت الأصول المشتركة بينهم، وحذرت من التفرق والاختلاف على المنهج الإلهي القديم، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم بمقتضى الحكمة والمصلحة والأحوال في الزمان والمكان بدليل قوله عز وجل: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً).
والأصول التي أوصى الله بها جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأمرهم بالائتلاف والاجتماع عليها، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف فيها هي ما يأتي:
في العقيدة: إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء.
وفي العبادة: الإخلاص في أداء الواجبات الدينية من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والصوم، والحج، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال.
وفي الأخلاق والمعاملات: تزكية النفس والتأليف بين الناس، والصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وتحريم الكفر، والقتل والزنى، وإيذاء الناس، والاعتداء على الحيوان كيفما كان، واقتحام الدناءات، والإخلال بالمروءات، فهذا كله شرع ديناً واحداً، وملة متحدة أجمع عليها جميع الأنبياء، وإن كثرت أعدادهم. وهو معنى قوله تعالى: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) أي اجعلوه قائماً، يعني دائماً مستمراً محفوظاً مستقراً، من غير اختلاف فيه، ولا اضطراب عليه، فمن وفى بذلك أصاب الفطرة والسنة السليمة، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن معشر الأنبياء أولاد عَلاّت، ديننا واحد" أي أن القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الاتفاق على الملة الحنيفية والثبات عليها والدعوة إليها، وألا يتبع أهواءهم الباطلة، وذلك قوله سبحانه: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت).
2- آية العهد والميثاق مع الأنبياء: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً) تخبر هذه الآية عن أولي العزم الخمسة من الرسل وبقية الأنبياء أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله تعالى، وتنفيذ مطالبه، وإبلاغ رسالته، والتعاون والتناصر والاتفاق فيما بينهم من أجل نصرة قضيتهم، كما قال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، ولتنصرنه، قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم أصري؟ قالوا: أقررنا، قال: فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين).
3- (قولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون) هذا أمر وإرشاد للمؤمنين إلى الإيمان بما أنزل الله إليهم في رسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي أمر باتباع ملة إبراهيم في الآية السابقة، ورسالة الأنبياء المتقدمين في الدعوة إلى دين موحد ذي أصول ثابتة لا تتبدل، لذا كان الإيمان بهم جميعاً دون تفريق من أصول الدين، على نقيض أولئك الذين قال الله فيهم: (إن الذين يكفرون بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون، نؤمن ببعض، ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً، أولئك هم الكافرون حقاً) (سورة النساء/ 150).
4- (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرِّق بين أحد من رسله، وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، فشأن المؤمنين الإيمان بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه، والتصديق بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فهم في الرسالة والتشريع سواء، تقدمت البعثة أم تأخرت. وفي هذا مزية للمؤمنين من أمة الإسلام على غيرهم من أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، كأنهم لم يعقلوا معنى الرسالة في نفسها، إذ لو عقلوها لما فرقوا بين من أوتوها.
5- آية المحاورة الوجدانية أو الضميرية مع اليهود والنصارى: (قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا: أشهدوا بأنا مسلمون) تقرر هذه الآية طريقاً وسطاً عدلاً لا يرجح فيه طرف على آخر بين المسلمين والنصارى الذين يعتقدون بألوهية المسيح عليه السلام، واليهود الذين كانوا موحدين، إلا أنهم لانصياعهم لرؤساء الدين تجدد الشرك فيهم، فعبدوا الأرواح والأحجار، أو معبودات الأمم المجاورة، أو العجل والكبش والحمل، وقدس بعضهم عزيراً (عزرا): إنه ابن الله، وهم الآن إما مشبهة أو موحدة.
ووسطية ما تدعوا إليه هذه الآية هو ترك عبادة الأصنام والشرك والإقرار بوحدانية الله ـ وحدانية الألوهية، ووحدانية الربوبية وهو مبدأ التوحيد الذي اتفق عليه جميع الأنبياء، ومنهم رسول الله الذي دعا بدعوة الرسل السابقين: وهو عبادة الله وحده لا شريك له من الأشياء، لا وثن ولا صنم ولا طاغوت ولا نار، ولا أي شيء آخر، كما قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) قال سبحانه: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت) أي كل ما عبد من دون الله من الباطل والشر والأوثان ونحوها. وقال عز وجل: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا، أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون).
هذه الطريق الوسط طريق وحدانية الله هو ما دعت إليه جميع الأديان، فقال الله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون) أي أن دينكم دين واحد وسنتكم وشريعتكم سنة وشريعة واحدة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علاّت، ديننا واحد" يعني أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة للرسل.
وبما أن الدين الإلهي واحد في أصله فلا ينبغي الاختلاف فيه، وأما الاختلاف الواقع حالياً بين الأديان في أصل العقيدة، لا في الأنظمة الجزئية المتبدلة بحسب المصلحة ومقتضى الحكمة، فهو بسبب البغي على الدين وتحريفه وتجاوز الحدود من الرؤساء، كما قال الله تعالى: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، ومن يكفر بآيات الله، فإن الله سريع الحساب) (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة) أي أن تمزيق الدين الإلهي الواحد دخيل على الأديان، وكان السبب رؤساء اليهود والنصارى الروحانيين: (وتقطعوا أمرهم بينهم) (فتقطعوا أمرهم بينهم زُبُراً، كل حزب بما لديهم فرحون) أي أن الأمم التي بعثت إليها الأنبياء اختلفت على رسلهم بين مصدق لهم ومكذب، بعد أن أخبر الله تعالى أن دين معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وهكذا يتبين أن دين الله واحد الأصول، متحد الجوهر والمصدر، فلا يتناقض دين مع آخر إذا سلم من التغيير والتبديل، وأما اختلاف تشريعات الأديان وأنظمتها الفرعية فهي دليل على مرونة دين الإله الذي يشرع لعباده ما يحقق مصالحهم، ويتلاءم مقتضى الحكمة والأحوال ومتطلبات طبائعهم واستعداداتهم ودرجة تحضرهم ونموهم العقلي. وهذه هي مقومات كون الدعوة الإسلامية دعوة إنسانية عالمية تدعو جميع الناس من وثنيين وملحدين وماديين وكتابيين إلى الإيمان برب واحد، والاعتقاد بوحدة رسالات الأنبياء في مصدرها الأصلي وجوهرها الإلهي، والاعتماد على وحدة القيم الإنسانية والأخوة البشرية والتعاون على البر والتقوى.
--------------------------
المصدر : نظام الإسلام

Heba Khled
08-31-2011, 04:11 AM
رؤية الإسلام للتاريخ
محمود إسماعيل

إن ظهور الإسلام يمثل ثورة عالمية عقيدية واقتصادية واجتماعية وفكرية أيضا. وبديهي أن يأتي بتصور / للتاريخ البشري في ماضيه وحاضره ومستقبله. وبمعنى اكتسب الوجود الإنساني قيمة أفضل مما انطوت عليه اليهودية بنزعتها العنصرية الضيقة، والمسيحية التي ترى في الحياة الدنيوية قنطرة عبور للآخرة ليس إلا.
وليس أدل على تبجيل الإسلام للواقع الإنساني المعاش؛ من اعتبار السلوك البشري إبان الحياة الدنيا هو المدخل الأساسي للحياة الأخروية؛ قال تعالى " ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ". كذا دعوته الصريحة لإعمال العقل في تدبير شئون الخلق دونما حدود, قال تعالى " قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ". هذا فضلا عن تحديد مسئولية البشر وحرية إرادتهم فيما يصنعون؛ بحيث يصبح التاريخ الإنساني من صنع الإنسان، وبالتالي إبراز قدرة الغنسان على صنع مصيره دون أن يتعارض ذلك مع قدرة الله على الخلق. وما دام الإنسان يصنع تاريخه فالأولى به أن يعي هذا التاريخ ويحاول تدبر علل ظواهره؛ لأن البحث والنظر في هذه العلل طريق إلى المعرفة الحقة بالعلة الأولى، فالعقل يعمق الإيمان، والحكمة لا تتعارض مع الشرع، قال تعالى " إنما يخشى الله من عباده العلماء ".
والواقع الإنسياني _ الذي هو التاريخ بعينه _ لا يجري حسب رؤية الإسلام اعتباطا، وحركة تطوره ليست عشوائية، وأحدائه لا تقع حسبما اتفق؛ بل كل ذلك محكوم بقوانين وسنن حسب اعتراف ولفرد كانتل.
تلك السنن التي تبدأ " منذ بدأ الخلق" وحتى القيامة؛ بمعنى أن الإسلام طرح فكرة الزمان المستمر المتطور بدلا من فكرة الدورية التي كانت سائدة قبلا. كما أن السنن المسيرة لحركة التاريخ لا تقتصر على شعب دون شعب، ولا على إقليم دون آخر؛ لأن الإسلام أنزل للناس كافة؛ قال تعالى " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ".
وطرح الإسلام فكرة احترام الماضي باعترافه بنبوات الأنبياء. وكون محمد (ص) خاتم الأنبياء، لا يعني أن الإسلام يجنب ما قبله، فيضع ستارا يحول بين الماضي وبين الواقع الجديد كما تصور مرجوليوث. بل رمز إلى استمرارية الماضي في الحاضر بحيث يصبح جزءا جوهريا من مكوناته؛ وفي ذلك تأكيد على مبدأ " الاستمرارية " الحياتية.
كما طرح فكرة التطلع للمستقبل، وربط بين طبيعة تصوره وبين أفعال الإنسان في الحاضر، بما يؤكد شمولية تلك الاستمرارية، بحيث تحتوي وتربط بين خيوط الماضي والحاضر والمستقبل في وحده عضوية لا تقبل التجزئة.
والقرآن الكريم _ فضلا عن ذلك _ انطوى على عديد من الحقائق العلمية في حقل التاريخ التي اصطلح على تسميتها بالسنن _ حين عرض لتواريخ الأمم السابقة المعروفة " بأساطير الأولين"، " للعبرة والموعظة الحسنة ". وتلك السنن هي التي نسميها بلغة العلم " قوانين "؛ ومنها قانون " الحتمية " " والضرورة " فضلا عن قانون " الصراع الطبقي ".
وإذ طفر القرآن الكريم بالفكر التاريخي طفرة كبرى؛ فإن الرسول (ص) في سننه وأحاديثه نحا نفس المنحى؛ برغم ما زعمه بعض الدارسين من تسفيه الرسول للشعر والشعراء، وتحريم رواية القصص، والاستخفاف بالنسب... الخ، فالواقع أن هؤلاء الدراسين لم يفطنوا إلى مغزى مواقف الرسول في هذا الصدد، فقد استجاز الرسول (ص) قول الشعر _ وكان حسان بن ثابت شاعره _ لكنه رفض أن يقال في الأغراض البذيئة التي كان يتبارى فيها الشعراء كالمجون والهجاء والفخر والمباهاة... الخ، وكان القصص السائد في عصره ينطوي على نفس المعاني كتقديس الملوك والأبطال والتعصب القومي والشعوبي..الخ، ونفس الشيء يقال عن الأنساب بما انطوت عليه من روح العندهية القبلية وإثارة الفرقة، بما يتنافي ودعوة الإسلام لإقرار مجتمع الأخوة على صعيد العالم أجمع، هذا فضلا عن المبالغات والأساطير والخرافات وغيرها من المثالب التي شابت الشعر والقصص وأقوال النسابة.
بل نجد الرسول على الصعيد العملي يحض على طلب العلم والمعارف بغض النظر عن مصادرها، قال عليه السلام "اطلبوا العلم ولو في الصين"، وأتاح روح التسامح في الجدل والحوار، واستخدم المنطق في حواره مع اليهود كما هو معروف، وأجل العلم والعلماء، وأخذ برأي المستنيرين دون تعصب أو جمود.
كل ذلك _ وغيره _ يؤكد أن الإسلام جاء برؤية علمية للتاريخ، فضلا عما تضمنه من أصول وقواعد منهجية لدرسه، بالإضافة إلى مادة تاريخية أصبحت عماد الدراسات التاريخية فيما بعد؛ وبالذات فيما يتعلق بالسيرة النبوية والمغازي وتاريخ الدعوة الإسلامية، وبعض أخبار الماضيين والمعاصرين للدعوة من الأمم الأخرى.
والأخطر من ذلك كله ما جاء به من تشريع لتنظيم العلاقات الإنسانية وفق معايير أخلاقية تعد حقيقيا للبشرية.
-----------------------------
المصدر : سوسيولوجيا الفكر الإسلامي

Heba Khled
08-31-2011, 04:13 AM
الدين الكامل
د. مراد هوفمان


يعزو المبشرون المسيحيون انتشار الإسلام السريع في غرب إفريقيا والسنغال والكاميرون وساحل العاج إلى أسباب، منها بساطة تعاليمه وخلوها من التصورات الغيبية الغامضة المعقدة. وإذا كان هذا صحيحاً، فلا محالة إذن أيضاً أن يكفي فصل واحد من هذا الكتاب لتصوير هذا الدين.
ولكي يكون المرء مسلماً، فلا بد من توافر شرطين اثنين فيه: الأول: الإيمان بإله واحد، مع تنزيهه عن الجنس، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، آثاره الملموسة في العالم تدل على وجوده. الشرط الثاني: الإيمان بما أنزله الله من الوحي، كما هو متجلّ في الحنيفية البيضاء من ابراهيم إلى محمد(ص).
إن المسلمين يؤمنون بوجود الله، لأن وجوده ثابت لهم بثبوت وجود الوجود أو العالم، إذ لكل معلول علة ولكل وجود مُوجِد أوجده، وهذه حقيقة أولية جلية حادثة فعلاً، رغم إدراك المسلمين أن النظر العلمي لا يطمئن إلى البرهنة بواسطة المحسوس الماديّ، على الغيبي غير المادي المحجوب، خاصة لمعرفتهم أن المنطق البشري ليست لديه الصلاحية المطلقة للتحقق والتثبت وإصدار القول الفصل في مسائل الغيب هذه.
في الشطر الأول من الشهادة التي ينطق بها المسلم عن اعتقادٍ يؤكد إيمانه بالله بقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله"، وننبه تنبيهاً إلى أن المسلم لا يَشهدُ اللهَ... وإنما يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، فينزّه الله تعالى عن الصاحبة والولد والشريك والتثليت وكل شكل من أشكال الشرك بالله، وفقاً لسورة الإخلاص (قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يَلد ولم يُولد. ولم يكن له كُفواً أحد). (سورة الإخلاص).
مع هذا يعتبر المسلمون الموحدون، من وجهة النظر الفلسفية لنظرية المعرفة "لا أدريين" إذا تناول البحث ذات الله وطبيعته وكنهه سبحانه وأفعاله وما هو فيه من شأن، فهذه مسائلُ لا يخوض فيها المسلم، أي إنه فيها "لا أدريّ" وقصارى الجهد أن يجب لاجئاً الى تعريفات سالبة أي تقوم على النفي، فتنفي عن الله كذا وكذا، مثلاً: الله ليس محدوداً ببداية أو نهاية، أو مثل: يستحيل كونه غير موجود.
كذلك يعتقد المسلم أنه لا يمكنه أن يهتدي لولا هدايةُ الله، إذا تُرِكَ للطبيعة وحدها يستهديها لذا يؤمن بضرورة الوحي لمعرفة الهُدى من الضلال، والحقُ في جانب المسلم استناداً إلى دراستنا لقوانين الطبيعة.
ثم إن المسلمين يؤمنون أن الله بَيّن لعبيده حقّاً طريق الهدى، وذلك عن طريق أنبياء التوحيد المرسلين، مثل إبراهيم وموسى وعيسى، وختم الله هذه الرسالات بالقرآن (هُدىً للناس) والذي نَزّلَهُ على محمد خاتم النبيين والمرسلين، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في سورة الأحزاب، الآية 40: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين، وكان الله بكل شيء عليماً)، لهذا يؤكد الشطر الثاني من الشهادة أن محمداً رسول الله، وهذا الشطر لازم كل اللزوم لإتمام الشهادة أما ختم شيء أو أمرٍ فمعناه، عند الحديث عن الوحي، أنه تم واكتمل.
هذا الكمال والإتمام لم يكن متوافراً قبل محمد، بالرغم من إبلاغ موسى لرسالة الله، وبالرغم من إبلاغ عيسى كذلك، فبقيت الحاجة بعد عهدهما ماسة إلى الإكمال، وكانت هناك إمكانية _في عهد الرسول _ لتحقيق ذلك الإكمال.
أما الحاجة إلى الإكمال والتقويم، فلزمت لخروج اليهود والنصارى على الطريق المستقيم، في اعتقاد المسلمين، فاليهود زعموا أن بينهم وبين الله عهداً، فهم شعبه المختار، (الذي لن تمسه النار إلا أياماً معدودة)، والنصارى فقد زعموا أن عيسى ابنُ الله المماثلُ له في طبيعته الإلهية.
أما اليوم، فتصف كلمة مسلم الإنسانَ الذي يلتمس سلامته بإسلامه أموره لله ويجد هذه السلامة في هدي القرآن الذي يبين له حدود الله، والذي يحوي غير المنسوخ من الكتب السماوية السابقة على الإسلام. هكذا يلتزم المسلم الحق بالوصايا العشر الواردة في التوراة، وبالإيثار وحب الآخرين الذي ألحّ عليه وأوصى به الإنجيل (في العهد الجديد)، وهو بعد ذلك يؤمن بالاصول الست التي يؤمن بها اليهودي والمسيحي الملتزمان، وذلك كما بيّنها القرآن لنا في سورتي البقرة، الآية 285، والنساء الآية 136: (1) وجود الله، (2) وجود مخلوقات غير مرئية لنا (الملائكة)، (3) نزول كتب سماوية على بعض الأنبياء، (4) إرسال الله رسله وأنبياءه إلى الأمم، (5) القيامة والبعث يوم الحساب، (6) القضاء والقدر.
بعد ذلك ينفرد الإسلام بأنماط سلوكية تتمثل في الفرائض والعبادات، وقواعد الإسلام الخمس إلى جانب الشهادة:
1) شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
2) إقامة الصلاة (الصلوات المفروضة).
3) إيتاء الزكاة.
4) صوم رمضان.
5) حج البيت من استطاع إليه سبيلا.
الإسلام يلحّ على الإيمان والعمل معاً، كما في سورة العصر المكية: (والعصر، إن الإنسان لَفي خُسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصّوا بالحقّ وتواصَوا بالصّبر). (سورة العصر)
فقد يخطىء المسلم فيذنب، دون أن يطعن هذا في كونه مسلماً، أما تارك الصلاة، الذي يقطع صلته بالله، فليس من اليسير اعتباره مسلماً، فالصلاة المفروضة لا بد من أدائها، أما الأدعية والصلوات غير المفروضة (السنّة) فليست بفرض يحاسب المسلم على تركه، إنها تَقَرُّب إلى الله بذكره كثيراً وتسبيحه بكرة وأصيلاً، (ونحن نعلم كيف كان الرسول يتهجد ويقوم الليل، نصفه أو ثلثه..).
والمسلم يؤمن أن القرآن كلمة الله، وأنه ليس مخلوقاً من المخلوقات، وأن الله أوحاه إلى محمد بلسان عربي مبين في تلك الفترة الزمنية المحددة، وهو معجزة الإسلام الوحيدة، والدليل القاطع والبرهان الساطع على نبوة محمد.
ليس القرآن إذن كالعهد القديم أو الجديد، حيث يَقُصُّ فيهما شخص ما حديثاً غير مباشر عن شخص أو شيء أو عن الله... أما القرآن، فإن القاصّ الذي يقص أحسَنَ القَصَص هو الله مباشرةً سبحانه، يُخبر الله فيه عمّن يشاء أو عمّا يشاء، كما يُعلّمنا أن ننزّهه عن الجنس والنظير والشبيه... فيخبر عن نفسه بضمير المفرد المتكلم، وضمير المتكلم الجمع، وضمير الغائب المفرد، لكي نظل واعين بمسألة تَنزُّهه سبحانه عن التجسيد أو التشخيص.
ومع أن القرآن لا يمكن ترجمته دون فقد جانب مهم من المعنى، يكفي سبباً لذلك طبيعة اللغة العربية ذاتها، والقادرة على صياغة جمله خبرية غير مرتبطة بالتقسيم الزمني الذي نعرفه وغير خاضعة له، وبسبب ثراء نظمه المتساوق المترابط المحكم، فقد أصبح الكتاب الوحيد الذي تعددت ترجماته في لغة واحدة، أكثر من أي كتاب مترجم في العالم، وجاوزت طبعاته أعلى رقم لأي كتاب مترجم في تاريخ الطباعة، فضلاً عن أنه الكتاب الوحيد الذي يحفظه عن ظهر قلب مئات الآلاف من مختلف الأجناس (حتى من غير الناطقين بالعربية)، بل إن لغته العربية أصبحت حبلاً يعتصم به أكثر من مليار مسلم في العالم الإسلامي وحده: فتجد أن نحوه وتراكيبه اللغوية وألفاظه ومشتقاتِها أسدت للّغة العربية الكثير، فأصبحت اللغة الوحيدة، التي يستطيع الناطقون بها، المتوسطو الثقافة، أن يقرؤوا نصوصها التي يزيد عمرها عن ألف وأربعمئة عام، دون الحاجة إلى ترجمتها إلى "لغة عربية حديثة".
إن فهم القرآن فهماً سليماً يتطلب الإحاطة بأشياء، منها: قراءة تفاسيره لمعرفة أسباب النزول، أو مناسبة السياق والملابسات المتعلقة بالنص مباشرة، والإطار العام غير المنفصل عن الآيات المراد فهمها.
مع ذلك يلزم الانتباه الشديد إلى طبيعة التفسير والمفسر، ووجهات النظر الذي يحتفل بها، فهناك اختلافات تمليها المذاهب والمشارب والثقافة والغاية، فتفاسير الشيعة قد تخالف تفاسير السنّة، كذلك تفاسير الفقهاء المنصرفة إلى المعاني الحرفية، والظاهر، وتفاسير أهل الباطن، وتفاسير الصوفية، غير تفاسير العقلانيين، ولا بد كذلك من الالتفات إلى عصر التفسير، فالطبري الذي عاش في القرن التاسع يختلف عن محمد أسد المولود في القرن العشرين.
ثم إن البَصَرَ بالسُنّة والحديث لازمٌ أشدّ اللزوم، فما كان النبي (ص) ينطق عن الهوى، فأقواله وأفعاله وإثباته لقولٍ أو فعلٍ أو إنكاره لهما، على درجة كبيرة من الأهمية لفهم الإسلام والقرآن. لقد كان محمد الإنسانُ الرجلُ بشراً، بلغ من استواء الشخصية والشفافية والصفاء والأمانة، والوعي والفطنة أعلى مقام، ثم إنه كان موهوباً آتاه الله الحكمة والنبوة وجوامع الكلم، ولا أدل على استواء شخصيته، وتوافر تلك الصفات في شخصه الكريم، من شكّه شخصياً أن يكون الإنسانَ المختارَ المكلفَ بأداء الأمانة وإبلاغ الرسالة على أكمل وجه، كما أمره الله... ولقد عَلِمنا أن القرآن يراه المثل الأعلى البشري أو القدوة الحسنة، أو كما وصفه ربه (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا) (الأحزاب، الآية 21)، فأمر بطاعته، والسير على سنّته.
لا ضير إذن أن نرى المقتدين بسنّته (ص) يسعون جاهدين إلى التزام هذه السنّة حتى في المظاهر الخارجية (فيقصّون الشوارب ويَعفُون اللحى، ويستعملون السّواك، ويفضّلون العسل... وغير ذلك من المعروف عن طباع الرسول في سيرته)، كذلك حرصهم على الختان الذي لم يذكره القرآن، فقد عرفه إبراهيم وذكره العهد القديم، والمسلمون، مهما كان مذهبهم، متبعون لهذه السنّة الحميدة.
الفروق بين المسلم والمسيحي كما أراها:
1_ يعيش المسلم في عالمه الذي لا يوجد فيه نظام القساوسة الكاثوليك الإكليريكي (الإكليروس) ولا نظام التدرج الوظيفي في مراتب القساوسة الصارم، ولا يتخذ وسيطاً أو شفيعاً مهما علا قدره عند الصلاة أو الدعاء، بينما يتوسل المسيحي بعيسى ومريم أو الروح القدس أو غير ذلك من القديسين عندما يتضرع أو يبتهل أو يصلي... هذه البيئة أقرب إلى طبيعة الإنسان الراشد العاقل من المناخ المألوف في الكنيستين البيزنطية والكاثوليكية، والذي يقوم على شعائر دينية وأسرار "كهنوتية" يباشرها رجل الدين المسيحي، لينال الماثل أمامه المسيحي بركاتِ الرب...
2_ يحرص الإسلام على السلامة العامة لكافة أفراد المجتمع، وذلك بتحريمه المطلق للحم الخنزير، والخمور والمسكرات، والمخدرات أيّا كان نوعها، ويلح في الوقت نفسه على المسؤولية التامة لمن يسيء تعاطي العقاقير السامة أو نحوها من مواد الإدمان بدلاً من استخدامها في التداوي من الأمراض وشؤون الطب المشروعة. كذلك، فإن الانتظام في أداء الصلوات المفروضة، في مواقيتها المشروعة، في خشوع وتأمل، يتيح تخفيف حدة التوتر والإجهاد اليومي، فيعود ذلك بالخير على الفرد والمجتمع، وهذا لا يتأتّى بأداء قدّاس الأحد أو بابتهال الصباح القصير سواء كان المبتهل وحده أو مع جماعة من المبتهلين المسيحيين.
3_ يبيح الإسلام العلاقة الجنسية المشروعة بين الرجل والمرأة، ويوصي بها ليتمتع الإنسان، الذكر والأنثى بممارسة هذا الحق الطبيعي، وبدون تحفظ على العكس من التصوير "الشيطاني" للعلاقة الجنسية المشروعة بين الرجل والمرأة في كتابات "بولس الرسول" الواردة بالإنجيل الحالي، والتي تشين الزواج افتراءً وتمدحُ العزوبية، داعيةً إلى الرهبانية، والتي تسبب للكاثوليك في كثير من الآلام والمعاناة، والعقد الجنسية، والشعور بالذنب وغير ذلك من المشكلات... هذا الحظر وتشويه النظرة إلى الجنس تسبباً كذلك في رد الفعل الرافض لرسالة بولس الرسول بشأن الجنس، والذي يبدو واضحاً في الانحلال الخلقي والإباحية الجنسية التي لا ترعوي مكتسحةً العالم الغربي، ولا ينساق الإسلام خلف الغرب في التردي في هذه الوهدة الوخيمة العواقب.
4_ إن وصية المسيحية أن يحب الإنسانُ الغير كحبه لنفسه عسيرٌ التزامها، بل إن المسيحي العادي لا يستطيع أن يلتزم بها، بل إنها عبء ثقيل عليه ينوء ضميره بِحًمله، تماماً كالعبء الذي يرزح تحته المسيحي المؤمن الذي عليه أن يلتزم بنظرة بولس الرسول للجنس.
تحت هذه الأعباء النفسية تقوى لدى المسيحي الناحية السلبية بما لها من عواقب نفسية وخيمة للتعاليم المعروفة مثل الخطيئة الأصلية الموروثة، ويمكن استغلال هذه الناحية استغلالاً سيئاً يتلاعب بأحاسيس الجماهير بإشعارها بالذنب واستحقاقها تحمل العقاب أو التكفير.
على العكس من هذا نجد الإسلام يتبع الصراط المستقيم، الصراط الوسط، الذي ليس من اليسير أداء بعض فرائضه (مثل صلاة الفجر والصوم) لكن أداء هذه الفرائض وأمثالها، في حدود الإمكان البشري المعتاد. فضلاً عن ذلك لا يكتب الإسلام على المسلم أو حتى يعلمه أن عليه أن يعتبر نفسه مذنباً يتحمل الخطيئة الأصلية، وأن عليه التماس الخلاص الذي ينجيه. إن علم النفس الجمعي يَعرِفُ العواقب التي يمكن أن تنشأ عن الأعراض المتزامنة المتلازمة المركّبة "للخلاص".
5_ إن نظرة المسلمين للوضع الاقتصادي وبالتالي للعمل نظرةٌ اجتماعية سليمة، وليست في المقام الأول نظرةً نابعةً من الاقتصادية المستهدفة أعلى منفعية وأعلى ربحاً، بذا يمكن أن تصبح تصويباً للمسارات الخاطئة أو غير المستقيمة في المجتمعات الصناعية.
6_ أخيراً، يتعين أو ينبغي على المسلمين أن يكونوا قدوة حسنة في التسامح في علاقاتهم مع غير المسلمين والحكم أو النظام غير الإسلامي، القائم على الفصل بين الدين والدنيا أو العلماني _كما في المجتمع المتعدد الأجناس والثقافات والحضارات والمَنازع الفلسفية التي ترى التعددية الممكنة في رؤية كل منها للحقيقة _ حتى ولو اقتصر مفهوم السعادة لدى هذا المجتمع (التعددي) على النعيم والتنعيم في هذه الحياة الدنيا، أي على الأرض فقط على الأقل انطلاقاً من السورة رقم 109، والتي نرى أن على كل إنسان _مهما كان مذهبه _ سواء اليهودي والمسيحي والمسلم والملحد والفيلسوف (اللاأدري) أن يعلقها على الحائط فوق مكتبه ويَعيَها قبل دراسته المقارنة لأي نظام، وهي: (قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم، ولي دين) صدق الله العظيم.
------------------------------------
المصدر : الاسلام كبديل

Heba Khled
08-31-2011, 04:15 AM
العقيدة والسلوك الانساني
سعيد بن ناصر الغامدي


لا يمكن بحال من الأحوال فصل القضايا العملية عن الأسس الاعتقادية والقواعد الفكرية، بل هي - وإن بدت في هيئة خطوط متقابلة - عقيدة وشريعة ، فكرة ونظام ، تصور وسلوك - إلا أنها في حقيقة الأمر متداخلة متمازجة . فالعقيدة والتصور الفكري قاعدة ، والتطبيقات الحكمية والسلوكية فروع عن تلك القاعدة .
ومهما كان الاعتقاد موغلاً في الرمزية أو التجريدية أو المثالية - أو حتى الأسطورية الخرافية - فإنه لابد أن يؤثر في سلوك وعمل معتقدِه .
والوثنيون الإغريق أو الفراعنة أو عرب الجاهلية ظهرت آثار عقائدهم في أعمالهم وأخلاقهم ، في نظمهم وعلاقاتهم ، في أحكام ومناشط حياتهم .
والجاهليون المعاصرون - من ماركسيين ووجوديين وليبراليين وعلمانيين وحداثيين - قادتهم عقائدهم وتصوراتهم إلى اتخاذ مواقف ، واعتناق مبادئ ، والسير على نظم ، والمُضي في سلوك ، والمشي على أخلاق معينة .
هذه حقيقة ثابتة وإن تفلسف في نفيها بعض المتفلسفين في سفسطة كاذبة!
خذ مثلاً مذهب (اللامُنْتَمٍ) : (الذي يخص الإنسان الذي يدرك ما تنهض عليه الحياة الإنسانية من أساس واهٍ ، والذي يشعر بأن الاضطراب والفوضوية هما أعمق تجذّراً من النظام الذي يؤمن به قومه).{1} ، يقول مؤلف كتاب (اللامنتمٍ) - بعد أن كتبه بسنوات عدة في مذكراته التي سماها (رحلة نحو البداية)-: (حينما كنت أكتب (اللامنتمٍ) كنت أشعر بإحساس من الإثارة الهائلة والقلق ، كان الكتاب ينصبّ من داخلي كما تنصب الحِمَم المنصهرة الخارجية من بركان ، وكنت أعرف أنه كتاب جيد ، كنت أكتب عن نفسي ، كان موضوع الكتاب هم العاجزون عن التكيف في الحضارة الحديثة ، الرجال الخلاّقون الذين يشعرون أن لا مكان لهم في سباق الفئران ، ولكنني عنيت بأن أقرر أن (اللامنتمٍ) قد لا يكون خلاقاً .
إن افتقاره إلى فهم نفسه قد يكون كاملاً إلى درجة أنه لا يبدأ في إنجاز مهمة التطهير من خلال الخلق ، لقد تحول فان جوخ ونيتشه إلى شعلة متوهجة من اللاانتمائية ، ولكن أكثر اللامنتمين لا يتحولون إلى أكثر من جمرة خابية ، فلا ينتجون إلا بعض الدخان الأسود ، يلطخهم ، ويلطخ مَن حولهم ، وقد كان لي أن أتبين جانباً كبيراً من هذه الظاهرة بين الجيل الأصغر في أمريكا بعدما يقرب من عشر سنوات ..)..
ويقول في كتاب (ما بعد اللامنتمٍ): (حين كتبت (اللامنتمٍ) عام 1955 كان الهدف منه هو أن أبين أن الوجودية قد انحرفت عن طريقها الحقيقي {الذاتية} ، وأن بعض الفلاسفة الوجوديين حاولوا إلباس تعصبهم وفشلهم الشخصييْن لغة مؤثرة ومجردة ولا معقولة ، فأغرقوا في تعقيد الأمور ؛ مما يجعلني أشعر أن مقاومتي للمشكلة الرئيسية - مع إصراري العنيف على الذاتية - ما هو إلا مساهمة متواضعة ، لكنها جديرة بالاهتمام في التفكير الوجودي)..
يتضح من هذا أن (اللامنتمٍ) هو - في الحقيقة - (منتمٍ) ، أي صاحب عقيدة ومذهب ، وله غاية وهدف ، وله أسلوب ومنهج ، وله سلوك وطريقة ، يعبر بها عن عقيدته ومنهجه ، سواء سميتَ ذلك المنهج (اللامنتمٍ) ، أو (الوجودية الجديدة) ، أو أي تسمية أخرى فإنها في النهاية انتماء ، أي اعتناق لعقيدة ذات أثر تطبيقي ومسلكي في الواقع .
إذن فالعقيدة هي المحضن الأساسي لأي عمل يقوم به الإنسان ، وذلك على مقتضى طبعه الذي خلقه الله عليه ، كما أخبر بذلك الصادق المعصوم - صلى الله عليه وسلم -: (أصدق الأسماء حارث وهمام).. (فكل أحد حارث وهمام ، له عمل ونية). ، (إذ كل إنسان لابد له من حرث - وهو كسبه وعمله - ولا بد له من هم هو مبدأ إرادته..)..
فالإنسان مفطور على هذه القضية ، ومجبول - في كل أعماله الحسية والمعنوية - على هذا الأمر ، فهو إذا توجه لعمل فلا بد لهذا التوجه من إرادة وقصد ونية وعقيدة وفكرة تسبق هذا العمل ؛ فكل إنسان يهم ثم يعمل ، وكل إنسان له حرث وحركة ، وهو العمل والنشاط والممارسة ، وله قبل ذلك هم وإرادة وقصد .
والنفس - بطبعها - متحولة متحركة ما دامت حية ، والإرادة والحركة الإرادية من لوازم الحياة ، والإنسان المختار - مهما بلغت درجة انحطاطه الفكري والاعتقادي - لا يتصرف كيفما اتفق ، ولا دونما أسباب ، ولا من غير واقع .
والإرادة تنبعث في الإنسان من عقل مختار ، له رؤية معينة (عقيدة ، فكرة ، مَثَل أعلى) ، منها ينطلق العزم على فعل أمر ما أو ترْكه ، فإذا وُجدت الإرادة الجازمة ، والقدرة التامة ، وارتفعت الموانع ، وحصلت الشروط وُجد الفعل عندئذ .
وحاصل القول إنه لا يتصور انفكاك الإنسان عن إرادة تحركها عقيدة أو فكرة ما ، تتحول بعد ذلك إلى ممارسة وتطبيق ، ومن أوضح الأدلة ما يُرى ويُسمع ويُعاش من حقائق حول قضية الصراع بين الإسلام والمادية المتمثلة في قضية الصراع بين الإسلام من جهة والعلمانية والحداثة من جهة أخرى ؛ فالمؤمن بالله رباً - وبالإسلام ديناً وبمحمد (ص)نبياً وبالقرآن والسنة منهجاً - يعتقد ذلك يقيناً قاطعاً ، ويوقن أن التدين لله - تعالى - لا يتم بالصورة الصحيحة المقبولة إلا إذا كانت الحياة - كل الحياة - خاضعة - كل الخضوع - لله {تعالى} في كل شأن من شئونها ، وأن هذا المعنى الكامل الشامل الوحيد هو مقتضى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) .
وقد حاول بعض جهلة المسلمين - وبعض ذوي الأهواء من أبناء المسلمين - أن يحرفوا هذا المعنى ، وأن يُقْصروا الإسلام على أنه مجرد عقيدة وقيم خلقية!
والعلمانيون من أبناء المسلمين - مَن يعتقد منهم بأن الإسلام دينُ حقّ من عند الله - تعالى - يدورون على هذا المفهوم الظالم الخاطئ الضال .
أما الملاحدة منهم - الذين لا يؤمنون برب ولا إله ولا دين ولا رسول ولا كتاب - فقد تمادوا في الغي إلى أبعد مدى ، وجحدوا كل أنواع الهدى ، وركبوا ظلمات الخرافات والجهالات المادية المعاصرة .
والفريق الأول من العلمانيين أشد خطورة وأنكي في حرب المسلمين ؛ ذلك لأنهم يتظاهرون بأنهم أهل دين وإسلام ، وأنهم لا يرفضون الدين ، ولا يردونه ويقولون - على زعمهم - أنهم إنما يرفضون التطرف الديني ، والتزمت الديني! ، ويرددون بأنهم لا يريدون سوى الإسلام الصحيح! ، الإسلام الذي يتوافق مع الحضارة ، ومع التقدم ، ويساير الحضارة الغربية!
ومع ضغط الصحوة الإسلامية المتزايد ، وانتشار الالتزام بالإسلام في أرجاء الأرض وفي أصناف المسلمين ، بل وفي غير المسلمين - تظهر دعواتهم العلمانية تحت عناوين عديدة خادعة منها : (الإسلام المستنير) ، (العقلانية الإسلامية) ، (تجديد الفكر الديني) ، (استلهام جوهر الإسلام النقي) ، (الإسلام الحضاري) ، (مقاومة الجمود الديني) ، (مقاومة الإرهاب الفكري) (الإسلام الديمقراطي) ، (حرية الاعتقاد والفتنة الطائفية) ، (النصوصية الجامدة) ، (السلفية الجامدة) ، (التمسك بروح الشريعة) ، (التحلّي بروح الدين) ، (مراعاة المقاصد العامة للإسلام) ، (تنزيه الإسلام عن الألاعيب السياسية والواقع الاجتماعي الدنِس) ، (الفرق الحضاري بين القرون الهجرية الأولى والواقع المعاصر) ، (التمييز بين الدين والدولة) ، (الفرق بين السلطة الدينية والسلطة المدنية الزمنية) ، (المصلحة أساس الشرع) ، (الحركات الإسلامية الشمولية تسعى إلى ردّنا إلى الوراء مئات السنين) ، (الحركات الإسلامية تابعة لقُوى خارجية) ، (وهي المسئولة عن هزيمتنا الحضارية والعسكرية) ، (أخْذ روح التشريع لا نصه) ، (تقديم المصلحة على النص) ، (أخْذ لُباب الإسلام وترْك قشوره) ، (التحلل من قيود الخطاب السلفي) ، (تجريد القرآن من التفسير الأصولي السلفي) ، (وجوب إعادة تفسير القرآن حسبما يقتضيه العصر) ، (النص الشرعي وليد أوضاع اجتماعية وتاريخية معينة تغيرت الآن) ، (الإسلام مجرد عقيدة سمحة ، وقيم أخلاقية)..
إلى غير ذلك من الأحاييل اللفظية ، المبنيّة على عبارات مفخخة ومصطلحات مولدة من السّفَاح الثقافي الغربي ، يحاولون النفاذ بها إلى عقول المسلمين من خلال مصطلحات وألفاظ الخداع والتلبيس. ، في محاولة دائبة لطمس حقائق الإسلام ومعالمه الصحيحة تحت سيل من الآراء الباطلة والشبهات الضالة المستوردة من أوروبا لتسويقها ونشرها وإذاعتها ؛ ليكونوا بذلك رأس رمح في الغارة الجديدة على الإسلام وأهله ، هذه هي حقيقتهم على الرغم من كل محاولات الاستتار والتخفي!
وهكذا نرى العقائد الجاهلية المعاصرة - (عقيدة العلمنة) ، أو (عقيدة الحداثة) - تفعل في أصحابها عند الممارسة ما كانت تفعله الأوثان القديمة ، بل أشد وأنكى ، فقد كان الجاهلي القديم يذبح للصنم ، ويستقسم بالزلم ، ويتبع أرباباً شرعوا له الأعراف الجاهلية ، والعقائد الضلالية ، ووضعوا له القيم والأخلاق وأنماط السلوك التي يعيش عليها ، ولقد كانت الجاهلية الأولى تقوم على عقائد الكفر والشرك بالله - تعالى - واعتقاد ألوهية الأصنام والأوثان وأعراف القبيلة ، واعتقاد أنوثة الملائكة - عليهم السلام - ونفي إرسال الله أحداً من البشر ، أو إنزاله على أحد منهم - ممن اصطفاهم - من شيء ، وجحْد الآخرة ، واعتقاد أنهم إنما يعيشون ويموتون وما يهلكهم إلا الدهر ، وجحد القدر ، واعتقاد أن المنايا - مثلاً - خبط عشواء مَن تُصبْه تُمِتْهُ ، ومن تخطئه يعمرْ حتى الهرم ، وكان لهذه العقائد الكفرية أثرها البعيد في نظام حياتهم ونمط معيشتهم ، فكانوا يحكمون بشريعة الجاهلية ، وبها يحلون ويحرمون ، ويجيزون ويمنعون ، وكانت لأصنامهم الحظوة الكبرى والتألّه الأكبر ؛ بما يقدمونه لها من عبادات وقُرُبات .
وكانت هناك - على أساس من عقائدهم - الانحرافات الخلقية من خمر وميسر ، وفاحشة علنية أو مستترة ، ووأْد {بنات} ، وظلم متعدد الأوجه والأنواع: ظلم سياسي ، وظلم اجتماعي ، وظلم اقتصادي ، من حمية قبلية ، وطبقية عنصرية أو مالية ، إلى أكل الأموال بالباطل ، وسفك الدماء ، وانتهاك الأعراض إلى غير ذلك من أنماط حياتهم المليئة بالشر والفساد والرذيلة والانحراف .
ثم جاء الإسلام ليُخرج هؤلاء - أولاً - من ضلال الاعتقاد الكُفري ، وفساد التوجه الشّرْكي ، جاء الإسلام بمبدأ التوحيد (لا إله إلا الله) ، وبقضايا الإيمان الأساسية ؛ لأنها هي الأصل الذي ينبني عليه أي تغيير بعد ذلك.
وبعد أن أُسّست عقائد الإيمان ، وتأسس توحيد الله مكان الأوثان عالج الإسلام المشكلات الأخرى والانحرافات المتعددة ، القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية ، وأمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبدأ بالتوحيد ، يدعو الناس إليه ، ويربي مَن استجاب منهم على مقتضاه ، أي أن الانحرافات لم تكن خارج الدعوة ، أو خارج الاهتمام ، ولكنه عالج هذه الانحرافات على أساس أن هذه المعالجة من مقتضيات التوحيد ومن لوازم الإيمان .
والمقصود أن الإسلام بعد أن أسس مبدأ التوحيد - وقضايا الاعتقاد - شرّع الشرائع ، ووضّح الأحكام ، ووضع المنهج والنظام ؛ ليخرج الناس من ظلمات العقائد التي انبنت عليها ظلمات الانحرافات والمفاسد العملية ، والجاهلية المعاصرة - على نمط الجاهلية القديمة - اتخذت أصناماً ، واعتنقت عقائد ، قادتها إلى مهاوي البلاء والردى ، وأركستها في أشر ما يمكن أن يُرتكس فيه إنسان .
عقائد مادية إلحادية ، وأرباب باطلة من نظم ومذاهب ، وأعراف وأفكار وأشخاص وأسماء ورسوم ، تُملي عليهم أنماط حياتهم وفلسفة تصوراتهم ومعارفهم وأسس سلوكهم ، وأصول أخلاقهم وقواعد سياساتهم واقتصادهم ، بل ومفرادات وفروع كل ناحية من نواحي حياتهم ، وما يُرى ويُشاهد ويُلمس اليوم في (الدول المتقدمة) - الدول العصرية! - من أفكار وأعمال وممارسات كلها شواهد على هذه الأنواع العديدة من الانحرافات الاعتقادية والعملية .
أما أتباعهم - ممن يُسمون (تلطّفاً) أو (تظرّفاً) (دول العالم الثالث) - فإنهم على أسوأ وأردى مما عليه أسيادهم ، وإن بقيت عند بعضهم - خاصة الشعوب المسلمة - بقية من بقايا الدين الحنيف ، أو بقايا الفطرية السوية ، أما أتباع الغرب في البلاد الإسلامية - من المفكرين والمثقفين والإعلاميين والإداريين - فإنهم بلا ريب قد بلغوا من الانحطاط والتردي درجات لا يكاد يصدقها عقل ، وانسحقوا بالكلية تحت أقدام أسيادهم ، الذين معهم - مع انحرافهم - عناصر قوة مادية .
أما أتباعهم وأولياؤهم فإنهم تركوا القوة الإيمانية بالتبعية الاعتقادية ، وما يترتب عليها من أنظمة وأنماط حياة وسلوك ، ولم يستطيعوا أن يحوزوا القوة المادية التي يتمتع بها الغرب ، فصاروا بلا دين ولا دنيا ، أما الدين فقد أضاعوه حين اتبعوا المذاهب والأفكار والعقائد المادية ، وحين أخذوا معها مقتضياتها العملية من أنظمة وسلوكيات وممارسات حياة عامة أو خاصة ، وأما الدنيا فهم في درجة من التبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية لا تتيح لهم أن يكونوا أحراراً في اتخاذ ما يريدون اتخاذه ، ولا شك أن هذا لازم من لوازم اتّباعهم للعقائد والمذاهب المادية .
أما حيازة التقنية - والاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والسلاح - فهم أبعد الناس عنه ، وإن تحقق لبعضهم شيء من ذلك فهو كسب ضئيل مرتهن ، مغموس في بحور الاستلاب والهزيمة والتبعية .
والمتتبع لأحوال وأعمال وأقوال القوم سوف يرى من الشواهد والأدلة على هذه القضية الشيء الكثير .
إن أتباع الملة الحداثية العلمانية - من أبناء المسلمين أو من أبناء البلدان الإسلامية - اتبعوا الجاهلية الاعتقادية ، والضلالات الفكرية ، والانحرافات الفلسفية ، وتبع ذلك - ولابد أن يتبعه - جاهليات أخرى ، جاهلية في النظم والسياسات ، وجاهلية في الاقتصاد ، وجاهلية في التوجيه والتعليم ، وجاهلية في النفس في ذاتها وسلوكها واجتماعها ، وتبع الفساد الاعتقادي والتبعية الاعتقادية - ولا بد أن يتبعه - أن أصبحوا حرباً على دينهم ، وعدواً لأمتهم .
ومن حربهم الموجهة ضد دينهم أنهم توجهوا إليه - بدافع من اعتقاداتهم المادية - بالثلب والسب والسخرية والاستخفاف والعبث بمصطلحاته وشعائره وأصوله وأركانه وسائر قضاياه ، وهذا ما تُرى شواهده في الواقع بكثرة ، وهذه القضايا وإن كانت - في مجملها - قضايا عملية وممارسات فعلية ، ليست - أصلاً - من قضايا الاعتقاد على وجه الخصوص ، ولكنها - كما أسلفت - لا تنفك عن الاعتقاد ؛ إذ هي الصورة التطبيقية للاعتقاد ، والممارسة العملية للفكرة المعتَنَقة ، وهي - مع ذلك - المطلب العملي المقصود من الأتباع ، والغاية الفعلية المرادة من الذائبين في أحماض المذاهب والعقائد الغربية .
نعم يُسَرّ الكفر وأهله بسلخ المسلم عن دينه ، وإخراجه من النور إلى الظلمات في أي شكل ، وعلى أي هيئة ، ولو في صورة فكرية مجردة ، فذلك مكسب للشيطان وحزبه ، ولكن سرورهم أعظم وفائدتهم أجزل عندما يتعدى هذا السلخ إلى أن يصبح المسلوخ أداة لهم ، وصورة عنهم ، ووسيلة من وسائلهم ، وامتداداً عملياً لهم في واقع المسلمين ، إما بنشر الفكرة العلمانية أو الحداثة أو غيرها من الأفكار الغربية ، وإما بممارسة العمل في منصب توجيه أو قيادة .
{تَرَى كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلّوْنَ الَذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ والنّبِيّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنّ كَثِيراً مّنْهُمْ فَاسِقُون (المائدة ) . وهذا هو حال المنافقين قديماً وحديثاً (فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه ، وكم من حصن له قد قلعوه ؟! ، وكم ضربوا بمعاول الشّبَه في أصول غِرَاسة ليقلعوها؟! ، وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها ؟! ، فلا يزال الإسلام وأهله يطرقه من شُبههم سرية بعد سرية ، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون {أَلا إنّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاّ يَشْعُرُونَ}[البقرة:12] ، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللّهُ مُتِمّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ}[الصف:8] ، اتفقوا على مفارقة الوحي ، فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون {فَتَقَطّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}[المؤمنون:53] ، {يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً}[الأنعام:112] ؛ ولأجل ذلك {اتّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً}[الفرقان:30] .
دُرست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها ، ودُثّرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها ، وأَفِلتْ كواكبه النيّرة من قلوبهم فليسو يحيونها ، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها ، ولم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله ، ولم يرفعوا به رأساً ، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأساً ، لَبِسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران ، والغِلّ والكفران ؛ فالظواهر ظواهر الأنصار . ، والبواطن قد تحيزت إلى الكفار ، فألسنتهم ألسنة المسالمين ، وقلوبهم قلوب المحاربين ، ويقولون {آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}[البقرة:8] .
رأس مالهم الخديعة والمكر ، وبضاعتهم الكذب والختر ، وعندهم في العقل المعيشي: أن الفريقين عنهم راضون ، وهم بينهم آمنون {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}[البقرة:9] ، قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها ، وغلبت القصود السيئة على إرادتهم ونياتهم فأفسدتها ، ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك ؛ فعجز عنه الأطباء العارفون {فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}[البقرة:10] .
مَن علقت مخالب شكوكهم بأَديم إيمانه مزقته كل تمزيق ، ومَن تعلق شَرَر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق ، ومَن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق ، ففسادهم في الأرض كثير ، وأكثر الناس عنه غافلون {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ {11} أَلا إنّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاّ يَشْعُرُونَ {12}}[البقرة])..
هذا حال ووصْف فئة منهم لا يريدون الظهور بمظهر المعادي الصريح تَقِيّة ، يتخفّون تحتها لإنفاذ مآربهم ، ويكثر هؤلاء في البلدان التي يخافون فيها من أحكام الدين ، أو يأملون بتلبيسهم تحقيق القوة لهم والتمكين ، وأكثر ما يكون هؤلاء في أهل التوجيه وأهل الأمر ، أما الفئة المعادية صراحة المحارِبة جهرة ، المضادة علناً ، فكثيرون في البلدان التي يأمنون فيها ؛ حيث لا يكون للدين وأهله شوكة ، ويبرزون بكثرة من تحت أردية الفئة الأولى ، حيث يعبرون - بالنيابة عنها - عما في قلوبهم ، وينالون منها الحماية والرعاية والتأييد .

Heba Khled
08-31-2011, 04:17 AM
عن معنى الابتداع 00 النشأة والتطور
د0 محمد احمد عبد القادر


البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله , وهو ما لم يأمر به أمر أيجاب ولا أستحباب 0 فأما ما أمر به أيجاب أو أستحباب0 وعلم الامر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله تعالى : ولهذا كان عمر بن عبد العزيز يقول سن رسول الله (ص) سننا, الاخذ بهاتصديق لكتاب الله , واستكمال لطاعة الله , وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من خالفها , من اهتدى بها فهومهتد, ومن أستنصر بها فهومنصور , ومن خالفها وأتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا "0
واذا أردنا أن نحدد معنى الابتداع لغة فأنه يتداخل- للصلة اللغوية- مع معنى الابداع, وأبدع الشئ أخترعه وأنشأه على غير مثال سابق , وابتدع أتى بالبدعة وهي الحدث في الدين بعد الاكمال0 وذلك مثل قوله تعالى : " ورهبانية ابتدعوها ماكتبناهاعليهم " (الحديد- 27)0
هل كل أمر موجود ثم دخل عليه تعديل ما او زيادة ما يعد ذلك أبتداعاً ؟
الحقيقة ان تحديد (الاصل) هو الاساس الذي يترتب عليه ما اذا كانت الزيادة ابتداعاّ أم غير ذلك 0 ومعنى ذلك أيضاَ أن (الاصل) اذا كان عقيدة او جملة عقائد دينية فأن أية زيادة عليها مرفوضة وبحسم, خاصة في مجال عقيدتنا الاسلامية0 ونلاحظ أن هذه الزيادة الجديدة الطارئة أو هذا التعديل الناشئ يسميه القائمون به (تجديدا) ويسميه أصحاب (الاتباع) انحرافا وزيغا وابتداعا0 وهنا أريد أن اقرر الرفض التام لان يسمى التغيير في مجال العقيدة -تعديلا كان او زيادة- تجديدا0 ان (التجديد) له متطلبات منها أنه يصبح ضرورة ملحة عندما يتهاوى فكر ما من الداخل أو عندما تصيبه شيخوخة من داخله مما يتطلب معه تدخلا سريعا من أجل أستئصال مواطن الضعف والمرض فيه بما يضمن له سلامة الاستمرار0 ان هذا انما يصلح في مجال الفكر الذي هو في النهاية (تصورات بشر) ولكن يستحيل ادخاله في مجال العقيدة0
يقول الدكتور محمد اقبال ينبغي أن نوضح الفارق بين التجديد والأصلاح الديني في اوربا , فان أية محاولة تجديد كي تبقى في فلك الاسلام ولا تتجاوز حدوده فانهالا ينبغي ان تعدل من أصوله ما دام القرأن الكريم له صفة التاكيد فيما تناوله من تشريعات وأحكام وأمور تخص البشر في دينهم ودنياهم " ما فرطنا في الكتاب من شئ " (الانعام-8) وما دام النص قد انتهى برسول الله (ص)0
ان عدم التثبت في رواية الانجيل أو الاتفاق على رواية واحدة له اتاح ثغرات عديدة فدخلت المسيحيةآراء ومعتقدات أصبحت على مر الزمن جزءا من المسيحية ذاتها , كمبدأ الاعتراف وصكوك الغفران الامر الذي اتاح الفرصة لقيام بعض الاصلاحات التي تحاول التدخل في صلب العقيدة مثل اصلاح لوثر 0 أما في الاسلام فان ختم الرسالة الالهية واعلان اكتمال الدين يعني أن ليس هناك تطور في الاسلام ذاته كعقيدة0
وفي صحيح مسلم ايضا قول الرسول (ص) :" أما بعد فان خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد (ص) وشر الامور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"0
ونتفق هنا على أن أية محاولة لاي تعديل من أي نوع في الاسلام كعقيدة فان ذلك يعد أنحرافا ويدخل تحت باب الابتداع0
ان التجديد في مجال الفكر لا يتعارض مع القواعد والاسس, فان تلك القواعد بمثابة السياج الذي يتيح للفكر أن يتقدم من خلاله ويحفظه في الوقت نفسه من (الترنح) ذات اليمين وذات الشمال0 وكيف لا تكون هناك ضوابط وقواعد تحكم الفكر وهو ليس كمطلق الفكر وانما هو فكر منتسب الى الاسلام وهو دين الالتزام بالقواعد والاصول 0 وكلما كان الفكر الاسلامي أكثر التزاما بتلك القواعد والاصول كلما كان أقدر على التطور وعلى الابداع, اذ أن (الابداع) لا يعني مطلقا (الانفلات) من ضوابط الفكر الديني أو مجرد الخروج عليه0
وهكذا نقرر أن ليس كل تجديد أو تطوير (ابتداعا) كما أنه ليس مجرد التقليد يعد اتباعا , وتحديد ذلك راجع في تصوري الى المحك الذي نقيس كل مسألة وفقا له0
ويتعارف معظم المؤرخين والكتاب والباحثين على أطلاق اسم (الفلسفة الاسلامية ) على جوانب الفكر الاسلامي , ومن هنا فأن تناولنا لهذين البعدين انما يكون من خلال هذا الفكر الاسلامي في مساره او الفلسفة الاسلامية في مسيرتها ويمكن القول ان أسبق جانب من جوانب الفكر الاسلامي ظهورا هو (علم الكلام) وهو أكثر صور ذلك الفكر التصاقا بالدين خاصة في طور النشأة0 ولعل قيام علم الكلام بمهمة الدفاع عن الدين ومعتقداته يفسر لنا سبب ذلك الالتصاق , اذ أن نقطة الانطلاق كانت من الدين والغايه ايضا كانت هي الدين 0 ولعل البعدين الذين نتحدث عنهما (الابتداع والاتباع ) تمثلا أول ماتمثلا من خلال نشأة علم الكلام بوصفه أول وأهم مظهر من مظاهر الفكر الاسلامي من خلال المؤيدين والمفكرين0 وهكذا كانت نشأة علم الكلام كأول جوانب الفكر الاسلامي مؤذنة بذلك الانقسام القائم بين من يتبنون سبيل الاتباع ومن يحاولون التجديد من خلال الفكر الا أنهم في نظر اولئك ان هم الا مبتدعون , فما هو مقدار الصواب او الخطأ في مذهب كل فريق0
أما المتبعون , وهنا يمكننا أن نحدد هويتهم فهم الذين يرون أن القرآن بما يحري كاف, والسنة النبوية بما أوضحت وهدت فيها الغناء , ومعنى ذلك أن أهل الاتباع انما يحددون مفهوم الاتباع الصحيح بأنه اتباع للقرآن الكريم " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " واتباع لسنة رسول الله (ص) فكرا أو قولا وسلوكا , وتحقيقا لهدى الرسول الكريم (ص) : تركت فيكم ما ان تمسكتم به فلن تضلوا بعدي ابداً, كتاب الله وسنتي "0 هذا هو السبيل الصحيح في الاتباع حيث لا فكر الا من خلال أقوال الرسول الكريم (ص) ولا تفكر الا من خلال أيات القرآن العظيم0 وهؤلاء (المتبعون) بطبيعة الحال يرفضون علم الكلام ويذمون المشتغلين به0
ان القرآن وان عني في مواضع كثيرة ببطلان ما كان عليه العرب من عقائد غير صحيحة على أختلاف دياناتهم ومللهم, فقد نهى مع هذا عن الفرقة في الدين , وعن الجدل مع المخالفين الا بالحسنى وذلك استمالة منه للقلوب وحرصا على الالفة والوحدة0 يقول الله تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصا به نوحا والذي أوحينا اليك, وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى, أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " (الشورى-13)0
ويذكر المقريزي أنه لم يرو قط من طريق صحيح أو سقيم عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم , على أختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله (ص) عن معنى شئ مما وصف الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد (ص), بل كلهم فهموا ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات0
ويقول جعفر الصادق (ت 148 ه) الذي له رسائل في رد مذهب القدرية والخوارج والغلاة من الروافض : أن الله تعالى أراد بنا شيئا, وأراد منا شيئا, فما اراده بنا طواه عنا , وما أراده منا أظهره , فمابالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا0
وهنا يحق لنا أن نتساءل : هل جاوز هؤلاء المتكلمون -الاوائل على وجه الخصوص- سبيل الاسلام عندما حاولوا أن (يتعقلوا) بعض مسائل الدين .؟ وهل فارقوا الجماعة في ذلك ؟
والحق أن يقال ان علم الكلام -بالرغم من سلبيات فيه- قام بدور رائد لا ينكر في مجال تأكيد دعائم العقيدة عقلا ومحاولة استئصال شأفة كل باغ او معتد على هذه العقيدة من أصحاب الديانات والملل الاخرى سواء منها السماوي او غير السماوي0 واذا كان بعض المتكلمين قد حاد قليلا اوكثيرا عن الطريق فعلى هؤلاء يقع وزرهم ولا يمكن ان يحتمل الاخرون عنهم ذلك الوزر0
وهنا ينبري الموصون بالابتداع (المتكلمون) للدفاع عن أنفسهم بأنهم أبدا لم يحيدوا عن الطريق ولا ضلوا السبيل الى (الهدف) , أنهم مؤمنون موحدون شغلتهم قضية نصرة الدين عن طريق (العقل) ضد الهجمات المنظمة التي يشنها مشركون من كل نوع0 ويلتمس المتكلمون أصولا وجذورا لهم من خلال العقيدة الاسلامية نفسهاومن بعض التابعين الابرار, اذ لا تناقض بين معطيات الدين (نقلا) ومعطيات الدين (عقلا)0
ويحاول المسلمون أن يتخذوا من أنبيائهم أسوة , فلقد جاء ايمان أبى الانبياء ابراهيم بعد طول نظر عقلي حين رفض أن يعبد ما يأفل ومن ثم جاء أيمانه بالذي فطر السموات والارض ايمانا عن يقين, ثم تدرج من الايمان الى الاطمئنان حين سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى " قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " (البقرة-260)0
وتعرض بعض الصور القرآنية حوارا منطقيا لأقحام المشركين فيما يذكر ابوالحسن الاشعري0 يقول تعالى " لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا " (الانبياء-21) وهذه الاية دعوة الى المحاجة بأن الله واحد لا يشاركه أحد في وحدانية0 وكلام المتكلمين في الحجاج في التوحيد بالتدافع والتغالب يرجع الى قول الحق تعالى: " ما أتخذ الله من ولد وماكان معه من اله اذا لذهب كل اله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض " (المؤمنون -91)0 ويرجع الى القرآن ايضا - بالنسبة للمتكلمين- سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل0
وهكذا كان القرآن الكريم من الناحية المنهجية هو الاساس الاول والمنطلق في نشأة علم الكلام , اذ النظر والعقل لا يتعارض مع الايمان0
ومن ناحية الموضوع ألتزم المتكلمون على أختلاف فرقهم0 بما حدده القرآن من أصول عامة في الاعتقاد : التوحيد- أسماء الله وصفاته- صلة الله بالعالم صلة خلق بالمفهوم الديني - بعيدا عن تصورى أفلاطون وأرسطو عن الصانع والمحرك الاول0 خلق الله للعالم عن حكمة وغاية وليس العالم مخلوقاً لمجرد آلية اومصادفة " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً " (المؤمنون-115)0 الله عالم بالكليات والجزئيات جميعا :" لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض " (سبأ-3) مصير الانسان بعد الموت0
هكذا كان القرآن الكريم بآياته التي تمجد العقل والمتعقلين محركا لمكامن التأمل والنظر العقلي عند نفر من المسلمين لا ينبغي أن يحكم على اتجاههم بصفة عامة على أنه أتجاه (خارج)0 فالمتكلمون اذا لم يفارقوا الامة في نظرهم العقلي في بعض امور الدين حيث جاء الامر الالهي لهم أن يتدبروا ويتفكروا ويتعقلوا وان نهوا عن الفرقة في دينهم0 أنهم جعلوا القرآن دستورهم ونقطة انطلاقهم يتعمقون آياته ويستدلون بها0
ان الذي يمكن ان نذكره هنا بصدد هذه الاختلافات هو أن (الاتباع) لا يتعارض مع (الابداع) , فالاتباع هو نقطة الانطلاق وهو الركيزة الاساسية لكل تطور واضافة أو لنقل هو بمثابة الجذور التي يستند اليهاالابداع , ولكن يتعارض الاتباع- ومن ثم الابداع-مع الابتداع0 ان الابداع لا يلغي ابداالجذور والاصول ولا يتنكر لها وهي عبارةعن عقائد او قواعد (تتبع) وفي ضوئها وفي أطار منها يكون الابداع فكرا لا عقيدة, ان الابداع في الفكر هنا لم ينشأ من فراغ وانما كانت له قواعد يسير علىهديها0 أماالابتداع فهو يحاول جاهدا - أن يتنكر لجذوره محاولا طمس معالمها والتقليل من شأنها وأن يستبدل بهاغيرها مما يظنه جديدا حتى وأن كان غريبا0
------------------------
المصدر : الفكر الاسلامي بين الابتداع والابداع

Heba Khled
08-31-2011, 04:19 AM
الظاهرة الدينية في المجتمع العربي الاسلامي
حيدر ابراهيم علي


1_ في الفكر العربي وظاهرة الدين
لقد أثر الدين في المعرفة والبحث في المجتمع العربي من حيث اختيار النظريات والمناهج والميادين. ووضع الحدود التي لا تتعارض مع تعاليم الدين وروحه. وفكرة العلم النافع وغير النافع التي ترد في التراث كثيراً تعبّر عن تدخّل الدين أو توجيهه المعرفة المطلوبة حتى تأتي ملبية الحاجات المجتمعية والفكرية، ولكي تحافظ على الوحدة والتماسك في كثير من الأحوال. وقد كانت كلمة العلم والعلماء، وما زالت _في بعض الحالات _ ترتبط بالمعارف الدينية وأهلها. أما الظاهرة الدينية، الموضوع، فقد ظلت خارج ميدان الدراسة العلمية لأنها تتضمن فوق البشري والمتعالي. وتنتهي حدود أي دراسة عن الدين عند الشرح أو التأويل الذي يُمكّن الدين من مسايرة مستجدات التاريخ والتطور.
أخذت دراسة الظاهرة الدينية حيزاً كبيراً في الفكر العربي _ الاسلامي المعاصر، ولكن علم الاجتماع في الوطن العربي بتعريفه ومحاولاته المعروفة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والبحثية لم يساهم بقدر وافٍ في دراسة الظاهرة الدينية بوسائله وتحليلاته الخاصة رغم أهمية الظاهرة.
كذلك نعني بالتفسير الاجتماعي _ التاريخي للظاهرة الدينية الاجابة عن نشأة الدين ووظائفه وتوظيفه، بتتبع التطور الزمني والسياق الاجتماعي والثقافي للظاهرة. ونستطيع القول، بحسب الفهم المعروف لعلم الاجتماع والمقصود من الدراسة الاجتماعية للدين، إن الميدان في كليته ما زال بعيداً عن البحث والتناول رغم وجود دراسات عديدة بالذات الفلسفية والفكرية والسياسية في الفترة الأخيرة جاءت تبحث في عجلة عن الواقع الذي تنامت ضمنه الاتجاهات والتيارات الدينية.
هذا قصور في علم الاجتماع العربي، وشكل من ملامح أزمته الراهنة، إذ يفتقد التحليل السوسيولوجي ظاهرة البعد التاريخي والوعاء الاجتماعي الذي تتفاعل وتنمو الظاهرة داخله، وتعالج غالباً كموضوع لا تاريخي، مجرد خارج المجتمع. ودراسة الظاهرة الدينية اجتماعياً مثال ساطع على هذا التناول الناقص الذي لا يتعرض للتأثير المتبادل بين الدين وبقية الظواهر الاجتماعية والمجتمع الكلي.
يمكن أن نعيد أسباب انتشار هذا التناول التناقصي الى ظهور منهج أو دعوة الى منهج يتضمن العقيدة او الايديولوجيا الدينية كجزء أساسي. وهذا يجعل من الدراسة الموضوعية للدين أمراً مستحيلاً إذ يكون الباحث ملاحظاً مندمجاً وليس مجرد مشارك في الظاهرة، وبالتالي تأتي النتائج والفرضيات تعبيراً ذاتياً. هناك دعوة تجد قبولاً وانتشاراً في الأوساط العلمية تطالب بمنهج يبدأ بالإقرار بحقيقة المفهوم المحوري في الايديولوجيا السائدة، ايديولوجيا الحضارة الاسلامية، والمفهوم المحوري عندها هو الايمان بالله الواحد الخالق. ويعتبر هذا الاتجاه أن التسليم بتلك الحقيقة مهم لأنه يلعب الدور نفسه الذي لعبته الايديولوجيا الغربية المضادة (الدنيوية) التي وضعت الانسان في مركز المجتمع والكون بدلاً من الله تعالى وفق عقيدة التوحيد الاسلامية. ورغم أن هذا الاتجاه يقرّ بأن الصيغة الاسلامية هذه فيها ميتافيزيقيا لا علمية، إلا أنه يرى عدم تناقضها مع العقلانية. وهنا المفترق، فالعلم ومن ذلك علم الاجتماع، لا يدرس الميتافيزيقيا، كما أن للايديولوجيا الدينية طرائقها ومنهجها ولغتها الخاصة في تحليل الظواهر التي تختلف عن أدوات علم الاجتماع، مثلاً.
يصل المنهج السابق بأصحابه الى القول: إن المجتمع الاسلامي يتميز عن كل المجتمعات البشرية الأخرى ولا يخضع لما تخضع له من قوانين وتطور، ومثل هذا الفهم يرفع المجتمع الاسلامي، وبالتالي ظواهره جميعاً، عن مستوى البحث الانساني. ويقول أحد الكتّاب حرفياً: إن المجتمع في الاسلام إنما ينبثق من التلازم الوثيق بين التصور الاعتقادي وطبيعة النظام الاجتماعي... ذلك التلازم الذي لا ينفصل ولا يتعلق بملابسات العصر والبيئة... يتميز المجتمع الاسلامي عن المجتمعات الأخرى التي نشأت وفق مقتضيات أرضية ونتيجة صراع داخلي، ومصالح متعارضة... ولذا فليس يندرج تحت تاريخ التطور الاجتماعي ولا تصدق عليه القوانين الاجتماعية التي تصدق على اوروبا. فهو مجتمع شريعة كاملة. ولا يقتصر هذا التعالي على دراسة الظاهرة الدينية، ولكن كل ظواهر المجتمع الاسلامي من سياسية واقتصادية وغيرها لا تصدق عليها قوانين اوروبا، ليس لأنها أوروبية وخاصة، ولكن لأن المجتمع الاسلامي ذو طبيعة مختلفة أساساً عن بقية المجتمعات وظواهره كاملة وسرمدية.
يسعى البعض الى حل الإشكالية بين العلم والدين في مجال علم الاجتماع بمحاولة ايجاد علم اجتماع انساني _ إلهي، وذلك لأن العلوم الاجتماعية في الغرب، الاشتراكية منها أو الليبرالية، مبنية على "تجاهل حقوق الله وحقوق الانسان الكاملة بجميع أبعادها الروحية ومن شأنها أن تسبب عند دخولها في مجتمع تقليدي لا يزال مبنياً على القيم الدينية والأخلاقية اهتزازاً واضطراباً وفقدان توازن، الأمر الذي يُحدث في المجتمع انقساماً يسبب عند الجماهير غير المتنورة ردّ فعل عنيف يلقي بها في احضان المتطرفين، فيجعلها تتشبث بتقاليد لا تمتّ الى الدين الحقيقي بصلة". وينفي مثل هذا الطرح عن علم الاجتماع علميته وكأن مهمته جعل الجماهير تختار شكلاً معيناً من التدين. ثم لا يقترح الطريقة العملية والمنهجية التي تمكّن من تأسيس علم اجتماع انساني _ إلهي، ويقترح على العالم الاجتماعي ان يستفيد من التراث الاسلامي لمحاولة دراسة الشخصية مع ضرورة تنقية هذا التراث وتمييز "ما هو اسلامي صرف وما هو فارسي أو تركي أو مصري أو فولكلوري الخ...". ليست هذه مهمة الاجتماعي، ولكنها مهمة رجل الدين أو الفقهاء. وهذا يدل على استحالة قيام مثل هذا العالم الالهي _ الانساني. وفي الفلسفة دعوة مماثلة تحاول التوفيق بين الوحي والعقل. وتكتسب هذه الدعوة تأييداً واسعاً تحت اسم تكامل "الوحي والعقل" بهدف معالجة الأزمة الفكرية التي يواجهها المجتمع العربي _ الاسلامي وهي تتخذ أبعاداً متعددة أهمها "الغزو والتبديل الثقافي في مجال العلوم الانسانية والاجتماعية بخاصة، ذلك التبديل الذي جعل عقول ابناء الأمة الاسلامية تتخطى الفكر الاسلامي والتراث الاسلامي أو تدرسه على أنه ظواهر قد اندثرت لا علاقة لها بالحياة المعاصرة ولا حاجة اليها". أما تكامل الوحي والعقل فيقوم على افتراض خطير يحرم العلم من أداة مهمة وهي العقل، فرغم الاعتراف بدوره الا أن أصحاب هذا الاتجاه يقولون: "فالعقل الانساني رغم كل مكانته وإمكاناته في حياة البشر _يظل محدوداً جزئياً يعتمد الاستقراء وتراكمات المعرفة والخبرة لإدراك مسيرته وسبل أدائه. وجاء الوحي على أيدي المعصومين الصادقين من الأنبياء والرسل ليمد العقل الانساني بالمدركات الكلية في علاقات الكون وموضع الانسان منها ومهمة وجوده تجاهها وقواعد علاقاته الانسانية والاجتماعية الأساسية اللازمة لترشيد سعيه وتحقيق غاية وجوده".
2_ حاضر دراسة الدين وأفقها اجتماعياً
ظهر تياران في العقدين الماضيين أحدهما يبحث عن تفسير إيجابي للدين ويشترك فيه باحثون من غير الاجتماعيين _ بالمعنى الحصري _ ويتضمن ذلك الكتابة عن دور الدين في التغيير الاجتماعي أو التنمية، أو في الضبط الاجتماعي. ويمكن ادراج كتابات "التراث والمعاصرة" و "الأصل والعصر" و "التجدد الذاتي" و "الهوية أو الذاتية والآخر" ضمن هذا التيار. وتسعى هذه الفئة إلى إيجاد أسس مشتركة بين الواقع المتغير والنصوص، أو التوفيق بين رؤية / عقيدة وواقع. واهتم التيار الثاني بما يسمى الصحوة الإسلامية أو الإحياء الديني، أو الحركات الدينية أو الجماعات الاسلامية المتطرفة. وتتسم مثل هذه الدراسات بطابع سياسي وإعلامي يلاحق الأحداث الآنية، فهي في الواقع تنقب عن الدور السياسي _ تقدماً أو تراجعاً _ للدين وبالذات الإسلام، وهذا وليد تحولات إيران بعد الشاه وتعاظم نفوذ الدول النفطية _ الاسلاموية، وهي كتابات انطباعية في الغالب.
يفتقد التياران النظرية الاجتماعية في تفسير الدين أو الحركات الدينية أو الأدوار الدينية. وعندما تبحث الكتابات عن نظرية، فهي لا تتعدى دوركايم، تنتقي منه المقولات والفرضيات التي تودها، وتبتعد كلها عن معالجة الدين كنظام للمعنى (Meaning System) يؤسسه الإنسان، أو بالأصح، المجتمع ليعطي إطاراً شاملاً للفعل والفهم الإنسانيين. حتى بالنسبة إلى النموذج الدوركايمي فهو صالح في حال تعديله، بحيث يستوعب حقيقة أن الدينامية الداخلية محكومة بقوى وعلاقات الانتاج أكثر من العوامل الديمغرافية مثل نسب الطعام إلى السكان. إضافة إلى تعديل المنحى المثالي الذي يركز على الاستجواب الايديولوجي عما هو الخير والحق (القيم)، ليعطي اعتباراً أكثر استجواب ما هو الإدراك (Cognition) وما هو الممكن أو الخيال (Imagination). وهذا تركيب للمنظور السوسيولوجي مع المادية التاريخية. وهناك نقاط التقاء كثيرة بينهما، بالذات التطور التاريخي للظواهر بما فيها الأفكار وعملها في علاقات بالظواهر الأخرى.
نجد خارج التيارين السابقين كتابات حاولت أن تتخذ شكلاً نقدياً في التعامل مع الظاهرة الدينية، ولكن أغلب هذه الكتابات كانت معارك فكرية وكأنها حوار عقول مع عقول، ولا تهتم كثيراً بالاصول الاجتماعية. وقد انتجت الفترة التي أعقبت حرب حزيران/ يونيو 1967 أعداداً من هذه الكتابات أبرزها كتاب صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني وقد أثار ضجة كبيرة لدى صدوره. وهدف الكتاب كما حدّده مؤلفه، هو التصدي "بالنقد العلمي والمناقشة العلمانية والمراجعة العصرية لبعض نواحي الفكر الديني السائد حالياً بصوره المختلفة والمتعددة في الوطن العربي"، والكتاب لا يخلو من إشارات إلى أن الفكر الغيبي هو تعبير عن الأوضاع الاقتصادية وعلاقات الطبقات المختلفة. ومن الملاحظ أن المهتمين بالفلسفة وقضايا الفكر والثقافة هم الذين حملوا عبء الكتابة عن الدين. ولكن يهمنا _رغم تقديرنا لتلك المساهمات القيّمة _ التعرف إلى الكتابات الاجتماعية التي تطرح أسئلة مثل: لماذا ساد مثل هذا النوع من الفكر أو الحركة الدينية في هذا الوقت بالذات وداخل هذا المجتمع بعينه.
3_ هل من الممكن دراسة الإٍسلام اجتماعياً؟
يواجه المنهج الاجتماعي _ التاريخ في دراسة الدين اشكالية العلاقة بين المتعالي أو فوق الطبيعي أو فوق البشري وبين المجتمع المادي أو الطبيعي أو البشري. وفي حالة الإسلام بين النص المقدس (القرآن الكريم والسنّة) وبين ضرورات الحياة العادية وظروفها. ويعطي قول الشهرستاني: "إن النصوص متناهية وإن الوقائع غير متناهية وإن المتناهي لا يحكم غير المتناهي" إشارة الى إمكانية غلبة الواقع على النص. ولكن على مثل هذا القول أن يواجه مسألة القول بصلاحية النصوص لكل زمان ومكان. وهذه مهمة أي دراسة اجتماعية للظاهرة الدينية، أي البحث عن علاقة النصوص المقدسة بالواقع؛ وهذا مدخل يسهل المهمة بتضييق الفجوة بين المطلق والنسبي. ويؤكد أحد المفكرين الدينيين المستنيرين وجود علاقة عضوية بين الفكر والواقع، ويرى أن أسباب نزول الآيات دليل على وجود مشكلة أو موقف واقعي محدد جاءت الآيات بشرحه وبيان كيفية التصرف فيه. كذلك يثبت التدرج في النزول، والنسخ إضافة إلى اللغة والأمثال المستعملة، وجود علاقة بين القرآن والواقع المعاش. ولكن عالِم الاجتماع لابد له من منهج دينامي متغير، وعندما يحلل الدين من منظور اجتماعي فهو ليس مطالباً بـ "التركيز على النصوص المجردة أو على التعاليم الدينية بحد ذاتها بل على السلوك الديني في الحياة اليومية وفي محتواه الاجتماعي التاريخي ضمن إطار الصراعات القائمة في المجتمع"؛ لذلك فإنه إذا كان الاسلام يظهر واحداً كما تبرزه نصوص القرآن والسنة، فإن الممارسات التاريخية والاجتماعية لهذا الإسلام تتعدد وتختلف معتمدة على تفسيرها الخاص للنصوص لتسند موقفها وتعطيه مشروعية خاصة.
بوسع الباحث أن يمسك بكثير من الخيوط التي تثبت اجتماعية الظاهرة الدينية، ولكن أغلب هذه المساهمات جاءت من مؤرخين. ومن هذه التفسيرات الدراسات الخاصة بظهور الفرق والمذاهب الفكرية ضمن الإسلام. فهذا يؤكد أن الإسلام تأويل وقراءات تختلف بحسب القوى والفئات الاجتماعية التي تساند فهماً بعينه. ومن التبسيط إرجاع الاختلافات إلى آراء دينية فحسب، ولكنها مواقف سياسية _ اجتماعية تتقنع بوجوه دينية. فجماعات مثل الخوارج والشيعة والمعتزلة لا تُفهم بحسب التحليل السياسي أو الفكري فقط، وبالتالي البحث عن موقعها المجرد من السلطة، أو البحث عن أصول فكرها والتأثيرات التي تعرضت لها. فاسم الخوارج _بحسب الخالدي _ يطلقه المؤرخون على فئات عديدة لها آراء دينية ذات صبغة خاصة، والإسم يشمل فئات اجتماعية مختلفة جمعتها مصالح اقتصادية واجتماعية في فترات معينة. فثورتهم على الإمام عليّ لها إضافة إلى الأسباب الدينية، أسباب أخرى تتلخص في أن هؤلاء المقاتلين رفضوا مركزية الحكم وأرادوا الاستئثار بالأراضي التي فتحوها والإستفادة منها. فالخوارج ظاهرة عربية عسكرية تعتبر أن الغزو يمنح الغازي الحق في قطف ثمار غزوه ويعطيه منزلة خاصة في المجتمع، ثم تأتي النظرة الدينية لهذه الفئة الاجتماعية لتبرر وتشرعن نظرتها الاجتماعية أو وضعها الاجتماعي.
هناك جوانب أخرى تؤكد اجتماعية الظاهرة الدينية في المجتمع العربي _ الإسلامي مثل الفقه والتشريع. فقد بدأت المشكلات الجديدة تظهر بحدة خلال القرن الثالث، وأحسّ الفقهاء بخطر التغيرات على تماسك المجتمع والدولة. ويصف أحد الكتّاب التطور المجتمعي وأثره في الفقه الإسلامي قائلاً: "واستجابة لهذه المشكلات المتفاقمة ظهرت المنظومة الحقوقية الاسلامية التي سماها فقهاء الأحناف والمالكية البديهيات الخمس: حق النفس، وحق الدين، وحق العقل، وحق العرض، وحق المال". أما في التشريع، فإن الحديث عن مقاصد الشريعة والمصلحة يؤكد نسبية بعض أحكام الشريعة، لأن بعض المقاصد والمصالح متغير بحسب الواقع.
هناك نقطة أخرى تساعد في مقاربة الظاهرة الدينية في المجتمع العربي _ الاسلامي، وهي خاصة بالسؤال السابق: لماذا تظهر أفكار أو عقائد معينة في زمان أو مكان ما؟ فالإسلام لم ينشأ في فراغ، فقد جاء في بيئة محددة وفي حقبة تاريخية لها شروط خاصة. هذا وقد جاء الإسلام والأحوال في مكة والجزيرة العربية تنبىء بالحاجة إلى منقذٍ أو مخلّص، وهذه ظروف مرت بها نشأة كل الأديان. وينجح الدين عندما تكون الظروف مهيأة لقبول ذلك المنقذ والإمتثال لتعاليمه التي تجيء تعبيراً عن الحاجة الروحية والمادية (أي السياسية والاقتصادية) للجماعة التي ينتمي إليها. ويتضافر نضوج اللحظة التاريخية مع عوامل مثل شخصية المنقذ ومضمون التعاليم وطرق تطبيقها في عملية نجاح الدعوة الجديدة واستمرارها. ويضيق المجال هنا عن وصف مكة قبل الإسلام، وبالذات أوضاعها الاقتصادية والمؤثرات الفكرية والعقيدية التي تتعرض لها، ثم بحث الفئات الاجتماعية التي ساندت الإسلام وتلك التي عارضت. إن التدرج في نزول الأحكام إضافة إلى المحافظة على بعض المعتقدات والممارسات قبل الإسلامية، وتمثل بعضها ودمجها في الدين الجديد _كل هذا يعكس جانباً تاريخياً في الدين ويؤكد استمرارية تاريخ المنطقة، وأن الاسلام جاء ضمن سياق التطور التاريخي للجزيرة العربية.
تثبت ماجريات الأمور، وبالذات في ما يتعلق بالتطورات السياسية ذات الغطاء الايديولوجي الديني، تاريخية الظاهرة الدينية الإسلامية. فابتداء من اجتماع السقيفة لاختيار خليفة للرسول، مروراً بالردّة ثم قيام الدولتين الأموية والعباسية، حتى إلغاء الخلافة في عشرينات هذا القرن، كل هذه أحداث ووقائع وصراعات إنسانية حكمتها المصالح والأوضاع الاقتصادية _ الاجتماعية والمواقف السياسية والفكرية. ورغم أنها استندت جميعاً إلى التفسير الإسلامي، مع تعرض المعسكرين في كثير من الأحيان. وفرضت النواحي الاجتماعية _ الاقتصادية نفسها على كتابات مؤلفين ليسوا علماء اجتماع أو ماركسيين، ولكن بروز تأثيرها في الأحداث وتحريكها للواقع لفت انتباه هؤلاء المؤلفين. وأفضل مثال لذلك كتاب طه حسين عن الفتنة الكبرى، الذي جاء وصفا دقيقاً للتطورات الاقتصادية والاجتماعية وأثرها في حياة الصحابة ومواقفهم وطريقة إدارة الصراع.
ليست الظاهرة الدينية الإسلامية استثناءً، فهي خاضعة للتحليل التاريخ _ الاجتماعي. وبالفعل ظهرت دراسات عالجت الدين كجزء من الايديولوجيا أو من منظور ثقافي أو انثروبولوجي، أو علاقته بالأخلاق الاقتصادية إضافة إلى الدين ضمن سيرورة التغير الاجتماعي والاحتكاك بالآخر (الغرب). وتعرض فيما يلي تعريفاً مختصراً لأهم عناصر هذه المقاربات السوسيولوجية في دراسة الاسلام.
أ_ الاسلام جزء من الايديولوجيا
يجد رودنسون في تاريخ الإسلام في القرون الوسطى والإسلام الحديث منطلقاً مفيداً. فهو يبدأ بالقول بعدم وجود تشابه بين إسلام المجتمع في العصر الوسيط وبين إسلام بدء الدعوة عند مولد الدين. لذلك يعتبر ان ايديولوجيا هذه الفترة إجمالاً ذات لون إسلامي، وتلتحق بصورة مصطنعة نوعاً ما بنظام الأفكار الذي طرحه مؤسس الإسلام وعرضه القرآن. وهذا يقود إلى نظام ايديولوجي غير متجانس، ولكنه ضروري، بل يعتبر رودنسون أن الطابع غير المتجانس للأنظمة الايديولوجية طبيعي تماماً، لأنه يؤدي وظيفته في الوحدة والتماسك وبقاء الأمة (الدولة الاسلامية). وتتسم الايديولوجيا بمرونة تصل إلى حد التناقض كما يظهر في فتاوى العلماء. وتسمح الدولة بقدر من التجاوز للايديولوجيا لا يهدد وجودها ولكن يقوم بوظيفة التوازن (Equilibrium) تجنباً للصراع العدائي.
يناقش مورو بيرغر الفكرة نفسها من منطلق مختلف لا يرتكز على المنهج الماركسي مثل رودنسون. فهو يرى _استناداً إلى شاخت _ أن القانون الإسلامي تطور ليس نتيجة ارتباطه بالتجربة، بل كتعبير عن مثل أعلى ديني مضاد للتجربة، لأن رجال الدين حكموا على العادات الموجودة بتعاليم الإسلام. ونجم عن ذلك وضع استمر حتى العصر الحديث يتسم بوجود فجوة بين المثل الأعلى والواقع، ويرى أن نتيجة ذلك وجود ثلاثة توازنات أو توترات في الإسلام التقليدي ما زالت تعمل عملها في المجتمع العربي _ الإسلامي، وهي بين العناصر الدينية والدنيوية، وبين الفرد والجماعة، وبين المثل العليا الصحراوية والمدنية. ونعتقد أن الملاحظة صحيحة إلى حدٍ ما، ولكنها قد تقع في التحليل الاستاتيكي الذي يتبعه كثير من الباحثين حين يتعاملون مع المجتمع _الإسلامي ككيان ثابت وخالد أو يكاد لا يتغير ولا يؤثر فيه التاريخ ولا ايقاعات الحياة الاجتماعية المتحركة دوماً.
يحاول رودنسون البحث عن الطريقة التي تتلاءم بواسطتها الايديولوجيا مع التوترات أو التغييرات الحادثة، وبالذات مواجهة التفوق الأوروبي الذي يعرّض الايديولوجيا القائمة لاستجواب جديد. ويرى من البداية أنه ليس هناك ايديولوجيا غير الدين يمكن تعميمها على المجتمع وتستطيع أن توحد الناس، فهو يعتبر العلمانية ذات طابع نخبوي. ولكن الإسلام في نظره لم يعد ايديولوجيا شمولية بخاصة بعد التيارات التي دخلته منذ العصور الوسطى، ومع توقّع تعدد الايديولوجيات الفرعية ضمنه.
ب_ البعد الثقافي لدراسة الإسلام
هذا تيار كبير لأنه يضم أعمال المستشرقين، إلا إذا حددناه بالبعد الثقافي _ الانثروبولوجي. فقد اهتم المستشرقون بالاسلام كنمط ثقافي متميز وألصقوا به تسميات ثابتة مثل الروحانية والسحر والغموض واللفظية والشاعرية والرومانسية واللاعقلانية، وغيرها من المسميات التي لا تخلو من الاستعلاء والمركزية الثقافية والتي تطلق على ثقافات الشرق ومن بينها _بل وأهمها _ الإسلام.
دراسات الاستشراق الحديث التي بحثت الاسلام كثقافة لا تستوقفنا كثيراً من ناحيتها الاجتماعية والانثروبولوجية على الرغم من أن بعضها مثل كتابات غب (Gibb) وغرونباوم (Grunebaum) لامست موضوعات مثل الهوية الثقافية والاحتكاك بالغرب. ولكن وقعت في قصور كتابات المستشرقين نفسه. فالإسلام عند غب بنية فوقية لم تتغير كثيراً طوال القرون السابقة، وهذا غلو _كما يقول إدوارد سعيد _ خاص بالاستشراق فقط، وتتحدث أعماله عن إسلام مجرد لا نعلم أين يحدث في الزمان والمكان المحسوسين. وفي المجرى نفسه تأتي كتابات غرونباوم الذي يتحدث عن لعبة الروحانية الشرقية والمادية الغربية وعدم المس بالروحانية أو الأخذ من مادية الغرب بصورة "لا تتناقض مع روحانيتنا" (أي الشرقية)، وبالتالي عدم الشعور بالنقص تجاه الغرب كخداع سيكولوجي، ويؤخذ عليه مطابقته التاريخ الواقعي والتراث كنظام ذهني، فهذا اختزال للواقع لأنه قد يكون المطلوب أو المكتوب شيئاً وما يحدث فعلياً هو شيء آخر.
يختلف منهج البعد الثقافي _ الانثروبولوجي كثيراً عن المقاربات التي مثّلنا لها إذ يعتمد على المقابلة ويهتم بالتاريخ والفلسفة، وبالتالي يصل إلى نسبية الثقافة في تطورها عندما تقارن مع نفسها في الماضي أو بثقافات معاصرة أخرى. ويعتبر غيرتز من أهم ممثلي هذا الاتجاه، بخاصة وهو يصل إلى أن الدين نظام للمعنى أو نسق للرموز يمكن بتحليلها فهم الدين انثروبولوجياً.
حاول غيرتز تطبيق منهجه في أحد كتبه المهمة الذي تابع فيه التطور الديني في مراكش وأندونيسيا، أو روح (Ethos) المجتمع، ثم أثر النصوص والتاريخ (هنا اثر الاستعمار) في المؤسسات الدينية والسياسية وفي عقول الناس أيضاً. وهذه عناصر نظريته، فهو يقول بأن المطلوب ليس البحث عن تعريف للدين فلدينا الكثير من التعريفات، ولكن المهم أي أنواع الايمان وتحت أي ظروف. ويرى أن الهدف من أي دراسة علمية منتظمة للدين ليس وصف الأفكار والأفعال والمؤسسات، ولكن المطلوب كيف يحدد، وبأي طريقة. أن بعض الأفكار والأفعال والمؤسسات تثبت أو تعجز عن تثبيت أو حتى تعميق الإيمان الديني. وهذا يعني ببساطة أن نفرق بين الاتجاه الديني نحو التجربة وبين أنواع الأداة الاجتماعية التي كانت خلال زمان ومكان معينين ارتبطت عادة بدعم مثل هذا الاتجاه.
يعبّر غيرتز عن اجماعية الدين وارتباطه بالواقع بطريقة بليغة حين يقول: "قد يكون الدين حجراً مقذوفاً على العالم، ولكن لا بد من أن يكون حجراً محسوساً وأن يقذفه شخص ما" ويرى أنه مهما كانت مصادر الايمان عند الفرد أو الجماعة فلا بد من أن تسند في هذا العالم بأشكالٍ رمزية وتنظيمات اجتماعية؛ وماهية أي دين _أو محتواه المحدد _ تتجسد في التصورات والمجازات التي يستعملها الاتباع في تميز الحقيقة. وهذا المجال الديني في تطوره التاريخي يقوم على المؤسسات التي تعطي أولئك الذين يوظفونها تلك التصورات والمجازات المتاحة. ولذلك يقول بأنه لا يمكن فهم الإسلام مع النبي من دون العلماء، ولا الهندوسية من دون الطوائف إضافة إلى الفيدا.
درس غيرتز كيف تطور دين واحد له التعاليم نفسها بطريقتين مختلفتين بحسب الظروف التاريخية _ الاجتماعية. كذلك كيف تؤثر الثقافة المحلية في الدين الواحد، أي العلاقة بين النص والفعل. ويشير إلى أزمة تتمثل في الصدام بين ما أوحى به القرآن أو ما يرى السنيون أنه قد أوحى به، وبين ما يؤمن به حقيقة من يسمون أنفسهم مسلمين. واختلفت طريقة معالجة هذا التناقض في المجتمعين. فقد كانت المعالجة بالنسبة إلى المغرب تتسم بموقف غير مساوم ومتشدد يحاول العودة إلى أصول نقية معتمدة على الكتاب والسنّة. بينما كان رد الفعل الأندونيسي في مواجهة الأزمة تكيفياً وعملياً وتدريجياً، ويعود ذلك إلى الحياة الاجتماعية التي تعيشها كل مجموعة. ويهتم بخصوصية الظاهرة، وهذا يمكن الباحث من التعميم لأنه يدرس كيف عملت التعاليم الدينية الواحدة في بيئة ما بصورة مختلفة.
يتميز منهج غيرتز بأنه قد ركز على الاجتماعي إذ إنه جعل الظاهرة الدينية متفاعلة بطريقة وثيقة مع الواقع والتغيرات الاجتماعية. ويحاول أن يستفيد من معارف متشعبة تمكّنه من الفهم، ولا يقطع كذلك صلته بتراث شارك فيه عدد من علماء الاجتماع المهتمين بالدين والسحر والطقوس، وبالذات فيبر ودوركايم ومالنوفسكي وفرويد.
من العلماء المتحمسين لهذا الاتجاه محمد أركون الذي يدعو إلى أن يستفيد المنهج الثقافي الانثروبولوجي من علم النفس واللغة والتاريخ والفلسفة واللاهوت. ويطالب بتطبيق فكرتين لم تسترعيا انتباه المستشرقين ودارسي الاسلام وهما: الشخصية الأساسية بحسب كاردينز ولينتون، والوعي الميثي (الأسطوري؟) بالاستفادة من بنيوية ليفي شتراوس. وفي مقدمة أحد كتبه المهمة التي حاول فيها بحث الفكر الإسلامي يبدأ بالسؤال عن كيفية درس هذا الفكر. ويجيب بضرورة الانطلاق من القرآن وتجربة المدينة لأنهما "ادخلا شكلاً من الحساسية والتعبير ومقولات فكرية ونماذج للعمل التاريخي ومبادىء لتوجيه السلوك الفردي". ويهتم بجانب ضروري وهو "وضع اللغة وطريقة التعبير السائدة والمفردات المستخدمة وعلاقة ذلك بالزمن ومشروطيته". فقد كانت اللغة والفكر في فجر الإسلام حين نزول القرآن مرتبطين بشكل مباشر ووثيق بالواقع المعاش، ولكن التفاسير أضافت الكثير نتيجة المؤثرات المتنوعة إضافة إلى العناصر الأسطورية والمخيال الشعبي الأمر الذي سبّب تقنيع الحقائق وأعطاها هيبة متعالية، وإن كان أركون يعتبرها هيبة فوق فردية وليست فوق بشرية، أي كأنها تمثل العقل الجمعي كما عند دوركايم. فكل مجتمع _بحسب اركون _ يفرز أساطير ملائمة لنقل تقاليده وتلبي حاجاته المادية والروحية الراهنة وتتداخل مع المتطلبات العقلية بهدف حفظ توازن البنية الاجتماعية بايجادها التبرير المباشر للوعي.
يدعو الباحث إلى ما يسميه زحزحة (Deplacement) منهجية ومعرفية تهدف إلى الوصول إلى حوافز السلوك الحقيقية ونزع أي أقنعة تُلبس البشر شعارات دينية. ويعني كل هذا ضرورة معالجة التراث الاسلامي ضمن اطار التحليل والفهم الانثروبولوجي الذي يتركز حول المنشأ التاريخي للوعي الإسلامي، وتشكّل بنيته عبر عملية الخلق الجماعي. وينتهي الباحث إلى أن الفكر والاجتهادات بالذات في التراث الاسلامي تعبّر عن متطلبات ايديولوجية لطبقة أو فئة اجتماعية معينة. والحقيقة _كما يرد _ تتجسد دائماً، وفي كل مكان، عن طريق الفاعلين الاجتماعيين، أي البشر، فهي شيء ملموس ومحسوس. ويطرح المبادىء التالية:
1_ ليس هناك من حقيقة غير الحقيقة التي تخص الكائن الانساني المتفرد والمتشخص والمنخرط ضمن أوضاع محسوسة قابلة للمعرفة.
2_ إن الحقيقة موجهة لكي تُعلن وتنشر ضمن وسط اجتماعي _ تاريخي يتنافس فيه أناس مختلفون من أجل الوصول إلى السلطة والسيطرة عليها.
3_ إذا كانت الحقيقة بكل أشكالها تتجسد دائماً عن طريق وساطة الإنسان في عمل لا ينفصم من التعبير والذكاء والإرادة، فإنها تتطلب مستويات عديدة من التحليل مثل اللغوي والتاريخي والسوسيولوجي والانثروبولوجي والفلسفي.
يدعو أركون إلى ما يسميه "الاسلاميات التطبيقية" التي تدرس الاسلام ضمن منظور المساهمة العامة لإنجاز الانثروبولوجيا الدينية. وقام بعملية اعادة قراءة القرآن (الفاتحة)، تخضعه لـ "محك النقد التاريخي المقارن، والتحليل الألسني التفككي، والتأمل الفلسفي المتعلق بانتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه". رغم مساهمات الباحث المهنية المهمة، إلا أن مجاله يتركز أكثر على الفكر أو العقل أو الوعي الإسلامي، فهو لا يهمل المجتمع والعلاقات الاجتماعية تماماً حيث يقول "إنه يحاول فهم كيفية اختراق الدين وسطاً اجتماعياً ما ومدى تمثله فيه أو مدى نجاحه أو فشله، ثم العكس، أي مدى تأثير هذا الوسط في الدين الرسمي وكيف يعدله ويحور فيه ويغيره".
ج_ الاخلاقية الاقتصادية للدين
يعتبر ماكس فيبر الرائد الحقيقي لمبحث الأخلاقية الاقتصاديةوالدين. وفي تعريف للمصطلح يستبعد في البداية صلة المفهوم بنظريات الأخلاق من منطلقها الديني أو اللاهوتي الصرف، ويقول إن المصطلح "يشير إلى دوافع الفعل العملية التي نجدها في النسيج النفسي والعلمي _ البراغماتي للأديان. هناك أشكال تنظيم اقتصادي معين تتفق مع أخلاقيات اقتصادية محددة، والأخلاق الاقتصادية ليست مجرد وظيفة تشكل تنظيماً اقتصادياً، وليس العكس (...) في وجه مواقف الإنسان من العالم _ كما يحددها الدين أو أي عامل داخلي _ للأخلاق الاقتصادية، وهو يركز في نظرته، على فئات اجتماعية معينة أثّرت أكثر من غيرها في الأخلاق العملية في أديانها، وعلى الرغم من احتمال تغير الفئة تاريخيا، ولكنه يعني _كما يقول _ بالفئات التي قد يكون أثر أسلوب حياتها أكثر وضوحاً في أديان معينة. ومهما كان وقع الآثار الاجتماعية المحددة اقتصادياً وسياسياً في الأخلاق الدينية فهي _بحسب فيبر _ تتخذ طابعها الأساسي من مصادر دينية، مثل البشارة والوعد. وكثيراً ما تعيد الأجيال تفسيرها بطريقة أصولية، وتعدّل الاتهامات بحسب حاجات الجماعة الدينية. ويرى أن القيم المقدسة هي في الواقع من هذه الدنيا مثل الصحة والثروة وطول العمر، أما الزاهدون والمتصوفة فهم يتوقون إلى قيم مقدسة في عالم آخر. وتتأثر القيم المقدسة بطبيعة المصالح وحياة الفئة الحاكمة، أي بالتراتب الاجتماعي.
اشتهر فيبر بنظريته عن دور البروتستانتية في نشوء الرأسمالية، وعلى الرغم من أنه لم يعط علاقة سببية بينهما، فقد قصد أن يقول _بحسب نظريته عن الفهم "أن الذهنية البروتستانتية كانت أحد مصادر عقلنة الحياة التي ساهمت في تكوين ما يسميه الروح الرأسمالية، ولم تكن السبب الوحيد أو الكافي للرأسمالية نفسها". ويأخذ عليه البعض أنه يوحي بأن الحضارة الغربية تتميز بذهنية ذات درجة عالية من العقلانية، هي التي أنتجت هذا النظام الاقتصادي بينما عجزت الأديان الأخرى، ومن بينها الإسلام، عن ذلك. فقد يكون السبب ليس غياب العقلانية عن تلك الأديان ولكنها بدت عاجزة عن ابتكار الأدوات التقنية وعن امتلاك الوسائل الروحانية لتطور أكبر، وهو مطالب بتحديد أسباب هذا العجز. والعقلانية مفهوم نسبي، ويُرجع باحثون آخرون أسباب تطور الرأسمالية في القرنين السادس عشر والسابع عشر بالذات في هولندا وانكلترا ليس الى القوى البروتستانتية ولكن إلى التحركات الاقتصادية الكبرى، وبخاصة الكشوفات الجغرافية ونتائجها.
أما بالنسبة إلى وضع الاسلام ضمن العلاقة بين الأخلاق الاقتصادية والدين، فهناك ملامح نظرية تنطبق على كل الأديان العالمية، وهي أن الوصايا الدينية عن السلوك بالذات تلك الأكثر واقعية قد يكون لها أثر مباشر في النشاطات الاقتصادية، كما أن المجموعات الدينية يمكن أن توجه الدوافع والاهتمامات الانسانية نحو عدد من الأهداف قد يكون من بينها هدف اقتصادي، مثلاً. من ناحية الاختلاف بين الاسلام والبروتستانتية بالذات، فقد أخطأ فيبر حين تحدث عن أخلاقية مقاتلين في الاسلام لونت رؤية المسلمين للعالم. فقد عدّل المحاربون _حسب فيبر _ تأويل الرسالة المحمدية لتلبي حاجات جديدة هي فتح البلدان الأخرى. فالجهاد مبدأ اسلامي، ولكنه وضع في سياق تبريري وتسويغ مختلف. وهو لا يرجع العجز العقلاني في المجتمع الاسلامي الى أسباب نفسية بل إلى البناء الذي ظهرت فيه الدول الاسلامية والجماعات الاجتماعية التي سادت. والسبب الآخر المقابل لتفسير المحاربين للدين هو موقف الصوفية الانسحابي، وفي الحالتين يفتقد الاسلام الأخلاقية المساعدة في نشوء الرأسمالية. وأثرت الأخلاق المقاتلة في المؤسسة السياسية (نظام السلطنة) وفي شكل المدينة (معسكر) التي ظلت تنتج حاجات الدولة فحسب _كل هذا اثّر في احتمالات أي تطور اقتصادي _ اجتماعي عقلاني قد يقود إلى الرأسمالية. ومن الواضح غياب الصراع والتناقضات في الصورة التي قدّمها فيبر عن المجتمعات الاسلامية تاريخياً.
هناك محاولة موازية لتحليلات فيبر للاسلام تسعى من زاوية مختلفة الى فهم العلاقة بين الاسلام والاقتصاد، ويظهر داخلها نقد لفرضيات فيبر. يرى رودنسون أن فيبر اخطأ حين اعتبر ان الايديولوجيا الاسلامية تتعارض مع العقلانية اللازمة لنشوء الرأسمالية، لأن سبب ذلك ليس في الاسلام ولكن في العوامل التي تكوّن أساس تلك الايديولوجيا "أي في جماع الحياة الاجتماعية للعالم الاسلامي، وفي العقائد السابقة، بما في ذلك المسيحية في صيغتها الشرقية". ويرى ان الاسلام لم يكن في جوهره عقبة في سبيل نمو اخلاقية تتجه نحو الرأسمالية، ونجد الدليل في مجموعات مثل سكان الزاب في جنوب الجزائر المنتمين إلى الشيعة الاباضية التي تشبه في كثير من النواحي الكالفينيين، مؤسسي الرأسمالية عند فيبر، لذلك فالعلة ليست في أفكار جماعة ما ولكن في وضعها الإجتماعي.
--------------------------
المصدر : الدين في المجتمع العربي

Heba Khled
08-31-2011, 04:20 AM
الظاهرة الدينية في المجتمع العربي الاسلامي
حيدر ابراهيم علي

1_ في الفكر العربي وظاهرة الدين
لقد أثر الدين في المعرفة والبحث في المجتمع العربي من حيث اختيار النظريات والمناهج والميادين. ووضع الحدود التي لا تتعارض مع تعاليم الدين وروحه. وفكرة العلم النافع وغير النافع التي ترد في التراث كثيراً تعبّر عن تدخّل الدين أو توجيهه المعرفة المطلوبة حتى تأتي ملبية الحاجات المجتمعية والفكرية، ولكي تحافظ على الوحدة والتماسك في كثير من الأحوال. وقد كانت كلمة العلم والعلماء، وما زالت _في بعض الحالات _ ترتبط بالمعارف الدينية وأهلها. أما الظاهرة الدينية، الموضوع، فقد ظلت خارج ميدان الدراسة العلمية لأنها تتضمن فوق البشري والمتعالي. وتنتهي حدود أي دراسة عن الدين عند الشرح أو التأويل الذي يُمكّن الدين من مسايرة مستجدات التاريخ والتطور.
أخذت دراسة الظاهرة الدينية حيزاً كبيراً في الفكر العربي _ الاسلامي المعاصر، ولكن علم الاجتماع في الوطن العربي بتعريفه ومحاولاته المعروفة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والبحثية لم يساهم بقدر وافٍ في دراسة الظاهرة الدينية بوسائله وتحليلاته الخاصة رغم أهمية الظاهرة.
كذلك نعني بالتفسير الاجتماعي _ التاريخي للظاهرة الدينية الاجابة عن نشأة الدين ووظائفه وتوظيفه، بتتبع التطور الزمني والسياق الاجتماعي والثقافي للظاهرة. ونستطيع القول، بحسب الفهم المعروف لعلم الاجتماع والمقصود من الدراسة الاجتماعية للدين، إن الميدان في كليته ما زال بعيداً عن البحث والتناول رغم وجود دراسات عديدة بالذات الفلسفية والفكرية والسياسية في الفترة الأخيرة جاءت تبحث في عجلة عن الواقع الذي تنامت ضمنه الاتجاهات والتيارات الدينية.
هذا قصور في علم الاجتماع العربي، وشكل من ملامح أزمته الراهنة، إذ يفتقد التحليل السوسيولوجي ظاهرة البعد التاريخي والوعاء الاجتماعي الذي تتفاعل وتنمو الظاهرة داخله، وتعالج غالباً كموضوع لا تاريخي، مجرد خارج المجتمع. ودراسة الظاهرة الدينية اجتماعياً مثال ساطع على هذا التناول الناقص الذي لا يتعرض للتأثير المتبادل بين الدين وبقية الظواهر الاجتماعية والمجتمع الكلي.
يمكن أن نعيد أسباب انتشار هذا التناول التناقصي الى ظهور منهج أو دعوة الى منهج يتضمن العقيدة او الايديولوجيا الدينية كجزء أساسي. وهذا يجعل من الدراسة الموضوعية للدين أمراً مستحيلاً إذ يكون الباحث ملاحظاً مندمجاً وليس مجرد مشارك في الظاهرة، وبالتالي تأتي النتائج والفرضيات تعبيراً ذاتياً. هناك دعوة تجد قبولاً وانتشاراً في الأوساط العلمية تطالب بمنهج يبدأ بالإقرار بحقيقة المفهوم المحوري في الايديولوجيا السائدة، ايديولوجيا الحضارة الاسلامية، والمفهوم المحوري عندها هو الايمان بالله الواحد الخالق. ويعتبر هذا الاتجاه أن التسليم بتلك الحقيقة مهم لأنه يلعب الدور نفسه الذي لعبته الايديولوجيا الغربية المضادة (الدنيوية) التي وضعت الانسان في مركز المجتمع والكون بدلاً من الله تعالى وفق عقيدة التوحيد الاسلامية. ورغم أن هذا الاتجاه يقرّ بأن الصيغة الاسلامية هذه فيها ميتافيزيقيا لا علمية، إلا أنه يرى عدم تناقضها مع العقلانية. وهنا المفترق، فالعلم ومن ذلك علم الاجتماع، لا يدرس الميتافيزيقيا، كما أن للايديولوجيا الدينية طرائقها ومنهجها ولغتها الخاصة في تحليل الظواهر التي تختلف عن أدوات علم الاجتماع، مثلاً.
يصل المنهج السابق بأصحابه الى القول: إن المجتمع الاسلامي يتميز عن كل المجتمعات البشرية الأخرى ولا يخضع لما تخضع له من قوانين وتطور، ومثل هذا الفهم يرفع المجتمع الاسلامي، وبالتالي ظواهره جميعاً، عن مستوى البحث الانساني. ويقول أحد الكتّاب حرفياً: إن المجتمع في الاسلام إنما ينبثق من التلازم الوثيق بين التصور الاعتقادي وطبيعة النظام الاجتماعي... ذلك التلازم الذي لا ينفصل ولا يتعلق بملابسات العصر والبيئة... يتميز المجتمع الاسلامي عن المجتمعات الأخرى التي نشأت وفق مقتضيات أرضية ونتيجة صراع داخلي، ومصالح متعارضة... ولذا فليس يندرج تحت تاريخ التطور الاجتماعي ولا تصدق عليه القوانين الاجتماعية التي تصدق على اوروبا. فهو مجتمع شريعة كاملة. ولا يقتصر هذا التعالي على دراسة الظاهرة الدينية، ولكن كل ظواهر المجتمع الاسلامي من سياسية واقتصادية وغيرها لا تصدق عليها قوانين اوروبا، ليس لأنها أوروبية وخاصة، ولكن لأن المجتمع الاسلامي ذو طبيعة مختلفة أساساً عن بقية المجتمعات وظواهره كاملة وسرمدية.
يسعى البعض الى حل الإشكالية بين العلم والدين في مجال علم الاجتماع بمحاولة ايجاد علم اجتماع انساني _ إلهي، وذلك لأن العلوم الاجتماعية في الغرب، الاشتراكية منها أو الليبرالية، مبنية على "تجاهل حقوق الله وحقوق الانسان الكاملة بجميع أبعادها الروحية ومن شأنها أن تسبب عند دخولها في مجتمع تقليدي لا يزال مبنياً على القيم الدينية والأخلاقية اهتزازاً واضطراباً وفقدان توازن، الأمر الذي يُحدث في المجتمع انقساماً يسبب عند الجماهير غير المتنورة ردّ فعل عنيف يلقي بها في احضان المتطرفين، فيجعلها تتشبث بتقاليد لا تمتّ الى الدين الحقيقي بصلة". وينفي مثل هذا الطرح عن علم الاجتماع علميته وكأن مهمته جعل الجماهير تختار شكلاً معيناً من التدين. ثم لا يقترح الطريقة العملية والمنهجية التي تمكّن من تأسيس علم اجتماع انساني _ إلهي، ويقترح على العالم الاجتماعي ان يستفيد من التراث الاسلامي لمحاولة دراسة الشخصية مع ضرورة تنقية هذا التراث وتمييز "ما هو اسلامي صرف وما هو فارسي أو تركي أو مصري أو فولكلوري الخ...". ليست هذه مهمة الاجتماعي، ولكنها مهمة رجل الدين أو الفقهاء. وهذا يدل على استحالة قيام مثل هذا العالم الالهي _ الانساني. وفي الفلسفة دعوة مماثلة تحاول التوفيق بين الوحي والعقل. وتكتسب هذه الدعوة تأييداً واسعاً تحت اسم تكامل "الوحي والعقل" بهدف معالجة الأزمة الفكرية التي يواجهها المجتمع العربي _ الاسلامي وهي تتخذ أبعاداً متعددة أهمها "الغزو والتبديل الثقافي في مجال العلوم الانسانية والاجتماعية بخاصة، ذلك التبديل الذي جعل عقول ابناء الأمة الاسلامية تتخطى الفكر الاسلامي والتراث الاسلامي أو تدرسه على أنه ظواهر قد اندثرت لا علاقة لها بالحياة المعاصرة ولا حاجة اليها". أما تكامل الوحي والعقل فيقوم على افتراض خطير يحرم العلم من أداة مهمة وهي العقل، فرغم الاعتراف بدوره الا أن أصحاب هذا الاتجاه يقولون: "فالعقل الانساني رغم كل مكانته وإمكاناته في حياة البشر _يظل محدوداً جزئياً يعتمد الاستقراء وتراكمات المعرفة والخبرة لإدراك مسيرته وسبل أدائه. وجاء الوحي على أيدي المعصومين الصادقين من الأنبياء والرسل ليمد العقل الانساني بالمدركات الكلية في علاقات الكون وموضع الانسان منها ومهمة وجوده تجاهها وقواعد علاقاته الانسانية والاجتماعية الأساسية اللازمة لترشيد سعيه وتحقيق غاية وجوده".
2_ حاضر دراسة الدين وأفقها اجتماعياً
ظهر تياران في العقدين الماضيين أحدهما يبحث عن تفسير إيجابي للدين ويشترك فيه باحثون من غير الاجتماعيين _ بالمعنى الحصري _ ويتضمن ذلك الكتابة عن دور الدين في التغيير الاجتماعي أو التنمية، أو في الضبط الاجتماعي. ويمكن ادراج كتابات "التراث والمعاصرة" و "الأصل والعصر" و "التجدد الذاتي" و "الهوية أو الذاتية والآخر" ضمن هذا التيار. وتسعى هذه الفئة إلى إيجاد أسس مشتركة بين الواقع المتغير والنصوص، أو التوفيق بين رؤية / عقيدة وواقع. واهتم التيار الثاني بما يسمى الصحوة الإسلامية أو الإحياء الديني، أو الحركات الدينية أو الجماعات الاسلامية المتطرفة. وتتسم مثل هذه الدراسات بطابع سياسي وإعلامي يلاحق الأحداث الآنية، فهي في الواقع تنقب عن الدور السياسي _ تقدماً أو تراجعاً _ للدين وبالذات الإسلام، وهذا وليد تحولات إيران بعد الشاه وتعاظم نفوذ الدول النفطية _ الاسلاموية، وهي كتابات انطباعية في الغالب.
يفتقد التياران النظرية الاجتماعية في تفسير الدين أو الحركات الدينية أو الأدوار الدينية. وعندما تبحث الكتابات عن نظرية، فهي لا تتعدى دوركايم، تنتقي منه المقولات والفرضيات التي تودها، وتبتعد كلها عن معالجة الدين كنظام للمعنى (Meaning System) يؤسسه الإنسان، أو بالأصح، المجتمع ليعطي إطاراً شاملاً للفعل والفهم الإنسانيين. حتى بالنسبة إلى النموذج الدوركايمي فهو صالح في حال تعديله، بحيث يستوعب حقيقة أن الدينامية الداخلية محكومة بقوى وعلاقات الانتاج أكثر من العوامل الديمغرافية مثل نسب الطعام إلى السكان. إضافة إلى تعديل المنحى المثالي الذي يركز على الاستجواب الايديولوجي عما هو الخير والحق (القيم)، ليعطي اعتباراً أكثر استجواب ما هو الإدراك (Cognition) وما هو الممكن أو الخيال (Imagination). وهذا تركيب للمنظور السوسيولوجي مع المادية التاريخية. وهناك نقاط التقاء كثيرة بينهما، بالذات التطور التاريخي للظواهر بما فيها الأفكار وعملها في علاقات بالظواهر الأخرى.
نجد خارج التيارين السابقين كتابات حاولت أن تتخذ شكلاً نقدياً في التعامل مع الظاهرة الدينية، ولكن أغلب هذه الكتابات كانت معارك فكرية وكأنها حوار عقول مع عقول، ولا تهتم كثيراً بالاصول الاجتماعية. وقد انتجت الفترة التي أعقبت حرب حزيران/ يونيو 1967 أعداداً من هذه الكتابات أبرزها كتاب صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني وقد أثار ضجة كبيرة لدى صدوره. وهدف الكتاب كما حدّده مؤلفه، هو التصدي "بالنقد العلمي والمناقشة العلمانية والمراجعة العصرية لبعض نواحي الفكر الديني السائد حالياً بصوره المختلفة والمتعددة في الوطن العربي"، والكتاب لا يخلو من إشارات إلى أن الفكر الغيبي هو تعبير عن الأوضاع الاقتصادية وعلاقات الطبقات المختلفة. ومن الملاحظ أن المهتمين بالفلسفة وقضايا الفكر والثقافة هم الذين حملوا عبء الكتابة عن الدين. ولكن يهمنا _رغم تقديرنا لتلك المساهمات القيّمة _ التعرف إلى الكتابات الاجتماعية التي تطرح أسئلة مثل: لماذا ساد مثل هذا النوع من الفكر أو الحركة الدينية في هذا الوقت بالذات وداخل هذا المجتمع بعينه.
3_ هل من الممكن دراسة الإٍسلام اجتماعياً؟
يواجه المنهج الاجتماعي _ التاريخ في دراسة الدين اشكالية العلاقة بين المتعالي أو فوق الطبيعي أو فوق البشري وبين المجتمع المادي أو الطبيعي أو البشري. وفي حالة الإسلام بين النص المقدس (القرآن الكريم والسنّة) وبين ضرورات الحياة العادية وظروفها. ويعطي قول الشهرستاني: "إن النصوص متناهية وإن الوقائع غير متناهية وإن المتناهي لا يحكم غير المتناهي" إشارة الى إمكانية غلبة الواقع على النص. ولكن على مثل هذا القول أن يواجه مسألة القول بصلاحية النصوص لكل زمان ومكان. وهذه مهمة أي دراسة اجتماعية للظاهرة الدينية، أي البحث عن علاقة النصوص المقدسة بالواقع؛ وهذا مدخل يسهل المهمة بتضييق الفجوة بين المطلق والنسبي. ويؤكد أحد المفكرين الدينيين المستنيرين وجود علاقة عضوية بين الفكر والواقع، ويرى أن أسباب نزول الآيات دليل على وجود مشكلة أو موقف واقعي محدد جاءت الآيات بشرحه وبيان كيفية التصرف فيه. كذلك يثبت التدرج في النزول، والنسخ إضافة إلى اللغة والأمثال المستعملة، وجود علاقة بين القرآن والواقع المعاش. ولكن عالِم الاجتماع لابد له من منهج دينامي متغير، وعندما يحلل الدين من منظور اجتماعي فهو ليس مطالباً بـ "التركيز على النصوص المجردة أو على التعاليم الدينية بحد ذاتها بل على السلوك الديني في الحياة اليومية وفي محتواه الاجتماعي التاريخي ضمن إطار الصراعات القائمة في المجتمع"؛ لذلك فإنه إذا كان الاسلام يظهر واحداً كما تبرزه نصوص القرآن والسنة، فإن الممارسات التاريخية والاجتماعية لهذا الإسلام تتعدد وتختلف معتمدة على تفسيرها الخاص للنصوص لتسند موقفها وتعطيه مشروعية خاصة.
بوسع الباحث أن يمسك بكثير من الخيوط التي تثبت اجتماعية الظاهرة الدينية، ولكن أغلب هذه المساهمات جاءت من مؤرخين. ومن هذه التفسيرات الدراسات الخاصة بظهور الفرق والمذاهب الفكرية ضمن الإسلام. فهذا يؤكد أن الإسلام تأويل وقراءات تختلف بحسب القوى والفئات الاجتماعية التي تساند فهماً بعينه. ومن التبسيط إرجاع الاختلافات إلى آراء دينية فحسب، ولكنها مواقف سياسية _ اجتماعية تتقنع بوجوه دينية. فجماعات مثل الخوارج والشيعة والمعتزلة لا تُفهم بحسب التحليل السياسي أو الفكري فقط، وبالتالي البحث عن موقعها المجرد من السلطة، أو البحث عن أصول فكرها والتأثيرات التي تعرضت لها. فاسم الخوارج _بحسب الخالدي _ يطلقه المؤرخون على فئات عديدة لها آراء دينية ذات صبغة خاصة، والإسم يشمل فئات اجتماعية مختلفة جمعتها مصالح اقتصادية واجتماعية في فترات معينة. فثورتهم على الإمام عليّ لها إضافة إلى الأسباب الدينية، أسباب أخرى تتلخص في أن هؤلاء المقاتلين رفضوا مركزية الحكم وأرادوا الاستئثار بالأراضي التي فتحوها والإستفادة منها. فالخوارج ظاهرة عربية عسكرية تعتبر أن الغزو يمنح الغازي الحق في قطف ثمار غزوه ويعطيه منزلة خاصة في المجتمع، ثم تأتي النظرة الدينية لهذه الفئة الاجتماعية لتبرر وتشرعن نظرتها الاجتماعية أو وضعها الاجتماعي.
هناك جوانب أخرى تؤكد اجتماعية الظاهرة الدينية في المجتمع العربي _ الإسلامي مثل الفقه والتشريع. فقد بدأت المشكلات الجديدة تظهر بحدة خلال القرن الثالث، وأحسّ الفقهاء بخطر التغيرات على تماسك المجتمع والدولة. ويصف أحد الكتّاب التطور المجتمعي وأثره في الفقه الإسلامي قائلاً: "واستجابة لهذه المشكلات المتفاقمة ظهرت المنظومة الحقوقية الاسلامية التي سماها فقهاء الأحناف والمالكية البديهيات الخمس: حق النفس، وحق الدين، وحق العقل، وحق العرض، وحق المال". أما في التشريع، فإن الحديث عن مقاصد الشريعة والمصلحة يؤكد نسبية بعض أحكام الشريعة، لأن بعض المقاصد والمصالح متغير بحسب الواقع.
هناك نقطة أخرى تساعد في مقاربة الظاهرة الدينية في المجتمع العربي _ الاسلامي، وهي خاصة بالسؤال السابق: لماذا تظهر أفكار أو عقائد معينة في زمان أو مكان ما؟ فالإسلام لم ينشأ في فراغ، فقد جاء في بيئة محددة وفي حقبة تاريخية لها شروط خاصة. هذا وقد جاء الإسلام والأحوال في مكة والجزيرة العربية تنبىء بالحاجة إلى منقذٍ أو مخلّص، وهذه ظروف مرت بها نشأة كل الأديان. وينجح الدين عندما تكون الظروف مهيأة لقبول ذلك المنقذ والإمتثال لتعاليمه التي تجيء تعبيراً عن الحاجة الروحية والمادية (أي السياسية والاقتصادية) للجماعة التي ينتمي إليها. ويتضافر نضوج اللحظة التاريخية مع عوامل مثل شخصية المنقذ ومضمون التعاليم وطرق تطبيقها في عملية نجاح الدعوة الجديدة واستمرارها. ويضيق المجال هنا عن وصف مكة قبل الإسلام، وبالذات أوضاعها الاقتصادية والمؤثرات الفكرية والعقيدية التي تتعرض لها، ثم بحث الفئات الاجتماعية التي ساندت الإسلام وتلك التي عارضت. إن التدرج في نزول الأحكام إضافة إلى المحافظة على بعض المعتقدات والممارسات قبل الإسلامية، وتمثل بعضها ودمجها في الدين الجديد _كل هذا يعكس جانباً تاريخياً في الدين ويؤكد استمرارية تاريخ المنطقة، وأن الاسلام جاء ضمن سياق التطور التاريخي للجزيرة العربية.
تثبت ماجريات الأمور، وبالذات في ما يتعلق بالتطورات السياسية ذات الغطاء الايديولوجي الديني، تاريخية الظاهرة الدينية الإسلامية. فابتداء من اجتماع السقيفة لاختيار خليفة للرسول، مروراً بالردّة ثم قيام الدولتين الأموية والعباسية، حتى إلغاء الخلافة في عشرينات هذا القرن، كل هذه أحداث ووقائع وصراعات إنسانية حكمتها المصالح والأوضاع الاقتصادية _ الاجتماعية والمواقف السياسية والفكرية. ورغم أنها استندت جميعاً إلى التفسير الإسلامي، مع تعرض المعسكرين في كثير من الأحيان. وفرضت النواحي الاجتماعية _ الاقتصادية نفسها على كتابات مؤلفين ليسوا علماء اجتماع أو ماركسيين، ولكن بروز تأثيرها في الأحداث وتحريكها للواقع لفت انتباه هؤلاء المؤلفين. وأفضل مثال لذلك كتاب طه حسين عن الفتنة الكبرى، الذي جاء وصفا دقيقاً للتطورات الاقتصادية والاجتماعية وأثرها في حياة الصحابة ومواقفهم وطريقة إدارة الصراع.
ليست الظاهرة الدينية الإسلامية استثناءً، فهي خاضعة للتحليل التاريخ _ الاجتماعي. وبالفعل ظهرت دراسات عالجت الدين كجزء من الايديولوجيا أو من منظور ثقافي أو انثروبولوجي، أو علاقته بالأخلاق الاقتصادية إضافة إلى الدين ضمن سيرورة التغير الاجتماعي والاحتكاك بالآخر (الغرب). وتعرض فيما يلي تعريفاً مختصراً لأهم عناصر هذه المقاربات السوسيولوجية في دراسة الاسلام.
أ_ الاسلام جزء من الايديولوجيا
يجد رودنسون في تاريخ الإسلام في القرون الوسطى والإسلام الحديث منطلقاً مفيداً. فهو يبدأ بالقول بعدم وجود تشابه بين إسلام المجتمع في العصر الوسيط وبين إسلام بدء الدعوة عند مولد الدين. لذلك يعتبر ان ايديولوجيا هذه الفترة إجمالاً ذات لون إسلامي، وتلتحق بصورة مصطنعة نوعاً ما بنظام الأفكار الذي طرحه مؤسس الإسلام وعرضه القرآن. وهذا يقود إلى نظام ايديولوجي غير متجانس، ولكنه ضروري، بل يعتبر رودنسون أن الطابع غير المتجانس للأنظمة الايديولوجية طبيعي تماماً، لأنه يؤدي وظيفته في الوحدة والتماسك وبقاء الأمة (الدولة الاسلامية). وتتسم الايديولوجيا بمرونة تصل إلى حد التناقض كما يظهر في فتاوى العلماء. وتسمح الدولة بقدر من التجاوز للايديولوجيا لا يهدد وجودها ولكن يقوم بوظيفة التوازن (Equilibrium) تجنباً للصراع العدائي.
يناقش مورو بيرغر الفكرة نفسها من منطلق مختلف لا يرتكز على المنهج الماركسي مثل رودنسون. فهو يرى _استناداً إلى شاخت _ أن القانون الإسلامي تطور ليس نتيجة ارتباطه بالتجربة، بل كتعبير عن مثل أعلى ديني مضاد للتجربة، لأن رجال الدين حكموا على العادات الموجودة بتعاليم الإسلام. ونجم عن ذلك وضع استمر حتى العصر الحديث يتسم بوجود فجوة بين المثل الأعلى والواقع، ويرى أن نتيجة ذلك وجود ثلاثة توازنات أو توترات في الإسلام التقليدي ما زالت تعمل عملها في المجتمع العربي _ الإسلامي، وهي بين العناصر الدينية والدنيوية، وبين الفرد والجماعة، وبين المثل العليا الصحراوية والمدنية. ونعتقد أن الملاحظة صحيحة إلى حدٍ ما، ولكنها قد تقع في التحليل الاستاتيكي الذي يتبعه كثير من الباحثين حين يتعاملون مع المجتمع _الإسلامي ككيان ثابت وخالد أو يكاد لا يتغير ولا يؤثر فيه التاريخ ولا ايقاعات الحياة الاجتماعية المتحركة دوماً.
يحاول رودنسون البحث عن الطريقة التي تتلاءم بواسطتها الايديولوجيا مع التوترات أو التغييرات الحادثة، وبالذات مواجهة التفوق الأوروبي الذي يعرّض الايديولوجيا القائمة لاستجواب جديد. ويرى من البداية أنه ليس هناك ايديولوجيا غير الدين يمكن تعميمها على المجتمع وتستطيع أن توحد الناس، فهو يعتبر العلمانية ذات طابع نخبوي. ولكن الإسلام في نظره لم يعد ايديولوجيا شمولية بخاصة بعد التيارات التي دخلته منذ العصور الوسطى، ومع توقّع تعدد الايديولوجيات الفرعية ضمنه.
ب_ البعد الثقافي لدراسة الإسلام
هذا تيار كبير لأنه يضم أعمال المستشرقين، إلا إذا حددناه بالبعد الثقافي _ الانثروبولوجي. فقد اهتم المستشرقون بالاسلام كنمط ثقافي متميز وألصقوا به تسميات ثابتة مثل الروحانية والسحر والغموض واللفظية والشاعرية والرومانسية واللاعقلانية، وغيرها من المسميات التي لا تخلو من الاستعلاء والمركزية الثقافية والتي تطلق على ثقافات الشرق ومن بينها _بل وأهمها _ الإسلام.
دراسات الاستشراق الحديث التي بحثت الاسلام كثقافة لا تستوقفنا كثيراً من ناحيتها الاجتماعية والانثروبولوجية على الرغم من أن بعضها مثل كتابات غب (Gibb) وغرونباوم (Grunebaum) لامست موضوعات مثل الهوية الثقافية والاحتكاك بالغرب. ولكن وقعت في قصور كتابات المستشرقين نفسه. فالإسلام عند غب بنية فوقية لم تتغير كثيراً طوال القرون السابقة، وهذا غلو _كما يقول إدوارد سعيد _ خاص بالاستشراق فقط، وتتحدث أعماله عن إسلام مجرد لا نعلم أين يحدث في الزمان والمكان المحسوسين. وفي المجرى نفسه تأتي كتابات غرونباوم الذي يتحدث عن لعبة الروحانية الشرقية والمادية الغربية وعدم المس بالروحانية أو الأخذ من مادية الغرب بصورة "لا تتناقض مع روحانيتنا" (أي الشرقية)، وبالتالي عدم الشعور بالنقص تجاه الغرب كخداع سيكولوجي، ويؤخذ عليه مطابقته التاريخ الواقعي والتراث كنظام ذهني، فهذا اختزال للواقع لأنه قد يكون المطلوب أو المكتوب شيئاً وما يحدث فعلياً هو شيء آخر.
يختلف منهج البعد الثقافي _ الانثروبولوجي كثيراً عن المقاربات التي مثّلنا لها إذ يعتمد على المقابلة ويهتم بالتاريخ والفلسفة، وبالتالي يصل إلى نسبية الثقافة في تطورها عندما تقارن مع نفسها في الماضي أو بثقافات معاصرة أخرى. ويعتبر غيرتز من أهم ممثلي هذا الاتجاه، بخاصة وهو يصل إلى أن الدين نظام للمعنى أو نسق للرموز يمكن بتحليلها فهم الدين انثروبولوجياً.
حاول غيرتز تطبيق منهجه في أحد كتبه المهمة الذي تابع فيه التطور الديني في مراكش وأندونيسيا، أو روح (Ethos) المجتمع، ثم أثر النصوص والتاريخ (هنا اثر الاستعمار) في المؤسسات الدينية والسياسية وفي عقول الناس أيضاً. وهذه عناصر نظريته، فهو يقول بأن المطلوب ليس البحث عن تعريف للدين فلدينا الكثير من التعريفات، ولكن المهم أي أنواع الايمان وتحت أي ظروف. ويرى أن الهدف من أي دراسة علمية منتظمة للدين ليس وصف الأفكار والأفعال والمؤسسات، ولكن المطلوب كيف يحدد، وبأي طريقة. أن بعض الأفكار والأفعال والمؤسسات تثبت أو تعجز عن تثبيت أو حتى تعميق الإيمان الديني. وهذا يعني ببساطة أن نفرق بين الاتجاه الديني نحو التجربة وبين أنواع الأداة الاجتماعية التي كانت خلال زمان ومكان معينين ارتبطت عادة بدعم مثل هذا الاتجاه.
يعبّر غيرتز عن اجماعية الدين وارتباطه بالواقع بطريقة بليغة حين يقول: "قد يكون الدين حجراً مقذوفاً على العالم، ولكن لا بد من أن يكون حجراً محسوساً وأن يقذفه شخص ما" ويرى أنه مهما كانت مصادر الايمان عند الفرد أو الجماعة فلا بد من أن تسند في هذا العالم بأشكالٍ رمزية وتنظيمات اجتماعية؛ وماهية أي دين _أو محتواه المحدد _ تتجسد في التصورات والمجازات التي يستعملها الاتباع في تميز الحقيقة. وهذا المجال الديني في تطوره التاريخي يقوم على المؤسسات التي تعطي أولئك الذين يوظفونها تلك التصورات والمجازات المتاحة. ولذلك يقول بأنه لا يمكن فهم الإسلام مع النبي من دون العلماء، ولا الهندوسية من دون الطوائف إضافة إلى الفيدا.
درس غيرتز كيف تطور دين واحد له التعاليم نفسها بطريقتين مختلفتين بحسب الظروف التاريخية _ الاجتماعية. كذلك كيف تؤثر الثقافة المحلية في الدين الواحد، أي العلاقة بين النص والفعل. ويشير إلى أزمة تتمثل في الصدام بين ما أوحى به القرآن أو ما يرى السنيون أنه قد أوحى به، وبين ما يؤمن به حقيقة من يسمون أنفسهم مسلمين. واختلفت طريقة معالجة هذا التناقض في المجتمعين. فقد كانت المعالجة بالنسبة إلى المغرب تتسم بموقف غير مساوم ومتشدد يحاول العودة إلى أصول نقية معتمدة على الكتاب والسنّة. بينما كان رد الفعل الأندونيسي في مواجهة الأزمة تكيفياً وعملياً وتدريجياً، ويعود ذلك إلى الحياة الاجتماعية التي تعيشها كل مجموعة. ويهتم بخصوصية الظاهرة، وهذا يمكن الباحث من التعميم لأنه يدرس كيف عملت التعاليم الدينية الواحدة في بيئة ما بصورة مختلفة.
يتميز منهج غيرتز بأنه قد ركز على الاجتماعي إذ إنه جعل الظاهرة الدينية متفاعلة بطريقة وثيقة مع الواقع والتغيرات الاجتماعية. ويحاول أن يستفيد من معارف متشعبة تمكّنه من الفهم، ولا يقطع كذلك صلته بتراث شارك فيه عدد من علماء الاجتماع المهتمين بالدين والسحر والطقوس، وبالذات فيبر ودوركايم ومالنوفسكي وفرويد.
من العلماء المتحمسين لهذا الاتجاه محمد أركون الذي يدعو إلى أن يستفيد المنهج الثقافي الانثروبولوجي من علم النفس واللغة والتاريخ والفلسفة واللاهوت. ويطالب بتطبيق فكرتين لم تسترعيا انتباه المستشرقين ودارسي الاسلام وهما: الشخصية الأساسية بحسب كاردينز ولينتون، والوعي الميثي (الأسطوري؟) بالاستفادة من بنيوية ليفي شتراوس. وفي مقدمة أحد كتبه المهمة التي حاول فيها بحث الفكر الإسلامي يبدأ بالسؤال عن كيفية درس هذا الفكر. ويجيب بضرورة الانطلاق من القرآن وتجربة المدينة لأنهما "ادخلا شكلاً من الحساسية والتعبير ومقولات فكرية ونماذج للعمل التاريخي ومبادىء لتوجيه السلوك الفردي". ويهتم بجانب ضروري وهو "وضع اللغة وطريقة التعبير السائدة والمفردات المستخدمة وعلاقة ذلك بالزمن ومشروطيته". فقد كانت اللغة والفكر في فجر الإسلام حين نزول القرآن مرتبطين بشكل مباشر ووثيق بالواقع المعاش، ولكن التفاسير أضافت الكثير نتيجة المؤثرات المتنوعة إضافة إلى العناصر الأسطورية والمخيال الشعبي الأمر الذي سبّب تقنيع الحقائق وأعطاها هيبة متعالية، وإن كان أركون يعتبرها هيبة فوق فردية وليست فوق بشرية، أي كأنها تمثل العقل الجمعي كما عند دوركايم. فكل مجتمع _بحسب اركون _ يفرز أساطير ملائمة لنقل تقاليده وتلبي حاجاته المادية والروحية الراهنة وتتداخل مع المتطلبات العقلية بهدف حفظ توازن البنية الاجتماعية بايجادها التبرير المباشر للوعي.
يدعو الباحث إلى ما يسميه زحزحة (Deplacement) منهجية ومعرفية تهدف إلى الوصول إلى حوافز السلوك الحقيقية ونزع أي أقنعة تُلبس البشر شعارات دينية. ويعني كل هذا ضرورة معالجة التراث الاسلامي ضمن اطار التحليل والفهم الانثروبولوجي الذي يتركز حول المنشأ التاريخي للوعي الإسلامي، وتشكّل بنيته عبر عملية الخلق الجماعي. وينتهي الباحث إلى أن الفكر والاجتهادات بالذات في التراث الاسلامي تعبّر عن متطلبات ايديولوجية لطبقة أو فئة اجتماعية معينة. والحقيقة _كما يرد _ تتجسد دائماً، وفي كل مكان، عن طريق الفاعلين الاجتماعيين، أي البشر، فهي شيء ملموس ومحسوس. ويطرح المبادىء التالية:
1_ ليس هناك من حقيقة غير الحقيقة التي تخص الكائن الانساني المتفرد والمتشخص والمنخرط ضمن أوضاع محسوسة قابلة للمعرفة.
2_ إن الحقيقة موجهة لكي تُعلن وتنشر ضمن وسط اجتماعي _ تاريخي يتنافس فيه أناس مختلفون من أجل الوصول إلى السلطة والسيطرة عليها.
3_ إذا كانت الحقيقة بكل أشكالها تتجسد دائماً عن طريق وساطة الإنسان في عمل لا ينفصم من التعبير والذكاء والإرادة، فإنها تتطلب مستويات عديدة من التحليل مثل اللغوي والتاريخي والسوسيولوجي والانثروبولوجي والفلسفي.
يدعو أركون إلى ما يسميه "الاسلاميات التطبيقية" التي تدرس الاسلام ضمن منظور المساهمة العامة لإنجاز الانثروبولوجيا الدينية. وقام بعملية اعادة قراءة القرآن (الفاتحة)، تخضعه لـ "محك النقد التاريخي المقارن، والتحليل الألسني التفككي، والتأمل الفلسفي المتعلق بانتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه". رغم مساهمات الباحث المهنية المهمة، إلا أن مجاله يتركز أكثر على الفكر أو العقل أو الوعي الإسلامي، فهو لا يهمل المجتمع والعلاقات الاجتماعية تماماً حيث يقول "إنه يحاول فهم كيفية اختراق الدين وسطاً اجتماعياً ما ومدى تمثله فيه أو مدى نجاحه أو فشله، ثم العكس، أي مدى تأثير هذا الوسط في الدين الرسمي وكيف يعدله ويحور فيه ويغيره".
ج_ الاخلاقية الاقتصادية للدين
يعتبر ماكس فيبر الرائد الحقيقي لمبحث الأخلاقية الاقتصاديةوالدين. وفي تعريف للمصطلح يستبعد في البداية صلة المفهوم بنظريات الأخلاق من منطلقها الديني أو اللاهوتي الصرف، ويقول إن المصطلح "يشير إلى دوافع الفعل العملية التي نجدها في النسيج النفسي والعلمي _ البراغماتي للأديان. هناك أشكال تنظيم اقتصادي معين تتفق مع أخلاقيات اقتصادية محددة، والأخلاق الاقتصادية ليست مجرد وظيفة تشكل تنظيماً اقتصادياً، وليس العكس (...) في وجه مواقف الإنسان من العالم _ كما يحددها الدين أو أي عامل داخلي _ للأخلاق الاقتصادية، وهو يركز في نظرته، على فئات اجتماعية معينة أثّرت أكثر من غيرها في الأخلاق العملية في أديانها، وعلى الرغم من احتمال تغير الفئة تاريخيا، ولكنه يعني _كما يقول _ بالفئات التي قد يكون أثر أسلوب حياتها أكثر وضوحاً في أديان معينة. ومهما كان وقع الآثار الاجتماعية المحددة اقتصادياً وسياسياً في الأخلاق الدينية فهي _بحسب فيبر _ تتخذ طابعها الأساسي من مصادر دينية، مثل البشارة والوعد. وكثيراً ما تعيد الأجيال تفسيرها بطريقة أصولية، وتعدّل الاتهامات بحسب حاجات الجماعة الدينية. ويرى أن القيم المقدسة هي في الواقع من هذه الدنيا مثل الصحة والثروة وطول العمر، أما الزاهدون والمتصوفة فهم يتوقون إلى قيم مقدسة في عالم آخر. وتتأثر القيم المقدسة بطبيعة المصالح وحياة الفئة الحاكمة، أي بالتراتب الاجتماعي.
اشتهر فيبر بنظريته عن دور البروتستانتية في نشوء الرأسمالية، وعلى الرغم من أنه لم يعط علاقة سببية بينهما، فقد قصد أن يقول _بحسب نظريته عن الفهم "أن الذهنية البروتستانتية كانت أحد مصادر عقلنة الحياة التي ساهمت في تكوين ما يسميه الروح الرأسمالية، ولم تكن السبب الوحيد أو الكافي للرأسمالية نفسها". ويأخذ عليه البعض أنه يوحي بأن الحضارة الغربية تتميز بذهنية ذات درجة عالية من العقلانية، هي التي أنتجت هذا النظام الاقتصادي بينما عجزت الأديان الأخرى، ومن بينها الإسلام، عن ذلك. فقد يكون السبب ليس غياب العقلانية عن تلك الأديان ولكنها بدت عاجزة عن ابتكار الأدوات التقنية وعن امتلاك الوسائل الروحانية لتطور أكبر، وهو مطالب بتحديد أسباب هذا العجز. والعقلانية مفهوم نسبي، ويُرجع باحثون آخرون أسباب تطور الرأسمالية في القرنين السادس عشر والسابع عشر بالذات في هولندا وانكلترا ليس الى القوى البروتستانتية ولكن إلى التحركات الاقتصادية الكبرى، وبخاصة الكشوفات الجغرافية ونتائجها.
أما بالنسبة إلى وضع الاسلام ضمن العلاقة بين الأخلاق الاقتصادية والدين، فهناك ملامح نظرية تنطبق على كل الأديان العالمية، وهي أن الوصايا الدينية عن السلوك بالذات تلك الأكثر واقعية قد يكون لها أثر مباشر في النشاطات الاقتصادية، كما أن المجموعات الدينية يمكن أن توجه الدوافع والاهتمامات الانسانية نحو عدد من الأهداف قد يكون من بينها هدف اقتصادي، مثلاً. من ناحية الاختلاف بين الاسلام والبروتستانتية بالذات، فقد أخطأ فيبر حين تحدث عن أخلاقية مقاتلين في الاسلام لونت رؤية المسلمين للعالم. فقد عدّل المحاربون _حسب فيبر _ تأويل الرسالة المحمدية لتلبي حاجات جديدة هي فتح البلدان الأخرى. فالجهاد مبدأ اسلامي، ولكنه وضع في سياق تبريري وتسويغ مختلف. وهو لا يرجع العجز العقلاني في المجتمع الاسلامي الى أسباب نفسية بل إلى البناء الذي ظهرت فيه الدول الاسلامية والجماعات الاجتماعية التي سادت. والسبب الآخر المقابل لتفسير المحاربين للدين هو موقف الصوفية الانسحابي، وفي الحالتين يفتقد الاسلام الأخلاقية المساعدة في نشوء الرأسمالية. وأثرت الأخلاق المقاتلة في المؤسسة السياسية (نظام السلطنة) وفي شكل المدينة (معسكر) التي ظلت تنتج حاجات الدولة فحسب _كل هذا اثّر في احتمالات أي تطور اقتصادي _ اجتماعي عقلاني قد يقود إلى الرأسمالية. ومن الواضح غياب الصراع والتناقضات في الصورة التي قدّمها فيبر عن المجتمعات الاسلامية تاريخياً.
هناك محاولة موازية لتحليلات فيبر للاسلام تسعى من زاوية مختلفة الى فهم العلاقة بين الاسلام والاقتصاد، ويظهر داخلها نقد لفرضيات فيبر. يرى رودنسون أن فيبر اخطأ حين اعتبر ان الايديولوجيا الاسلامية تتعارض مع العقلانية اللازمة لنشوء الرأسمالية، لأن سبب ذلك ليس في الاسلام ولكن في العوامل التي تكوّن أساس تلك الايديولوجيا "أي في جماع الحياة الاجتماعية للعالم الاسلامي، وفي العقائد السابقة، بما في ذلك المسيحية في صيغتها الشرقية". ويرى ان الاسلام لم يكن في جوهره عقبة في سبيل نمو اخلاقية تتجه نحو الرأسمالية، ونجد الدليل في مجموعات مثل سكان الزاب في جنوب الجزائر المنتمين إلى الشيعة الاباضية التي تشبه في كثير من النواحي الكالفينيين، مؤسسي الرأسمالية عند فيبر، لذلك فالعلة ليست في أفكار جماعة ما ولكن في وضعها الإجتماعي.
--------------------------
المصدر : الدين في المجتمع العربي

Heba Khled
08-31-2011, 04:22 AM
الخلاف بين السنة والشيعه وأسبابه
د . مصطفى الرافعي


يعود تاريخ الخلاف بين السنة والشيعة إلى عدة مئات من السنين. وهو ينقسم إلى قسمين:
أ ـ خلاف طائفي سياسي هز كيان الأمة وجعل أبناءها أشتاتاً وأمرها متفرقاً.
وقد بدأ هذا الخلاف منذ مصرع الخليفة الثالث عثمان بن عفان واستحكام الصراع بين علي ومعاوية حيث كان لكل منهما شيعته (يعني حزبه وجماعته) وكان يقال إذ ذاك شيعة علي وشيعة معاوية. ولما استتب الأمر لمعاوية بات لفظ الشيعة يطلق على جماعة علي وحده.
أقول منذ ذلك الحين أخذ الصراع يذر قرنه بين أنصار الخليفتين وكان لايتعدى هذا الصراع نطاق تمسك الشيعة بأحقية علي بالخلافة وتمسك الفريق الآخر بأحقية معاوية. وقد تطور هذا الصراع بمرور الزمن حتى صارت شيعة علي تفسق من لا يقول بأفضلية الإمام على جميع الصحابة بمن فيهم أبو بكر وعمر، وصار الفريق الآخر ينعت بالضلال كل من ينادي بهذا التفضيل. أما الحكام والولاة ـ عبر كل العصور ـ فقد كانوا يدعمون هذا الفريق لكونهم موالين ويتنكرون للشيعة على اعتبارهم معارضين. وقد بلغ اضطهادهم للشيعة ذروته في أيام السلجوقيين لدرجة حملت (طغرل بيك) أول ملوك هؤلاء على إصدار أمره بحرق مكتبة شهيرة للشيعة في بغداد. وقد كانت هذه المكتبة تراثاً جليلاً وكنزاً ثميناً حافلاً بما دبجته يراعات العلماء الأفذاذ من أئمة الشيعة وعلمائهم في مختلف العلوم من دينية ودنيوية. وقد قيل أن هذه (الخزانة) أي المكتبة لم تكن أقل شأناً في بغداد من بيت الحكمة الذي أنشأه هارون الرشيد للغاية نفسها.
وهذه الخلاف الذي اشتد أواره بين الفريقين المتخاصمين تصدى له الأئمة والمجتهدون والعلماء المخلصون وأخذوا يرسلون الصيحة تلو الأخرى لتفادي تجدد الفتن بين أتباع المذهبين مؤثرين القول بصدد اختلافهم في ما مضى بمقولة القرآن الكريم: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
وكان طليعة من حارب هذه الحماقات وسعى في تخفيف حدة الخلاف بين الفرقاء المتناحرين الإمام الصادق وعمه زيد بن علي من فقهاء الشيعة، ومن فقهاء السنة: الأئمة الأربعة وغيرهم.
1 ـ الخلاف الطائفي السياسي: وإذا كان من المعلوم أن لفظ الطائفية مشتق من الطائفة (بمعنى الفئة) فإني من جانبي أتجاوز هذا الاشتقاق وأنسبها ـ نظراً لهول خطرها وفداحة ضررها ـ إلى (الطائف) الذي هو (الشيطان) استناداً إلى قول الله تعالى في القرآن الكريم: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون).
تذكروا ماذا يا قوم؟ تذكروا أن شيطان الجن أو شيطان الإنس والشيطان الأخير هو الشيطان الخطير لكونه يزرع الأحقاد في صدورنا ويثير النعرات بين أبناء أمتنا فيبعثر صفوفهم ويفرق كلمتهم ويشتت قواهم ليقضي عليهم القضاء المبرم فتنجلي لهم بهذا التذكر الحقيقة فإذا هم مبصرون، وإذا كيد الشيطان مردود في نحره.
من أجل هذاك ان التصدي للخلاف الطائفي السياسي ومحوه فرضاً لازماً وواجباً محتوماً لكونه نزعة عنصرية تقوم على التفاخر والاستعلاء بينما الاسلام ـ دين هذه المذاهب جميعها ـ يقوم على وحدة الشعور ولا وحدة للشعور مع الطائفية، ذلك انه لا طائفية ي الدين ولا دين مع الطائفية.
2 ـ الخلاف الفقهي المذهبي: وهذا النوع من الخلاف بين المذاهب الاسلامية لابأس به لكونه دليل حيوية وعافية. فهو يقوم على مناقشة مختلف وجهات النظر وتقليبها وتحليلها وتنقيحها ويفضي بالتالي إلى دعم تراثنا الفقهي وتنميته ما دامت هذه المذاهب مستمدة ـ جميعها ـ من أصل واحد وينبوع واحد إلا وهو كتاب الله وسنة رسوله، ولا تنكر أصلاً من أصول الدين الثابتة بالضرورة.
فالمذاهب الفقهية هي ثمرات جهود علمائنا خلال فترات طويلة من الزمن وهي تشتمل على مجموعة من المعلومات القيمة التي يجد فيها كل مسلم ضالته، فله عند العمل بها أن يختار أيسرها عليه وأقربها إلى النص وأكثرها ملاءمة لروح العصر. وقديماً قيل: (اختلاف الأئمة رحمة).
أما أسباب الاختلاف فهي:
1 ـ الرواية.
2 ـ اختلاف معاني الألفاظ.
3 ـ موافقة الدليل لأصل من الأصول المسلم بها عند أحدهم دون الآخر. مثل قاعدة العام المخصوص والمفهوم.
4 ـ التعارض والترجيح.
5 ـ القياس.
6 ـ أدلة اختلفوا في صحة الاعتماد عليها كالاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة وقول الصحابي والبراءة الأصلية وما إلى ذلك من الأسباب التي أفضت إلى اختلاف وجهات نظرهم. علماً بأن كل مجتهد منهم كان يقول: (إذا صح الحديث فهو مذهبي).
ولم يثبت عن واحد منهم ـ رضي الله عنهم ـ ان أوجب التقيد بمذهبه. خصوصاً وإن الإمام الشافعي نفسه نهى عن تقليده وتقليد غيره (حسبما ذكره صاحبه المزني في أول مختصره). وما أروع الانتقاد الذي ودهه سلطان العلماء العز بن عبدالسلام حين قال: (لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب ولا انكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين فإن أحدهم يتبع امامه كأنه نبي أرسل وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لايرضى به أحد من ذوي الألباب).
وقال الشارح لمسلم الثبوت: (لم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة، فايجابه تشريع شرع جديد).
وقال الإمام أبو شامة: (ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لايقتصر على مذهب إمام ويعتقد في كل مسألة صحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة والمحكمة وذلك سهل عليه إذا حصل (وسائل الاجتهاد) وليجتنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة فإنها للزمن مضيعة ولصفوه مكدرة).
علماً بأن جميع العلماء المتحررين من أهل السنة وقفوا ضد دعوى (سد باب الاجتهاد) فحاربوها ونادوا بالرجوع إلى الكتاب والسنة واعتماد الأقوال المناسبة سواء صدرت عن الأئمة الأربعة أو غير الأربعة ممن تحلوا بغزارة العلم وحسن الاطلاع وعمق الفكرة ولطيف الاستنباط من أمثال: داود الظاهري والأوزاعي والشوكاني وابن تيمية وابن القيم الذي أورد في الجزء الرابع من كتابه اعلام الموقعين: (إن الله يبعث لهذه الأمة على راس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها).
وهذا ما يقول به الشيعة الإمامية الذين مضوا قدما في طريق الاجتهاد ولم يأبهوا لدعوى سده. ومع اعترافهم بعلم الأئمة الأربعة وفضلهم، وأمانتهم ونزاهتهم، وعدالتهم وجلال قدرهم، فإنهم يقولون: انّ الاجتهاد ليس محصوراً بهم ولا قاصراً عليهم بل انه تقضت على ظهور الاسلام ثلاثة قرون ـ وهي خير القرون ـ لم يكن الأشعري الذي يتبع أهل السنة مذهبه في الأصول ولا واحد من الأئمة الأربعة الذين يخضعون لأقوالهم في الفروع، لم يكن واحد منهم موجوداً وإنما كان أهل تلك القرون الثلاثة ـ وهم سلفنا الصالح ـ يدينون بكتاب الله وسنة نبيه وعمل أصحابه الأبرار وأئمة عترته الأطهار دون أن يجدوا عن ذلك حولاً. فما الذي حمل المسلمين ـ فيما بعد ـ على العدول عما كان عليه العمل من قبل؟ وإذا جاز أن تكون المذاهب أربعة فلماذا لايجوز أن تكون خمسة؟ وكيف يمكن أن تكون الأربعة موافقة لاجتماع المسلمين فإذا زادت مذهباً خامساً تمزق هذا الاجتماع؟
ان؟ الاجتماع الحقيقي إنما يتم في اعتبار المذهب الجعفري مذهباً خامساً في الاسلام ينظر إليه المسلمون السنة نظرهم تماماً إلى مذاهبهم الأربعة خصوصاً وان المذاهب الأربعة ليست واجبة على المسلمين بطريق التعيين وان شروط الاجتهاد ليست محصورة بأئمة هذه المذاهب دون سواهم.
وهذا اعتراض مقبول ـ في نظري ـ من قبل أئمة الشيعة وفقهائهم. ولست أرى ما يمنع من اعتماد المذهب الجعفري إلى جانب المذاهب الأربعة بل واعتماد المذهب الزيدي أيضاً الذي لم يزل فيه باب الاجتهاد مفتوحاً. فضلاً عن كون هذا المذهب يؤيد اختيار الشيخين أبي بكر وعمر (رض) لخلافة الرسول عليه الصلاة والسلام ولا تتعارض أحكامه مع الأحكام الواردة في مذاهب أهل السنة، وعندما تختلف مع بعضها لابد وأن توافق واحداً منها.
وهذا ما حدث بالفعل ـ منذ مطلع هذا القرن ـ حين اقتبس قرار حقوق العائلة العثماني الصادر عام 1917 من غير المذهب الحنفي الذي كان المذهب الرسمي للبلاد الخاضعة للنفوذ العثماني كالمالكي والشافعي والحنبلي. وكذل حين تجاوزت مصر المذاهب الأربعة كلها إلى الأخذ بما رأته أوفق لروح العصر وانفع لاستقرار الاسرة من مذهب الإمام جعفر الصادق والمذهب الظاهري حيث اقتبست من هذا الوصية الواجبة وعن الأول اجازة الوصية لوارث. وكذلك أخذت من المذهب الجعفري أحكام الطلاق المعلق والمقترن بعدد. كل هذا وأمثاله يثبت بيقين أن أمة الاسلام أمة واحدة وأنهم لا منجاة لهم مما يعانون إلا إذا أسدلوا ستراً فضفاضا على خلافات الماضي، ونبذوا الاختلاف السياسي الطائفي وراءهم ظهرياً، وأفادوا من حسنات الاختلاف المذهبي لأن في وجهات النظر المختلفة ينبوعاً ثراً من الثقافة والمعرفة ينمي تراثنا ويغذيه، ويطوره ويبقيه، وأيقنوا أن دمج المذاهب الفقهية كلها في مذهب واحد اغتيال لهذا التراث، وان الاجتماع حول رأي واحد في جميع الفروع الفقهية ضرب من المستحيل، وأنصتوا جميعاً ـ شيعة وسنة ـ إلى نداء الحق تبارك وتعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين).
وإلى قول رسولنا الأعظم محمد (ص): (من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا).
ثم إلى قول علي (ع): (انه ليس بالرجل غنى عن قومه. إذا خلع منهم يداً خلعواً منه أيدياً كثيرة. فإذا رأيتهم في خير فأعنهم عليه، وإذا رأيتهم في شر فلا تخذلهم. وليكن تعاونكم على طاعة الله، فإنكم لاتزالون بخير ما تعاونتكم على طاعة الله تعالى وتناهيتم عن معاصيه).
-----------------------------------------------------
المصدر : اسلامنا في التوفيق بين السنة والشيعة

Heba Khled
08-31-2011, 04:23 AM
عن بعض نزعات التجديد في الفكر الاسلامي الحديث
د. محمد أحمد عبد القادر


إن الضعف والتدهور اللذين لحقا بالفكر الاسلامي ليسا سوى مظهرين لضعف عام حل بالأمة بكامل مظاهرها.
لقد درجت بعض الكتب والدراسات على اعتبار الفكر الاسلامي مرحلة منقضية وفترة تاريخية سبقت وتوقفت بانتهاء عصر ابن رشد (ت 595ه‍) ومعنى ذلك _عند أصحاب هذا الاتجاه _ أن تاريخ الفكر الاسلامي ليس مستمرا وموصول الحلقات، وانما فقدت احدى حلقاته _ ربما الى مستقبل بعيد _فوقف عند مرحلة (التراث) أو (الذكرى). وأحسبني مختلفا جملة وتفصيلا مع ذلك الرأي مع الاخذ في الاعتبار بعض النقاط التالية:
1_ ان تلك النظرة أشاعها بعض المستشرقين الموتورين ضد الاسلام والفكر الاسلامي وتبناها _للأسف الشديد _ بعض الباحثين في مجال الفكر الاسلامي. ومؤدى تلك النظرة أن الاسلام برحابة قيمه ومبادئه قد جف معينه، وأن الفكر الاسلامي بتعدد رجالاته وتياراته قد نضب عطاؤه.
2_ انني أسلم _للحق وللامانة _ أن هناك فترة زمنية إعتراها الضعف بالنسبة لفكرنا الاسلامي، ولكن تلك الفترة الزمنية لم تطل وهي اذا طالت لم تدم. ومن جهة أخرى لا ينبغي أن نظلم الفكر الاسلامي في هذا الصدد، فهو وان أصابه ضعف فقد أصابه ما أصاب الامة في تاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والديني والاقتصادي. وغني عن البيان أن هذه الامة قد نكبت على مدى تاريخها الوسيط والحديث بما لم تنكب به أمة غيرها. ومع تسليمي بمدى عنف تلك الهجمات الشرسة التي هزت كيان الأمة عسكريا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وهي كلها غايات استعمارية اختلفت الوسائل المؤدية اليها، أقول بالرغم من اعترافي بكل هذا الا أن الاخطر منها جميعا في تصوري هو الرغبة الملحة لكافة القوى الاستعمارية في (تغييب وعي) الامة الاسلامية. ان أمة فاقدة الوعي لا تنهض بأسباب التقدم والحضارة ولا تقوى على مواجهة أخطائها وذلك قمة الخطر.
3_ اذا اعتبرنا أن الفكر الاسلامي _وخاصة فكر فلاسفة الاسلام _ قد تقلص دوره بانتهاء عهد ابن رشد وتحت وطأة الهجمات العنيفة التي وجهها الغزالي الى الفلسفة والفلاسفة من خلال كتابه (التهافت) الا أن ذلك لا يقوم دليلا على أن تلك الفترة الزمنية الطويلة قد خلت من محاولات فكرية جادة في محيط الفكر الاسلامي، صحيح ان تلك الفترة افتقدت قيام المذهب الفلسفي المتكامل، ولكن من الظلم البين قصر ذلك فقد على الفكر الاسلامي.
ان التراث هو كل ما وصل الينا من الماضي (ماديا كان أو معنويا) داخل الحضارة السائدة، فهو اذن قضية موروث وفي نفس الوقت قضية معطى حاضر على عديد من المستويات. ونلاحظ أن (التراث) سابق و (تجديد التراث) لاحق، التراث هو نقطة البداية كمسئولية ثقافية وقومية، والتجديد هو اعادة تفسير التراث طبقا لحاجات العصر، فالقديم اذن يسبق الجديد والأصالة أساس المعاصرة.
والتراث والتجديد يعبران عن موقف طبيعي للغاية، فالماضي والحاضر كلاهما معاشان في الشعور، ووصف الشعور هو في نفس الوقت وصف للمخزون النفسي المتراكم من الموروث في تفاعله مع الواقع الحاضر، اسقاطا من الماضي أو رؤية للحاضر. فتحليل التراث هو في نفس الوقت تحليل لعقليتنا المعاصرة وبيان أسباب معوقاتها، وتحليل عقليتنا المعاصرة هو في نفس الوقت تحليل للتراث لما كان التراث القديم مكونا رئيسيا في عقليتنا المعاصرة ومن ثم يسهل علينا رؤية الحاضر في الماضي ورؤية الماضي في الحاضر. فالتراث والتجديد يؤسسان معا علما جديدا هو وصف للحاضر وكأنه ماض يتحرك، ووصف للماضي على أنه حاضر معاش. ولما كان التراث يشير الى الماضي والتجديد يشير الى الحاضر فان قضية التراث والتجديد هي قضية التجانس في الزمان وربط الماضي بالحاضر وايجاد وحدة التاريخ.
ومدخلنا الى قضية التجديد التي نحن بصددها مؤشران، الاول منهما هو عبارة بليغة قالها الرائد الفكري والزعيم الروحي في الهند الحديثة وهو غاندي. يقول غاندي: "يجب أن أفتح نوافذ بيتي لكي تهب عليها رياح كل الثقافات، بشرط ألا تقتلعني من جذوري".
وتتطلب تلك المسألة قدرا وسطا من التأثر بحيث يسمح بحياة النضج والتقدم والازدهار وفيما عدا ذلك يكون الموت والضياع أما بالموت في صورة جمود وانغلاق حين نحرم انفسنا نسائم الاجواء الخارجية المحيطة بنا، واما بالضياع اذا ما جعلنا تلك النسائم تتحول الى ما يشبه الاعاصير التي تذيب شخصيتنا وتضيع هويتنا.
وأما المؤشر الثاني فهو ما ورد في الاساطير الهندية القديمة من أن رجلا توفى ولم يترك لابنائه الثلاثة من الميراث شيئا سوى "بطيخة" أما الابن الاكبر فقد عرض على أخويه الاحتفاظ بها كذكرى موروثة عن أب عزيز. وأما الابن الاصغر فقد عارض ذلك في حدة وانفعال اذ أن ذلك لن يجلب عليهم الا عفونة ورائحة كريهة قد تؤذيهم، لذا يجب التخلص منها. وأما الابن الأوسط فقد تمهل وكان آخرهم قولا، فقد عرض عليهما أن يشتروا جميعا أرضا خالية مجاورة فعجبا لرأيه وهم يناقشون أمر "البطيخة" ميراث الاب، فأجاب أن نأكل البطيخة ونلقي قشرها ونزرع بذورها في هذه الارض بعد شرائها فنخلد ذكرى أبينا وننتفع بما يعود بالخير على أنفسنا وأهلينا وجيراننا وبما هو باق بعدنا الى أولادنا وذريتنا.
ونلاحظ من خلال هذا المؤشر الثاني أن رأي الابن الاكبر _الاكثر التصاقا بالماضي _ يمثل طرفا، بينما يمثل رأي الابن الاصغر _المنفلت من اطار الماضي _ طرفا آخر، ويأتي رأي الابن الاوسط اكثر حكمة ورجحانا بما يمثله من انتماء الى الماضي والحاضر معا. تلك اذن مقدمة قصدنا منها أن تاريخ الأمم والحضارات ومحصلة تراث السلف لا يمكن أن ينطمس لمجرد أنه "ماض"، كذلك لا يمكن الاحتفاظ بكل ما في الماضي من سلبيات _اللهم إلا على سبيل أخذ العبرة_ فنكون كمن يحاول أن يسير الى الامام بجسمه بينما رأسه متجهة الى الوراء فلا يكاد يستطيع التحرك أو التقدم.
وربما كانت مشكلة القديم والجديد أو الموروث والمضاف تمثل أساسا من أسس الصراع الفكري في ثقافتنا المعاصرة. ونلاحظ كذلك أن معظم مثقفي هذا العصر ومفكريه قد انقسموا بازاء ذلك الى سلفيين ومستقبليين، ولكن هناك فريقا وسطا بين هؤلاء وأولئك.
وهناك عدة ملاحظات جديرة بالاهتمام:
1_ ان التجديد دعوة مستمرة للاصلاح وسعي دائم نحو الافضل، وهو سمة من سمات التواصل الحضاري بين الثقافات والأمم. واذا كان التجديد هو عنوان الاصلاح فان الحاجة اليه تكون أكثر الحاحا أبان الأزمات والنكسات في تاريخ الامم والحضارات.
2_ ان التجديد وان كان دعوة مفتوحة نحو التطوير والتغيير الا أنه لم يخل من قواعد منظمة وحدود تلتزم، فلا يعني التجديد طرحا لكل شيء في سبيل (المعاصرة). من هذا المنطلق يجب فهم أن التجديد _خاصة اذا ما تعلق بالدين _ لابد له من أسس تنتظمه، فاذا كان ثمة تجاوز فانه ينقلب الى (تبديد) وتضييع بدلا من الاصلاح ومن المعلوم أن في الاسلام أصولا وفروعا، أما الأصول المتضمنة لوحدانية الله تعالى والايمان بكتبه ورسله وملائكته واليوم الاخر فلا مجال للنقض أو التعديل فيها "اليوم أكملت لكم دينكم" ولا يندرج الاخلال بأصل منها تحت مفهوم التجديد. وأما الفروع فهي بدورها تنقسم الى عبادات ومعاملات، أما العبادات فهي أركان الدين ولا تجديد في الأركان. ولكن هل هذا يعني أن التجديد قاصر على أحكام المعاملات علما بأن بعضها _كأحكام المواريث _ قد حددها القرآن تحديدا حاسما لا مجال معه للتعديل فيها؟
الحقيقة ينبغي ملاحظة أن التجديد ينبثق من اعتبارات ثلاثة:
أـ تجدد المشكلات وتغير الظروف، من حيث أن الغاية من التشريع في الاسلام هي تحصيل الصالح _بالتزام _ وأن القاعدة المرعية هي: لا ضرر ولا ضرار في الاسلام. فأن كان الالتزام بالنص يؤدي الى ضياع المصلحة المقصودة منه انتفى العمل بالنص في هذه الحالة الطارئة.
ب_ يجب التمييز بين أحكام الاسلام وبين حال المسلمين وتصوراتهم ومعتقداتهم في أي عصر من العصور بعد عصر الرسول فهناك فارق بين الاسلام كدين ذي معتقدات روحية ومثل عليا أخلاقية وبين الواقع الفعلي لمعتقدات المسلمين وعاداتهم وسلوكهم. وأن هذا الفارق يتسع أحيانا حتى يشكل هوة سحيقة نتيجة لما ران على الفكر من بدع مع توالي العصور وامتزاج الثقافات وتلاقي الحضارات ومن ثم فانه كلما زادت الهوة اتساعا بين أصول الاسلام وأحكامه وبين تصورات المسلمين للعقيدة ازدادت الحاجة الى مصلح أو مجدد ينتشل الناس مما تردوا فيه ويقيمهم على المحجة البيضاء.
ج_ التوفيق بين الاسلام ومقتضيات الحضارة الحديثة.
------------------------
المصدر : الفكر الاسلامي بين الابتداع والابداع

Heba Khled
08-31-2011, 04:25 AM
الإسلام و الأنتروبولوجيا الكونية
ادريس الخرشاف


لقد كان الإسلام وما يزال في فضائه الكوني، يمثل الرافد الأساس لكل ديناميكية العقل ومسار الطبيعة، يحمل يقينه الداخلي وصدقه الذاتي إلى القلوب الصادقة، التي تدرس العالم المرئي بروح قوية.
وبتطور العقل البشري، ووقوفه على حقائق علمية، يبدأ الإنسان في الوصول إلى اكتشاف عظمة الدين الإسلامي الحنيف الذي يقول قرآنه الكريم:
(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب). (آل‌عمران/190)
وقد يتساءل المرء عن وضعية لفظة الأنتربولوجية في مفهوم الفكر الإسلامي، وخاصة عندما يتعلق الأمر بإسقاطاتها الروحية على المجال الكوني. لذلك نقول، لقد كثرت استخدامات ألفاظ: الإنسانية والعقل والفكر الإنساني، واحيانا يصل الإنسان بامتداد تفكيره إلى وضعية قد يعجز الخروج منها، إذا لم يكن له رصيد تقنو _روحي يخوّله السفر في شتى فضاءات المعرفة، بما فيها معرفة طبيعية كيانه وعناصر جوانبه المادية.
ومن أجل هذا جاء النص القرآني وروحه، يطالبان الإنسان التحلي بفكر مستقيم وتسلسل واضح في براهين قابلة للتحقيق، حتى يحدث الانسجام والتجانس بين المركبتين الأفقية والشاقولية.
ولفهم هذه التركيبة الأخيرة، ما علينا سوى قراءة ما قاله رب العالمين حينما يقول في محكم آياته: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا). (الإسراء/ 70)
ويقول كذلك:
(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، وإليه النشور). (الملك/ 15)
في ظل الآيات الكريمة، يستزيد المسلم تبصرا وامتلاء من مثل هذه المكارم، ويدرك ذلك التطابق بين الإنسان ومرتبته في النص القرآني، على أنه الكائن الذي يحوي أسمى القيم الإيجابية إن هو استمسك بالعروة الوثقى.
وهذا ما لخصناه في حديثنا عندما استعملنا مصطلح الأنتربوكونية، حيث لا ينظر للإنسان (نظرة المسيحية للإنسان) على أنه الكائن الذي يحمل الخطيئة، وأن اللعنة تلاحقه أينما رحل حتى أصبحت وراثية، معنى ذلك أن الفكر الغربي يحمل طريقين متضادين:
1_ إما أن يرفع النفس على حساب الجسد ويصبح الفرد راهبا في الدير.
2_ أو يطلق عنان شهواته المادية على حساب الروح والنفس، ويجعله في خانة المخلوقات التي تعيش على وجه البسيطة، لا تملك الأدوات الثلاث، مصداقا لقول رب العالمين: (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل). (الأعراف/179)
فلا بد لنا إذن، من أن نبدأ باجتهاد جديد، وبأسلوب إبداعي خلاق، حتى نكتسب مرة أخرى صفة الريادة والإبداع في هذا العالم الذي اختلطت فيه كل الأوراق، ونسي الإنسان حكمة الله، وظن أن في وسعه المقدرة على امتلاك نفسه، فتعرض لشتى أنواع التحدي، سواء كان ذلك على المستوى الإنساني (مخدرات، أمراض قاتلة، انتحار، جرائم...) أو على المستوى المعيشي (حروب، كوارث طبيعية، كوارث اقتصادية، استراتيجيات عسكرية...)، وشعر الفرد في آخر المطاف أنه مسلوب الإرادة، تطحنه متطلبات العيش، وهو وسط هذه الدوامة يبحث عن منقذ ليخرجه من ظلام فضائه، فلا يجد منقذاً إلا ما أتت به السماء، وخير الزاد هو الزاد الإلهي: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك). (الانفطار/ 6_7_8)
إنها وثيقة حضارية للذين يتفكرون في خلق السماوات، وفي خلق البشرية بقلوب واعية، وفكر مستنير، لهم القدرة على حمل عبء قاطرة الإنسان إلى كل الأحقاب.
-------------------------------
المصدر : المعرفة الإسلامية والعولمة، أي آفاق؟

Heba Khled
08-31-2011, 04:26 AM
المصدر العقلي
د0 محمد حسين الصغير


وقع الخلاف بين المسلمين في مدى صلاحية العقل للاستقلال بالحكم , أو بإعتباره طريقاً موصلاً الى الحكم , أو بإلغاء هاتين الصلاحيتين له, وحجبهما عنه, فعلى هذا تكون النظرة إلى العقل بثلاث اتجاهات :
الإتجاه الاول : نسب الى المعتزلة بأنهم يرون العقل هو الحاكم , وهم بهذا يقدمون حكم العقل على حكم الشرع0 إلا أن التحقيق بخلاف هذا , فلم يرد عنهم استقلال العقل بالحكم دون الشرع بل الأولى عندهم - كما نسب لهم - أن العقل طريق الى العلم0 وذلك بإعتبار التكليف منوطاً بالعقل 0
الإتجاه الثاني : وقد إعتبر الإمامية العقل طريقاً موصلاً إلى العلم القطعي , فلذلك لا يصح عندهم أن يكون شاملاً للظنون0
وقد عد الشيخ المفيد (ت: 413ه) العقل هو السبيل الى معرفة حجية القرآن , ودلائل الاخبار0
الإتجاه الثالث : وقد ذهب الأشاعرة بأن التكليف مهما كان فمنشؤه حكم الشارع لا العقل , والعقل لا يعتمد عليه في أدراكاته لحكم الشارع0
ووافقهم جمع من الاخباريين من الأمامية , وذهبوا الى القول بعدم جواز الاعتماد على شئ من الادراكات العقلية0
ويمكن إجمال القول في الخلوص الى رأي في المقام بما يأتي :
إن أهل العدل من المعتزلة والامامية لم يجمدوا على المصدر النقلي, وإحتاجوا بهذا التحرر إلى التجوز والتخطي, فتجاوزوا القول بالمأثور والمنصوص في اللغة, إلى إستغلال مرونة اللغة العربية , فقاموا بتفجير لطاقتها , فتذرعوا باللغة لتأييد الحكم فيما لا دلالة عليه حقيقة, وكان سبيل ذلك : أن عمدوا الى ما في اللغة من إشارات ورموز قد تكون دلالتها الاولى قد ذهبت مع الزمن ولا سبيل لكشف كثير من هذه الرموز إلا بالتجوز, والتجوز عادة يكون مداره العقل ومداركه في التمييز والتمحيص, كما يكون مداره القرائن اللفظية , فلو ورد شئ من القرآن لا مجال لفهمه أو العلم به عن طريق النص المأثور , لأحتيج الى الكشف عنه والدلاله اليه , وما سبيل ذلك إلا العقل بإعتباره مناط التكليف , وحيث لا يمكن أن يكون الشرع مخالفاً للعقل السليم , فقد عاد العقل بمنزلة الشرع عند المعتزلة من هذا الوجه , وهنا يأتي الشرع مؤيداً للعقل أو دالاً عليه , او متوافقاً معه عند الامامية , ولهذا لجأوا الى التنظير على صحة ذلك إلى القول بالقبح والحسن العقليين , تسويغاً لنظرتهم هذه وهي أساس عقلي دون ريب0
ولكننا مع هذا نجد أن التحقيق في الموضوع يرجح عندهم الجنوح إلى المجال اللغوي أكثر من الجنوح الى الأصل العقلي, فكأنهم تذرعوا بالعقل إلى الوصول إلى مدارك العقل واجتهاداته في النصوص القرآنية , فالنحو الذي يدرسون به النص من وجوهه المحتملة , والبلاغة التي فرضت وجودها في مجالات التأويل , دليل علىالتذرع بالعقل في إستخدام اللغة , وقد نجم عن ذلك تأليف الزمخشري للكشاف الذي إعتمد الجانب البلاغي في ترجيح العقل , وهو من آبرز آثار المعتزلة في التفسير ,أو أمالي المرتضى الذي يعتبر من أبرز من أكد على الجانب اللغوي من الامامية في تفسيره لجملة من الآيات , فنجد أن كلاً منهما
قد عني بمسائل اللغة والبيان والتمثيل , كماعني بالمسائل العقلية النظرية , فجاء التفسير مزيجاً بين هذا وهذا , ففي الوقت الذي تذهب فيه اللغة إلى التجوز العقلي في صفات الله , يدفع فيه العقل الفطري حسن الحسن وقبح القبح , وغير هذا مما يكشف عنه , وجه ربك وهو ذاته , وعينه وهي عنايته ورعايته , ويده وهي قوته وارادته , فإنه يستعمل الدلالة اللغوية في تجوزها من المعنى اللغوي الأصلي الى المجاز والاستعارة والكناية , ويمتد ذلك الجانب اللغوي كله فنجد العناية بالمعنى ودلالته, والنظم والتركيب وتجوزهما بلاغياً فتلمس أهمية التمثيل والتخييل من باب ضرب المثل , وتجدد الحوادث , ومماثلة القصص, وإستخلاص العبر, مما يخلص معه إلى أثر العقل في هذا الشأن , وإن كان مرجعه اللغة0
ويبدو واضحاً أن أهل العدل في نظرتهم هذه للعقل " لا يريدون التفاضل بين حكم العقل وحكم الشرع إلا من حيث الاستدلال على العقيدة والتدين بها بالنظر إلى أن العقل مناط التكليف , ولا يمكن تفضيله , وإلا أدى الى إهداره النص , والتخفف من المسؤولية المنوطة به "0 ومن يدافع عنهم يذهب الى هذا فيعتبرهم أصحاب دعوة للعقل حين يعرض القرآن لمسائل الاعتقاد أو أصول الدين , أو بعض الفروع , حتى ذهب جملة من الامامية على ما حكى عنهم السيد الحكيم إلى " أن العقل مصدر الحجج واليه تنتهي "0
والعقول وإن كان لها قابلية الادراك إلا أنه إدراك يتناول الكليات, ولا يتعدى ذلك الى الجزئيات والفروع التي تحتاج الى دليل نصي على إرادتها, وهذا لا يمانع من أن يدرك العقل خصائص كثيرة في تفسير النصوص جارية وفق مقتضيات العقل السليم , ويستفاد من هذا الرجوع إلى العقل السوي بإعتباره مجرداً غير خاضع لتأثيرات أخرى تصده عن الوصول الى الواقع, وذلك لإدراكه بالبداهة والفطرة جملةمن الاوليات والبديهيات وتسليمه بها تسليماً تاماً من قبيل الأدراك أن الواحد نصف الأثنين , وأن الكل أكبر من الجزء , وأن المظروف أصغر من الظرف , وأن العلم خير من الجهل , وأن الحسن أولى من القبح 00 وهكذا0
وقد يورد بعضهم المأثور عن اهل البيت (عليهم السلام) : " إن دين الله لا يصاب بالعقول "0 وليس فيه حجة لهؤلاء إذ ليس الأمر كما ذهبوا إليه من إبطال حجية العقل كمدرك لكليات الامور , بل المراد من قولها (عليهم السلام) : بيان عدم أستقلال العقل في أدراك الاحكام ومداركها, أي أن الاحكام ومدارك الأحكام لا تصاب بالعقول إستقلالاً 0 والظاهر أن هذه الأخبار وأمثالها إنما يعمل بها في مقام معارضة الإجتهاد بالرأي , والنص بالقياس, والعمل بالاستحسان بدعوى أن العقل الانساني يدرك الأحكام بهذه الملاكات , فيستنبط في ضوئها مايشاء دون الرجوع الى نص أو أثر أو مدرك شرعي , وهذامنفصل عنه دون ريب 0
-----------------------------------
المصدر : المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق

Heba Khled
08-31-2011, 04:28 AM
النفس والعقل
د.هاني عبد الرحمن مكروم


(وفي أنفسكم أفلا تبصرون).
النفس هي خلاصة الإنسان، وهي ملك لخالقها، ومن صنعه، هو ـ سبحانه وتعالى ـ الأعلم بها، ولا يكلفها إلا وسعها، وهي ـ في نفس الوقت ـ الشغل الشاغل (الرئيسي) والقضية الأولى لكل عاقل ـ وما دون العاقل من العجماوات ـ وهذا الاهتمام نابع من الحب الفطري للنفس والذي بدونه لا يوجد للحياة معنى. إن اهتمام كل فرد بنفسه صفة تسيطر على غالبية البشر، فحب النفس حبلى، للحفاظ عليها لأن النفس هي أول محاور الرؤية ومركز التفكير ونقطة بداية الشعور، وضياع النفس يعني ضياع المعاني واضطراب الأشياء واختلال التوازن والموازين العقلية.
وحين نتأمل النفس ـ كما دعانا ربنا ـ سنجد أن جوهر النفس هو العقل، وحين يغيب العقل تنكمش النفس وتتجمد. ويتعذر الإحساس بأي شيء بدون العقل، والشعور بالسعادة أو بالشقاء يكون عن طريق العقل. والمعرفة مستحيلة بدون العقل، وأفضل وأنفع المعرفة ـ على الإطلاق ـ هي معرفة العقل لخالقه، ثم معرفة المرء نفسه، فلا يمكن معرفة النفس بدون معرفة خالقها ومراحل خلقها وغايتها.
ومن فضل الله أن ما يدور بداخل النفس (في عقلها) لا يمكن أن يطلع على حقيقته مخلوق، فلو إطلع الناس على ما يدور بعقلك لتغيرت نظرتهم إليك وصعب تعاملك معهم وتعاملهم معك.
والنفس أساساً روح (لا مادة)، والجسد بمثابة أداة (أو مركبة) مؤقتة والعقل هو القائد، ولهذه المركبة أصبح من الشائع والمألوف أن يركب لها قطع غيار بشرية كالكلي، وصناعية كالقلب الصناعي، وربما قريباً تستخدم القطع الحيوانية، وعمليات تركيب قطع الغيار هذه هي مجرد وسائل قدرها العليم الخبير لتستوفي كل نفس أجلها المحدد في كتاب الله يوم خلق الخلق. ونظراً لعلاقة النفس بالروح فيستحيل فهم ما يتيسر عن النفس بدون استحضار ما نزل من لدن العزيز الحكيم.
حب النفس:
حب النفس والاهتمام بها فطري، ومن الخطأ أن ينكر، لكن المنكر هو تجاوز الحد وقصر النظر، في ذلك وفي أي شيء آخر. وفي فهم العقلاء لا يوجد تعارض بين حب النفس وحب الآخر أو الغير، بل يوجد تكامل لازم، والحب الحقيقي الواعي أوسع من أن يحبس في إطار النفس الواحدة، فالنفس هي المركز ـ الخاص بالذات ـ الذي يحيط به عدد لا نهائي من الدوائر التي يمكن أن ينساب الحب فيها، وينمو الإلف حولها.
إن أخطر ما في الحب أنه قد ينسي الحقائق ويعمى (وكذلك الكره)، لأنه ـ في الغالب ـ نشاط عاطفي أكثر منه عقلي، أي أن العقل في حالة الحب (أو الكره) يتراجع خلف العاطفة، بسبب العمى والنسيان والتناسي. ولذلك فمخاطر الحب (أو الكره) قلما يفيد فيها العلاج العقلاني، بل ينطبق عليها قاعدة أن (الوقاية خير من العلاج). وليس المقصود الوقاية من الحب، ولكن المقصود هو التفكر في حقيقة الشيء قبل الغرق في حبه أو الاندفاع في كرهه، لأنه أثناء الغرق تقل احتمالات النجاة وتختل الطباع والموازين ويتعرض العقل لما يشبه الشلل.
وفي حالة خمول العقل فالنفس تمتص من محيطها الكثير في فترة النمو والنشأة، وبعد ذلك تبدأ في الطرح من نوعية قريبة الشبه بما امتصت.
نظرية الحب
الإنسان يحب نفسه وما يتعلق بها حباً يفوق إدراكه، فهذا الحب الفطري أعمق في اللاوعي (أو الباطن) من أي فلسفات، وهو في كل الأحوال فوق كل الخيارات. والحب ينبع من النفس ويفيض منها على الآخرين، ولا يوجد فيضان لا يغمر المنبع أولاً. وقد يزعم الانسان ـ أو يحسب ـ أن نفسه قد سمت وخف حبه لها ولكن حين يأتي المحك العملي ويمس شخصه أحد بما يخدش اعتزازه بنفسه، أو يجد من يعمل ضد مصلحته ـ التي يراها هو ـ عندئذ ينتفض فجأة كما لو كانت قد لدغته أفعى! فيشعر بألم معنوي، وقليل من يستطيع السيطرة على الموقف وكتم غيظه وحبس غضبه في أعماقه، وأقل منه من يتسامح من أجل غاية أسمى يرجوها ـ لنفسه أيضاً ـ عند الله. وليتأمل كل منا شعوره حتى في حال الثناء، أي حين يمدحك زميل، فيشعر الانسان بالسرور حال المدح، وعندما تخف درجة المدح وتأتي عبارة: (ولكن هناك ملاحظة بسيطة أرجو لفت إنتباهك إليها)، عندئذ يبدأ الحال ـ عند معظمنا ـ في التغير مع لفظ (ولكن)، وقبل ذكر الملاحظة، حتى ولو كانت الملاحظة نصيحة مخلصة! فحب النفس زرعه الله فيها كدافع ذاتي للحفاظ عليها وعلى مصالحها، والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم بخلقه، وهو أحكم الحاكمين.
الحب فضيلة ومعنى سام، ويكفيه علواً أنه فعل منسوب للعلي الأعلى ـ جل شأنه وتباركت أسماؤه ـ فكل ما ينسب لله ـ عز وجل ـ يفيض كمالاً وسمواً. وحب النفس هو البداية، فمن لا يحب نفسه لا يستطيع أن يحب غيره، لأن الممارسة الأولى للحب تبدأ مع النفس ولا غبار على ذلك في البداية، وكل عالم الإنسان يدور حول نفسه وإن امتدت أبعاده وتشعبت آلياته. وما يذم بالنسبة للحب عموماً ـ وحب النفس خصوصاً ـ هو الجهل البهيمي الذي يعميه. وما مشاكل الدنيا ـ من حولنا ـ إلا بسبب الجهل الذي لطخ المعاني السامية للحب. وكم من الحماقات والسيئات التي ترتكب باسم الحب، وكم من السموم والضلالات المدسوسة ـ التي تصل إلى درجة الكفر ـ يتم ترويجها بالمكر والتربح من ورائها في أسواق المحبة المدعاة وتحت غطائها وعلى حساب البسطاء المخدوعين.
الحب شعور يترجم في أقرب فرصة إلى عمل (قول أو فعل)، والفعل في هذا المجال أصدق من القول، وإذا لم يترجم الحب إلى عمل فهو كذب وخداع. وكثيراً ما يحدث خلط بين الحب وكل من العطف والإشفاق والإعجاب والهوى، ولكن يمكن بالعقل تمييز الحب عن غيره من المتشابهات، فحب الإنسان للشيء يجعله يشعر بشدة الارتباط به ورفض البديل وعدم القدرة على تجاوز ذلك الشيء.
النفوس العظيمة منابع للحب الفياض الذي يغمرها ويفيض على الأقرب فالأقرب حسب طاقة الحب في النفس. ورغم فيضان الحب من النفوس العظيمة إلا أنه ليس من الحكمة أن يوضع الحب في غير موضعه، وإلا فقد قيمته وضاع معناه أو انعكس، لذلك يحجب الحب عن النفوس الشريرة وذات الأفعال القبيحة وما شابه ذلك، زجراً لها لتنتهي. ومعروف أنه يوجد من يزعم أنه كبير القلب لدرجة أنه يحب كل الناس (العدو والحبيب)، وهذا الزعم المغلوط فيه خلط ولبس وبخس لقيمة الحب، وهو قول يسهل نقضه وربما التبس عليهم الحب بالإشفاق ـ فإن كان الحب للجميع فلمن يكون الكره! أم أنه يمكن معرفة معنى الحب بدون معرفة معنى الكره، أو البياض بدون السواد! وما تفسير الشعور الفاتر تجاه الكثير من الأشياء، أي حالة عدم الحب وعدم الكره؟
إن أرحم الراحمين أحكم الحاكمين وخالق كل شيء قد نفى حبه للمعتدين والكافرين والظالمين والمختالين والخوانين والمفسدين والمسرفين والخائنين والمستكبرين ومن على شاكلتهم. والرسل الكرام حين طلبوا الغفران ـ وهو خير عظيم للنفس ـ طلبوه لأنفسهم أولاً، ثم اتسعت الدائرة لتشمل أرحامهم، ثم بعد ذلك عامة المؤمنين. فهذا رسول الله نوح (ع) يدعو ربه، فيقول: (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات) وما عدا ذلك من قومه دعا عليهم (... ولا تزد الظالمين إلا تبارا).
وقصر الحب على النفس (فقط) يعميها ويهلكها هي ومن حولها، ويفقد الحب معناه ويعكس جدواه، ومثل ركاب السفينة الوارد في الحديث الشريف نموذج يوضح مدى خطورة هذا الحب الجاهلي، فلو تركوا يخرقوا في أسفل السفينة خرقاً، ليختصروا طريق وصولهم للماء لهلك الجميع.
وخير الحب ما كان على هدى وعلم وفيه بعد نظر، والعاقل من يحاول تعظيم حبه لسمو نفسه، لتعظم ثم تفيض بحبها وسموها على الآخرين. وغاية النفس العاقلة هي نوال رضا الله في جنات النعيم، تلك هي الغاية التي ليس بعدها غاية، وهذا هو الفوز المبين للنفوس التي تستحقه. أما الذي هانت عليه نفسه فباعها للشيطان وهو لا يدري، فأمه هاوية، وما أدراك ماهيه، نار حامية.
والحب العظيم من جانب رسول الله (ص) للنفس المؤمنة يجعلها بالتالي تحب رسول الله أكثر من ذاتها: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم). وولاية النبي للمؤمنين تشمل مشاعرهم، فتكون نفسه الشريفة (ص) أحب إليهم من أنفسهم. وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه عن أنس (رض): (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
حب النفس العاقلة لله ثم لرسوله يأتي قبل وفوق حبها لنفسها ولكل ما يتعلق بها، من أهل وتجارة ومساكن، لأن نتيجة هذا الحب الطيب تعود على النفس بأضعاف مضاعفة. والآية الكريمة تحذر من الجهل بهذه الحقيقة: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين). وقد ورد في سيرة خاتم المرسلين (ص) أنه ما كان يغضب لنفسه قط، وما كان يغضب إلا غيرة على حدود الله، ومعنى ذلك أنه (ص) يحب الله أكثر من نفسه. وحب النفس المطمئنة لربها هو نوع متميز من الحنين الجارف للفرع نحو الأصل، فأصل النفس نفخة من روح الله.
الألفة مع الخصوصيات:
معايشة الإنسان للشيء تزيد من فهمه وتصوره له وعلمه به، وذلك رغم أن حقيقة الشيء لم تتغير كثيراً، لكن المشاعر نحوه هو التي تتغير وفق ما يترجمه العقل ويتصوره. فالحقائق الكبرى ـ التي خلقها الله ـ تتميز بالثبات والحياد (... لا تبديل لخلق الله...) ولكن مدى استيعاب الإنسان لها هو الذي يتفاوت حسب التصورات. فمعايشة صاحب العاطفة والعقل ـ إنساناً كان أو حيواناً ـ للشيء تطبع في عقله تأثيرات وأوهام يصعب تغييرها أو محوها بسرعة.
وقد يتولد في النفس عكس ذلك الشعور ـ لأسباب واضحة أو خفية ـ فيشعر الإنسان بالضيق والكراهية تجاه شيء ما رغم المعايشة الطويلة له، ويود لو يستبدل بذلك الشيء شيئاً آخر حتى ولو كان أدنى منه حقيقة، وهنا يكون العجب لتغييب العقل وارتكاب الحماقات (... أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير...). وتلك هي الحالات الشاذة التي تحتاج إلى مزيد من التحليل والدراسة ومراجعة سلامة التفكير، ومن المفروض أن تكون هذه الحالات قليلة ولكنها للأسف كثيرة! فمن المعقول والمقبول أن يكره الحيوان (أو الإنسان) الشيء الذي يسبب له ذكريات أليمة، ولكن ليس من المقبول ـ عقلاً ـ أن يستبدله بما هو أدنى منه إلا إذا اختلت المقاييس، بسبب ضعف العقل والرؤية وسيطرة عواطف الضيق والغضب.
وما العادات والتقاليد إلا ألفة وإيلاف لتصرفات وسلوكيات موروثة ومدعمة بالممارسة الشخصية. فمن تعود على لبس الجلباب يجد حرجاً في لبس (البنطلون)، ومن ألف لبس القبعة يأنف من لبس العمامة، ودور العقل العادي محدود في مواجهة الإلف والعادة، ومع نمو العقل تنمو القدرة على مواجهة وتغيير العادات.
وتفسير ارتباط الحيوان بمألوفاته، أن الحيوان يتولد بينه وبين الأشياء التي يتعامل معها نوع من الفهم أو التفاهم والتواصل، وكلما كانت محصلة هذا التفاهم لصالح الحيوان يشعر ذلك الحيوان بفائدة الشيء والرغبة في مداومة الصلة به وتتولد وتنمو لديه المشاعر الإيجابية تجاهه، حتى ولو كان ذلك الشيء فظاً. فالسكين رغم بشاعة منظرها إلا أن الإنسان ـ العاقل ـ يشتريها ويقتنيها ويحتفظ بها لتلبية احتياجات مادية معينة. أما حينما يشعر الإنسان بأن محصلة التعامل مع الشيء ليست (أو لم تعد) في صالحه أو حين تظهر له بدائل أكثر فائدة، فسوف يشعر بالرغبة في تحجيم الصلة بينه وبين ذلك الشيء، وتتولد تجاهه المشاعر السلبية التي قد تؤدى إلى قطع الصلة مع ذلك الشيء أو حتى محاربة وجوده، فيصبح حبيب الأمس هو عدو اليوم! ومثل هذه المشاعر والتصرفات الحيوانية لا تعرف القيم الأخلاقية ولا المعاني السامية التي ينشدها العقل السليم.
وما دام أساس العلاقة الحاكمة بين الإنسان (أو الحيوان) والأشياء هو الاحتياج بأنواعه، ومدى سهولة التفاهم على المنفعة أو الفائدة، فلو رتبنا الأشياء التي نتعامل معها حسب أهميتها ومدى الاحتياج إليها، فبلا شك سيأتي العقل في المقدمة بلا منازع. إذن أشد الأشياء التي يألفها الحيوان هي عقله، لأنه هو الوسيلة الحاكمة في التفاهم مع بقية الأشياء الأخرى. وقد قالوا في الأمثال: (إن الله ـ عز وجل ـ حين قسم الأرزاق لم يرض أحد برزقه، وحين قسم العقول رضى كل بعقله).
علاقات النفس:
يمكن القول بأن النفس تشمل العقل كما تشمل الروح وهما غير ماديين ويعلق بهما الجسد وهو بناية مادية، أي أن الإنسان ذو طبيعة مزدوجة، كما هو ممثل وظيفياً في الشكل. والعقل قاسم مشترك بين الطبيعتين ويمكن أن تفتقد أجزاء من الجسم أو تفصل، كالأطراف وتظل النفس حاضرة وفي حالة حياة، أما الأجزاء التي فصلت (عن الروح) وتحللت رغم استمرار بقية الجسم حياً فتدل على أن المكونات المادية للإنسان مجرد شيء طارئ على النفس لتأدية وظائف وقتية، ولا يرتبط بالنفس من الجسد إلا الأجزاء الحية إلى أن تموت أو تفصل.
فتبعية مكونات الجسد للنفس (وعقلها) تبعية إدارية، بمعنى أنه حين تنقل كلية (مثلاً) من شخص حي إلى آخر حي فتنتقل تلقائياً تبعيتها كاملة، من نفس المنقول منه إلى نفس المنقول إليه، والنفسان كما هما تقريباً. وحين ينقل كبد إنسان ميت (مجهول) إلى آخر حي تظل نفس الحي كما هي ولا يبدو لها أي علاقة بنفس الميت المجهول! تلك مادة ترابية سبق أن دارت آلاف المرات في آلاف الأجساد، وتعاملت معها ملايين النفوس.
وهنا يمكن أن نعتبر شعور المعاناة النفسية في ظاهرة (الطرف الشبحي Phantom limb )، الذي يتخيل الإنسان فيها أن طرفه المبتور لا يزال موجوداً وأحياناً يشعر بالرغبة في (الهرش) فيه، هو مجرد ذكرى ما زالت آثارها موجودة في ذاكرة العقل، فيظل الإنسان يشعر بأنها أجزاء متتامة معا لجسم والذات.
شكل
وحين تغادر الروح كل الجسم بما فيه المخ يسقط المكون المادي المظلم الممثل بالتظليل في الشكل فيتبدل الحال وتشف النفس وتنتهي التبعية الدنيوية، أما الجسد فيتحلل ليدور في خلق جديد. وبهذا الانفصال يفقد العقل الكثير من وظائفه الإدارية التي كانت متعلقة بالجسد، وما يرتبط بالغرائز والشهوات والاختيار والإرادة والقيادة وإصدار الأوامر للجوارح وما شابه ذلك، ويبقى العقل كذاكرة عالقة بالروح رغم تلاشي المخ.
إن ما بعد الموت طور آخر من أطوار النفس البشرية ـ يتعذر تصوره ـ ولكنه يتسم بالشفافية وزيادة الوعي وحدة الشعور، والدليل على ذلك نجده في آيات كثيرة ومنها قوله سبحانه وتعالى: (... فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد).
وحين يخاطبنا خالقنا من خلال صحف الهداية في هذه الدنيا نجد أنه ـ جل شأنه ـ يوجه الخطاب للنفوس من خلال العقول (الألباب)، لأن العقل له سيطرة على الجوارح حال الحياة. فالعقل هو الرقيب على النفس في الحياة الدنيا، والله ـ جل وعز ـ هو الرقيب على العقل، (.ز. إن الله كان عليكم رقيباً). أما على أعتاب الآخرة حيث اضمحلال الشق المادي من العقل، فيسلب من العقل تلك الإمكانية ليبقى مجرد ذاكرة شفافة فيتوجه الخطاب حينئذ للنفس المتمثلة في الروح وما علق بها من أعمال ـ لها أو عليها ـ وتكون المحاسبة للنفس حيث يتجمد دور العقل الذي كان قائداً للنشاط في الدنيا فيتحول عند الموت إلى مجرد مراقب مرافق للروح يستعرض الماضي ولا يملك إرادة العمل ولا حرية الاختيار التي كانت ممنوحة له من قبل.
ففي حالة الموت يتحول الجسد (بدون الروح) إلى جثة ـ شبه جماد ـ ثم يضمحل ويتلاشى شيئاً فشيئاً، ولا يتبقى منه إلا (الجسد الشبحي Phantom body). وعند البعث يعود لكل نفس (روح) جسدها، بـ (كن) وبالتركيب المقدر في علم العليم الخبير، ليشارك النفس ـ كشاهد حي ـ في استقبال الجزاء العيني، ويتبين للعقل عندئذ أن الحياة لم تكن إلا دورة فارغة إلا من العمل وما يعنيه ذلك العمل. أما الجسد المادي وحده أو بعض أجزائه فلا يمكن أن يمثل كل النفس، لكن الروح يتيسر لها ذلك ـ ولا تتجزأ كالجسد ـ نظراً لصلتها الأصلية بالذات القديرة.
في الدنيا يبدو أن العقل ـ بشبكته العصبية ـ هو مركز التحكم في السلوكيات، التلقائية المبرمح منها والمعتمد، وينازعه الجسد ـ بمادته الثقيلة وشهواته ـ في ذلك. فكثيراً ما تتغلب رغبات الجسد (الشهوات) على منطق العقل (الضعيف)، والقليل من العقول هو الذي يقاوم ويصمد. ولذلك نجد بعض العباد والرهبان يقسون بعقولهم على أجسادهم بأنواع من الحرمان، لتقليص حجم وقدرة الجسد، وبالتالي تحجيم رغباته فتتسع المساحة المتاحة لحرية الحركة والنشاط القيادي للعقل وقدراته التي كانت كامنة أو مغلوبة، مما يمكن من تحليق الروح بالنفس المتخففة الزاهدة في حطام الدنيا. وجدير بالذكر أن المغالاة في ذلك يتعارض مع الطبيعة البشرية (المزدوجة) ويضر بالسلامة النفسية والعقلية ويمكن أن يصل لدرجة الهلوسة أو الانقلاب العكسي الخفي. وما انتكاسات الرهبنة وما صاحبها من انحرافات وشذوذ إلا بسبب محاولة الخروج من إطار الطبيعة البشرية!
حياد الروح والجسد:
في محاولة أخرى لتصور النفس البشرية، قد نشبه الجسد بمركبة للنفس، والروح هي سر الطاقة المحركة للمركبة، والعقل هو القائد الذي حمله الله المسؤؤولية عن كل النفس حال اليقظة. والجسم من خلق الله وصلته به خلقية، ولكن الروح من أمره ـ جل شأنه ـ وصلتها به نفخية. وبسبب ما تبين من التحليل السابق، ننكر وجود جسد شرير أو روح شريرة، بل هما محايدان ويوجد على ذلك دليلان:
الدليل الأول: الانتساب المباشر لكل من الجسد والروح لذات الله ـ تبارك وتعالى ـ أولاً بالخلق، وثانياً بالنفخ من روحه، وهو سبحانه وتعالى خير، (.ز. فالله خير حافاً وهو أرحم الراحمين). فهو سبحانه وتعالى حكم عدل بين خلقه جميعاً، ولا ينفعه الخير ول يضره الشر. وما نراه أو نتأذى به من شرور في هذه الدنيا ناتج من سوء تصرف الخلق وشرورهم: (من شر ما خلق) وفضله ـ جل شأنه ـ فوق ذلك، فهو يتولى تحويل الشر إلى خير لصالح المجني عليه، إن آجلاً أو عاجلاً حسب حكمته وعلمه.
والدليل الثاني: أن الجسد أثناء غيبة العقل ـ في حالات التخدير أو النوم أو الغيبوبة ـ أو حال الموت يكون الجسد حيادياً لا يفعل شراً ولا خيراً، وكذلك المجنون لا تحتسب أخطاؤه شروراً ولا ما قد يصيب فيه حسنات.
يستخلص من ذلك أن الجسم المادي (بشهواته) والعقل شركاء في ذات حيز الكيان البشري المحدود، وطغيان (أو خلل أحدهما) ينعكس على الآخر ويخل بتوازن النفس. فمن الناس (الأنفس) من يميل نحو الشهوات بإفراط وبلا ضوابط، ويتبع خطوات الشيطان الذي يخرب له عقله ويضله فتصبح النفس بالتالي شيطانية متوحشة أو مخمورة. ومنهم من يغالي في ظلم الجسد وحرمانه من احتياجاته الفطرية ويستنزف طاقته ـ بتلبيس الشيطان ـ يختل وعاء العقل (المخ) ويصل لحالات من الهلوسة ورؤية الأوهام، وتلك حالات موجودة عند كل الشعوب وفي كثير من المعتقدات وعلى مر العصور بمسميات متباينة. وكلا الحالين بعيد عن الصواب، وفيه ظلم للنفس نتيجة تضييع العقل، بسبب متابعة الشيطان والشهوات في غياب الهدى.
ومعروف أنه توجد نفوس خيرة سارت على الطريق القويم، ونفوس دن ذلك ضلت الطريق. وكل نفس مجبولة على حب الخير ولكن منشأ الاختلاف يتوقف على مدى فهم العقل للخير وكيفية الوصول إليه، ومن هنا نؤكد أهمية تبصير العقل بمعالم الهدى، من أجل سعادة كل النفس في الحياة الدنيا وفي القبر وفي دار القرار.
فناء الجسد فقط:
للمخلوق دور سببي في الخير وفي الشر وللعقل فيهما تدبير، ويعلق العمل بالنفس ـ المرتبطة بالروح ـ فتوجد نفس طيبة خيرة ونفس خبيثة وخليط بين ذلك كثير، حسب نوعية العمل. وكما ذكرنا من قبل يجب التمييز بين النفس والروح، فالروح تغادر الجسد لكنها لا تفارق النفس أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة، وموت النفس يعني مغادرة الروح للجسد المادي. ولذلك يمكن القول بأن الفناء مكتوب على الجسد فقط لا على النفس ولا على الروح، والفناء المؤكد المذكور في الآية 26 من سورة الرحمن: (كل من عليها فان)، يمكن أن يفهم على أنه خاص (بالمادة)، أي بالجسد الموجود على الأرض (كمادة)، ويفهم ذلك من لفظ (عليها).
الانهزام النفسي:
لقد أخبرنا العليم الخبير بأرسخ الحقائق، ومنها حقيقة ضعف الإنسان، (... وخلق الإنسان ضعيفاً)، هذا علم وحكم من خلق ـ سبحانه وتعالى ـ أي أنه حكم حقيقي نهائي لا يقبل المراجعة، ولا يحتاج إلى تعديل ولا تأويل. وللعاقل أن يتأمل حال أعتى الطغاة لو احبتس بوله أو أصابه (فيروس)! وفوق هذا الضعف المادي فنحسب أن الآية الكريمة تشير أساساً إلى الضعف النفسي، وهذا الضعف الحقيقي لا يمكن التغلب عليه بدون اللجوء إلى القوي العزيز فهو مصدر القوة، وهو مسبب الأسباب ولا يعجزه شيء.
ويتولد الضعف النفسي حين يشعر الإنسان بتخلي الأسباب عنه وأنها أصبحت في صالح خصمه، حقيقة أو وهماً. ولذلك ففي الصراع يحاول كل طرف أن يوهم الخصم بأن الأسباب أصبحت في صالحه هو وأنه يملك أسباب القوة، وإن نجح في ذلك الإيهام يكسب المعركة بقليل أو بدون قتال وتلك هي الحرب النفسية المعروفة. وتلك في الأساس مسألة عقلية، وأولو العزم هم في الأساس أصحاب عقول جبارة، أنارها الإيمان، فاتصلت بمصدر القوة والعزة، ولا تعرف اليأس لأنها تثق في خالقها، وتعرف أن إثم اليأس يصل لدرجة الكفر، والعياذ بالله.
واسهل طريق يسلكه أعداؤنا هو احتلال عقولنا، التي هي مراكز التحكم والسيطرة المباشرة فينا، وبعد ذلك يفعلون بنا ما يشاؤون، وهذا حادث الآن بصور شتى وعلى كل المستويات، نردد ما يريد العدو أن يقوله، ونفعل ما يريد ونظلم أنفسنا بأيدينا وجوارحنا، لأن عقولنا محكومة بعقول ومعايير غيرنا والإرادة مشلولة، لأن التناقضات المصنوعة في عقولنا لا تسمح بسلامة الرؤية، لذلك لا نستطيع التحرك الذاتي بسهولة، ومعظم حركتنا ليست إلا ردود أفعال أو انتفاضات مقهورة في الظلمات. فانهزام الإنسان وقيادته يبدآن من الداخل (من العقل) وبعد ذلك تستسلم بقية الجوارح فتصبح كأعضاء الدمى يفعل بها الأفاعيل.
ترقية العقل والنفس:
العقل المتجرد اليقظ يتوجه إلى أعلى، نحو السماء والنور، ولا يجد مبرراً عقلياً لمعظم الصراعات التي تموج بها الحياة السوقية، أما الشهوات فتتسفل لتغوص باندفاع في قذارات البهيمية والصراعات وسط الظلمات الحالكة المهلكة، بدون التفكير في العواقب، بسبب قصر النظر وعمى البصيرة.
وبما أن الحاجة هي محرك الاختراعات ومولدة الإبداعات فهي التي تحث العقل على النشاط، لذلك تجد الأزمات غالباً ما يعقبها صحوة وبروز للهمم التي كانت كامنة، ويلاحظ أن كثيراً من المخترعات ظهرت في سنوات الحروب. وعلى الجانب المقابل تجد الطمأنينة الزائفة والعواطف الهائمة والبطون المتخمة تسبب كسل العقول المترفة، كل ذلك أو بعضه يحدث ركوداً في التفكير يعقبه درجة من درجات الضياع. فمن يشعر بالراحة ويمارس مختلف أنواع الترف والملذات ويركن إليها، لماذا يجهد عقله في التفكير! لكن العاقل يدرك خطورة كسل العقل والركون للترف لأنه لا يمكن أن يدوم، والاطمئنان للدنيا انخداع، لذلك فالحذر واجب مدى الحياة، لأن توالي الليل والنهار لا يترك حالاً على حاله.
وأحياناً ينعم الله على أحبابه بالشدائد وطول المعاناة، لصقل عقولهم وتجلية بصائرهم، وكل العظماء حتى درجة الأنبياء قد مروا بأنواع من المعاناة قدرها الله، لترقية نفوسهم وإنضاج فكرهم وتعظيم أخلاقهم وإسباق نعمة العقل عليهم. فلا نعرف عظيماً عاش حياته منعماً مترفاً، لأن الترف المادي يعين الشهوات على العقل ويعمي البصيرة. وكما ن تحقيق البطولات الرياضية لا يمكن أن يتم بدون معاناة ـ حتى درجة الألم ـ في التمرينات، فالقدرات العقلية أيضاً لا تتحقق بدون معاناة ذهنية وفكرية لدرجة الألم، هذا شرط.
سنن وحكم وحكمة: إن العظمة ـ وكل صفات الكمال والجمال ـ لا تصنع بالإرادة البشرية وحدها، ولكنها تصنع بعناية الله في نفوس من يختار من البشر، وهو الأعلم بخلقه. وقد نلمح من ذلك أن المعاناة ليست شراً، كما يرى قصار النظر، بل إن الإعجاز الإلهي يجعلها سبباً في صنع النفوس العظيمة. ونعبر من ذلك فنقول بأن معاناة شعب ما لأزمة شديدة تكون فرصة لاغتنام السنن الإلهية في تيسير أسباب صنع العظمة، ولا يتحقق ذلك بدون قيادة رشيدة حكيمة عادلة تقتل الفتن وتضرب بنفسها المثل الصادق في الترفع والزهد والبذل والعطاء فتنال رضى الله وتملك قلوب الناس، وتلك مسألة عقل سليم.
----------------------------------------
المصدر: العقل (تنظيمه وادارته)

Heba Khled
08-31-2011, 04:30 AM
المفهوم الإسلامي للعلم
مارسيل بوازار

لعب العلم دوراً أساسياً في تطور الثقافة الإسلامية. أليس ميراث الرسول، على حد قول حديث مشهور، هو: العلم ثروة أثمن من الذهب والفضة؟، الكتب، الدقيقة والمدرسية أحياناٍ، التي ترمي إلى تحديد العلم وإلى تصنيف شتى عناصر بطريقة مراتبية، ليست نادرة. إنها لا تشكل "نظرية علم" حقيقية، كما حدث ذلك في الغرب، لأنها تضع نفسها دائماً في إطار المرجع المطلق: الوحي الإلهي. والقرآن واضح بهذا الخصوص: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب).
كثيراً ما أشير إلى أن اللغة العربية تستخدم، رغم خصوبتها، لفظاً واحداً للدلالة في نفس الوقت على العلم science والمعرفة connaissance لكن ما لا يعرفه إلا الأقلون عدداً هو أن الإسم لا يعرف له جمع، لا في القرآن ولا في السنة: العلوم وهو جميع مقبول عموماً لمفرد علم، لم يظهر إلا متأخراً، يؤكد علم الدلالة الإدراك الفكري الشامل: للعلم لا يقبل التجزئة أو، بدقة أكثر، لا يمكن تصور التعدد إلا في الوحدة. فالاقتراب الميتافيزيقي هو إذن مختلف جداً عن الواقع المعاصر الذي انقسم فيه العلم إلى فروع متقوقعة على نفسها غالباً إلا أنه لا يستعبد التخصص. فقد انكب، في جميع العصور، مؤلفون مسلمو، لأسباب تعليمية وتربوية، للقيام بتصنيف الفروع العلمية. كانت الاقتراحات جمّة المعروف منها جداً هي اقتراحات الكندي، ابن سينا، الغزالي، ابن رشد، ابن خلدون، وفي منظور أكثر رياضية، اخوان الصفاء، تنقسم العلوم، حسب ابن خلدون، إلى علوم عقلية وعلوم نقلية، أما معظم المؤلفين فأنهم، على غرار الكندي، عددوا العناوين الكبرى التالية: اللغة، المنطق، التعليم الإعدادي، الفيزياء (والميتافيزيقيا) "وعلم الاجتماع" (الفقه والبلاغة).
يساهم البحث عن "المعرفة"، في أي مستوى كان، في "تطهير" المؤمن. وهكذا يتضح انه، حصراً، واجب "ديني" بالمعنى الغربي للكلمة. استعار العلم الإسلامي عناصر كثيرة من الحضارات، التي دخل في قالبها أثر الفتوح العسكرية، ومن ثقافات البلدان المجاورة. الظاهرة تاريخياً لاشك فيها. وبالمقابل، فان تفسيرها خاطئ عندما ينحصر في تحليل لا يتجاوز إطار الوقائع، ولا يرى غير التقليد والاستعارة. لقد وجد إبداع حقيقي، بقدر ما تم التداخل والتركيب في إطار استبعدت فيه الشرعية العلمية العقلانية المنفلتة من عقالها لكنها أخضعت العلم الإنساني للعلم الإلهي.
حدود حرية البحث، الصارمة على الصعيد الأخلاقي إذ أن على العلم أن يستهدف خدمة الإنسانية وفق تكافل جميع الكائنات، هي بالمقابل واسعة جداً على صعيد البحث العلمي، نظراً لضآلة علمي الإنسان أمام حكمة الله المطلقة. توجيه الأمر الدائم للمؤمن باستخدام فكرة ل‍ "التأمل" ل‍ "التدبر" و"التفكير" ضوعف بالأمر بالعمل والتذكير بالمسؤولية الشخصية لكل واحد، على المستوى الأخلاقي، الاجتماعي والعام.
نظرية العلم والمعرفة متكاملتان ولا تنفصلان: "المعرفة هي أن يكون المرء "قادراً" على الفعل. أما العلم، بالمعنى الإسلامي للكلمة، فله دلالة خاصة. ليست دلالة العصر القديم الإغريقي والروماني ولا هي دلالة العصر الوسيط الأوروبي. ولا هي أيضاً دلالة الحضارة التكنولوجية المعاصرة، ولا تأمل الهند التجريدي، ولا بالأحرى التوجه إلى العمل الخاص بالثقافة الصينية. المعرفة والأخلاق، الفكر والعمل، البحث العقلاني والاقتناع الروحي تشكل جميعاً جمعية في مفهوم تجريدي ومتعال. مكّن هذا الانصهار الأمة الإسلامية من حمل مشعل الثقافة العالمية خلال ألف عام تقريباً. لا شيء يحول دون أن تقدم إلهاماً لنهضة علمية حقيقية. من المفيد، بهذا الصدد، أن نشير على الصعيد اللغوي، بأن كلمة "علم" في العربية وكلمة "عمل" متركبتان من نفس الجذور الثلاثة الدّلالية في شتى حالات تغيير حروفها حيث تتضمنان دائماً نفس المعنى المصاحب. يقع العلم والعمل في منظور المصير الذي حدده الله للإنسان، الذي جعل منه حليفته على الأرض. وهو أيضاً وريثه، إذا امتثل للأمر الإلهي: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون).
بهذا المعنى، يختلف المفهوم الإسلامي عن التفسير اليهودي المسيحي المقبول عموماً ـ لا إجماعاً ـ ل‍ "سيطرة" الإنسان، الذي خلقه الله على صورته على الطبيعة. وهكذا غدا العلم في الغرب مرادفاً للسلطة وقاد إلى قطع الصلة بين الإنسان والطبيعة. بدون شك لقد تفاقمت هذه القطيعة بتطور الرأسمالية، المنحدرة من نفس المصدر الثقافي: استغلال الأرض كُثِّف، دون اعتبار لمصير الأجيال القادمة. لأسباب تاريخية واضحة، عمّ هذا المفهوم العالم وأثر لمدة زمنية على جميع الثقافات غير الأوروبية. بيد أن الإنسان، في نظر الإسلام، ليس سيد العالم المطلق. أنه موجود على الأرض كخليفة ووكيل، ملتزم باستثمار وحماية الخليقة المتعاطف معها وجدانياً: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها).
أعطت هذه القناعة دون شك ميزة خاصة للعلم والعلماء المسلمين الذائعي الصيت: التقوى، التواضع أمام المجتمع واحترام المحيط الطبيعي الذي على الإنسان أن يفهمه لا أن يخضعه، وأن يحافظ عليه كتراث مشترك للأجيال الماضية والمقبلة. في هذه الحدود، يبرهن التاريخ بان الحضارة العربية الإسلامية، خلقت العلم بفضل مفهومها الوحيد والمطلق، بينما درست الثقافات السابقة العلوم.
---------------------
المصدر : الإسلام اليوم

Heba Khled
08-31-2011, 04:31 AM
ماذا تعني إسلامية المعرفة؟
إبراهيم العبادي


(إسلامية المعرفة: تعني منهجية إسلامية قويمة شاملة تلتزم توجيه الوحي ولا تعطل دور العقل، بل تتمثل مقاصد الوحي وقيمه وغاياته، وتدرس وتدرك وتتمثل موضوع اهتمام الوحي وإرشاده، وهو الفرد والمجتمع الإنساني والبناء والاعمار الحضاري وما أودع الله في هذه الكائنات والعلاقات من فطرة ومن طبع، وكيفية توجيه تلك الطبائع وتفاعلها وكيفية تطويعها واستخدامها. كل ذلك من أجل تفهم هذه الكائنات وعلاقاتها حتى يمكن تسخيرها لتوجيه الإسلام وغاياته.
والمعرفة الإسلامية: تعني وتتمثل بالضرورة القدرات والإنجازات العلمية والحضارية الصحيحة كافة، تلك التي توارثتها البشرية وأنتجتها بعد أن تمحصها وتزنها بميزان الإسلام وشمولية قيمه وتوجيهه وغاياته. وهي تعني أيضاً معرفة ناقدة بصيرة تتمثل وتتمكن من كل معرفة صحيحة وتعني كذلك، أنها تصدر عن قيم الوحي وغايات الرسالة، وتتصل بكل صحيح ونفيس من تراث الأمة وفكر علمائها ومفكريها على مر العصور والقرون.
ومن الواضح أن أسلمة المعرفة تتركز بشكل مؤكد على العلوم الإنسانية والاجتماعية. وليس ثمة موضع لها في العلوم الطبيعية إلا قليلاً، فليس ثمة مشكلة كبرى في هذه العلوم إلاّ في الغايات النهائية والمقاصد الأخيرة، فعلى سبيل المثال لابد من أخذ الضوابط الشرعية في موضوع خطير كالهندسة الوراثية، أو في علم نقل الأعضاء. وهذا الأمر مرتبط ـ كما هو واضح ـ بتطبيقات هذه العلوم وبأهدافها. أما في مجال البحث العلمي. فلا يبدو مشكلة كبرى.
إلا أن المعضلة تبرز بوضوح في العلوم الإنسانية، إذ أن هذه العلوم لم تنفصل عن البيئة الغربية وتأثيراتها وتصوراتها وجذورها الفكرية ورؤيتها للإنسان والكون، ومن هنا كان المسلمون يحاولون تنقية هذه العلوم وتهذيبها أو أسلمتها أي جعلها ذات جذور إسلامية وعلى صلة وثيقة بالواقع الإسلامي والرؤية الإسلامية. أي أن ميدان أسلمة المعرفة يتصل بالعلوم الإنسانية والاجتماعية التي جاوزت خارطتها العشرين علماً من علوم النفس والإنسان والاجتماع والتربية والاقتصاد والسياسة والإعلام... وهي كلها بدون استثناء من مولدات العقل الغربي الذي صاغها وبنى مقدماتها بما يلائم فلسفته وفكره ونظرته المركبة المعقدة إلى الكون والإنسان والحياة. وبسبب هيمنة هذه العلوم وتطبيقاتها، الناتجة بدورها من هيمنة الحضارة الغربية ومناهجها وبسبب تصادمها حتى مع الحقائق والمعتقدات الدينية الإسلامية الصحيحة، فان الأخذ بهذه العلوم على ما هي عليه يصنع ازدواجية ثقافية أو معرفية، ويؤدي إلى تشطير الإنسان المسلم بما يدفعه إمّا إلى هجران دينه والتمسك بهذه العلوم بكل ما تحمل كلمة علم من إيحاءات الثبوت والقدرة على البرهنة والإثبات بعكس الحقائق الدينية التي لا تخضع للاختبارات والإثباتات الحسية، أو رفض هذه العلوم والمعارف، والتمسك بالمنطق الإيماني والأخلاقي وحده. وكلا الخيارين لا يؤديان وحدهما إلى نهضة الأمة المسلمة، فالخيار الأول يؤدي ـ وادى ، إلى التبعية المنهجية والثقافية وضياع شخصية الأمة والفرد وهويتهما مما يقضي على إمكانيات نهوضها، إذ لا يمكن لعملية النهوض هذه أن تنطلق بدون مقومات ذاتية وشعور بالاعتزاز والثقة بالهوية والاعتماد على الثقافة الذاتية، أي الوعي الكامل بالذات ووعي الأهداف التي تصبو إليها والتي تحقق من خلالها ذاتها وتوقها إلى العالمية وعدم التخلف عن الركب الحضاري.
أما الخيار الثاني، فأنه يؤدي ولاشك إلى إهمال عنصر أساس من عناصر النهضة وهو المعرفة المنتجة والخلاّقة والمبدعة القادرة على تحقيق النتائج السريعة والانتصار على عنصر الإيمان بالغيب وحده، أي الإيمان بدون العلم.
إن هدف مشروع أسلمة المعرفة، هو إخراج العلوم الإنسانية من الاتجاه المادي الوضعي، ومن انحصارها في المحسوسات، ومن دورانها في حلقة الذاتية والتمركز؛ إلى رحاب العالمية، ولذلك يكون طرح المعرفة الإسلامية في العلوم السلوكية خدمة للبشرية عامة، وهدفاً إسلامياً ضرورياً.
------------------------------------
المصدر : جداليات الفكر الإسلامي المعاصر

Heba Khled
08-31-2011, 04:33 AM
أنواع المعرفة
د. عبد الهادي الفضلي


نستعرض أنواع الرئيسية التي تتحدث عن الكون والإنسان والحياة لنتعرف مجالاتها العامة، ومن ثم مناهجها العامة، وهي:
1_ الدين.
2_ الفلسفة.
3_ العلم.
4_ الفن.
الدين:
وأريد به _هنا _ الدين الإلهي المتمثل الآن في الشريعة الخاتمة (الإسلام).
وحقيقته منتزعة من واقعه، وهي أنه: عقيدة إلهية يقوم على أساس منها نظام كامل وشامل لجميع شؤون الحياة.
والدين بهذا التعريف يأتي أوسع مجالاً من الفلسفة والعلم. ومعارفه _وهي ما يعرف بالعلوم الشرعية أو العلوم الإسلامية _ تعرب عن هذا وتؤكده ففيه:
1_ ما يدخل في مجال العلم من الإشارة أو العرض لبعض النظريات والقوانين العلمية التي يمكن أن تبحث في ضوء المنهج التجريبي فتخضع للملاحظة أو التجربة، أمثال:
أـ حركة الفلك:
المشار إليها في مثل قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون).
حيث تفند هذه الآي الشريفة النظرية الفلكية القديمة القائلة بأن الفلك جرم شفاف ثبتت فيه الكواكب تثبيتاً فلا حركة لها ولا فيها، وإنما الحركة للفلك التي هي فيه فقط.
وتفيد أن لكل كوكب _مما ذكر _ حركة في نفسه وحركة في مداره الفلكي.
وهذا مما يدخل في مجال الملاحظة.
ب_ دور الرياح في توزيع سقوط المطر:
المشار إليه في قوله تعالى: (الله الذي يرسل الرياح فتُثيرُ سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كِسفاً فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون).
فقد ثبت _علمياً _ أن من العوامل التي تسيطر على توزيع سقوط المطر: مقدار الرياح المحمّلة بالرطوبة.
ج_ نزول الحديد:
المشار إليه في الآية الكريمة: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس).
فقد ثبت _علمياً _ أن الرجم وهو شهاب أو نيزك يبلغ سطح الأرض من غير أن يتبدد تبدداً كاملاً، إنه يتكون "من حديد حيناً ومن حجارة حيناً ومن مزيج من الحديد والحجارة في بعض الأحيان".
فهذه وأمثالها كثير في القرآن الكريم والحديث الشريف مما يدخل في مجال البحث العلمي وتفاد نتائجه من الملاحظة الإستقرائية.
2_ ما يدخل في مجال الفلسفة من الإلماح أو الإستعراض لبعض النظريات أو القوانين العقلية الفلسفية مما يمكن دخوله مجال البحث الفلسفي وفق المنهج العقلي، أمثال:
أ_ الإستدلال بمبدأ العليّة:
كما ورد في القرآن الكريم في قصة إبراهيم(ع)، قال تعالى: (وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما جَنَّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أقل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكوننَّ من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين).
حيث تفيد الآي الشريفة هذه أن النبي إبراهيم (ع) استدل من الأفول باعتباره أثراً حادثاً أن لهذه الكواكب مؤثراً محدثاً، وهو الله تعالى.
وكما ورد في (نهج البلاغة) _الخطبة 185 _ من قول الإمام أمير المؤمنين(ع): "الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ولا تحويه المشاهد ولا تراه النواظر ولا يحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده".
ب_ الإستدلال بدليل التمانع:
كما في قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا)...
وقوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض).
3_ ما هو من الغيبيات:
وهو كثير في القرآن والحديث والمنقول التاريخي أمثال:
أ_ الإيمان بوجود الجن.
ب_ الإيمان بوجود الملائكة.
ج_ الإيمان بيوم القيامة.
د_ الإيمان بالجنة.
ه‍_ الإيمان بالنار.
و_ الإيمان بالإسراء والمعراج.
ز_ الإيمان بعمر نوح وطوفانه.
ح_ الإيمان بانفلاق اليم لموسى.
ط_ الإيمان بخلق آدم من تراب.
ي_ الإيمان بولادة عيسى من غير أب.
وأمثال هذه مما لا مسرح للعقل فيها لأنه لا يستطيع أن يثبت _هنا _ أكثر من إمكانها وجواز وقوعها.
كما أنه لا مجال للملاحظة والتجربة فيها _كما هو واضح.
فلا محيص لإثباتها إذ من الرجوع إلى المنقولات والنصوص الدينية في ضوء معطيات المنهج النقلي.
وهذا الغيب أو الغيبيات مما انفرد به الدين.
وفي ضوء جميع ما تقدم تدخل أفكار الدين جميع مجالات البحث، فبعض في مجال الغيب، وهو مما استقل به، وبعض في مجال ما وراء الطبيعة، وبعض في مجال الطبيعة والإنسان.
ومن البيّن أن اختلاف المجال أو الموضوع يتطلب اختلاف المنهج الذي يتبع في دراسته وبحثه.
ومن هنا نقول:
_ يرجع في دراسة الأفكار الغيبية إلى المنهج النقلي.
_ وفي دراسة الأفكار الميتافيزيقية إلى المنهج العقلي.
_ وفي دراسة الأفكار التي ترتبط بالطبيعة والإنسان تكويناً ومجتمعاً إلى المنهج التجريبي.
_ وفي دراسة التشريعات الدينية _لأن مصدرها النصوص النقلية _ يرجع إلى المنهج النقلي.
وهكذا ...
الفلسفة:
ولأن مجال الفلسفة انحصر الآن في دراسة ما يعرف بـ (ما بعد الطبيعة Metaphysics)، وهو مما لا يمكن اخضاعه للملاحظة أو التجربة، لا بد من الإلتزام في بحث أفكاره بالمنهج العقلي.
ولكن، قد يقال: إن الفلسفة الحديثة بعد الإنتفاضة العلمية التي أحدثها رينيه ديكارت حيث "بدأ بتحطيم كل اتصالية بالفلسفة القديمة وعفى على كل ما فعل قبله في هذا العلم وشرع بإعادة تحديده بتمامه منذ البداية وكأن أحداً ما تفلسف قبله قط" _كما يقول شلينگ، و "وضع المبدأ الشهير: لا يجوز للإنسان أن يصدق سوى الأشياء التي يقرها العقل، وتؤكدها التجربة".
ومهد به لهيمنة المنهج التجريبي على أبحاث الفلسفة وانهزام المنهج العقلي أمامه، كيف نُلزم بالتزام المنهج العقلاني في الدرس الفلسفي؟!
نقول في الجواب عن هذا: إننا إذا أدركنا أن الثورة الثقافية في أوروبا التي أتت على الموروث الفلسفي فبددته، وربما حطمت الكثير منه إن لم تقل كله، لم تمس شيئاً منه مما هو موجود لدينا في مدونات الدراسات الإسلامية.
ذلك أن الفلسفة الإسلامية، وكذلك التراث الفلسفي الإغريقي الموجود عندنا، ومثلهما علم الكلام، لا تزال جميعها عقلانية الفكر وعقلانية المنهج، وتدرس وتبحث على هذا الأساس.
العلم:
وأعني بالعلم _هنا _ ما يعرف بـ (العلوم الطبيعية) كالفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك والخ، و (العلوم الإنسانية) كالتربية وعلم الإجتماع وعلم النفس وعلم الإقتصاد وعلم الإدارة والخ.
ولأن مجالها الطبيعة والإنسان بدراسة ما فيهما من ظواهر، وهي مما يدخل في إطار الملاحظة أو التجربة يأتي استخدام المنهج التجريبي فيها أمراً طبيعياً.
الفن Art:
ومجاله التعبير عما يحدث في النفس، ولذا عرّفه (المعجم الفلسفي) بأنه "تعبير خارجي عما يحدث في النفس من بواعث وتأثرات بواسطة الخطوط أو الألوان أو الحركات أو الأصوات أو الألفاظ، ويشمل الفنون المختلفة كالنحت والتصوير".
ولأن مجاله التعبير عما يحدث في نفس الإنسان فهو بالعلوم الإنسانية ألصق، وإليها أقرب، فيأتي _لهذا _ منهجه المنهج التجريبي.
ملحوظة:
وبعد هذا المرور السريع في التعريف لمجالات المعرفة وما يلتقي وطبيعتها من منهج لا بد من الإشارة إلى التالي:
1_ أن المناهج المذكورة هي المناهج العامة، وعنها تنبثق المناهج الخاصة.
2_ إن هذه المناهج العامة قد تتداخل فيشترك أكثر من منهج في دراسة مسألةٍ ما إذا كانت المسألة ذات جوانب متعددة ومختلفة.
ولنأخذ مثالاً لهذا _بغية الإيضاح _ فكرة وجود عوالم أخرى غير عالمنا هذا.
فالبحث الفلسفي في ضوء المنهج العقلي يُسلمنا إلى النتيجة القائلة بإمكان وجود عوالم أخرى غير عالمنا هذا، لأن القول بالفكرة لا يلزم منه الوقوع في غائلة الدور أو التسلسل أو التناقض.
والبحث الديني يوصلنا إلى وقوع أو تحقق وجود عوالم أخرى غير عالمنا هذا، لما ورد في حديث جابر الجعفي عن الإمام محمد الباقر(ع): "لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد، وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم، بلى _والله _ لقد خلق الله ألفَ ألفِ عالم، وألفَ ألفِ آدم، أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين".
والبحث العلمي يدلنا على حقيقة تلكم العوالم، أو يكشف لنا على الأقل عن جانب من حقيقة تلكم العوالم، فقد عثرت الكشوف العلمية الحديثة على "هياكل بشرية مشابهة لهيكل هذا الإنسان الحالي، كانت تعيش على الأرض قبل ملايين السنين".
3_ إن أكثر الدراسات المعاصرة لموضوع مناهج البحث أكدت على المنهج التجريبي متجاهلة أو ناسية المنهج العقلي والمنهج النقلي وهما عماد دراساتنا للفكر الإسلامي، متأثرة عن قصد أو غير قصد بالدراسات الغربية في الموضوع.
-----------------------------------------
المصدر : أصول البحث

Heba Khled
08-31-2011, 04:34 AM
خصائص المعرفة النبوية
د. راجح الكردي


1_ الاختصاص في طريقها:
تتميز المعرفة النبوية عن طريق الوحي بأنها ليست عامة وإنما هي لآحاد معدودين مخصوصين من البشر هم الأنبياء الذين اصطفاهم الله لتبليغ شرعه إلى الناس. والخصوصية هنا إنما هي في كون الوحي طريقا خاصا للمعرفة لا في موضوع المعرفة النبوية، لأن موضوع المعرفة النبوية يخاطب به الناس جميعا ولكن الذي يبلغهم ويوصلهم هو النبي وبعد ذلك بالسمع أو الخبر. وإنما خصوصيتها معناها أنها ليست عامة لكل الناس كالحواس والعقل. وبالتالي فلا تخضع لقوانين الحس والعقل أو عالم الشهادة من حيث الفطرة والاكتساب.
ولا يتوصل إليها برياضة أو حتى بمجرد الاستقامة في الفطرة، وإن كان الأنبياء سليمي الفطرة ومحفوظين برعاية الله وحفظه، فذلك مالا دخل للنبي نفسه فيه من حيث هو بشر، بل إنهم _الأنبياء _ لم يكونوا يعرفون بأنهم سيكونون أنبياء إلا حينما أعلمهم الله وكلفهم بذلك كما قال تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم). وكما قال عز وجل: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون).
2_ ربانية المعرفة النبوية في مصدرها:
ومن ثم فتختص هذه المعرفة بأنها ربانية وكافة ما تختص به هذه المعرفة بعد ذلك إنما تعود لهذه الخصيصة وتنبثق منها. فالعلم الذي جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جاء من عند الله بكل خصائصه ومقوماته وتلقوه كاملا بهذه الخصائص والمقومات لا يزيدون عليه شيئا ولا ينقصون منه شيئا. وقد تكفل الله تعالى بجعل أنبيائه معصومين من الخطأ حتى يتم التبليغ وتصل هذه المعرفة إلى البشر سليمة عن عيوب البشر كما قال تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين). وكما قال عز وجل ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى).
ومن ثم فإن الربانية أولى خصائص هذه المعرفة، ومصدر هذه الخصائص كذلك، فهي علم موحى به من الله سبحانه، ومحصور في هذا المصدر لا يستمد من غيره. وبذلك يتميز عن التصورات الفلسفية أو العقلية التي ينشئها البحث الفكري البشري سواء عن الحقيقة الإلهية أو الحقيقة الكونية أو الحقيقة الإنسانية والارتباطات والعلاقات القائمة بين هذه الحقائق. فالتصور الفلسفي الذي ينشأ عن الفكر البشري لمحاولة تفسير الوجود والمعرفة يبقى في حدود المعرفة الفكرية البشرية الخاضعة للزمان والمكان والبيئة والتكوين النفسي والمؤثرات. بينما المعرفة النبوية تأتي من الله عز وجل عن طريق النبي المعصوم الذي يحمل إلى الناس هدى الله بما يشتمل عليه من الحياة والحركة والدقة في تفسير الوجود وصياغة الحياة. ثم تكفل الله سبحانه بحفظها وتوصيلها إلى الناس بعد النبي، وَلِمَن لم يشاهده بطريق النقل المتواتر، الذي هو طريق يقيني وقطعي في نظر العلم السليم.
وهذا التأكيد على مصدر المعرفة النبوية إنما يعطيها القيمة الأساسية والقيمة الكبرى بين أنواع المعرفة. فهي وحدها مناط الثقة المبرأة من كل نقص والمبرأة من كل عيب والسليمة من كل جهل وهوى. كما أنها موضع الثقة كذلك في أنها التصور، أو العلم الموافق للفطرة الإنسانية الملبى لحاجاتها كلها الخبير بكل ما يلزمها لأنهما من مصدر واحد هو الله سبحانه.
والمعرفة النبوية بمصدرها الرباني لا تلغي الفكر البشري بل تعطيه قيمته في ثبوتها أولا، وتؤكد له مجالاته في عالم الشهادة كما تعطيه مجالا لفهمها ثانيا وتجعل القاعدة المنهجية الصحيحة له في تلقيه لهذه المعرفة متمثلة في أنه "ليس له أن يتلقى هذا التصور _المعرفة النبوية _ بمقررات سابقة، يستمدها من أي مصدر آخر، أو يستمدها من مقولاته هو نفسه، ثم يحاكم إليها هذا التصور ويزنه بموازينها. إنما هو يتلقى موازينه ومقرراته من هذا التصور ذاته ويتكيف به ويستقيم على منهجه كما يتلقى الموضوعية في هذا التصور من المصدر الإلهي الذي جاء بها، لا من أي مصدر آخر خارجه، ثم هو الميزان الذي يرجع إليه بكافة ما يعن له من مشاعر وأفكار وقيم وتصورات في مجرى حياته الواقعية كذلك ليزينها عنده ويعرف حقها من باطلها وصحيحها من زائفها". هذا مع التركيز على أن الفكر البشري أو العقل ليس هو وحده الذي يتلقى المعرفة النبوية وإنما هو يشارك في تلقيها بل إن الكينونة البشرية بكاملها، هي التي تتلقى هذه المعرفة وأن الذي لا تدركه هذه الكينونة منها _من المعرفة النبوية _ إدراك ماهية وحقيقة أو كنه أو إدراك علية وكيفية فإنه لا يتعذر عليها التسليم به في طمأنينة ذلك لأنه داخل في مفهوم منطقها المعقول، وهو أن الذي تتناوله المعرفة النبوية ويقع في مجالها أكبر وأوسع من الكينونة البشرية بجملتها فهو مجال السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة والكينونة الإنسانية كينونة مخلوقة حادثة متحيزة عاجزة كما قال تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم)، (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).
ومن هذه الجوانب التي تعجز الكينونة البشرية عن الدخول إلى مجالها ومعرفتها وتختص بها المعرفة النبوية بميزتها الربانية من هذه الجوانب:
الذات الإلهية كنهها وصفاتها فهي مما لا تدركه العقول ولا يماثله شيء من الأشياء التي تعرفها حتى يمكن أن تقابله بها وتقيسها عليه (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، (فلا تضربوا لله الأمثال).
ومنها المشيئة الإلهية وكيفية تعلقها بالخلق كما قال تعالى: (قال: رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر. قال: كذلك الله يفعل ما يشاء)، (قالت: رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر. قال: كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون).
ومنها مسألة الروح سواء المقصود بها جبريل أو الحياة أو الوحي كما قال تعالى (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).
ومنها الغيب المحجوب عن العلم البشري إلا بما يأذن الله به لمن يشاء (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو)، (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول)، (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت)، (يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها).
وتنبثق من هذه الخاصية _الربانية _ سائر الخصائص الأخرى وهي:
3_ الثبات:
فالمعرفة عن طريق الوحي صادرة عن الله سبحانه المنزه عن التغير والأهواء والتأثر بالعوارض، بينما المعرفة الحسية والعقلية قد تتغيران تبعا لبعض الظروف في الحياة والواقع وتبعا للأوضاع. وإن كانت المعرفة العقلية أكثر ثباتا من الحسية إلا أنها خاضعة للتأثر النفسي والواقعي على كل حال. بينما المعرفة النبوية لا تتغير ولا تتطور ولا تغير الأشكال والأوضاع الواقعية من أصولها أبدا وإن حصل تغير واستجابت له المعرفة النبوية فإنما يكون في ثباتها ما يسمح بالاستجابة لتغير الواقع مع الحكم عليه وتوجيهه وهي ما تزال ثابتة، مما يعطيها قدرة على صياغة الواقع ومرونة في التطبيق. وهذا الثبات لا يقتضي تجميد حركة الفكر والحياة ولكنه يسمح بالحركة بل يدفع إلى الحركة ولكن داخل إطار ثابت وحول محور راسخ. وهناك من الحقائق في المعرفة النبوية ما لا يسمح بالتطور أو الحركة لا في الحقيقة ولا في المفهوم والتطبيق بل هي حقائق ثابتة في هذه كلها مثل حقيقة الربانية والألوهية ووجود الله وصفاته وأخصها وحدانية وما ينبثق منها من حقيقة أن الأشياء كلها مخلوقة لله سبحانه وحقيقة عبودية الأشياء والأحياء لله عز وجل جميعا. وحقيقة الإيمان بأركانه وأن الدين عند الله الإسلام وانه لا يقبل دينا غيره وحقيقة الكرامة الإنسانية وان الإنسان مستخلف في الأرض وأن الناس من أصل واحد وأن تفاضلهم بالتقوى وحقيقة غاية الوجود الإنساني وهي العبادة لله عز وجل بكل مقتضيات العبودية المطلقة لله وحده وحقيقة أن رابطة التجمع الإنساني هي العقيدة والمنهج الرباني وحقيقة أن الدنيا دار عمل والآخرة دار حساب. كل هذه الحقائق ثابتة في حقيقتها ومفهومها وتطبيقها ولا مرونة فيها أبدا. وأن حركة الفكر في آفاق النفس والكون إنما تزيد من يقينية هذه الحقائق وثباتها. وأن كل حركة بعد ذلك في الواقع أو في الفكر إنما لابد أن ترجع إلى هذه المحاور الثابتة وتدور حولها.
4_ الشمول والتكامل والعموم والخلود:
وهذه المعرفة من ثمة شاملة لكل الحقائق الثابتة والمتحركة ولعالمي الغيب والشهادة (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) وهي شاملة لحقائق الألوهية والخالقية والكون المخلوق ولحقائق الإنسان والكون ولحقائق الاعتقاد والعمل. ولكل أفراد الجنس البشري لا وجه فيها للاختصاص بفئة دون أخرى فمضمونها إلى جميع الناس. ولا تختص بفيلسوف أو أمي، فالكل يأخذ منها ما ينبغي أن يأخذه وإن تفاوتوا في الأخذ والعطاء فليس تفاوتا فيما يجب العلم به وإنما تفاوت في الفهم والاستزادة مما يعمق الفهم وييسره.
5_ التوازن:
وشمول هذه المعرفة شمول متوازن ومن أبرز مظاهره التوازن بين الجانب الذي تتلقاه الكينونة الإنسانية لتدركه وتسلم به والجانب الذي تتلقاه لتدركه وتبحث حججه وبراهينه وتحاول معرفة علله كذلك التوازن في العقيدة ذاتها التي تجمع بين الإيمان بالمشاهد والإيمان بالغيب. والتوازن الذي يجمع بين العلم والعمل والتوازن بين حرية الإرادة الإنسانية وشمول الرقابة الربانية والتوازن في المنهج الذي يربي الروح والعقل والنفس وسائر مكونات الكينونة الإنسانية. والتوازن بين فردية الإنسان وجماعيته وبين تكوينه المادي والروحي. والتوازن بين علاقة العبد بربه بين موحيات الخوف والرهبة وموحيات الطمأنينة والأمن، والتوازن بين فاعلية الإنسان وحركة الكون ونواميسه وبين حركة الإنسان المستخلف في الأرض وبين ربانية خلقه وربانية توجهه إلى الله بعبادته وحده.
6_ الإيجابية:
ومن ثم فإن في هذه المعرفة إيجابية فاعلة في علاقة الله سبحانه بالكون والحياة والإنسان وإيجابية كذلك من جهة الإنسان ذاته في حدود المجال الإنساني وحدود الاستخلاف في الأرض والإيجابية ظاهرة كذلك في العقيدة الدافعة إلى عبادة الله عبادة سليمة بعيدة عن أن تكون مجرد علاقة فكرية أو عقلية بين عقل إنساني وإله هو غاية ما يكون _في التصور الفلسفي _ عقلا. بل هي العلاقة بين الذات المخلوقة متوجهة إلى الذات الخالقة التي لها صفات دافعة للإنسان لأنه يتخلق بأخلاق الله عز وجل بعيداً عن التجسيم والتعطيل وإنما بتنزيه قال عنه سبحانه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). وهي الإيجابية كذلك في كل علم أنزله الله على النبي دافع للعمل الإيجابي الذي تنسجم معه الفطرة السليمة. وهي الإيجابية كذلك للإنسان في الكون وللمؤمن بهذه العقيدة في واقع الحياة بحيث تدفعه لأن يكون داعية إلى الله سبحانه ورائداً لحركة التحرر العالمي للإنسان، كل الإنسان، في الأرض كل الأرض من العبودية لغير الله عز وجل بأية صورة من الصور إلى العبودية لله عز وجل بمعناها الشامل الكامل من تلقى الشرائع منه وحده مخلصة وتقديم الشعائر لهل وحده مخلصة.
7_ الواقعية أو العملية:
المعرفة النبوية تتعامل مع الحقائق الموضوعية ذات الوجود الحقيقي المستيقن، والأثر الواقعي الإيجابي، لا مع تصورات عقلية مجردة ولا مع مثاليات لا مقابل لها في عالم الواقع أو لا وجود لها فيه. كما أن تنظيم هذه المعرفة للحياة البشرية يتسم بقابلية التحقق الواقعي في الحياة. العملية المبنية على الاعتقاد، وليست العملية التي تبني الاعتقاد أو تصوغه. تتعامل هذه المعرفة كذلك مع واقع كوني محسوس مشاهد فيه سنن وفق مراد الله في التأثير والتأثر، ومع كينونة إنسانية هي محور الاستخلاف بالفكر والعمل في عالم الواقع. والإيمان كحقيقة كبرى يسير على ضوئها الإنسان في هذه الأرض لها ميزاتها الواقعية كذلك لأنها ذات أثر في هذا الواقع وهي ليست نوعا من ضرب العقل في التيه والركام أو مجرد صياغة لمنطقه المنفصل عن الوحي على طريقة الإيمان بما وراء المادة، أو الميتافيزيقيا بصفة عامة.
فالله سبحانه قمة هذا الإيمان والذي ننزهه ونسبحه ونقدسه إله موجود (هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)، وهو سبحانه الخالق لكل شيء يدل على وجود كل أثر من آثاره وكل شيء بإرادته فهو (فعال لما يريد) (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) ومن ثم فهو ليس مثال أفلاطون الذي فوق أن يوصف أو فوق أن يفكر فيه أصلا كما أنه ليس إله أرسطو الذي لا فاعلية له سوى أن يكون فكرة الفكرة أو عقل العقل والمحرك الذي لا يتحرك أو موازيا لوجود الممكنات أي العالم.
ثم إن هذه المعرفة تتعامل كذلك مع هذا الكون الواقعي الظاهر لا مع الكون الذي هو فكرة مجردة عن الشكل والقالب أو الكون الذي هيولي وصورة كما عند أرسطو. مما لا تشعر لها بوجود واقعي. فالكون هو هذه المخلوقات ذات الوجود الخارجي الذي يدركه الإنسان هو هذه السموات والأرض والنجوم والكواكب والظواهر الكونية من حياة وموت وليل ونهار ونور وظلام ومطر وبرق... إلى غير ذلك من الموجودات الواقعية.
كما تتعامل المعرفة النبوية كذلك مع الإنسان الواقعي المتمثل في هؤلاء البشر المخلوقين لله كما هم بحقيقتهم الموجودة من لحم ودم وأعصاب ومادة وروح وعقل ونفس وجسم. الإنسان الذي ليس ملاكا ولا حيوانا الإنسان الذي فيه فطرة قابلة لأن يسير إما في طريق الخير أو في طريق الشر (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) (ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين). وهي تتعامل إذن مع هذا الإنسان ككائن واقعي له خصائصه في الواقع بين سائر المخلوقات، ولا تتعامل معه كمعنى مجرد ولا كائنا مقدسا بعقله ولا تعتبر فكره نتاجا للواقع المادي وحركته. فالإنسان ليس إلها يعبد، وليس مهدر الكرامة ولكنه المخلوق لله في عالم الشهادة من مادة _هي من عالم الشهادة _ وبروح هي غيب لله من عالم الغيب _ومن ثم فهو المستخلف في عالم الشهادة المنتهى إلى عالم الغيب والذي يتعامل مع عالم الشهادة بقيم عالم الغيب وتوجيهه وهديه وصدق الله العظيم (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم).
ومن ثم كان المنهج الرباني الذي تقدمه هذه المعرفة النبوية للحياة البشرية منهجا واقعيا بهذا الفهم وبهذه الأبعاد لمفهوم الواقعية. فهو منهاج يرتفع بهذا الإنسان معترفا بواقعيته إلى آفاق سامية في حدود طاقاته الواقعية ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، ويحاسبها على كسبها الواقعي (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (ولا تزر وازرة وزر أخرى). ويقيم لها الحجة الواقعية على أحقيته وعلى النهاية التي ستقف بها وستعرض بها على الله يوم الجزاء، فلا تنتحل المعاذير (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل). وهو يحل لها كافة مشاكلها الواقعية من أمور فردية خاصة إلى أمور أسرية، إلى أمور إجتماعية سياسية واقتصادية ... وغير ذلك من الأمور بما يحقق لها التناسق والانسجام، والتوازن والشمول والإيجابية والواقعية (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
-------------------------------
المصدر : نظرية المعرفة بينَ القرآن والسُنة

Heba Khled
08-31-2011, 04:38 AM
اليوم الآخر في القرآن الكريم
د. محمد عياش الكبيسي



الايمان باليوم الآخر هو حجر الزاوية في العقيدة الاسلامية، ذاك لان الانسان بطبعه لا يلزم نفسه بالطاعة الا ان تكون من ورائها دفع مفسدة، او جلب مصلحة، فالايمان بالله وبرسالاته لا يؤدي ثمرته الا اذا كان هناك جزاء ينتظره الانسان، ومن ثم كان الايمان باليوم الآخر له دور كبير في الزام الانسان بمنهج الله، ومن هنا جاء اهتمام القرآن باليوم الآخر اهتماما لا يقل عن الاهتمام بالركنين السابقين "الالهيات" و "النبوات"، ولنأخذ امثلة على هذا الاهتمام:
1_ ذكر القرآن اليوم الآخر بما يصعب حصره، فلقد جاء ذكر الآخرة في القرآن بنحو (114) مرة. واليوم الآخر بنحو (26) مرة. اما اسماء اليوم الاخرى فهي كثيرة جدا.
2_ في الغالب يأتي ذكر الايمان باليوم الاخر عقيب الايمان بالله دون فاصل ولنقرأ هذه الامثلة:
(ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر).
(ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر).
(لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر ان يجاهدوا باموالهم وانفسهم والله عليم بالمتقين. انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر).
3_ الشمولية الواسعة التي حظي بها اليوم الآخر في القرآن الكريم، فلقد بحث القرآن الموت والبعث والحشر والحساب والميزان والصحف والصراط والجنة والنار، وكل هذا بتفصيل دقيق لا سيما اذا كان الغرض الترغيب والترهيب.
هذا وسنعرض عقيدة اليوم الاخر في القرآن الكريم بنقاط مختصرة لكنها جامعة _ان شاء الله _ لاهم ما ينبغي ان يعرفه المسلم في هذا الموضوع_ وكما يأتي:
أـ ادلة وجود اليوم الاخر ومناقشة المنكرين:
يبدو ان القرآن استخدم دليل "الخلق" في اثبات اليوم الاخر، فالله خلق الكون من العدم فما المانع من ان يخلقه مرة ثانية والاعادة في عادة البشر اهون من الابتداء، واذا كان الامر ممكنا، والقران اخبر بوقوعه، والقران هو المعجزة الظاهرة، فعلام التكذيب؟! استطيع ان اقول ان هذا هو الدليل الوحيد الذي استخدمه القرآن في اقناع منكري اليوم الاخر، ولنقرأ بعض الامثلة من القرآن الكريم:
(وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا. قل كونوا حجارة أو حديدا. أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم اول مرة فسينغضون اليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى ان يكون قريبا. يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون ان لبثتم الا قليلا).
(أولم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين. وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي انشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. الذي جعل لكم من الشجر الاخضر ناراً فاذا انتم منه توقدون. أوليس الذي خلق السموات والارض بقادر على ان يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم. انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون).
وربما استخدام القرآن دليلا قريبا من الاول ونستطيع ان نسميه (دليل الملك) فمن هو مالك السموات والارض والانسان؟ فالمالك هو الذي يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولنقرأ هذا النص فقط:
(بل قالوا مثل ما قال الاولون. قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون. لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل ان هذا إلا اساطير الاولين. قل لمن الارض ومن فيها ان كنتم تعلمون. سيقولون لله قل افلا تذكرون. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم. سيقولون لله قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون. سيقولون لله قل فانى تسحرون. بل آتيناهم بالحق وانهم لكاذبون).
ب_ وصف اليوم الاخر بصورة اجمالية:
وسنأخذ هذا من خلال الاسماء التي منحها القرآن لليوم الآخر، وهذه أبرز تلك الاسماء فلننظر فيها:
1_ يوم الدين: (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين).
2_ يوم القيامة: (ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون).
3_ يوم الحسرة: (وانذرهم يوم الحسرة اذ قضي الامر).
4_ يوم البعث: (فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون).
5_ يوم الفصل: (هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون).
6_ يوم التلاق: (يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق).
7_ يوم الآزفة: (وأنذرهم يوم الآزفة اذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع).
8_ يوم الحساب: (وقال موسى اني عذب بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب).
9_ يوم التناد: (ويا قوم اني اخاف عليكم يوم التناد).
10_ يوم الجمع: (وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير).
11_ يوم الوعيد: (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد).
12_ يوم الخلود: (ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود).
13_ يوم الخروج: (يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج).
14_ الدار الآخرة: (قل ان كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين).
15_ الآخرة: (وبالآخرة هم يوقنون).
16_ الساعة: (حتى اذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها).
17_ يوم التغابن: (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن).
18_ الواقعة: (اذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة).
19_ الحاقة: (الحاقة، ما الحاقة، وما ادراك ما الحاقة).
20_ القارعة: (كذبت ثمود وعاد بالقارعة) و (القارعة، ما القارعة. وما ادراك ما القارعة. يوم يكون الناس كالفراش المبثوث).
21_ الطامة الكبرى: (فاذا جاءت الطامة الكبرى. يوم يتذكر الانسان ما سعى. وبرزت الجحيم لمن يرى).
22_ الصاخة: (فاذا جاءت الصاخة. يوم يفر المرء من اخيه. وامه وابيه وصاحبته وبنيه).
23_ الغاشية: (هل اتاك حديث الغاشية. وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة. تصلى نارا حامية).
ماذا يريد القرآن من كل هذه الاسماء؟ ان هذا الحشد ليس عبثا ان كل اسم من هذه الاسماء يفتح لنا نافذة على ذلك اليوم الآتي، انها لقطات مصورة، وكل لقطة تفعل فعلها في نفس هذا الكائن الضعيف (الانسان)، انها تأخذه من تلابيبه لتوقفه على الصراط المستقيم صراط الله.
ج_ تفاصيل احداث اليوم الاخر:
يبدأ اليوم الآخر بالنسبة للانسان بالموت، اما الكون بما فيه ومن فيه فبقيام الساعة، ثم تستمر الاحداث متتالية حتى الخلود الابدي في نعيم الجنة او في عذاب النار، فلنتسلسل مع احداث اليوم الآخر.
1_ الموت: الموت ليس غيبا، وانما هو حقيقة مشاهدة محسوسة، وكل انسان يوقن انه سيموت، والموت لا يحتاج الى تفسير وبيان، ولا ينبغي ان نذهب عميقا في الفلسفات العميقة، فنسأل ما الموت؟ وما حقيقته؟ فهذا يبعدنا عن الحقيقة، فالحقيقة ان هذا الانسان الذي يتحرك ويكد ويلهج ويبني ويهدم ويأكل ويشرب تأتي عليه لحظة ينقلب الى قطعة هامدة فلا حركة ولا كلمة ولا أي شيء، ثم يتأذى اقرب الناس اليه بجثته الهامدة، لقد اصبحت نتنا وجيفة لا تطاق، فيتخلص اهله منه بأي طريق!! هذا هو الموت، فهل يشك فيه انسان؟ وهل الانسان بحاجة الى اكثر من هذا؟.
ذكر القرآن الموت ذكرا كثيرا، ويكفي ان نعلم انه كرر لفظ (الموت) وما اشتق منها بنحو (165) مرة.
ومجرد تذكير الانسان بالموت مغزى يهدف اليه القرآن، فالانسان ينسى وهو بحاجة الى من يذكره، ينسى الموت فيشقى ويطغى، لكنه اذا ذكر الموت ربما اتعظ وادّكر، ولكن القرآن قد يذكر الموت لا للتذكير فحسب بل ربما يقرن معه غايات اخرى ولنأخذ هذه الامثلة:
(انا نحن نحيي ونميت والينا المصير) (لا اله الا هو يحيي ويميت ربكم ورب ابائكم الاولين) وهنا جاء للتذكير بقدرة الله الفعال لما يريد.
(فلولا اذا بلغت الحلقوم. وانتم حينئذ تنظرون. ونحن اقرب اليه منكم ولكن لا تبصرون. فلولا ان كنتم غير مدينين. ترجعونها ان كنتم صادقين) (قل فادرؤا عن انفسكم الموت ان كنتم صادقين). وهنا جاء لتقرير ضعف الانسان.
(ولو ترى اذ الظالمون في غمرات الموت والملئكة باسطوا ايديهم اخرجوا انفسكم اليوم تجزون عذاب الهوب بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون). وهنا جاء نذيرا للطغاة والظالمين.
(حتى اذا حضر احدهم الموت قال اني تبت الان). (حتى اذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون. لعلي اعمل صالحا فيما تركت). وهنا جاء لبيان ندم الانسان العاصي الغافل ساعة الموت.
(وما كان لنفس ان تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلاً ). وهنا جاء ليثبت ان الموت مقدّر وله اجل محتوم. وتصور كم ستلقي هذه العقيدة في نفوس اتباعها من جلد وشجاعة واقدام.
(كل نفس ذائفة الموت) القرار العام الحاسم الذي لا استثناء فيه، الانبياء، الطغاة، الملائكة والشياطين، الاولين والآخرين، يا له من قرار!!
2_ القبر والبرزخ: وهي المرحلة التي تأتي بعد الموت مباشرة وفيها يحجب جسد الميت ويحال بينه وبين الدنيا، وهذا الحائل هو الذي يسمى "البرزخ".
ولم يقف القرآن طويلا عند هذه المرحلة، فكل ما ذكره عن البرزخ (حتى اذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون) والآية توضح حقيقتين: الاولى: وجود مرحلة يقول فيها الانسان: رب ارجعون، هي بعد الموت قبل البعث. والثانية ان بين هذه المرحلة والمرحلة الاولى برزخ (حاجز) ومن اراد ان يكسر هذا الحاجز يقال له: كلا.
واما القبر، فمع ان القرآن ذكره ثماني مرات بمشتقاته، الا ان القرآن لم يذكر عنه لذاته شيئا جديدا، فمثلا يقول القرآن: (ثم السبيل يسره ثم اماته فاقبره)، وهذا معلوم فالميت يقبر، لكن الله اراد التذكير بقدرته _سبحانه _ وضعف عبده، ويقول ايضاً: (وان الله يبعث من في القبور)، فهذا الكلام عن البعث اكثر مما هو عن القبر، ونحو هذا قوله _تعالى _ (واذا القبور بعثرت. علمت نفس ما قدمت واخرت).
والمقصود ان القرآن لم يحدثنا عن تلك المرحلة، طبيعتها وطبيعة الانسان فيها، وعمرها، لم اجد في القرآن من هذا شيئا، نعم ربما هناك اشارات كما في قوله _تعالى _: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب) فالعرض اذا كان قبل قيام الساعة فهو في عالم البرزخ _والله اعلم _ لكن تبقى الحقيقة ان الله لم يفصل لنا تلك المرحلة، ولم يطلعنا على جوانبها، فلماذا؟! الله وحده هو الذي يعلم. ولكن اذا كان المقصود بذكر اليوم الآخر اساسا هو الاعداد ليوم الحساب ترغيبا وترهيبا فان تفصيل القرآن للجنة وما فيها والنار وما فيها مع التأكيد بأن الانسان بعد موته لا يمكن ان يرجع الى الدنيا فبينه وبينها برزخ، هذا يكفي لمن كان له لب _والله اعلم _.
--------------------------------
المصدر : العقيدة الاسلامية في القرآن الكريم ومناهج المتكلمين

Heba Khled
08-31-2011, 04:40 AM
ما معنى كلمة نبوة ونبي؟
سليم الجابي


إذا أردنا الإحاطة بمعنى النبوة، وَجّب علينا فهم معنى كلمة "نبي" ولما كانت معاجم اللغة العربية هي مرجعنا في هذا المجال، وهي معاجم متكاملة في دلالاتها ومناهجها، فما كان يجوز لنا الاقتصار على معجم واحد منها.
وبالرجوع إلى جميع ما أوردته معاجم اللغة العربية بما يتعلق بكلمة "نبي"، ومصادر اشتقاقها، تبّين لنا أن اللغويين قد ذهبوا إلى إمكان اشتقاق هذه الكلمة من مصادر ثلاثة:
الأول ـ اشتقاقها من النبّو بمعنى الارتفاع والسّمو.
الثاني ـ اشتقاقها من النّبيء بمعنى الطريق الواضح.
الثالث ـ واشتقاقها من النبأ وهو الخبر الصادق ذو الشأن العظيم.
وإننا لا نرى ما يمنع من الأخذ بهذه الاشتقاقات جميعها وفي آن واحد، وإن كان الاشتقاق الثالث جدير بالرعاية والعناية لسعة دلالته.
وعندما نعود إلى النصوص القرآنية، فإننا سنلاحظ أن جميع دلالات هذه الاشتقاقات قد اعتمدت فيها بصورة واضحة.
لنتناول اشتقاق كلمة "نبي" من مصدرها الأول وهو النبّو، فهي تدل على اكتساب مقام النبوة الروحي السامي والرفيع. الأمر الذي جعل صاحب هذا المقام يستحق عند بارئه لقب نبي.
ولنتناول اشتقاق كلمة "نبي" من مصدرها الثاني، وهو النبيء الذي يعني الطريق الواضح، فكلمة نبي من هذا المصدر تعني المنهج الحياتي الواضح الذي يسلكه كل شخص بلغ مقام النبوة. ويتلخص هذا المنهج بالإيمان بوجود خالق لهذا الكون. وبالسعي للتخلق بأخلاق هذا الخالق في الأرض، والمحافظة على إنسانية الإنسان وذلك بعدم مشابهة الأنعام وعدم اتباع الهوىُ والشهوات والأطماع الشخصية. هذا المنهج الذي لابدّ من انتهاجه لبلوغ مقام النبوة السامي عند الله عز وجل، وبألفاظ أخرى فإن الأنبياء يمثلون في منهجيتهم طريقاً واضحاً في الحياة.
ولنتناول اشتقاق كلمة "نبي" من مصدرها الثالث وهو النبأ، والذي يعني الخبر الصادق ذو الشأن العظيم، فكلمة "نبي" من هذا المصدر تشير إلى العلوم اللدنيه والأنباء الّلدنيه الهامة ذات الشأن العظيم التي يتلقاها الشخص الذي يبلغ مقام النبوة الروحي السامي.
ولقد نبهنا الراغب الأصفهاني في معجمه مفردات الراغب أن النبأ يعني الخبر ذا الفائدة العميمة، والذي يتحصل منه علم صادق حقيقي منزه عن الكذب والافتراء. كما نبهنا إلى أن لفظ نبي مشتق من النبأ، لذلك يحتمل صاحبه احتواءه على العلوم الصادقة الحقيقية المنزهة عن الكذب والافتراء، والتي يتلقاها النبي من جانب ربه الذي شرفه بمقام النبوة ولقبها.
ونحن نضيف أن اجتماع هذه الأمور في شخص ما، وقد دلتنا عليها اشتقاقات كلمة نبي من النبّو والنبيء والنبأ، لا تكفينا لنطلق على هذا الشخص اسم "نبي" وبالمفهوم الشرعي، ما لم يخاطبه ربه في كلامه إليه بلقب نبي، ذلك لأننا لا نعلم من الأمور إلاّ ظواهرها، لكن الله عز وجل هو المطلع على سرائر الأفئدة وخفاياها. لذلك فهو العليم المختص بمنح هذا اللقب أو عدم منحه إياه. ولابد من الإشارة هنا إلى أن كلمة "نبي" وردت صياغتها على وزن "فعيل" بمعنى فاعل. والذي نعلمه هو أن صيغة فعيل هذه ترد حين تدعو الحاجة إلى المبالغة في حقيقة شيء ما، كأن نقول (هذا عالم)، فإذا شئنا المبالغة في علمه نقوله (هذا عليم) على صيغة "فعيل" وهذه الصياغة نلاحظها فما وردت عليه أسماء الله الحسنى كعليم وسميع وبصير، وأن كلمة "نبي" وهي مصوغة على وزن "فعيل" تحثنا على الأخذ باشتقاقات هذه الكلمة من مصادرها الثلاثة، مؤكدة احتواء هذه الكلمة على جميع معطيات هذه المصادر المعنوية، أضف إلى ذلك أنها تؤكد لنا كمال معنى كل اشتقاق أيضاً، أي أنه لا يستحق لقب نبي إلا من اتصف بكمال قداسة السيرة قبل الدعوة. وبكمال المنهج الحياتي، وبكمال المقام الروحي، وبكمال المكالمة مع ربه أي مكالمة ربه إياه وَحيْاً، ومن وراء حجاب، وعن طريق ملك من ملائكة الله تعالى، هذه الطرق الثلاثة التي نص عليها قوله عز وجل (ما كان لبشرٍ أن يكلّمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء) (سورة الشورى/ 51).
وهو أن كلمة "نبي" تعني أنّ شخصاً ما حاز على:
1- مقام روحي رفيع كثمرة لسيرته المقدسة قبل النبوة.
2- فلسفة للحياة متكاملة وواضحة قبل النبوة.
3- علوم وأنباء غيبية عظيمة الشأن والأهمية بعد النبوة.
4- وخاطبه ربه بلقب "نبي".
توافق القرآن واللغة في معنى نبوة ونبي
ونتيجةً لتدبرنا كتاب الله، وجدنا توافقاً عجيباً بينهما.
فالله سبحانه وتعالى خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بلقب نبي في سورٍ عديدةٍ من كتابه الذي أنزله على قلبه. في سورة الأنفال: (يا أيها النبي..)، وفي سورة الأحزاب: (يا أيها النبي..) وفي سورة التوبة: (يا أيها النبي..)، ويكون القرآن الكريم قد استوفى شرط مخاطبته بلقب نبي.
وحينما قال تعالى: (فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول) (سورة الجن/ 26) يكون قد أخذ بشرط تلقي النبي علوماً وأنباءً غيبية ذات شأن كبير وبكثرة واضحة، وهذا الأمر دلّ عليه قوله: (لا يظهر على غيبه..) فالإظهار يعني الكثرة الظاهرة، وعندما نقول (ظهر الشيء) نعني بدأ بكليته للعيان وبجميع أجزائه، ولا يعني قوله تعالى [ظهر الفساد في البر والبحر..] إلاّ عم الفساد وغلب على أعمال الناس، ومنه ندرك أن قوله تعالى [لا يُظهر على غيبه أحداً..] أي لا يطلع على أمور غيبه بكثرة واضحة [إلا من ارتضى من رسول..] أي من استحق لقب نبي وتقرر تكليفه برسالة سماوية، هذا لأن مجرد اطلاع رجل صالح على أمور غيبية معينة ومعدودة يحدث للصالحين من عباد الله، إنما لا يستحقون معها لقب "نبي" لأنها لا تدخل في باب الإظهار وهو الكثرة والغلبة، إذ أن مغيبات الأنبياء تختلف عن مغيبات سواهم كمّاً ونوعاً.
والقرآن الكريم اشترط قداسة سيرة من استحق اسم نبي حينما قال على لسان محمد في القرآن الكريم (فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون) (سورة يونس/ 16) ففي هذا النص تنبيه للأذهان إلى استيفاء شخصية محمد رسول الله عنصر قداسة السيرة قبل النبوة، حتى سماه قومه "بالصادق الأمين" وما قول قوم صالح عليه السلام [لقد كنت مرجواً فينا] إلا اعتراف منهم بقداسة سيرة النبي صالح قبل أن آتاه النبوة، وحاز هو وجميع أنبياء الله الكرام مقام النبوة الروحي الرفيع.
كما أن القرآن الكريم اتفق مع اللغويين بأن جميع الأنبياء كانوا قبل نبوتهم ملتزمين بفلسفة حياتية واحدة، وكان نهجهم واضحاً وكان نهجهم واضحاً وكان طريقهم مختلفاً عن فلسفات الماديين، فقد كان جميع الأنبياء قبل نيلهم مقام النبوة يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون، وأن المقصد من خلقهم أن يصبحوا عباداً للرحمان، وأن الإنسان يُحاسب على أعماله من بعد موته حتى وكان كل واحد منهم يطبق ما وصل إليه من تعاليم سماوية سابقة لوجوده.
هناك من زعم غير هذا، مستدلاً على زعمه بقوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى) وبقوله تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب وما الإيمان) (سورة الشورى/ 52). وزعمه هذا يضرب القرآن بعضه ببعض، وما دام الله تعالى قد قال عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم (ما ضل صاحبكم وما غوى)، فلا يجوز لنا والحال هذه أن نفس قوله [ضالاً] بمعنى غير مُهتدي، بل يقصد من قوله [ضالاً] هنا مندفعاً بكليتك للاتصال بربك ومعرفته إذ يقال: هذا ضال في محبة فلانة أي مندفع بكليته للقائها والتعرف إليها، ثم إن قوله تعالى (ما كنت تدري ما الكتاب وما الإيمان) لا ينفي ما ذكرناه لأن القرآن ورسالته لم يكن رسول الله قد تلقاها قبل فوزه بمقام النبوة الرفيع.
وهكذا يتبين لنا مما ذكرناه من الشواهد القرآنية وجود توافق تام بين اللغة والقرآن الكريم فيما يتعلق بمعاني كلمة نبي المشتقة من مصادرها الثلاثة والتي ذكرناها سابقاً، وعلى ضوء هذا كله فإن النبوة أيضاً تحمل نفس عناصر كلمة نبي ومعانيها.
لا تتهافت هذه المعاني بميزان العقل والمنطق
وإننا بعد أن رأينا توافق اللغة والقرآن في موضوع معاني كلمة نبي، ننظر إليها بميزان العقل والمنطق، فنراها لا تتهافت بل تعظم في أعيننا، ونرى ضرورة اجتماعها في شخص من توسد إليه مهمة رسالة سماوية هامة تضطلع بدورٍ كبيرٍ جداً في تغيير مسار تاريخ الشعوب.
وبمنظار العقل والمنطق يرى المرء أنه لابد من اجتماع هذه الأمور الأربعة التي قررتها اللغة العربية لكلمة نبي في شخص من استحق مقام النبوة السامي، فلا يعقل أن تكون سيرته فاسدة ومن ثم يستحق نيل قرب الله القدوس، ولا يعقل أن يكون في سيرته غير متقيد بفلسفة محددة روحية ومنهجية واضحة توصله إلى لقاء الله وقربه، ولا يعقل أن يجوز مقام القرب الإلهي ولا يكلمه ربه ولا يطلعه على مغيبات الأمور، كما لا يعقل أن يكلمه ربه ويفوز بمقام قربه ولا يمنحه لقب نبي في خطابه إياه.
وهذه الأمور الأربعة التي يقتضيها العقل تتفق والمنطق السليم أيضاً، فمن المنطق أن يثبت الله عز وجل وجوده بفضل أمثال هؤلاء الأنبياء، كما يثبت عظمة ما يحمله من أسماء حسنى. فالمندوب والسفير والرسول يأتي على مستوى من انتدبه وجعله سفيراً ورسولاً.
----------------------------------------
المصدر : مجرد تنجيم/ ج1

Heba Khled
08-31-2011, 04:42 AM
معنى الوحي
د. راجح الكردي


أ_ معناه في اللغة:
كلمة وحي، كلمة أصيلة في اللغة العربية، وقد ورد لفظ الوحي ليدل على مجموعة معان، مناسبة للإعلام في الخفاء.
وتدل هذه المادة على الإخبار السريع، أو على الإعلام بمختلف صوره، قال الفيروز آبادي: "الوحي: الإشارة والكتابة والمكتوب والرسالة والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته الى غيرك. والصوت يكون في الناس وغيرهم كالوحي والوحاة وأوحى إليه: بعثه وألهمه، ونفسه وقع فيها خوف.
ونلاحظ أن الشرع استعمل كلمة الوحي في غالب الاستعمال لتدل على الإعلام الخفي والسريع والإلهام، حتى جعل القول الجامع في معنى الوحي اللغوي أنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره.
2_ وروده في القرآن ومعناه:
ورد ذكر الوحي ومشتقاته في القرآن في سبعين موضعا، منها أربعة وستون موضعا في القرآن المكي، وستة مواضع منها في القرآن المدني.
وأكثر ما استعمل فيه صيغة الفعل ماضيا ومضارعا. وكلمة "الوحي" جاءت في ستة مواضع في القرآن وكلها في العهد المكي. وهذا يبين أثر هذا القضية واعتبارها أساس ما يدور عليه العهد المكي، من صراع حول قضايا يتميز بها هذا الدين الجديد، ويعلنها صريحة. مصححة لأوضاع المجتمع، ابتداء من قضية الاعتقاد، والاعتقاد _في حد ذاته _ معرفة أو علم. ومن ثم فإن للمعرفة طريقا جديدا غير طريق الحس والعقل، وغير ما تناقلته الأجيال عن الآباء والأجداد، هذا الطريق هو الوحي إلى النبي (ص)، وقضية الوحي هنا رئيسية إذ على أساسها يكون موقف الناس فبين مؤمن مسلم وبين كافر منكر. وهذا بدوره جعل توحيد مصدر المعرفة، واعتبار هذه المعرفة إحدى القضايا الرئيسية حينذاك. ونجد تدعيما لهذا الرأي أن كثيراً من أوائل السور المكية، كان يتحدث عن الوحي وإثباته طريقا للمعرفة. من ذلك: أوائل سورة فصلت وسورة غافر وسورة الزمر والشورى والزخرف والنجم، فكلها تتحدث عن الوحي وإثباته طريقا للمعرفة. يقول سبحانه: (حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون قل إنما انا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين).
(حم عسق كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم).
(وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه).
(والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى).
وقد ورد الوحي في القرآن دالا على كثير من معانيه اللغوية. من ذلك:
قال تعالى: (فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين) (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة) والموحى إليهم الأنبياء عليهم الصلوات والسلام.
وقد ورد ذكر الوحي إلى غير الأنبياء، ولم يكن ذلك الإلقاء بواسطة الملك على سبيل النبوة، بل بعضه كان بواسطة الرسل، وبعضه بواسطة ملك على غير سبيل النبوة. ومنه ما كان لغير الإنسان على سبيل الهداية الغريزية والتسخير، ومنه ما كان بإيحاء بعض المخلوقات لبعضها كإيحاء شياطين الجن والإنس لبعضهما البعض، ومنه ما كان بمعنى الإشارة وتفصيل ذلك:
_ فمما ورد مثلا من إيحاء الله إلى غير الأنبياء من الإنس، ومنه ما كان إعلاما لهم بواسطة الرسل كما قال تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي). وقوله (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه). فالوحي هنا لا إلى أنبياء ولكنه بوساطة أنبياء أوحى الله إليهم. أو بأن يبعث اليهم ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم، أو يريها ذلك في المنام فتنتبه عليه أو يلهمها، أي أوحي إليها أمراً لا سبيل إلى العلم به إلا بالوحي، وفيه مصلحة دينية، وهو أمر عظيم بحق بأنه يوحي. والوحي هنا بمعنى القول.
_ ومما أوحي إلى بعض الحيوان كالإيحاء إلى النحل فيكون بالإلهام والقذف في النفس والاهتداء الغريزي لما يصدر عنه من فعل فيه حياته وصلاحه وقد يكون فيه دقة وحذق وقد يعبر عنه بالتسخير. كما قال تعالى (وأوحي ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا).
_ ومما كان وحيا إلى الملائكة بواسطة اللوح والقلم أو بوساطة أو بغير وساطة _والله أعلم _ بما ذكره سبحانه بقوله: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا).
_ ومما كان وحيا إلى الجماد بأن ألقى فيه التسخير إلى ما أراد له من وظيفة ما ذكره تعالى بقوله: (فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها).
_ ومما نسب فيه الإيحاء في القرآن إلى الإنس والجن وأريد به الإعلام الخفي السريع بالأقوال الباطلة المزينة ما ذكره تعالى بقوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا).
ب_ كما أريد بالوحي الإشارة إذ نسب إلى زكريا عليه السلام، إذ قال تعالى عنه لما خرج إلى قومه من المحراب: (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا).
ومقصودنا هنا هو الوحي إلى جبريل كواسطة بين الله ونبيه على أحد وجوه تفسير قوله تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) وكما في قوله تعالى: (أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء).
وقد ذكر الوحي في القرآن وأريد به الموحى من باب إطلاق المصدر على المفعول كما في قوله تعالى: (إن هو إلا وحي يوحى)، و (قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون).
كما ذكر وأريد به أحد أوجه التكليم كما قال تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب).
والذي يهمنا هنا هو المعنى الجامع للوحي بأنه إعلام من الله سبحانه لنبيه عليه الصلاة والسلام علما لا يحصل للإنسان بحسه ولا بعقله.
والنبي هو الذي يخصه الله تعالى بالوحي من البشر لهداية الناس. وسمى من اصطفاه الله لهذه المهمة نبيا، لما فيه من معنى الإبلاغ والإعلام، ولكونه الطريق لمعرفة جديدة ولما في هذا الطريق من رفعة وعلو.
قال الفيروز ابادى في معنى كلمة نبي: النبي: الطريق. والنباوة ما ارتفع من الأرض. ونابى: محدث، وقال أيضاً: النبىء (بالهمزة) مشتقة من النبأ وهو الخبر، والنبىء هو المخبر عن الله تعالى. ونبأ ما ارتفع عليه وطلع من أرض إلى أرض. وقد ترك الهمز فأصبحت النبي لأن أعرابيا قال للنبي (ص) يا نبىء الله، أي الخارج من مكة إلى المدينة، فأنكر عليه النبي(ص) ذلك وقال: "لا تنبر باسمى فإنما أنا نبي الله".
ضرورة الوحي في المعرفة
إذا كان للإنسان حواس يحس بها، وعقل يعقل به. والإنسان مخلوق لله سبحانه وتعالى، يعيش في هذا الكون مع بني جنسه، ويتعامل مع عناصر الكون من حيوان وجماد. فهل يستطيع بحسه وعقله أن يعيش ويؤدي دوره في هذا الكون، ويقوم بوظيفة الخلافة في الأرض ويتوجه في كل ما يعمل إلى الله خالقه سبحانه؟ وهل يستطيع بهذا كله أن يحدد وظيفته وأن تكون له معرفة صحيحة بخالقه، وبما يطلب منه؟ وهل يستطيع بهذه الكفايات _الحس والعقل _ أن يعرف ما ينتظره بعد موته.
إن الإنسان في أشد الحاجة إلى مصدر آخر للمعرفة، يسلمه عقله، وتتطلبه فطرته، ويكرمه به ربه رحمة منه وفضلا، أنه طريق النبوة، ومصدرها: الوحي النازل من رب العالمين على من اصطفاه من خلقه، كي سعف هذه الفطرة بما فيها من حس مرهف وعقل سليم مفكر، بطريق رباني دقيق ثابت شامل للمعرفة، يضمن لها أن تؤدي دور الخلافة في الأرض، وأن تقوم بالعبادة الشاملة التي خلقت من أجلها، يصدق فيها قوله سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
1_ الوحي ممكن في نظر العقل:
وليس في اعتماد النبوة طريقا للمعرفة، هضم لقيمة العقل والحس ودورهما في المعرفة، ذلك أن للحس والعقل ميدانا لا يتجاوزانه، هو عالم الشهادة. كما أنه يقع في دائرة العقل نفسه التسليم بأنه نفسه محدود بعالم الشهادة وقوانينها، ولا يستطيع إنكار ميدان آخر وطريق آخر للمعرفة، فضلا عن أنه من خلال نظره السليم إلى عالم الشهادة، ومن خلال قوانينه يستطيع أن يحكم بمبدأ وجود عالم الغيب والذي لا يمثل عالم الشهادة إلا أثرا من آثاره _عالم الغيب _. فكيف يدعى العقل إذن أن فيه الكفاية النهائية للمعرفة، وهو نفسه لا يستطيع أن يدعي عصمة معرفته العقلية، بدلالة اختلاف العقول فيما بينها في القضية الواحدة بل واختلاف العقل مع نفسه في القضية الواحدة أيضا بين وقت وآخر.
2_ لا كفاية في العقل:
أما أن العقول قاصرة، فأمر لا ريب فيه، في كل مجالات الحياة والكون بل والإنسان نفسه، "وفي الحق لقد بذل الجنس البشري جهدا جبارا لكي يعرف نفسه، ولكن على الرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا. إننا لا نفهم الإنسان ككل... وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فمعظم الأسئلة التي يوجهها أولئك الذين يدرسون الجنس البشري إلى أنفسهم تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.. كيف تتحد جزئيات المواد الكيميائية لكي تكون المركب والأعضاء المؤقتة للخلية؟ وما طبيعة تكويننا النفساني والفسيولوجي؟ ... إلى أي مدى تؤثر الإرادة في الجسم؟ كيف يتأثر العقل بحالة الأعضاء؟ إننا ما زلنا بعيدين جداً من معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمى والعضلات والأعضاء، ووجوه النشاط العقلي والروحي. إننا لا نستطيع أن نهب أي فرد ذلك الاستعداد لقبول السعادة. كيف نستطيع أن نحول دون تدهور الإنسان وانحطاطه في المدينة العصرية ؟.
وإن أكثر من قدس العقل وهم المعتزلة لم يجعلوا في العقل كفاية عن النبوة. بل جعلوا النبوة واجبا يقتضيه العقل بناء على مذهبهم في أن الحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل. ولم يمانعوا أن تكون البعثة مؤكدة لما في العقل ومفصلة لما تقرر جملته فيه. ووجهوا الوجوب لما هو مستقر في العقول من أن دفع الضرر عن النفس واجب وجلب النفع اليها حسن، فمجىء الرسل بتقرير ما ركبه الله تعالى في عقولنا، وتفصيله ليس مخالفا لما في عقولنا حتى يتعارض معها، وليس في العقل غنية عنه، إذ لا يقدح ما تقرر في حصول ما يكون طريقا إلى الأمر بما ينفع وإلى النهي عما يضر، بل تتأكد الدلالة بطريقين: أحدهما: العقل، والآخر: السمع، أو الشرع.
3_ الحاجة إلى الوحي:
ومن هذه الأمور اللازمة للإنسان لأداء دوره في الحياة، وليست معرفته العقلية واصلة إليها، ولا شافية فيها:
أ_ الحاجة إلى الوحي في الاعتقاد:
إن التصور الاعتقادي للألوهية وصفاتها ومقتضياتها أو عالم الغيب بحقيقته وتفصيلياته والتي تعد هذه القضية أساسا له ليس في قدرة العقل أن يقدم فيه معرفة دقيقة. فإذا كان الإنسان بما أولى من عقل يفكر وينظر ويتفكر في نفسه وفي عالم الشهادة من حوله فإنه يستطيع أن يؤمن بوجود أثر، ترجع إليه هذه الآثار. ولكن كيف تتفق العقول على تصور موحد لهذا الإله. أليست الفلسفات البشرية، قديمها وحديثها، تعيش في تية وركام من التصورات المختلفة للألوهية؟ وما قيمة ألوهية ليست واضحة ومتفقا عليها في حياة الناس؟ فالوحي إذن أو طريق النبوة تعطينا تصورا سليما صحيحا للعقيدة في أهم قضاياها وهي الألوهية. ومن ثم كان أول ما نزل على رسول الله (ص) قوله تعالى: (أقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم).
ثم ما يتبع الإيمان بالله من إيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما في ذلك كله من تفصيلات. كيف يكون للعقل سبيل إليها بغير طريق النبوة؟ وماذا يمكنه أن يقدم عنها، سوى تخمينات من خلال عالم الشهادة، إن كان لها في حياته المشغولة والمنهمكة في عالم المادة والفكر نصيب.
ب_ الحاجة إلى الوحي في التشريع:
وإذا كان الإنسان عارفا بأن له ربا يوحده، فمقتضيات هذه الوحدانية في الاعتقاد تقديم شعائر معينة ومحدودة ومفصلة ومقسمة وموقتة. وتلقى شرائع وقوانين ونظم تنظم بها حياته الفردية والأسرية، وتقوم بها حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. والتزام بأخلاق معينة تنبثق من ذلك التصور وتحوط تلك النظم في تعامله معها. أقول فمقتضيات الوحدانية من ذلك كله، أنى للعقل أن يعرفها أو أن يدعى بأنه يستطيع أن يقدم فيها معرفة سليمة شافية وافية موحدة؟ وكل هذه المقتضيات يشملها الوجود الإنساني في هذا الكون في الحياة الدنيا، ومن ثم فإنه لا يعلم حقيقتها وحقيقة ما يلزم الإنسان منها إلا الله سبحانه، خالق الإنسان والأشياء جميعا وهو يقرر ذلك فيقول: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). وكيف تصل إلى الإنسان بغير طريق معصوم معتمد منه سبحانه، ويقع في دائرة تسليم العقل بالأدلة عليه، ألا وهو طريق النبوة أو عن طريق ظاهرة الوحي.
ويرى كثير ممن عبروا عن الحاجة إلى الوحي أو إلى البعثة، أن فيها تيسيرا على العاقل فيما يمكن وصول العقل إليه، إذ إنه يريحه من ملازمة التفكير والنظر الدائم والبحث الكامل، بحيث لو اشتغل بذلك لتعطل أكثر مصالحه، فيكون التنبيه على ذلك بواسطة الرسل فضلا ورحمة. وإن كان في هذا القول تأثر بكفاية العقل في المعرفة. لكننا نؤكد أن ما جاء به الوحي ليس من اختصاص العقل، وأن العقل لو فكر ونظر منذ أن خلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فما كان له أن يأتي بشيء من ذلك، إذ العقل أعد لأن يسلم من خلال قوانين عالم الشهادة بأن له رباً، ولكن ما يريده ربه سبحانه وما يلزم الإنسان أو يحتاج إليه من تصور واعتقاد، وما ينفعه من عبادة وطاعة، وما يصلحه من نظام وتشريع، وما ينتظره من جزاء _ثواب أو عقاب _ ليس للعقل فيه كفاية أبدا، إلا الفهم وتوجيه الإنسان بحسب هذا الفهم، فالعقل مخلوق عابد، إذ هو ميزة الإنسان المستخلف في الأرض لعبادة الله عز وجل.
ج_ ابن سينا والحاجة إلى الوحي:
يلخص ابن سينا وجه الحاجة إلى الوحي في المعرفة، وهو فيلسوف عقلي، إسلامي، يجعل النبوة واجبة يقتضيها وجود الإنسان وبقاؤه وإنما نأتي بكلامه مستدلين بأنه حتى من خاض في العقل وقدسه يعترف بأهمية الوحي وضرورته والحاجة الماسة إليه. ونخالفه سلفا فلا نرى أنها واجبة بمعنى أنها واجبة على الله، وإنما اقتضتها حكمته ورحمته. يلخص ابن سينا هذه الحاجة فيقول:
"من المعلوم أن الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنه لا يحسن معيشته لو انفرد شخصا واحدا، يتولى تدبير أمره. من غير شريك يعاونه على ضرورات حاجاته وأنه لابد أن يكون الإنسان مكفيا بآخر من نوعه، يكون ذلك أيضا مكفيا به وبنظيره، فيكون مثلا: هذا ينقل إلى ذاك وذاك يخبز لهذا وهذا يخيط للآخر والآخر يتخذ الابرة لهذا حتى اذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا.
واذا كان هذا ظاهرا فلا بد في وجود الإنسان وبقائه من مشاركة ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة.. ولابد في المعاملة من سنة وعدل. ولا بد للسنة والعدل من سان ومعدل، ولا بد أن يكون هذا بحيث يجوز أن يخاطب الناس ويلزمهم السنة، ولا بد أن يكون هذا إنسانا. ولا يجوز أن يترك الناس ورآءهم في ذلك فيختلفون، ويرى كل منهم ماله عدلا، وما عليه ظلما. فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع الناس... فلا يجوز أن تكون العناية الأولى _أي عناية الله تعالى _ تقتضي تلك المنافع، ولا تقتضي هذه التي هي أسها.. فواجب اذن أن يوجد نبي وواجب أن يكون إنسانا وواجب أن يكون له خصوصية ليست لسائر الناس، حتى يستشعر الناس فيه أمرا لا يوجد لهم، فيتميز به عنهم. فهذا الإنسان إذا وجد وجب أن يسن للناس في أمورهم سننا بأمر الله تعالى وإذنه ووحيه وإنزاله الروح القدس عليه فيكون الأصل فيما يسنه تعريفه إياهم أن لهم صانعا واحدا قادرا، وأنه عالم بالسر والعلانية، وأن من حقه أن يطاع أمره وأن يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق. وأنه قد أعد لمن أطاعه السعد، ولمن عصاه المعاد الشقي".
4_ النبوة فيها حجة على الخلق:
ولا يفوتنا إن نقول أن الإنسان مكلف بعمارة الأرض، ومن ثم فالوحي فيه إقامة الحجة عليه. ذلك أنه خلق وفيه دوافع الخير ونوازع الشر، فالوحي يدعم مسيرة الخير ويقوى دواعيه عنده، ويقصر من نوازع الشرور. والإنسان محاسب بحسب عمله، وهو بحكم طبيعته كثير النسيان ومحب لشهواته، ودواعي الشيطان. فكانت النبوة مذكرة له بالاستقامة ومبينة له الخير، ومؤكدة عنده دوافعه، ومزودة له بما على أساسه يجازي، كما يقول سبحانه: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، ويقول (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) فعلى أساس من الوحي يقوم التبليغ وتثبت الحجة على الخلق، ويترتب عليه مصيرهم في الآخرة.
5_ الإقرار بالنبوة شطر الإيمان:
وهذا الطريق في المعرفة، ذو أثر كبير في نظرية المعرفة، إذ يخرجها عن أن تكون مجرد دراسة نظرية فلسفية، تعبد العقل وتقدسه. بل يضع العقل في مكانه الصحيح، ويسعف البشرية بعلم معصوم، ليس نظريا وإنما يحملها تبعة العمل والتكليف ذلك أن إيمانا يقوم في أساسه على نظرية المعرفة القرآنية يضبط العقل ويوجهه، ويجعله مناطا للتكليف، وفاهما للتشريع. وأن انكار هذا الطريق كفر. فأساس الإيمان وقاعدته، والمعرفة بالله وبرسوله، ومن ثم كانت الشهادة بنبوة رسول الله(ص) الركن الثاني في الشهادة، فركنها الأول إقرار بوحدانية الله _أشهد أن لا إله إلا الله _، وركنها الآخر شهادة بنبوة محمد(ص) وأشهد أن محمد رسول الله ومن ثم أمر الله سبحانه بهذه المعرفة فقال مشيرا إلى ركنها الاول: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)، وقال سبحانه مشيراً الى ركنها الثاني: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما).


المصدر : نظرية المعرفة بين القرآن والسنة

Heba Khled
08-31-2011, 04:44 AM
كيفية الوحي كما جاء في القرآن الكريم
د. راجح الكردي


ورد لفظ الوحي في القرآن في ستة مواضع كلها إعلام من الله تعالى إلى الأنبياء، وهذا هو الذي نبحث في كيفيته. وقد عبر القرآن عن فعل الإيحاء بالإنزال وعن الموحى بالتنزيل، فقال سبحانه: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان)، (تنزيل من رب العالمين).
عبر عنه بالإلقاء فقال سبحانه: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا).
كما عبر عنه بالتكليم فقال سبحانه: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) وفي هذه الآية يبين الحق سبحانه أنه يختص بكلامه من شاء من عباده وجعل الوحي هنا نوعا من أنواع كلام الله للأنبياء، كما جعله قسيماً لنوعين آخرين من التكليم، وهما التكليم من وراء حجاب، والتكليم بواسطة ملك يرسله إليه فيبلغه ما يشاء عز وجل أن يبلغ. كما عبر القرآن عن الوحي قسيما للتكليم كما في قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ابراهيم واسماعيل وأسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما).
ونفهم من ذلك كله أن الوحي قسم من أقسام التكليم العام والتكليم العام هو إيصال المعنى أي طريق. أما في الموضع الثاني فالوحي قسيم التكليم بالمعنى الخاص والتكليم بالمعنى الخاص هو القسم الثاني من التكليم العام في آية الشورى المشار إليه بقوله تعالى من وراء حجاب"، وهو نفسه المقصود من قوله تعالى "وكلم الله موسى تكليما"، ومن سائر الآيات في القرآن التي تشير إلى تكليم الله تعالى لموسى عليه السلام. وعلى هذا فتكليم الله للأنبياء أعم من أن يكون بطريق الوحي، إذا كان المقصود بالوحي نوعا من الإعلام يجده النبي في نفسه بلا واسطة أو كان بمعنى أن يوحي الملك جبريل إلى النبي بما يشاء الله. والذي يهمنا ونحن نتحدث عن كيفية تكليم الله بالمعنى العام لنبيه أو المعنى العام للوحي على أن المقصود به طريق من طرق المعرفة مصدره هو الله سبحانه، ويتلقاه نبي يختاره عز وجل لتبليغ مراده للناس. إن هذه الكيفية لا نستطيع أن نحس بها أو أن ندلى فيها بعلم ذي قيمة لأنها ليست من طبيعة عالم الشهادة التي تخضع لقوانين المادة والعقل وإنما حقيقة هذا الاتصال ندين بها للنبي نفسه الذي يصف لنا هذه الكيفية، ولله سبحانه الذي اختار النبي كي يبلغ الناس رسالته ونجد في القرآن الكريم والسنة الشريفة كيفيات، لابد أن نقف عندها ولا نتجاوزها لأن في ذلك استقامة البحث وسلامته.
والقرآن أخبرنا بالكيفيات أو الطرق التالية للوحي:
1_ (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعل دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين، قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين).
2_ (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء).
3_ (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم).
4_ لقد سمى ما ينزل على النبي من معارف وعلوم يبلغها الله له عموماً وحياً فقال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).
قال الإمام أحمد شارحا قول الله عز وجل (إن هو إلا وحيٌ يوحى): "سمى الله القرآن وحيا".
نأخذ من الايات السابقة أن الله عز وجل ذكر ثلاث كيفيات للوحي أو لتكليمه أو إبلاغه للنبي ما يريد.
الكيفية الأولى: أن يكلمه "وحيا" الوحي: إعلام في خفاء وذلك بأن يعلمه الله سبحانه بأن يقذف في قلبه علما يجده النبي ويشعر بأن هذا العلم طرأ عنده، ولم يكن يملكه قبل ذلك، ولم يكن يتوقعه، ويكون في هذا العلم بينة للنبي بأنه على حق. وأنه يقول ما يقوله لا بصفته البشرية كسائر البشر وإنما بصفته متميزاً عنهم بهذا العلم، وهو المقصود بقوله تعالى "وحيا" في الآية الثالثة.
الكيفية الثانية: أن يكلمه من وراء حجاب مباشرة وبلا واسطة ويسمعه صوتا، أو كلاماً مفهوماً للنبي من غير أن يرى النبي ربه سبحانه. ويقيم الله سبحانه لنبيه الحجة أو المعجزة كي يصدق النبي بأنه نبي. أما كيفية هذا التكليم فلا داعي للخوض فيها لأنها غيب، وقد خاض فيها علماء الكلام والمفسرون، فالمعتزلة رأوا أن التكليم فعل من أفعال الله تعالى كالتعليم والكلام ما يكون به. وذهب الجمهور من أهل السنة والجماعة إلى أن كلام الله تعالى صفة من صفاته القديمة تتعلق بجميع ما في علمه ولا داعي لهذا الخوض. وتكليم الله لرسله وإعلامهم بما شاء من علمه وهذا الاعلام هو التكليم ولا يجوز لنا البحث في كيفية كلامه سبحانه القديم ولا عن كيفية تكليمه لرسله، إلا ما ورد فيه نص فنكتفي بالنص.
الكيفية الثالثة: أن يرسل الله سبحانه رسولا، أي ملكا إلى النبي فيبلغه ما يريد.
وصورة هذا الإنزال كما جاءت في القرآن الكريم لها وجهان:
الوجه الأول: أن يرسل الله سبحانه الملك على صورته الملائكية المرئية أو على هيئة رجل يراه النبي وقد يراه أو يحس من عند النبي. ونزول الملائكة ليس أمرا مستغربا، إذ هم مخلوقات لله تنفذ أمره وتوكل بأمور، وتنزل إلى الأرض كما قال سبحانه: (ونُزِّلَ الملائكة تنزيلا)، (وما نتنزل إلا بأمر ربك)، وقوله تعالى: (لقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى)، يدل على أن النبي(ص) رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج كما رآه على هيئته كذلك يوم أن جاءه في غار حراء ثم لما خرج سد عليه الأفق كما قال تعالى: (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى).
والوجه الثاني: بأن ينزل عليه الملك فلا يراه وإنما يكون نزوله روحيا على قلب النبي. كما قال تعالى (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين)، (قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين).
ونلاحظ أن هذه الكيفيات تعم جميع الأنبياء بعموم الآيات السابقة، وإن كان فيها تخصيص فليس في الاقتصار على كيفية واحدة، وإنما في التكثير والتأكيد على كيفية في حق نبي دون الكيفيات الأخرى ودون الأنبياء الآخرين، فأكثر ما اختص به موسى عليه السلام من الكيفيات بشكل مؤكد في القرآن التكليم من وراء حجاب، إذ أول ما كلفه ربه كان بهذه الكيفية وأكد الله سبحانه هذه الكيفية بأن أكد التكليم بقوله "وكلم الله موسى تكليما".
أما رسولنا (ص) فقد أكد القرآن في حقه بكثرة الكيفية الثالثة وهي بإنزال جبريل بالوحي إليه.
-----------------------------------
المصدر : نظرية المعرفة بين القرآن والسنة

Heba Khled
08-31-2011, 04:47 AM
البعثة وحقيقة النبوة
احمد رضا خان صاحب قادري


ان جوهر الإنسان في أول الفطرة خلق ساذجاً خالياً لا خبر معه من عوالم الله والعوالم كثيرة لا يعلمها إلا الله سبحانه كما قال سبحانه (وَمَا يَعُلَم جُنْودَ رَبِّكَ إلاَّ هُو) وإنما خبره من العوالم بواسطة الإدراك فكل إدراك من الإدراكات إنما خلق ليطلع الإنسان به على عالم من الموجودات وتعني بالعوالم أجناس الموجودات فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس فيدرك به الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة وغيرها واللمس قاصر عن إدراك الألوان والأصوات قطعاً بل هي كالمعدومة في حق اللمس ثم يخلق له البصر فيدرك به الألوان والإشكال وهو أوسع عالم المحسوسات ثم ينفتح له السمع فيسمع الأصوات والنغمات ثم يخلق له الذوق كذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات فيخلق فيه التميز وهو قريب من سبع سنين وهو طور أخر من أطوار وجوده فيدرك فيه أموراً زائدة على المحسوسات يوجد منها شئ في عالم الحس ثم يترقى إلى طور أخر فيخلق له العقل فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات وأموراً لا توجد في الأطوار التي قبله ووراء العقل طور أخر ينفتح فيه عين أخرى يُبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأموراً أخرى العقل معزول عنها كعزل قوة الحس عن مدركات التميز وكما أن المتميز لو عرض عليه مدركات العقل لأبى واستبعدها فكذلك بعض العقلاء أبى مدركات النبوة فاستبعدها وذلك عين الجهل إذ لا مستند له إلاّ أنه طور لم يبلغه ولو يوجد في حقه فظن أنه ليس موجوداً في نفسه وإلا كما لو لم يعلم بالتواتر والتسامح الألوان والأشكال وحكيت له ابتداء لم يعلمها ول يقربها وقد قرب الله تعالى ذلك على خلقه بأن إعطاءهم أنموذجاً من خاصة النبوة وهو النوم إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب أما صريحاً أو في كسوة مثال يكشف عنه التعبير وهذا القسم لو لم يجربه الإنسان من نفسه وقيل له أن من الإنسان من يسقط مغشياً عليه كالميت ويزول إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب لا نكرة ولأقام البرهان على استحالته وقال القوى الحاسة أسباب الإدراك فمن لا يدرك مع ركودها فأولى وأحق أن لا يدرك مع زوالها وهذا نوع قياس يكذبه الوجود والمشاهدة وكما أن العقل طور من أطوار الأدمى يحصل فيه عين يبصر بها أنواع من المعقولات والحواس معزولة عنها فكذلك النبوة عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل والشك في النبوة أما أن يقع في إمكانها أو في وجودها ودليل إمكانها وجودها ودليل وجودها وجود معارف وعلوم لا يتصور أن ينال بالعقل كعلم الطب والنجوم فان من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام الهي وتوفيق من جهة الله تعالى سبحانه ولا سبيل إليه بالتجربة فمن الأحكام النجومية ما لا تقع إلا في كل ألف سنة مرة فكيف ينال ذلك بالتجربة وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البرهان أن من الإمكان وجود طريق إدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل وهو المراد ههنا بالنبوة لأن النبوة عبارة عنها فقط بل إدراك هذه الجنس الخارج من مدركات العقل إحدى خواص النبوة ولها خواص كثيرة سواها وما ذكرناها لأن معك أنموذجاً منها من مدركاتك في النوم ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم وهي معجزات الأنبياء ولا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلاً وأمّا ما عداها من خواص النبوة فإنما ندركه بالذوق من سلوك طريق التصرف وسبيل أولياء الله ولكن هذه الخاصة الواحدة يكفيك في الإيمان بأصل النبوة كما ذكره الإمام الغزالي في كتابه المسمى (بالمنقذ عن الضلال) قالت الفلاسفة البعثة حسنة لاشتمالها على فوائد كمعاضدة العقل فيما يستقل بمعرفة العقل مثل وجود الباري وعلمه وقدرته واستفادة الحكم من النبي فيما لا يستقل به الغفل مثل الكلام والرؤية والمعاد الجسماني (لِئَلاَّ يَكُونَ للِنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ) وإزالة الخوف الحاصل عن الإتيان بالحسنات لكونه تصرفاً في ملك الله بغير إذنه وعند تركها لكونه ترك الطاعة واستفادة الحسن والقبح في الأفعال التي يحسن تارة ويقبح أخرى من غير اهتداء للعقل إلى مواقعها ومعرفة منافع الأغذية والأدوية ومضارها التي لا تفئ بها التجربة إلاّ بعد أدوار وأطوار مع ما فيها من الأخطار وحفظ النوع الإنساني فأن الإنسان مدني بالطبع يحتاج إلى التعاون فلا بد من شرع يفرضه شارع يكون مطاعاً وتكميل النفوس البشرية بحسب استعداداتهم المختلفة في العلميات والعمليات وتعليمهم الصنايع الحقيقية من الحاجات والضروريات والأخلاق الفاضلة الراجعة إلى الأشخاص والسياسات الكاملة العائلة إلى الجماعات من المنازل والمدن والاخبارات بالعقاب والثواب ترغيباً في الحسنات وتحذيراً عن السيئات إلى غير ذلك لا يخفى أن المفهوم من هذا الكلام وجوب البعثة فالمراد بالحس ما يعمُّ الواجب أيضاً ويؤيده ما وقع التصريح منهم في بعض المواضع بأن البعثة واجبة والمنكرون للبعثة أو ردواً اعتراضات الأول المبعوث لابد أن يعلم أن القائل له أرسلتك فبلّغ عني هو الله ولا طريق إلى العلم به إذ لعله من إلقاء الجن وأنكم أجمعتم على وجوده والجواب أن المرسل ينصب دليلاً يعلم به الرسول أن القائل له أرسلتك هو الله دون الجن بأن يظهر الله سبحانه آيات ومعجزات يتقاصر عنها جميع المخلوقات وتكون مفيدة له ذلك العلم أو يخلق علماً ضرورياً فيه بأنه المرسل والقائل الثاني أن من يلقى إلى النبي الوحي أن كان جسمانياً وجب أن يكون مرئياً لكل من حضر حال الإلقاء وليس الأمر كذلك كما اعترفتم به وأن لم يكن جسمانياً بل روحانياً كان إلقاء الوحي من بطريق التكلم مستحيلاً إذ لا يتصور للروحانيات كلام والجواب باختيار الشق الأول ومنع الملازمة استناداً بأن جاز أن لا يخلق الله رؤيته في الحاضرين فأن قدرته لا تقصر عن شيء ولا يخفى أن تجويز عدم خلق رؤيته للحاضرين مع أنه في نفسه ممكن مقدور لله سبحانه يستلزم تجويز أن يكون بحضرتنا جبال شاهقة وبلاد عظيمة لا نراها وبوقات وطبول لا نسمعها وهو سفسطة فأقول والله سبحانه اعلم أن الملقى جسماني لطيف شفاف وهو المَلَك ورؤية الجسم الشفاف غير معتادة كالسماء فلا يلزم السفسطة وإنما يلزم أن لو يجوز عدم رؤية الجسم الكثيف لما هو خلاف المعتاد فافهم.
ولنا أن نجيب باختيار الشق الثاني أيضاً بأن يكون الروحاني متمثلاً بصورة لطيفة شفافة ويسمع الرسول كلامه حياً من الله سبحانه كما مرّ ولا محذور فيه فتأمل، الثالث التصديق بالرسالة يتوقف على العلم بوجود الرسل وما يجوز عليه وما لا يجوز وأن لا يحصل إلاّ بغامض النظر والنظر الموصل إلى هذا العلم غير مقدر بزمان معين كيوم أو سنة بل هو مختلف بحسب الأشخاص وأحوالهم فللمكلف الاستمهال لتحصيل النظر ودعوى عدم العلم في أي زمان كان وحينئذ يلزم إفحام النبي ويبقى البعثة عبثاً وأن لم يجز له الاستمهال بل وجب عليه التصديق بلا مهلة.
لزم التكليف بما لا يطاق لان التصديق بالرسالة بدون العلم المذكور مما لا يتصور وجوده وأنه قبيح عقلاً فيمتنع صدروه عن الحكيم تعالى. والجواب أنه لا يجب الإهمال لانا بيّنا فيما سبق من إنه إذا أدعى الرسالة واقترن بدعواه المعجزة الخارقة للعادات وجب المتابعة بلا مهلة لحصول العلم العادي عند ظهور المعجزة بصدق الرسول فافهم.
الرابع أن البعثة لا يخلو عن التكليف لأنه فائدتها والتكليف ممتنع بوجوه الأول انه يثبت الجبر لما أن فعل العبد واقع بقدرة الله تعالى ولا تأثير لقدرة العبد عندكم والتكليف بفعل الغير تكليف مما لا يطاق والجواب أن قدرة العبد وأن كان غير مؤثرة إلاّ أن لها تعلقاً بالفعل يسمى كسباً وباعتباره جاز التكليف به فلا يكون تكليفاً بما لا يطاق الثاني أن التكليف إضرارٌ بالعبد لما يلزم من ضر التعب بالفعل أو العقاب بالترك والإضرار قبيح والله تعالى منزه عنه والجواب ما في التكليف من المصالح الدنيوية والأخروية يربى كثيراً على المضرة التي هي فيها وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل مما لا يجوز الثالث أن ما في التكليف من التعب إمالا لغرض وهو عبث قبيح أو لغرض يعود إلى الله وهو تعالى منزهُ عن الأغراض كلها أو إلى العبد وهو أما إضرار وهو منتف بالإجماع أو نفع وتكليف جلب النفع والتعذيب بعدمه بخلاف المعقول لأنه بمنزلة أن يقال له حصّل المنفعة لنفسك وإلاّ عذبتك أبداً الآباد والجواب أنه فرع حكم العقل بالحسن والقبح ووجوب الغرض في أفعاله تعالى وقد أبطلنا كل واحد منهما في موضعه وأيضاً أن التكليف بغرض يعود إلى العبد وهو المنافع الدنيوية الأخروية التي يربى على مضرة التعب بمشاق الأفعال وأما عقابه أبداً فليس لأنه لم يحصل المنفعة بل لأنه لم يمتثل أمر مولاه وسيده وفي ذلك إهانة له أقول والله سبحانه اعلم للمعترض أن يقول لم كلف الله سبحانه به مع علمه بأنه لا يمتثل ولا يستجلب به فائدة لنفسه فهل هذا إلاّ إضرار له وهو قبيح ويمكن الجواب عنه بأن التكليف وأن كان بالنسبة إليه إضرار إلاّ أنه قد مرّ أنّ الضرر القليل لأجل الخير الكثير مما يجوز عقلاً فلا يكون قبيحاً قالت المعتزلة أن في تكليف الكافر فائدة أيضاً وهي التعريض للثواب فإن الثواب فائدة امتثال المكلف للمكلف به لا فائدة التكليف وقريب من هذا ما أورد وأمثالاً وهو كمن دعا غيره إلى طعامه وهو يعلم أن لا يجيبه إلاّ أن استعمل معه نوعاً من التأدب والتلطف وإذا لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدب كان ناقصاً لغرضه الأولى والأنفع في هذا المقام أن يذكر ما قاله حكماء الإسلام من أن التكليف حسن بيان ذلك أن الله تعالى خلق الإنسان بحيث لا يستقل وحده بأمور معاشه لاحتياجه إلى غذاء ولباس ومسكن وسلاح وغير ذلك من الأمور التي كلها صناعي لا يقدر عليها صانع واحد مدة حياته وإنما يتيسر لجماعة يتعاضدون ويتشاركون في تحصيلها بأن يعمل كل لصاحبه بازاء ما يعمل له الأخر مثلاً يخيط هذا لذلك ويحصل ذلك الإبرة له هذا وعلى هذا قياس سائر الأمور فيتم أمر معاشه باجتماع من بني نوعه ولهذا قيل الإنسان مدني بالطبع فأن التمدن باصطلاحهم عبارة عن هذا الاجتماع ولا ينتظم إلاّ إذا كان بينهم معاملة وعدل لأن كل واحد يشتهى ما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه فيه وذلك يدعوه إلى الجود على الغير فيقع من ذلك الجرح فيختل أمر الاجتماع ونظامه للمعاملة وللعدل جزئيات غير محصورة لا ينضبط إلاّ بوضع قوانين هي السنة والشرع فلابد من شارع ثم أنهم لو تنازعوا في وضع السنة والوضع والشرع لوقع الهرج فينبغي أن يمتاز الشارع منهم باستحقاق الطاعة لينقاد العاقون له في قبول السنة والشرع منه وهذا الاستحقاق إنما يتصور باختصاصه بآيات تدل على أنه من عند الله تعالى وتلك هي المعجزات ثم أن الجمهور من الناس يستحقرون أحكام الشرع إذا استولى عليهم الشوق إلى مشتهياتهم فيقدمون على المعصية ومخالفة الشرع فإذا كان للمطيع ثواب وللعاصي عقاب فحملهم الخوف والرجاء على الطاعة وترك المعصية كان انتظام الشريعة أقوى مما إذا لم يكن كذلك فوجب عليهم معرفة الشارع والمجازي ولابد من سبب حائط بتلك المعرفة فلذلك شرعت العبادات المذكورة لصاحب الشرع والمجازي وكررت عليهم حتى استحكمت التذكر بالتكرير فإذاً ينبغي أن يكون الشارع داعياً إلى التصديق بوجود خالق عليم قدير وإلى الإيمان بشارع مرسل إليهم من عنده صادق وإلى الاعتراف بوعد ووعيد وثواب وعقاب اخرويين وإلى القيام بعبادات يذكر فيها الخالق بنعوت جلاله وإلى الانقياد بسنته التي يحتاج إليها الناس في معاملاتهم حتى يستمر بذلك الدعوة العدل المقيم لنظام أمور النوع وتلك السنة استعمالها نافع في أمور ثلثُه الأول رياضة القوى النفسانية بمنعها عن معانقة الشهوة والغضب المانعة عن توجه النفس الناطقة إلى جناب القدس الثاني إدامة النظر في الأمور العالية المقدسة عن العوارض المادية والكدورات الحسية المؤدية إلى ملاحظة الملكوت الثالث تذكر إنذارات الشارع ووعده للمحسن ووعيده للمسيء المستلزمة لإقامة العدل في الدنيا مع زيادة الأجر والثواب في الآخرة هذا كلامهم وقريب من هذا ما قالت المعتزلة من أن التكليف واجب عقلاً لأنه زاجر عن ارتكاب القبائح لأن الإنسان بمقتضى طبعه يميل إلى الشهوات والمستلذات فإذا علم أنها حرام إنزجر عنه والزجر عن القبائح واجب، الخامس التكليف إما مع وجود الفعل ولا فائدة فيه أصلاً لوجوبه وتعيين صدوره فيكون عبثاً قبيحاً من وجوه امتناع التكليف وكذا الحال إذا كان التكليف بعد الفعل مع إنه تكليف بتحصيل الحاصل وأما قبل وجود الفعل وانه تكليف ما لا يطاق لان الفعل قبل الفعل محال إذ لا يمكن وجود الشيء حال عدمه والجواب أن القدرة مع الفعل عندنا والتكليف به في هذه الحالة ليس تكليفاً بالمحال الذي هو تحصيل الحاصل وإنما يكون كذلك أن لو كان الفعل حاصلاً بتحصيل سابق على التحصيل الذي هو متلبس به وليس كذلك بل هو حاصل بذلك التحصيل على أنا نقول التكليف كالأحداث فيقال أحداثه إما حال وجوده فيكون تحصيلاً للحاصل وإما حال عدمه فيكون جمعاً بين النقيضين والأحداث مما لا شك فيه فما هو جوابكم في الأحداث فهو جوابنا في التكليف والمعتزلة أجابوا عن هذا الاعتراض بأن التكليف قبل الفعل ليس ذلك تكليفاً بما لا يطاق لأن التكليف في الحال إنما هو بالإيقاع في ثاني الحال لا بالإيقاع في الحال ليكون جمعا بين النقيضين وهو الوجود والعدم كما أن تكليف الكافر في الحال إنما هو بإيقاع الإيمان في ثاني الحال وفيه نظر لأنه إن استمر الكفر مثلا في ثاني الحال فلا قدرة فيه على الإيمان وإن بدّل بالإيمان لم يكن مكلفاً به لاستحالة التكليف لتحصيل الحاصل ويمكن الجواب عنه بأن التكليف لا يتعلق إلاّ بما هو مقدور واللازم منه أن يكون المكلف به مقدوراً في زمان وجوده وأما كون القدرة مجامعة للتكليف فلا مع أن التكليف بتحصيل الحاصل إنما يستحيل إذا كان بتحصيل آخر لا بذلك التحصيل كما مر فأن قلت أن استمرار الكفر في ثاني الحال لا ينفي قدرته على الإيمان فيه عندهم لأن الإيمان حال الكفر مقدور. بزعمهم لأن القدرة قبل الفعل ثابتة ليصح تكليف الكافر بالإيمان لما أن التكليف لغير المقدور غير واقع لقوله تعالى (لاَ يُكلِّفُ اللهُ نَفساً إِلاَّ وُسُعَهَا) وحينئذ يصح الجواب باختيار الشق الأول أيضاً كما ترى فأقول والله سبحانه اعلم مراد الناظر أنه على تقدير استمرار الكفر في ثاني الحال يكون الإيمان غير مقدور فيه أيضاً لأنه جمع بين الوجود والعدم فلا يكون لاعتذارهم بأن التكليف في الحال إنما هو بالإيقاع في ثاني الحال فائدة إصلاح فعلى هذا لا يمكن الجواب باختيار الشق الأول كما لا يخفى فافهم.
السادس لبعض الملاحدة أن التكليف بأفعال الشاقة البدنية يشغل الباطن عن التفكر في معرفة الله تعالى وما يجب له من الصفات وما يجوز ويمتنع من الأفعال ولا شك أن المصلحة المتوقعة من هذا التكليف وهو النظر فيما ذكر يربى على ما يتوقع مما كلف به فكان ممتنعاً عقلاً والجواب أن التفكير معرفة الله تعالى سبحانه هو المقصد الأقصى من التكليف وسائر التكاليف معينة عليه داعية إليه ووسيلة إلى صلاح المعاش المعين على صفاء الأوقات عن المشوشات التي يربى شغلها على شغل التكاليف الاعتراض السابع أن في العقل مندوحة وكفاية عن البعثة فلا فائدة فيها احتجوا بأن ما حكم العقل بحسنه يفعل وما حكم بقبحه يترك وما لم يحكم فيه بحسن ولا بقبح يفعل عند الحاجة إليه لان الحاجة حاضرة فيجب اعتبارها دفعاً لمضرة فواتها ولا يعارضها مجرد احتمال المضرة بتقدير قبحه ويترك عند عدمها اللاحتياط في دفع المضرة المتوهمة والجواب بعد تسليم حكم العقل بالحسن والقبح أن الشرع المستفاد من البعثة فائدته تفصيل ما أعطاه العقل إجمالاً من مراتب الحسن والقبح والمنفعة والمضرة وبيان ما يقصر عنه العقل ابتداء فأن القائلين بحكم العقل لا ينكرون من الأفعال ما لا يحكم العقل فيه بشيء كوظائف العبادات وتعيين الحدود ومقاديرها وتعليم ما ينفع وما يضر من الأفعال والنبي الشارع كالطبيب الحاذق يعرف الأدوية وطبائعها وخواصها مما لو أمكن معرفتها للعامة بالتجربة ففي دهر طويل يحرمون فيه من فوائدها ويقعون في المهالك قبل استكمالها إذ ربما يستعملون من الأدوية في تلك المدة ما يكون مهلكاً ولا يعلمون ذلك فيهلكهم مع أن اشتغالهم بذلك يوجب أتعاب النفس وتعطل الصناعات الضرورية والشغل عن مصالح المعاش فإذا سلّموا من الطبيب خفت المؤنة وانتفعوا به وسلموا من تلك المضار فكما لا يقال في إمكان معرفة ما ذكر غنىً عن الطبيب فكذا لا يقال في إمكان معرفة التكاليف وأحوال الأفعال بتأمل العقل فيها غنى عن المبعوث كيف والنبي يعلم ما لا يعلم إلاّ من جهة الله سبحانه بخلاف الطبيب إذ يمكن التوصل إلى جميع ما يعلمه بمجرد الفكر والتجربة فإذا لم يكن هو مستغنى عنه كان النبي أولى بذلك.
الثامن المعجزة ممتنعة لأنها خرق للعادة وتجويزه سفسطة فلا يثبت النبوة والجواب أن خرق العادات ليس اعجب من أول خلق السماوات والأرض وما بينهما والجزم بعدم وقوع الخرق في بعض المواد لا ينافي في إمكانه في نفسه على أن خرق العادة من الأنبياء والأولياء عادة مستمرة يوجد في كل عصر وأوان فلا يمكن للعاقل المنصف إنكاره بل نقول أن المعجزة عندنا ما يقصد به تصديق مدعى الرسالة وأن لم يكن خارقاً للعادة أقول وفيه نظر لأنه يُنافي ما مرّ في شرائط المعجزة من أن خرق العادة شرط فيها ولأنه لولا ذاك لكانت المعجزة غير دالة على الصدق كالأمور المعتادة فافهم.
التاسع ظهور المعجزات لا يدل على الصدق لاحتمال كونه من فعله لا من فعل الله لكونه ساحراً وقد أجمعتم على حقيته وتأثيره في أمور غريبة أو بطلسم اختص هو بمعرفته والجواب أن التجويزات العقلية لا تنافي العلم العادي كما في المحسوسات فانا نجزم بأن حصول الجسم المعين لا يمتنع فرض عدمه بدله مع الجزم بحصوله جزماً مطابقاً للواقع ثابتاً لا يتطرق إليه شبهة للحس الشاهد به شهادة موثوقاً بها والعادة أحد طرق العلم كالحس فجاز أن يجزم كجزم الحس بشيء من جهة العادة مع إمكان نقيضه في نفسه وأيضاً قد بيّن في موضعه أن لا مؤثر في الوجود إلاّ الله فالمعجزة لا يكون إلاّ فِعلاً له لا للمدعى والسحر ونحوه إن لم يبلغ حد الإعجاز الذي هو كفلق البحر وأحياء الموتى وإبراء الأكمهَ والأبرصَ فظاهر أنه لا يلتبس السحر بالمعجزة فلا إشكال وان بلغ حدّ الإعجاز فإما أن يكون بدون دعوى النبوة والتحدي فظاهر أيضاً أنه لا التباس أو يكون مع ادعاءهما وحينئذ فلابد من أحد الأمرين أن لا يخلقه الله سبحانه على يده أو أن يقدر غيره على معارضته وإلاّ كان تصديقاً للكاذب وهو محال على الله تعالى لكونه كاذباً.
--------------------------------
المصدر : إثبات النبوة

Heba Khled
08-31-2011, 04:49 AM
الوحي
د. عبد المنعم النحر


نردد كلمة "الوحي" كثيراً ونحن نتكلم عن نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نرددها في كلامنا لمناسبات مختلفة، فنقول فلان أوحى إلى فلان بكذا، أو عمل كذا بإيحاء من فلان..
وقد احتلت كلمة الإيحاء والوحي في علم النفس حيزاً كبيراً، حيث تناول العلماء الإيحاء الداخلي، والإيحاء الخارجي، والإيحاء العكسي، إلى غير ذلك من البحوث المتعلقة بالإيحاء..
ومعنى الوحي أو الإيحاء في اللغة: الإعلام، أي إعلام الموحى إليه في سرعة وخفاء بما يريد الموحى إبلاغه وتفهيمه، للموحى إليه، بأية طريقة خفية موصلة للغرض، فيشمل التفهيم بالكتابة خفية، والكلام الخفي، والإشارة والرمز والإلهام والرؤيا، والإيحاء على مقتضى الحكمة والسنن التي أرادها الله..
جاء في مفردات القرآن مادة "وحي": أصل الوحي الإشارة السريعة وقد يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة:
(فَخَرجَ عَلَى قَوْمهِ مِنَ الْمِحرَابِ فَأَوْحَى إِليْهِم أَن سَبِّحُوا بُكرَةً وَعَشيّاً) أي أوحى زكريا إليهم ـ فقد قيل رمز. وقيل اعتبار. وقيل كتب. وعلى هذه الوجوه قوله:
(وَكَذلِكَ جَعَلنَا لِكُلِّ نَبِيٍ عَدُوّاً شَيَطِانَ الإِنِس وَالجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً)
وقوله:
(وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْليَائِهِمْ)
فذلك بالوسواس المشار إليه بقوله: (من شر الوسواس الخناس) أي يوسوسون إلى أتباعهم بكلام وطريق خفي غير ظاهر للناس.
ومثل الإلهام قوله تعالى عن النحل:
(وَأَوحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً ... الآية)
وهو يمثل هداية الله وتوجيهه للحيوان بما ركبه فيه من خصائص لحفظ حياته وقيامه بوظائفه، وهو يتلاقى مع قوله تعالى: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خلْقَه ثم هَدى) فيما يتصل بالحيوان، النحل، والنمل، والطيور، والأسماك، وغيرها. وقوله تعالى من سورة الأعلى:
(الَّذِي خَلَقَ فَسوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)
ومن الإيحاء بمعنى الإلهام أيضاً والتوجيه قوله تعالى:
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ... الآية)
وأم موسى لم يرد لنا نصّ يفيد أنه نزل عليها مَلَك من الملائكة ولكن ألهمها الله رعاية لموسى:
(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَليْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفيهٍ فِي الْيَمِّ... الآية)
ومثل ذلك قوله:
(وَإِذْ أَوْحَيتُ إِلى الْحَوَارِيِّنَ أَنْ أَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي)
وكذلك قوله تعالى عن الأرض.
(يَوْمئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)
بمعنى وجهها وسخرها. ومثله قوله تعالى:
(وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا)
بمعنى أوجدها وسخرها لتنفيذ نظامه فيها.
وهذه المعاني كلها ينطبق عليها الإيحاء بمعناه اللغوي الواسع..
وذلك؛ لأن المعنى الشرعي للإيحاء المصطلح عليه بين العلماء خاص بمن يختارهم الله من عباده، ويصطفيهم رسلاً للبشر، فيوحى إليهم ويبلغهم بما يريده منهم ويريد تبليغه للناس، ليقوموا بإبلاغهم، وفي هذا المعنى ورد الإيحاء في كثير من الآيات لرسله عليهم الصلاة والسلام:
(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَأَتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً)
فكل وحي من الله لرسله، معناه إبلاغهم بواسطة من الوسائط التي يريدها الله بما يريد. وملاحظٌ في ذلك بالطبع المعنى اللغوي وهو الإعلام في سرعة..
وبهذا، نعلم أن كلمة أوحينا أو أوحى وما يتفرع عنها جاءت في القرآن بالمعنى اللغوي العام، وبالمعنى الشرعي الاصطلاحي الخاص بالرسل، وبما مر تستطيع أن تفرق بين الاثنين..
------------------------
المصدر : علوم القرآن الكريم

Heba Khled
08-31-2011, 04:51 AM
الجهاد في التراث الإسلامي
د. حسن حنفي


1- الجهاد من أركان الإسلام
في هذا الوقت الذي تتم فيه التضحية بشعب فلسطين على مذبحة الكيان الصهيوني وشهادة العرب والمسلمين جميعاً، في الوقت الذي يقف فيه شعب فلسطين بمفرده يدافع عن كيانه ووجوده وأرضه ومستقبله، في الوقت الذي تتصدى فيه المقاومة الفلسطينية للعدوان الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية، نصفها في 1948 ونصفها الآخر عاو 2002 يصدر العرب البيانات ويصوغون المبادرات ويطلقون الشعارات ويعقدون الاجتماعات وتتكرر مأساة حصار بيروت في 1982 في حصار مدن الضفة الغربية. في كلتا الحالتين وقفت الأنظمة العربية تستنكر وتشجب وتدين والدماء تسيل. والجرحى يموتون والشهداء يتساقطون والبيوت تدمر والكل يستنجد بالغير لا بنفسه، والكل يستصرخ الآخرين، الضمير العالمي والأمم المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي بل الكل يتوسل إلى الجلاد كي يرحم الضحية.
وماذا يفعل المفكر العربي إلا أن يستصرخ أيضاً، يشحذ الهمة ويشارك انتفاضة الشارع العربي بالكتابة. ويستنصر تراث الأمة وتاريخها وثقافتها لعله يجد في الجهاد والشهادة ما يقوى به المناضلون في فلسطين، يواسي الجرحى ويعزي بالحياة الأبدية، وبالخلاص القريب، وهو هروب إلى الماضي وعجز عن مواجهة الحاضر فما زال الشهيد هو بارقة الأمل الباقية بالرغم من آلام الفراق وعذاب الضمير وفي هذا الإطار وفي هذا الوضع النفسي تتم كتابة الجهاد في التراث الإسلامي، بيان أنه ركن من أركان الإسلام أولاً، وتحليل معاني الجهاد في القرآن الكريم ثانياً وفي السنة النبوية ثالثاً، وفي التراث الفقهي رابعاً، وعند المصلحين المحدثين تماماً ولعل في ذلك بعض العزاء للنفس والآخرين.
الجهاد ركن من أركان الإسلام وهو عند بعض الفقهاء الركن السادس وعند آخرين الركن الأول لأن الأركان الخمسة الأولى تقوم عليه، فالشهادة فعلان من أفعال الشعور "لا إله" ثم "إلا الله" الأول للرفض والنفي، نفي الآلهة المزيفة للعصر، الثروة والجاه والشهرة والمرأة والترف ومباهج الحياة. والثاني قبول ورضى أن يتساوى جميع البشر أمام إله واحد، لا ظالم ولا مظلوم، لا قوي ولا ضعيف ولا غني ولا فقير بل الكل متساوون بفعل الخلق. وهي شهادة أي رؤية وإعلان بالقول والعمل، بالفكر والوجدان. فالساكت عن الحق شيطان أخرس، (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه). وهي شهادة حق وليست شهادة زور. وهي التزام بقضايا العصر وقبول للتحديات، والعمل في سبيل تقدمه ورفعته.
والصلاة جهاد في الزمان، وحفاظ على الوقت وقيام وقعود بالبدن وحياة الفضيلة، وحب الخير للناس، وعمل فردي وجماعي، وتضامن اجتماعي، فالصلاة أحد أنواع الجهاد، جهاد النفس ومقاومة الكسل والدعة والخمول، والحرص على الوعي اليقظ. واستبعاد الوعي الخامل.
والزكاة جهاد بالمال، وتزكية وتطهير للنفس بالبذل والعطاء، وحق الآخر في مال النفس، ورفض الاكتناز، والعمل على سيولة رأس المال حتى لا يدور في حفنة من الأشخاص. وهو استثمار جماعي لقضاء حاجات الآخرين وإيجاد فرصة عمل للعاطلين ( والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم).
والصيام جهاد للنفس، وتقوية للإرادة، وسيطرة على الرغبات والإنفعالات والأهواء. هو إحساس بفقر الفقراء، وجوع الجوعى، وحاجة المحتاجين (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً). الصيام صلة بالله كما أن الجهاد عَوْدٌ إليه.
والحج جهاد سنوي للعمل الجماعي، والتذكير بمصالح الأمة. والاجتماع العلني لكل الناس في مساواة تامة امام الحق ولإعلان البراءة من البطالة، وتحديد من هم أعداء الأمة ومن هم أصدقاؤها؟ أين معاركها وما امكانياتها؟ إلى أي مدى وصل إحساس المسلمين بالأمانة والخلافة في الأرض وتعميرها؟ الحج سفر وجهد ومشقة، وسعي وطواف كما أن الجهاد سفر للأعداء ومقاومة للعدوان، وسعي وطواف في ساحة القتال.
لذلك لا يساوي أي ركن من أركان الإسلام حتى لو كان الحج ركن الجهاد (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله).
فالجهاد هو كل شيء في الإسلام له أشكال عديدة يقوم على شحذ الطاقة، وبذل الوسع، وإفراغ الجهد. وهو المعنى الاشتقاقي للفظ "جهد" قبل أن يتحول إلى جاهد "جاهد" أي "قاوم" و "اجتهد" أي بذل الجهد في الفهم والمعرفة. فالاجتهاد مصدر رابع للتشريع بعد القران والسنة والاجماع
ونظراً لأهمية "الجهاد في سبيل الله" في حياة المسلمين المعاصرين بعد أن أطبق عليهم الاستعمار وأثناء ضعف دولة الخلافة ثم هزيمتها في الحرب العالمية الأولى قبل القضاء عليها كلياً في 1926 بعد الثورة الكمالية في تركيا في 1923 بدأ المصلحون يؤكدون دور الجهاد في سبيل الله ضد محاولات العصور المتأخرة في النيل من أهميته واستبعاده. فقد انتهى عصر الفتوحات، ولم يبقَ إلا جهاد النفس كما يفعل الصوفية. وتم الترويج للحديث الذى يشكك فى رواية معظم المصلحين. "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". وكتب كل من أبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب رسالة في "الجهاد فى سبيل الله" لتصحيح الصورة، ورد الاعتبار للجهاد ضد الاستعمار والاحتلال والصهيونية باعتبارها استعمارا استيطانياً.
ويرتبط بمفهوم الجهاد مفهوم الشهادة، ومفهوم الحياة، فالجهاد بداية والشهادة نهاية. والشهادة تبدأ بالوعي بالعصر وبالزمن أي الوعي بالحق. فالله يشهد وهو خير الشاهدين، والإنسان يشهد، والحواس تشهد. الشهادة تعنى النطق بالحق، المعاصرة والإعلان دون الكتمان، الشهادة على النفس دون شهادة الزور. والشهادة تدوين للتاريخ، وسجل للحوادث، والشهيد والشاهد من نفس الفعل. الشهيد، يشهد بالفعل، والشاهد يشهد بالقول. وكلاهما إعلان. الشهيد إعلان عملي والشاهد إعلان نظري. والشهداء مع النبيين والصديقين (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين). فالأنبياء والشهداء يعرفون الحق النظري والعملي (وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بالحق وهم لا يظلمون). وكما أن الأنبياء والصالحين في فوز ونجاة كذلك الشهداء (والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم). والحي هو الذي يقاتل في سبيل الله، ويشتري حياة الآخرة بحياة الدنيا (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة). والشهيد حي لا يموت، آثر الحياة الأبدية على الحياة الظاهرة (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون). إنما هو ألم الفراق بالرغم من الفرح بالشهادة، وحزن الدم بالرغم من فرح العرس. (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون- فرحين بما آتاهم الله من فضله). وآخرون أحياء في الظاهر، موتى في الباطن لأنهم رضوا بالحياة الدنيا ومتاع الغرور. استسلموا لقوى الطغيان بالرغم من الاستنصار في الله وفى الدين وفي الوطن وفى الأخوة وفى العروبة، وآثروا الحكم على الشرف، والسلطة على الكرامة، والدنيا على الآخرة. هم (أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون).
وإذا كان الجهاد لا يكون فوق الطاقة لعدم جواز تكليف ما لا يطاق فإنه لايكون أيضاً أقل مما يستطيعه الإنسان، يؤثر عليه الآباء الأبناء والإخوان والأزواج وا لعشيرة والأموال والتجارة والمساكن؟ (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم والأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا). الجهاد لا يكون إلا في سبيل الله وابتغاء مرضاته. هو الجهاد الخالص الذي لا يهدف إلى شهرة إعلامية "إني شهيد يا رفاق".
وقد ورد لفظ، (جهد)، ومشتقاته في القرآن الكريم في صيغ اسمية. ويدل ذلك على أن الجهاد فعل أكثر منه شيئاً. وهو أولاً فعل أمر للرسول وللمؤمنين (يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم). والكفار هم قتلة الأنبياء الذين يعصون الحق ويتنكرون له مثل الصهاينة المعاصرين. والمنافقون الذين يقولون بأفواههم ما ليس بقلوبهم مثل الأمريكيين الذين يؤيدون الفلسطينيين باللسان ويدعمون الكيان الصهيوني بالأعمال. والكفار لا أمان لهم حتى ولو عرضوه، (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيرا). والأغلب هو أمر الجماعة بالجهاد أمراً مباشرا.
2- الجهاد في القرآن الكريم
والجهاد لفظاً هو بذل الوسع والجهد واستنفاد الطاقة من أجل تحقيق غاية بصرف النظر عن طبيعة هذه الغاية للحق أم للباطل. فقد يجاهد الآباء الأبناء دفعاً لهم نحو الشرك (وان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما....). وهي الحالة الوحيدة التي يجوز للأبناء فيها عصيان الآباء. والجهاد جزء من طبيعة الإنسان. والجهاد جهاد للنفس شحذاً لطاقاتها، أو تقوية لإرادتها، وإحياء لمقاصدها. والجهاد للذات قبل الموضوع، للنفس قبل العالم (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه. إن الله لغني عن العالمين). وهو ما لاحظه الشاعر الفيلسوف محمد إقبال، بأن الذات تتخلق بالمقاصد، وتحيى بالآمال، وتشعر بالجمال، وتدرك الحقائق وتتحد بحركة الكون والتاريخ. لذلك لا يكون الجهاد إلا قدر السعة والطاقة لعدم جواز تكليف ما لا يطاق. (والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم).
يبدأ الجهاد بالتقوى أي بالإيمان الصادق وإخلاص النية. وهو الطريق إلى الله، (اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا فى سبيله). والجهاد بالنفس وبالمال، بالشهادة بالعطاء (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله). وهو حكم عام لا استثناء فيه لوجاهة اجتماعية، ( وإذا أُنزِلت سورةٌ أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطولِ منهم). الجهاد في سبيل الله هو الجهاد الخالص الذي ينطلق من الإيمان العميق بالقضية، (وجاهدوا في الله حقّ جهاده).
والجهاد ليس فقط فعل أمر، مباشر للفرد والجماعة، للرسول وللمؤمنين لتحقيق ما يستحيل تحقيقه بل هو حقيقة تاريخية، وممارسة جماعية، قام بها السابقون. لذلك يأتي الفعل في صيغة الماضي أيضًا أكثر من صيغة الأمر تدعيماً للأمر الحاضر بفعل التاريخ وشهادة المجاهدين السابقين. فالجهاد تجربة ومحك واختيار للفوز والفلاح، ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)، (أم حسبتم أن تتركوا ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم). الجهاد ابتلاء (ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم).
ويتطلب الجهاد الإيمان بالقضية، فالجهاد عمل، والعمل جوهر الإيمان، ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم). وهو إيمان يقيني بلا ريب أو شك، يتحول تلقائيا إلى فعل جهادي، (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم).
وقد يتطلب الجهاد الهجرة في سبيل الله، فأرض الله واسعة، ولا تضيق على المؤمنين بما رحبت. لذلك ارتبط الجهاد بالهجرة في عديد من الآيات ا لقرآنية، (والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله). فالأمة واحدة، والعدوان عليها واحد، والعرب الأفغان يجاهدون في أفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفو ولبنان وفلسطين وفى أي أرض إسلامية يقع عليها العدوان. فالإسلام أممي لا يعترف بحدود الدولة الوطنية أو ا لقومية، رابطة الأخوة الإسلامية. ووحدة العقيدة دليل على وحدة الأمة.
ويتطلب الجهاد الجمع بين الإيمان والهجرة، فالايمان بداية، والهجرة طريق، والجهاد نهاية، (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض). وهو عمل جماعي لإيواء المجاهدين ونصرتهم والجهاد معهم بالنفس والمال (والذين آمنوا من بعدُ وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم). وهم أعظم درجة عند الله.
والإيمان والهجرة والجهاد، كل ذلك يتطلب الصبر والتخطيط على الأمد الطويل. وقد يفتن الإنسان في جهاده ويضعف استجداء للحق ثم يندم فإن الله غفور رحيم. (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم).
والجهاد فقط ليس أمراً من الله للرسول وللمؤمنين، وليس فقط حقيقة تاريخية وممارسات في الماضي بل هو أيضا فعل مستمر في الحاضر، يضم الإيمان والجهاد، (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله). الجهاد حركة مستمرة من أول الخلق حتى نهايته، من البداية إلى النهاية، من الخلق إلى البعث.
والجهاد لا يقتضي القسم بجهد الإيمان بل يتطلب فعل الإيمان وليس قوله، الجهاد بالفعل وليس بالوعد، في الحاضر وليس في المستقبل. في هذه الحالة يكون الإيمان "جهداً" لا جهاداً، أي مجرد إعلان نوايا وليس تحقيق أفعال، (ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم). يكون الجهاد مجرد وعد بالإيمان دون تحقيقه، (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنون بها). والقسم عن غير علم جهل مثل القسم على عدم البعث بعد الموت (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت). والقسم دليل على سوء النية لأن الإيمان لا يحتاج إلى قسم بل إلى فعل (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن). القسم كلام بلا فعل، وعد بلا تحقق، إعلان بلا التزام، (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم).
ونقيض الجهاد الاستئذان والقعود والتخلف والنكوص، (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا) فالاستئذان بعدم الجهاد تناقض بين الإيمان والجهاد. فالجهاد من متطلبات الإيمان، والإيمان بلا جهاد كالإيمان بلا عمل، والقول بلا فعل والنية بلا تحقق وهي سمة المنافقين والتخلف ليس فرحاً بل هو حزن ونكوص (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا)، فالرسول قدوة، والقدوة يؤتمّ بها.
والجهاد لا يقتضي خوف اللائمين وحسد الحاسدين وشماتة الشامتين (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم). الجهاد صدق النية وإخلاص القصد، والتوجه إلى الله، غاية الغايات، وقصد المقاصد.
لذلك لا يستوي القاعدون مع المجاهدين، (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) الخائفين على عرض الدنيا، (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة)، (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيماً).
صحيح أن مداد العلماء مثل دماء الشهداء ولكن تظل لدماء الشهيد الأولوية المطلقة على مداد العلماء. الدماء تروي الأرض والمداد يجف على الأوراق. والدماء دورة الحياة الأبدية في حين تبلى الأوراق.
3- معاني الجهاد في السنة النبوية:
قد أفرد البخاري في الجزء الرابع من صحيحه باباً في "فضل الجهاد والسير". ويبدؤه بالآية الكريمة: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به). ويتداخل الباب مع الدعوة إلى الإسلام شرقاً وغرباً لكسرى وقيصر، ودخول الإسلام بالبيعة على الإسلام والجهاد.
نحن الذين بايعوا محمدا
على الجهاد ما حيينا أبدا
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليهم:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة
فاغفر للأنصار والمهاجرة
فالجهاد ليس فقط عقيدة بل شريعة، وليس فقط امراً واجباً بل سيرة متحققة فى التاريخ، الجهاد والمجاهدون، النظر والعمل، الأمر والتحقق.
قد تشير بعض الأحاديث إلى أن أفضل الأعمال الصلاة علي ميقاتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد فى سبيل الله. وهذا لا يعني تأخير الجهاد إلى الدرجة الثالثة، فالكل جهاد، الصلاة في وقتها وبر الوالدين جهاد بالوقت وجهاد بالعمل والنفس. وكذلك إذا روي "أفضل الجهاد حج مبرور، فالحج جهاد بالوقت والجهد والمشقة".
وقد يكون الحج جهادا لما بينهما من قرينة الجهد والنصب "نعم الجهاد الحج" خاصة للنساء، مع ذلك تخرج النساء مع الرجال للقتال، لري العطشى ومداواة الجرحى كما كانت تفعل نساء الرسول وأمهات المؤمنين، ويحملن القتلى إلى دورهم. كما أن المجاهد مثل الصائم، جهاد النفس وجهاد العدو. ومع ذلك فقد آثر بعض الصحابة الغزو على الصوم (من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان دخل الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) فالجهاد بالأعمال، أعمال الصلاة والصوم.
ويروي في نفس الوقت أنه لا يوجد عمل يعدل الجهاد ( لغزوة فى سبيل الله أو روحة خيرمن الدنيا وما فيها).
ويتمنى الشهيد أن يعود إلى الدنيا حتى يقاتل ويستشهد مرة أخرى، "ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وان له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى"، "والجهاد فى المكان دون الهجرة. الجهاد فى الأرض في الوقت، "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد نية وإذا استنفرتم فانفروا". والدنيا رباط وجهاد. والأمة في رباط إلى يوم القيامة، "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا، وما عليها. والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها"، الجهاد تثبت بالأرض ودرء للعدوان، والدفاع عن الحرمات.
والصبر عند القتال، (إذا لقيتم فاصبروا). والصمود وقت الزحف. والنفس الطويل ينتصر على النفس القصير. والزمان والتاريخ مع المجاهدين. كانت حروب "إسرائيل" باستمرار خاطفة. والآن انتفاضة الاستقلال تطول وتصبر وتصمد فى حرب المخيمات ونضال المجاهدين. ولايعنى وجود ضعاف فى الأمة نكوصا عن القتال. فالقتال دفاعاً عن الحرمات (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) القتال دفاع عن النفس ضد العدوان وحماية للضعفاء الذين لا يستطيعون القتال، كالأطفال والنساء والشيوخ والمرضى.
والقتال من أجل الحق وليس من أجل العدوان والغنيمة والسلب والنهب "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ويعني ذلك الانتصار للحق ومواجهة الظلم دفاعا عن الحرية والمساواة ضد الاستعلاء والاستكبار. الجهاد لدرء العدوان. والقتال مفروض على المسلمين، "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية. فإذا لقيتموهم فاصبروا". لذلك كتب القتال على المسلمين وهو كره لهم لما فيه من نصب. الجهاد للدفاع وليس للعدوان، لدرء المخاطر وليس لتهديد أحد.
والنصر بالرعب، "نصرت بالرعب". فلا يوجد عدو لا يقهر. والرعب فى قلب العدو رعب الظلم والعدوان على الأبرياء. لذلك يفر العدو عند اللقاء أو يرفض النزال لأنه يعلم أنه مغتصب لأرض.
والحرب خدعة، الحرب فن الانتصار. ويتحقق النصر بعدة طرق وليس بالمواجهة المباشرة فقط، وفن خداع العدو من الفنون العسكرية.
ويحرم قتل النساء والصبيان في الحرب أو حرق الدور والنخيل في حين أنه يجوز قتل العدو المحارب، فللحرب آدابها. وللقتال قواعده. ولا يكون القتال إلا مع المقاتلين الغادرين حتى يتكافأ الخصمان.
وكان المسلمون يقرأون في الحرب (سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر). فالشعر والقرآن تقوية للروح المعنوية، ويمثلان الوجدان العربي قبل الإسلام وبعده.
ولا يجوز ربط الأسير أو تجويع الأبرياء أو ترك المرضى يموتون والجرحى ينزفون "فكوا العاني، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض". فللحرب آدابها ولا نزال إلا بين المقاتلين.
ويقاتل عن أهل الذمة ويدافع عنهم. ولا يجوز استرقاقهم ويوفي لهم. فللكنائس والمعابد حرماتها ومن احتمى بكنيسة أو معبد فله الحماية.
والجهاد بالنفس وبالمال. الجهاد بالمال تجهيز المجاهدين والعناية بأسر الشهداء، "من جهز غازياً فى سبيل الله فقد غزا". ومن احتبس فرساً فى سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله فى ميزانه يوم القيامة. وفرس اليوم هو الطائرة والدبابة والمصفحة والصاروخ والمدفع والبارجة، البذل فيها والعطاء لها موزون لصاحبه يوم القيامة.
ويطلب الولد للجهاد كما طلب داود. وللطليعة الفضل فى الجهاد، فالسابقون السابقون. وكان الرسول يتعوذ من الجبن والكسل والعجز والضعف.
والمجاهد فى سبيل الله يركب البحر كما تركب الملوك على الأسرة. وأول جيش من الأمة يغزو البحر فله أجر السبق، "أول جيش من أمتى يغزون البحر قد أوجبوا". و"أول جيش للأمة يغزو الروم فله السبق أيضاً"، "أول جيش من أمتى يغزو مدينة قيصرمغفور لهم".
والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة. والخيل الآن هي المصفحة والدبابة والطائرة والصاروخ. كانت الخيل هي السلاح الرئيسي عند القدماء. لذلك كثرت الأحاديث فيه. والآن تنوع السلاح في البر والبحر والجو بل وفي الفضاء.
واليهود ضمن أعداء الأمة، وهم اليهود الذين يخونون ا لعهد، وينقضون ا لوعد، ويضمرون العدوان. هم أشبه بصهاينة اليوم. وهم في عداء للمسلمين، والمسلمون في قتال معهم إلى يوم القيامة، "تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر يقول يا عبدالله هذا يهودي ورائي فاقتله". ولا تقوم الساعة قبل أن يحدث ذلك، فينتصر المسلمون على اليهود. وعلى المسلمين إجلاء اليهود عن اراضي العرب درءاً للعدوان والغدر ومنعاً لوجود بؤرة استيطانية تتوسع فيما بعد حتى تشمل أراضي العرب. ويظل اليهود كارهين للعرب، فقد تحولت النبوة منهم إليهم (أي إلى العرب)، وغضب الله عليهم وحكم عليهم بالتيه، فإما أن يسلموا واما أن يغادروا، "انطلقوا إلى يهود.. اسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، واني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله". وكان الرسول يكبِّر في حروبه مع اليهود "الله أكبر، خربت خيبر"، وقد حاول اليهود سمّ الرسول: فإن كان كاذباً يستريحون وان كان نبياً فلن يضره السم.
ويعدد النبي ست مراحل مستقبلية حتى يوم الساعة. الأولى موته حتى فتح بيت المقدس. فبيت المقدس فتح للمسلمين. والثانية والثالثة موتتان ويصبح المسلمون كالغنم وربما هما الغزوتان غزوة الصليبيين والاستعمار الحديث من الغرب والتتار والمغول من الشرق. والرابعة وفرة المال حتى ليعطى الرجل مائة دينار ويظل ساخطاً وربما هي فترة النفط وثروة النفط وعوائد النفط. والخامسة فتنة لا تترك بيتاً للعرب إلا دخلته. وهو حال العرب الآن من التفكيك والضعف والحروب الأهلية فى لبنان والجزائر أو الحروب بين العرب والمسلمين مثل حربي الخليج الأولى والثانية. والسادسة هـدنة بين العرب وبني الأصفر الذين يغدرون بالعرب، ويأتونهم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا. وهو حال العرب الذين صالحوا "إسرائيل"، وعقدوا معاهدات "سلام" معها، وغدرها بالعرب في فلسطين بعد أسلو ومدريد، وحصار المدن والمخيمات بمئات من الدبابات والمصفحات، والقضاء على السلطة الوطنية المنتخبة. ومن أعداء الأمة قوم ينتعلون نعال الشعر، عراض الوجوه، صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، وهم أقرب إلىالآريين والى الغربيين الرومان أو الشرقيين التتار والمغول. "إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً ينتعلون نعال الشعر.. وأن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة".وأحيانا يعينون بالترك.
لقد نشأ الإسلام وسط الإمبراطوريتين القديمتين، الروم غرباً وا لفرس شرقاً. وورثهما المسلمون، فلا قيصر غرباً ولا كسرى شرقاًَ.. فالإسلام هو القوة البازغة في نظام العالم القديم "هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن ثم لا يكون قيصر بعده ولتقسمن كنوزهما في سبيل الله". وهو كذلك أيضا في نظام العالم الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية في الشرق وبداية التفسخ في المجتمع الرأسمالي الغربي ومعارضة الشعوب للعولمة ورموزها مثل منظمة التجارة العالمية، ومجموعة الثمانية، واتفاقية "الجات"، والمجمع الصناعي العسكري، والشركات المتعددة الجنسيات، واقتصاد السوق.
وللمجاهد الشهيد الجنة إن لم يرجع سليما مع أجر أو غنيمة. الجهاد بمقاييس الدنيا أخذ وعطاء، فوز وتضحية، غنم وغرم، وبمقاييس الآخرة غنم وفوز. وللمجاهدين فى الجنة درجات تبلغ المائة، ما بين درجة وأخرى كما ما بين السماء والأرض. أوسطها الفردوس، وأعلاها فوق ا لعرش، ومنه تتفجر الأنهار. دار الشهداء أحسن الدور. ويأتي الشهيد يوم القيامة اللون لون الدم، والرائحة ريح المسك. والشهادة تغفر الذنوب. والتضحية بالنفس تجب كل شيء، "ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار" فتمسه و"الجنة تحت ظلال السيوف". وظل الملائكة على الشهيد "ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها تباركه وتحييه وتسعده".
4- معاني الجهاد عند الفقهاء
ويعتبر ابن المبارك أنما الجهاد تطبيق لمبدأ وحدة القول والعمل، "يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون". فالجهاد عمل لتحقيق القول، والقول إعلان عن الإيمان فى الشهادة، "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم". والجنة في مقابل الشهادة: (إنما الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة).
والشهادة تعبير عن صدق الإيمان، (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا). وهي استباق للخير، (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض). وهي النفير للحق والقيام دفاعاً عنه، (انفروا خفافاً وثقالاً)، (والسابقون السابقون). والشهادة منافسة وتسابق وتسارع لنيل الخير. ومن يقاتل مع النبي فهو رباني مثله، (وكأي من نبي قاتل معه رَبَّيُّون كثيرٌ).
والشهيد مثل القائم الصائم الخاشع الراكع الساجد. فالشهادة عبادة، وركن من أركان الإسلام. المجاهد فى سبيل الله كالصائم القائم بآيات الليل وآناء النهار. فالشهادة ركن من أركان الإسلام تعادل كل ركن وتفضلها جميعاً. (رباط يوم وليلة كصيام شهر وقيامه). المجاهد للعدو في ساحة الوغى مثل المجاهد نفسه بالصلاة والصيام والزكاة، "يوشك أن يأتي على الناس زمان خير الناس فيه منزلا، رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعة استوى على فرسه ثم طلب الموت مظانة، ورجل في غنيمة في شعب من هذه الشعاب، كسقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويعتزل الناس إلا من خير حتى يأتيه الموت).
ولا يوجد فضل يعادل الشهادة، (والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم). فالتضحية بالنفس أغلى من التضحية بالوقت والشبع والمال والجهد. هي التضحية الشاملة، "لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمه الجهاد في سبيل الله" فهي رهبانية الخارج وليست رهبانية الداخل، في العالم وليست مع النفس، و"سياحة الأمة الجهاد فى سبيل الله ". فالجهاد سعي فى الأرض، وانتشار فى العالم.
والشهداء أمناء الله، قتلوا أو ماتوا على فراشهم، سقطوا فى المعركة أم قضى نحبهم من جراحهم. فالشهادة نية وفعل، قصد وتحقيق.
والأمة فى رباط إلى يوم القيامة "إن الله بعثني بالسيف بين يدى الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالفني، ومن تشبه بقوم فهو منهم". فالأمة حاملة للرسالة، والرسالة أمانة فى الأرض. والتدافع قانون تاريخي. ومن ثم تظل الأمة إلى يوم الدين حاملة لهذه الأمانة.
والشهداء على ثلاث درجات. الأول الشهيد الممتحن وهو المؤمن المجاهد بنفسه وماله وفي خيمة الله تحت عرشه، ولا يفضله إلا النبي، والثاني الشهيد الذى كفّر عن ذنوبه بشهادته، فالسيف ممحاة للخطايا. والثالث الشهيد المنافق وهو أقل الدرجات لأن السيف لا يمحو النفاق. فالشهادة صدق فى البداية وصدق فى النهاية.
وأول من يحبهم الله "رجل كان في فئة أو سرية فانكشف أصحابه فنصب نفسه ونحره حتى قتل" فهو شهيد مرتين مرة لأنه ضحى بنفسه ومرة لأنه أحيا الآخرين. الشهيد من سد الثغرة وحمى الرفاق، وضحى بالنفس فى سبيل المجاهدين. "وأفضل الشهداء عند الله الذين يلقون في الصف فلا يلتفتون وجوههم حتى يقتلوا"،، أي المجاهد الذي يخلص فى القتال، ويواجه العدو دون تردد، الإقدام دون الإحجام واليقين فى المواجهة، والتركيز على العدو.
وأفضل جهاد "من عقر جواده وأهريق دمه" أي من فقد سلاحه وداهمه العدو. فالجهاد قوة إرادة أكثر من كثرة السلاح، ويقاتل الفلسطينيون بسلاح أقل وإرادة أشد عدوا بسلاح أكثر وارادة أضعف. "يوم في سبيل الله خير من القيام فيما سواه". فالزمان تاريخ، وا لعمر خلود المجاهد مصب التاريخ ومحرك الزمان ومغير الأحوال، ومبدل الأمم والشعوب.
والشهداء أربعة، مؤمن لاقى العدو حتى قتل، ومؤمن أقل إيمانا أتاه سهم فقتل. ومؤمن خلط عمل صالحاً بعمل طالح ومسرف على نفسه قاتل فقتل، والكل شهيد ولكن على درجات متفاوتة. أفضلها الإيمان والفعل وأقلها الفعل حتى وان ضعف الإيمان والشهادة عمل صالح لا يختلط بعمل أقل صلاحاً. الجهاد قصد وغاية الاستشهاد نية وفتح وليس مجرد إسراف في القتل، قتل النفس أو قتل الآخر.
وخيرالناس منزلاً من امتطى فرسه فى سبيل الله فجاهد حتى قتل ثم أمرؤ اعتزل يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، يعتزل شؤون الناس، فالجهاد في العالم له الأولوية على الجهاد فى النفس. "الجهاد لمن جاهد نفسه بنفسه".
والجهاد في بقاع الأرض بالشام والعراق واليمن. وخير الجهاد فى الشام فإنه جهاد الأنبياء، "إنكم ستجندون أجنادا، جنداً بالشام، وجندا بالعراق، وجندا باليمن وعليك بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه ويستقِ بغدره فإن الله عز وجل تكفل لي بالشام وأهلها". وفلسطين جزء من الشام والمدخل إليه. فالجهاد فى فلسطين لإزاحة الاحتلال الصهيوني والحصار على شعب العراق مثل الجهاد فى الشام. وفي اليمن خير وبركة، فالحكمة يمانية. الشام أرض الأنبياء، والمدخل الشرقي لمصر وأمنها القومي، وقد زرعت "إسرائبل" بالشام لفصل المشرق العربي عن المغرب العربي وتهديد مصر.
والغزو في البر والبحر. بل إن القتال في البحر خير من القتال فى البر. وشهيد البحر له أجران مثل شهيد البر. ومن ثم كان الدفاع عن البحر الأحمر كأمن قومي عربي جهادا في سبيل الله. والدفاع عن سواحل الشام والخليج ضد القواعد الأجنبية جهادا فى سبيل الله. "من لم يدرك معي فليفز في البحر فإن قتال يوم في البحر خير من قتال يومين في البر. وان أجر الشهيد فى البحركأجر شهيدين في البر وإن خيارالشهداء عند الله عز وجل أصحاب الأكف، قوم تكفأ عليهم مراكبهم في البحر" لذلك عبر المسلمون أفريقيا إلى الأندلس ركوباً للبحر وفتحوا جزر البحر الأبيض المتوسط قبرص وكريت ومالطة عبر البحر. وانطلقت دولة الخلافة إلى أوروبا الشرقية عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور. وانطلق المسلمون شرقاً عبر خليج فارس وبحر العرب حتى ماليزيا وإندونيسيا والفليبين ومن يركب الناقة قادر على أن يركب الفلك وامتداد الصحراء في الأفق مثل امتداد المحيطات، ولا نهاية اليابس لا تختلف عن لا نهائية الماء، ومن فاته الغزو في البر مع الرسول فإنه في البحر مع الأمة.
والغزو في البر والبحر لا تراجح فيه، ولا انحسار للفتوحات فالأرض التي يبلغها الإسلام تظل كذلك إلى يوم الدين، "إنكم ستجندون أجناداً، وتكون لكم ذمة وخراج، ، يكون لكم على سيف البحر مدائن وقصور. فمن أدرك ذلك فاستطاع أن يحس نفسه في مدينة من تلك المدائن أو قصر من تلك القصور حتى يموت فليفعل".
والشهيد أول من يدخل الجنة قبل العبد المملوك والعفيف المتعفف. فهو أول المستحقين. والاستحقاق بالحياة له الأولوية على الاستحقاق بالفعل. والكل يسبق الجزء. فالشهيد في أعلى عليين. "ومن رمى بسهم فبلغه فله درجة في الجنة". الشهادة نضال في الأرض وفوز في السماء، تحقيق قصد في الأرض ونيل فوز في السماء.
وثلاثة عيون لا تحرقها النار أبداً العين الباكية من خشية الله، والعين الساهرة مع كتاب الله، والعين الحارسة للمجاهد فى سبيل الله.
وأجرالمجاهد على الله قد يسلب منه الحق في الأرض وقد يناله بعض السوء من طغيان الحكام. ومع ذلك هو في زمرة الأنبياء والرسل، "إنه سيكون في أمتي قوم يسد بهم الثغور، تؤخذ منهم الحقوق، ولا يعطون حقوقهم، أولئك مني وأنا منهم، أولئك مني وأنا منهم.
وأفضل الشهداء تدركهم الشهادة وهم في رباط مثل شهداء المقاومة الفلسطينية، يبعث الله عز وجل يوم القيامة أقواماً يمرون على الصراط كهيئة الريح ليس عليهم حساب ولا عذاب.. أقوام يدركهم موتهم في الرباط".
والشهادة عمل مستمر حتى يوم القيامة، عمل يولد أعمالاً صالحة. الشهادة حياة مستمرة في الأرض وفي السماء، وفي الأوطان وفي الجنان، "كل ميت يختم على عمله إلا الذي يموت في سبيل الله فإنه يجري عليه أجر عمله حتى يبعث".
5- عاني الجهاد عند بعض المصلحين
وتبدأ معاني الجهاد عند المصلحين من القرآن والسنة والفقه بالإضافة إلى ظروف العصر وتحدياته والقدرة على الخروج من المنهج النصي إلى المنهج الاجتماعى. فالجهاد ليس فقط أمراً شرعياً بل هو أيضأ حركة اجتماعية، تبدأ من الفرد وتمتد إلى الجماعة، ثم تتحول إلى حركة تاريخية.
فأقرب الكتابات الإصلاحية إلى الكتاب والسنة والفقه القديم هو رسالة "الجهاد فى سبيل الله للإمام الشهيد حسن البنا إذ يبين أولا أن الجهاد ركن من أركان الإسلام، وفريضة على كل مسلم ومسلمة. ثم يذكرنا- ثانيا بعض آيات الجهاد فى الكتاب ليس عن طريق تحليل الألفاظ، لفظ "الجهاد" بل عن طريق معانيه مثل القتال والغزو والاستعداد والتخلف عن القتال والجهاد بالنفس والمال ثم الفوز فى الآخرة، فالجهاد فرض، (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)، ومع ذلك فعسى أن نكره شيئاً وهو خير لنا. وعسى أن نحب شيئا وهو شر لنا. فالقتال في الظاهر ألم وفراق وجهد ومشقة واستشهاد، وهو في الباطن فرح ونعيم وسعادة وفوز أبدي. ويظن القاعدون والمخلفون والمنافقون أن التخلف عن الجهاد منجاة من الموت، والموت حكم عام على البشر جميعاً، القاعدين والمجاهدين، "يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزًى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم والله يحيى ويميت". فالمجاهد هو الذي اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، وقاتل فى سبيل الله فيؤتيه أجرا عظيماً. الجهاد أمر شرعي بالاستعداد لملاقاة العدو، إرهاب عدو الله. وهو أمر بتحريض النبي المؤمنين على القتال، والقلة الصابرة تغلب الكثرة الباغية. وقتال البغاة جزء من عذاب الله لهم بأيدي المؤمنين. والجهاد استنفار لبذل المال والنفس، "انفروا خفافاً وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون". اما المخلفون فإنهم يخشون القتال لما به من نصيب وجهد ومشقة في الحر. والقاعد أول مرة لن يجاهد ثاني مرة. فالجهاد طواعية لا جبراً، وحرية لا قسراً، يرتعشون من سورة القتال بعد نزولها.
ويقاتل المسلم استعداداً لردع العدوان وحماية للأمة لأن الإسلام رسالة هداية وعدل. فإذا ما طلب العدو السلم استجيب له، (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله) والقصد من الجهاد إعلاء كلمة الله وليس الجاه وحب الظهور والطمع في الغنيمة والغلبة، (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
وبالرغم من القتال إلا أن الرحمة واردة في الجهاد. إذ يحرم الاعتداء، (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) والعدل عام ينطبق على الناس جميعاً أقرباء وأباعد، (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى)، فالغزو باسم الله دون غل أو غدر أو تمثيل أو قتل للأطفال والنساء والشيوخ، "اغزوا باسم الله في سبيل الله فاقتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلو ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا". ولا يتطلب القتال تشويه الوجه والتمثيل بالجثة، "إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه". وإن من الجهاد أيضا قول الحق في وجه إمام جائر، "إن من اعظم الجهاد كلمه حق عند سلطان جائر". فالجهاد ضد الطغيان في الداخل الخارج.
ويبين المودودى في رسالته "الجهاد في سبيل الله" خط ترجمة الغربيين لها بلفظ holly war أي الحرب المقدسة أسوة بما كانت تقوم به الكنيسة في الغرب. وذلك مثل خطأ الغرب في اعتبار الإسلام نحلة religion والأمة دولة وطنية nation وحقيقة الجهاد من طبيعة الإسلام باعتباره فكرة انقلابية ومنهجاً انقلابياً، تعيد بناء المجتمع بأسره على أساس من الحرية والمساواة تحت شعار"لا إله إلا الله" وهذا يتطلب الجهاد. وهو يعادل لفظة struggle بالإنجليزية. وهو جهاد فى سبيل الله، وابتغاء وجه الله ضد الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت، (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت). الجهاد في سبيل الله جهاد في سبيل الحرية والمساواة ضد العدو والإفساد في الأرض، (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين). ودعوة الإسلام الانقلابية تقتضي ألا تكون العبودية إلا لله، (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله). فالإسلام دعوة إلى انقلاب عالمي شامل وتطبيق للحاكمية، (إن الحكم إلا لله)، ضد الملوك والطغاة. (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون). الجهاد إذن هو الوسيلة لتحقيق الحاكمية، وتحويل العقيدة إلى شريعة، نظام العدل في مواجهة نظام الظلم.
ولا تجوز قسمة الجهاد إلى هجومي offensive ودفاعي defensive فالدفاع اعتذار، إنما الإسلام بطبيعته حركة تحرر في التاريخ يقلب نظم البغي والطغيان. فالإسلام والجور نقيضان. والحرية والقهر لا يلتقيان. ولا خوف على حقوق أهل الذمة في الإسلام فقد جمعته المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات مع المسلمين. إنما يناهض الجهاد قوى الطغيان. وهما بلغة العصر الاستعمار والاستغلال.
ويأخذ سيد قطب في رسالته، (الجهاد في سبيل الله) نفس الاتجاه التحرري معتمداً على الكتابات السلفية لابن القيم وتقسيم المجتمعات غير الإسلامية إلى أهل صلح وهدنة وأهل حرب وأهل ذمة. لا يقاتل أهل العهد إلا بعد خرقهم له وإعلامهم بذلك. وأهل الذمة جزء من الأمة. أما أهل الحرب فهم الذين يقاتلون الذين نزلت فيهم سورة "براءة" وهذا يدل على أن الإسلام يتسم بالواقعية الجدية، والواقعية الحركية، والحركة الدائبة، والضبط ا لتشريعي لعلاقة المجتمعات بعضها بالبعض. الجهاد ضد الاستكبار في الأرض والقوى السياسية التي تقوم عليه. ولا فرق بين دفاع وهجوم كما هو الحال عند المودودي. والإسلام إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من عبودية العباد إلى عبودية الله (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)، وهو ليس الحكم الثيوقراطي المعروف في الغرب بل حكم الشريعة. القتال إذن لدرء العدوان والدفاع عن الحرية، (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله). فالقتال للبغاة، (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم). والجهاد ضد البغاة ومن يساعدونهم، (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة). لقد أخطأ المستشرقون عندما تصوروا أن الإسلام انتشر بالسيف للإكراه على العقيدة مع أن تحرر البشر حركة طبيعية لا تحتاج إلى سيف. السيف للبغي والظلم والعدوان وهو مضاد لطبيعة البشر.
----------------------------
المصدر :الجهاد في التراث الاسلامي

Heba Khled
08-31-2011, 04:51 AM
الجهاد في التراث الإسلامي
د. حسن حنفي

1- الجهاد من أركان الإسلام
في هذا الوقت الذي تتم فيه التضحية بشعب فلسطين على مذبحة الكيان الصهيوني وشهادة العرب والمسلمين جميعاً، في الوقت الذي يقف فيه شعب فلسطين بمفرده يدافع عن كيانه ووجوده وأرضه ومستقبله، في الوقت الذي تتصدى فيه المقاومة الفلسطينية للعدوان الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية، نصفها في 1948 ونصفها الآخر عاو 2002 يصدر العرب البيانات ويصوغون المبادرات ويطلقون الشعارات ويعقدون الاجتماعات وتتكرر مأساة حصار بيروت في 1982 في حصار مدن الضفة الغربية. في كلتا الحالتين وقفت الأنظمة العربية تستنكر وتشجب وتدين والدماء تسيل. والجرحى يموتون والشهداء يتساقطون والبيوت تدمر والكل يستنجد بالغير لا بنفسه، والكل يستصرخ الآخرين، الضمير العالمي والأمم المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي بل الكل يتوسل إلى الجلاد كي يرحم الضحية.
وماذا يفعل المفكر العربي إلا أن يستصرخ أيضاً، يشحذ الهمة ويشارك انتفاضة الشارع العربي بالكتابة. ويستنصر تراث الأمة وتاريخها وثقافتها لعله يجد في الجهاد والشهادة ما يقوى به المناضلون في فلسطين، يواسي الجرحى ويعزي بالحياة الأبدية، وبالخلاص القريب، وهو هروب إلى الماضي وعجز عن مواجهة الحاضر فما زال الشهيد هو بارقة الأمل الباقية بالرغم من آلام الفراق وعذاب الضمير وفي هذا الإطار وفي هذا الوضع النفسي تتم كتابة الجهاد في التراث الإسلامي، بيان أنه ركن من أركان الإسلام أولاً، وتحليل معاني الجهاد في القرآن الكريم ثانياً وفي السنة النبوية ثالثاً، وفي التراث الفقهي رابعاً، وعند المصلحين المحدثين تماماً ولعل في ذلك بعض العزاء للنفس والآخرين.
الجهاد ركن من أركان الإسلام وهو عند بعض الفقهاء الركن السادس وعند آخرين الركن الأول لأن الأركان الخمسة الأولى تقوم عليه، فالشهادة فعلان من أفعال الشعور "لا إله" ثم "إلا الله" الأول للرفض والنفي، نفي الآلهة المزيفة للعصر، الثروة والجاه والشهرة والمرأة والترف ومباهج الحياة. والثاني قبول ورضى أن يتساوى جميع البشر أمام إله واحد، لا ظالم ولا مظلوم، لا قوي ولا ضعيف ولا غني ولا فقير بل الكل متساوون بفعل الخلق. وهي شهادة أي رؤية وإعلان بالقول والعمل، بالفكر والوجدان. فالساكت عن الحق شيطان أخرس، (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه). وهي شهادة حق وليست شهادة زور. وهي التزام بقضايا العصر وقبول للتحديات، والعمل في سبيل تقدمه ورفعته.
والصلاة جهاد في الزمان، وحفاظ على الوقت وقيام وقعود بالبدن وحياة الفضيلة، وحب الخير للناس، وعمل فردي وجماعي، وتضامن اجتماعي، فالصلاة أحد أنواع الجهاد، جهاد النفس ومقاومة الكسل والدعة والخمول، والحرص على الوعي اليقظ. واستبعاد الوعي الخامل.
والزكاة جهاد بالمال، وتزكية وتطهير للنفس بالبذل والعطاء، وحق الآخر في مال النفس، ورفض الاكتناز، والعمل على سيولة رأس المال حتى لا يدور في حفنة من الأشخاص. وهو استثمار جماعي لقضاء حاجات الآخرين وإيجاد فرصة عمل للعاطلين ( والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم).
والصيام جهاد للنفس، وتقوية للإرادة، وسيطرة على الرغبات والإنفعالات والأهواء. هو إحساس بفقر الفقراء، وجوع الجوعى، وحاجة المحتاجين (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً). الصيام صلة بالله كما أن الجهاد عَوْدٌ إليه.
والحج جهاد سنوي للعمل الجماعي، والتذكير بمصالح الأمة. والاجتماع العلني لكل الناس في مساواة تامة امام الحق ولإعلان البراءة من البطالة، وتحديد من هم أعداء الأمة ومن هم أصدقاؤها؟ أين معاركها وما امكانياتها؟ إلى أي مدى وصل إحساس المسلمين بالأمانة والخلافة في الأرض وتعميرها؟ الحج سفر وجهد ومشقة، وسعي وطواف كما أن الجهاد سفر للأعداء ومقاومة للعدوان، وسعي وطواف في ساحة القتال.
لذلك لا يساوي أي ركن من أركان الإسلام حتى لو كان الحج ركن الجهاد (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله).
فالجهاد هو كل شيء في الإسلام له أشكال عديدة يقوم على شحذ الطاقة، وبذل الوسع، وإفراغ الجهد. وهو المعنى الاشتقاقي للفظ "جهد" قبل أن يتحول إلى جاهد "جاهد" أي "قاوم" و "اجتهد" أي بذل الجهد في الفهم والمعرفة. فالاجتهاد مصدر رابع للتشريع بعد القران والسنة والاجماع
ونظراً لأهمية "الجهاد في سبيل الله" في حياة المسلمين المعاصرين بعد أن أطبق عليهم الاستعمار وأثناء ضعف دولة الخلافة ثم هزيمتها في الحرب العالمية الأولى قبل القضاء عليها كلياً في 1926 بعد الثورة الكمالية في تركيا في 1923 بدأ المصلحون يؤكدون دور الجهاد في سبيل الله ضد محاولات العصور المتأخرة في النيل من أهميته واستبعاده. فقد انتهى عصر الفتوحات، ولم يبقَ إلا جهاد النفس كما يفعل الصوفية. وتم الترويج للحديث الذى يشكك فى رواية معظم المصلحين. "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". وكتب كل من أبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب رسالة في "الجهاد فى سبيل الله" لتصحيح الصورة، ورد الاعتبار للجهاد ضد الاستعمار والاحتلال والصهيونية باعتبارها استعمارا استيطانياً.
ويرتبط بمفهوم الجهاد مفهوم الشهادة، ومفهوم الحياة، فالجهاد بداية والشهادة نهاية. والشهادة تبدأ بالوعي بالعصر وبالزمن أي الوعي بالحق. فالله يشهد وهو خير الشاهدين، والإنسان يشهد، والحواس تشهد. الشهادة تعنى النطق بالحق، المعاصرة والإعلان دون الكتمان، الشهادة على النفس دون شهادة الزور. والشهادة تدوين للتاريخ، وسجل للحوادث، والشهيد والشاهد من نفس الفعل. الشهيد، يشهد بالفعل، والشاهد يشهد بالقول. وكلاهما إعلان. الشهيد إعلان عملي والشاهد إعلان نظري. والشهداء مع النبيين والصديقين (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين). فالأنبياء والشهداء يعرفون الحق النظري والعملي (وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بالحق وهم لا يظلمون). وكما أن الأنبياء والصالحين في فوز ونجاة كذلك الشهداء (والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم). والحي هو الذي يقاتل في سبيل الله، ويشتري حياة الآخرة بحياة الدنيا (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة). والشهيد حي لا يموت، آثر الحياة الأبدية على الحياة الظاهرة (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون). إنما هو ألم الفراق بالرغم من الفرح بالشهادة، وحزن الدم بالرغم من فرح العرس. (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون- فرحين بما آتاهم الله من فضله). وآخرون أحياء في الظاهر، موتى في الباطن لأنهم رضوا بالحياة الدنيا ومتاع الغرور. استسلموا لقوى الطغيان بالرغم من الاستنصار في الله وفى الدين وفي الوطن وفى الأخوة وفى العروبة، وآثروا الحكم على الشرف، والسلطة على الكرامة، والدنيا على الآخرة. هم (أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون).
وإذا كان الجهاد لا يكون فوق الطاقة لعدم جواز تكليف ما لا يطاق فإنه لايكون أيضاً أقل مما يستطيعه الإنسان، يؤثر عليه الآباء الأبناء والإخوان والأزواج وا لعشيرة والأموال والتجارة والمساكن؟ (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم والأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا). الجهاد لا يكون إلا في سبيل الله وابتغاء مرضاته. هو الجهاد الخالص الذي لا يهدف إلى شهرة إعلامية "إني شهيد يا رفاق".
وقد ورد لفظ، (جهد)، ومشتقاته في القرآن الكريم في صيغ اسمية. ويدل ذلك على أن الجهاد فعل أكثر منه شيئاً. وهو أولاً فعل أمر للرسول وللمؤمنين (يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم). والكفار هم قتلة الأنبياء الذين يعصون الحق ويتنكرون له مثل الصهاينة المعاصرين. والمنافقون الذين يقولون بأفواههم ما ليس بقلوبهم مثل الأمريكيين الذين يؤيدون الفلسطينيين باللسان ويدعمون الكيان الصهيوني بالأعمال. والكفار لا أمان لهم حتى ولو عرضوه، (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيرا). والأغلب هو أمر الجماعة بالجهاد أمراً مباشرا.
2- الجهاد في القرآن الكريم
والجهاد لفظاً هو بذل الوسع والجهد واستنفاد الطاقة من أجل تحقيق غاية بصرف النظر عن طبيعة هذه الغاية للحق أم للباطل. فقد يجاهد الآباء الأبناء دفعاً لهم نحو الشرك (وان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما....). وهي الحالة الوحيدة التي يجوز للأبناء فيها عصيان الآباء. والجهاد جزء من طبيعة الإنسان. والجهاد جهاد للنفس شحذاً لطاقاتها، أو تقوية لإرادتها، وإحياء لمقاصدها. والجهاد للذات قبل الموضوع، للنفس قبل العالم (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه. إن الله لغني عن العالمين). وهو ما لاحظه الشاعر الفيلسوف محمد إقبال، بأن الذات تتخلق بالمقاصد، وتحيى بالآمال، وتشعر بالجمال، وتدرك الحقائق وتتحد بحركة الكون والتاريخ. لذلك لا يكون الجهاد إلا قدر السعة والطاقة لعدم جواز تكليف ما لا يطاق. (والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم).
يبدأ الجهاد بالتقوى أي بالإيمان الصادق وإخلاص النية. وهو الطريق إلى الله، (اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا فى سبيله). والجهاد بالنفس وبالمال، بالشهادة بالعطاء (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله). وهو حكم عام لا استثناء فيه لوجاهة اجتماعية، ( وإذا أُنزِلت سورةٌ أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطولِ منهم). الجهاد في سبيل الله هو الجهاد الخالص الذي ينطلق من الإيمان العميق بالقضية، (وجاهدوا في الله حقّ جهاده).
والجهاد ليس فقط فعل أمر، مباشر للفرد والجماعة، للرسول وللمؤمنين لتحقيق ما يستحيل تحقيقه بل هو حقيقة تاريخية، وممارسة جماعية، قام بها السابقون. لذلك يأتي الفعل في صيغة الماضي أيضًا أكثر من صيغة الأمر تدعيماً للأمر الحاضر بفعل التاريخ وشهادة المجاهدين السابقين. فالجهاد تجربة ومحك واختيار للفوز والفلاح، ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)، (أم حسبتم أن تتركوا ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم). الجهاد ابتلاء (ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم).
ويتطلب الجهاد الإيمان بالقضية، فالجهاد عمل، والعمل جوهر الإيمان، ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم). وهو إيمان يقيني بلا ريب أو شك، يتحول تلقائيا إلى فعل جهادي، (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم).
وقد يتطلب الجهاد الهجرة في سبيل الله، فأرض الله واسعة، ولا تضيق على المؤمنين بما رحبت. لذلك ارتبط الجهاد بالهجرة في عديد من الآيات ا لقرآنية، (والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله). فالأمة واحدة، والعدوان عليها واحد، والعرب الأفغان يجاهدون في أفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفو ولبنان وفلسطين وفى أي أرض إسلامية يقع عليها العدوان. فالإسلام أممي لا يعترف بحدود الدولة الوطنية أو ا لقومية، رابطة الأخوة الإسلامية. ووحدة العقيدة دليل على وحدة الأمة.
ويتطلب الجهاد الجمع بين الإيمان والهجرة، فالايمان بداية، والهجرة طريق، والجهاد نهاية، (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض). وهو عمل جماعي لإيواء المجاهدين ونصرتهم والجهاد معهم بالنفس والمال (والذين آمنوا من بعدُ وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم). وهم أعظم درجة عند الله.
والإيمان والهجرة والجهاد، كل ذلك يتطلب الصبر والتخطيط على الأمد الطويل. وقد يفتن الإنسان في جهاده ويضعف استجداء للحق ثم يندم فإن الله غفور رحيم. (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم).
والجهاد فقط ليس أمراً من الله للرسول وللمؤمنين، وليس فقط حقيقة تاريخية وممارسات في الماضي بل هو أيضا فعل مستمر في الحاضر، يضم الإيمان والجهاد، (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله). الجهاد حركة مستمرة من أول الخلق حتى نهايته، من البداية إلى النهاية، من الخلق إلى البعث.
والجهاد لا يقتضي القسم بجهد الإيمان بل يتطلب فعل الإيمان وليس قوله، الجهاد بالفعل وليس بالوعد، في الحاضر وليس في المستقبل. في هذه الحالة يكون الإيمان "جهداً" لا جهاداً، أي مجرد إعلان نوايا وليس تحقيق أفعال، (ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم). يكون الجهاد مجرد وعد بالإيمان دون تحقيقه، (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنون بها). والقسم عن غير علم جهل مثل القسم على عدم البعث بعد الموت (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت). والقسم دليل على سوء النية لأن الإيمان لا يحتاج إلى قسم بل إلى فعل (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن). القسم كلام بلا فعل، وعد بلا تحقق، إعلان بلا التزام، (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم).
ونقيض الجهاد الاستئذان والقعود والتخلف والنكوص، (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا) فالاستئذان بعدم الجهاد تناقض بين الإيمان والجهاد. فالجهاد من متطلبات الإيمان، والإيمان بلا جهاد كالإيمان بلا عمل، والقول بلا فعل والنية بلا تحقق وهي سمة المنافقين والتخلف ليس فرحاً بل هو حزن ونكوص (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا)، فالرسول قدوة، والقدوة يؤتمّ بها.
والجهاد لا يقتضي خوف اللائمين وحسد الحاسدين وشماتة الشامتين (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم). الجهاد صدق النية وإخلاص القصد، والتوجه إلى الله، غاية الغايات، وقصد المقاصد.
لذلك لا يستوي القاعدون مع المجاهدين، (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) الخائفين على عرض الدنيا، (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة)، (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيماً).
صحيح أن مداد العلماء مثل دماء الشهداء ولكن تظل لدماء الشهيد الأولوية المطلقة على مداد العلماء. الدماء تروي الأرض والمداد يجف على الأوراق. والدماء دورة الحياة الأبدية في حين تبلى الأوراق.
3- معاني الجهاد في السنة النبوية:
قد أفرد البخاري في الجزء الرابع من صحيحه باباً في "فضل الجهاد والسير". ويبدؤه بالآية الكريمة: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به). ويتداخل الباب مع الدعوة إلى الإسلام شرقاً وغرباً لكسرى وقيصر، ودخول الإسلام بالبيعة على الإسلام والجهاد.
نحن الذين بايعوا محمدا
على الجهاد ما حيينا أبدا
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليهم:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة
فاغفر للأنصار والمهاجرة
فالجهاد ليس فقط عقيدة بل شريعة، وليس فقط امراً واجباً بل سيرة متحققة فى التاريخ، الجهاد والمجاهدون، النظر والعمل، الأمر والتحقق.
قد تشير بعض الأحاديث إلى أن أفضل الأعمال الصلاة علي ميقاتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد فى سبيل الله. وهذا لا يعني تأخير الجهاد إلى الدرجة الثالثة، فالكل جهاد، الصلاة في وقتها وبر الوالدين جهاد بالوقت وجهاد بالعمل والنفس. وكذلك إذا روي "أفضل الجهاد حج مبرور، فالحج جهاد بالوقت والجهد والمشقة".
وقد يكون الحج جهادا لما بينهما من قرينة الجهد والنصب "نعم الجهاد الحج" خاصة للنساء، مع ذلك تخرج النساء مع الرجال للقتال، لري العطشى ومداواة الجرحى كما كانت تفعل نساء الرسول وأمهات المؤمنين، ويحملن القتلى إلى دورهم. كما أن المجاهد مثل الصائم، جهاد النفس وجهاد العدو. ومع ذلك فقد آثر بعض الصحابة الغزو على الصوم (من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان دخل الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) فالجهاد بالأعمال، أعمال الصلاة والصوم.
ويروي في نفس الوقت أنه لا يوجد عمل يعدل الجهاد ( لغزوة فى سبيل الله أو روحة خيرمن الدنيا وما فيها).
ويتمنى الشهيد أن يعود إلى الدنيا حتى يقاتل ويستشهد مرة أخرى، "ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وان له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى"، "والجهاد فى المكان دون الهجرة. الجهاد فى الأرض في الوقت، "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد نية وإذا استنفرتم فانفروا". والدنيا رباط وجهاد. والأمة في رباط إلى يوم القيامة، "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا، وما عليها. والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها"، الجهاد تثبت بالأرض ودرء للعدوان، والدفاع عن الحرمات.
والصبر عند القتال، (إذا لقيتم فاصبروا). والصمود وقت الزحف. والنفس الطويل ينتصر على النفس القصير. والزمان والتاريخ مع المجاهدين. كانت حروب "إسرائيل" باستمرار خاطفة. والآن انتفاضة الاستقلال تطول وتصبر وتصمد فى حرب المخيمات ونضال المجاهدين. ولايعنى وجود ضعاف فى الأمة نكوصا عن القتال. فالقتال دفاعاً عن الحرمات (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) القتال دفاع عن النفس ضد العدوان وحماية للضعفاء الذين لا يستطيعون القتال، كالأطفال والنساء والشيوخ والمرضى.
والقتال من أجل الحق وليس من أجل العدوان والغنيمة والسلب والنهب "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ويعني ذلك الانتصار للحق ومواجهة الظلم دفاعا عن الحرية والمساواة ضد الاستعلاء والاستكبار. الجهاد لدرء العدوان. والقتال مفروض على المسلمين، "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية. فإذا لقيتموهم فاصبروا". لذلك كتب القتال على المسلمين وهو كره لهم لما فيه من نصب. الجهاد للدفاع وليس للعدوان، لدرء المخاطر وليس لتهديد أحد.
والنصر بالرعب، "نصرت بالرعب". فلا يوجد عدو لا يقهر. والرعب فى قلب العدو رعب الظلم والعدوان على الأبرياء. لذلك يفر العدو عند اللقاء أو يرفض النزال لأنه يعلم أنه مغتصب لأرض.
والحرب خدعة، الحرب فن الانتصار. ويتحقق النصر بعدة طرق وليس بالمواجهة المباشرة فقط، وفن خداع العدو من الفنون العسكرية.
ويحرم قتل النساء والصبيان في الحرب أو حرق الدور والنخيل في حين أنه يجوز قتل العدو المحارب، فللحرب آدابها. وللقتال قواعده. ولا يكون القتال إلا مع المقاتلين الغادرين حتى يتكافأ الخصمان.
وكان المسلمون يقرأون في الحرب (سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر). فالشعر والقرآن تقوية للروح المعنوية، ويمثلان الوجدان العربي قبل الإسلام وبعده.
ولا يجوز ربط الأسير أو تجويع الأبرياء أو ترك المرضى يموتون والجرحى ينزفون "فكوا العاني، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض". فللحرب آدابها ولا نزال إلا بين المقاتلين.
ويقاتل عن أهل الذمة ويدافع عنهم. ولا يجوز استرقاقهم ويوفي لهم. فللكنائس والمعابد حرماتها ومن احتمى بكنيسة أو معبد فله الحماية.
والجهاد بالنفس وبالمال. الجهاد بالمال تجهيز المجاهدين والعناية بأسر الشهداء، "من جهز غازياً فى سبيل الله فقد غزا". ومن احتبس فرساً فى سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله فى ميزانه يوم القيامة. وفرس اليوم هو الطائرة والدبابة والمصفحة والصاروخ والمدفع والبارجة، البذل فيها والعطاء لها موزون لصاحبه يوم القيامة.
ويطلب الولد للجهاد كما طلب داود. وللطليعة الفضل فى الجهاد، فالسابقون السابقون. وكان الرسول يتعوذ من الجبن والكسل والعجز والضعف.
والمجاهد فى سبيل الله يركب البحر كما تركب الملوك على الأسرة. وأول جيش من الأمة يغزو البحر فله أجر السبق، "أول جيش من أمتى يغزون البحر قد أوجبوا". و"أول جيش للأمة يغزو الروم فله السبق أيضاً"، "أول جيش من أمتى يغزو مدينة قيصرمغفور لهم".
والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة. والخيل الآن هي المصفحة والدبابة والطائرة والصاروخ. كانت الخيل هي السلاح الرئيسي عند القدماء. لذلك كثرت الأحاديث فيه. والآن تنوع السلاح في البر والبحر والجو بل وفي الفضاء.
واليهود ضمن أعداء الأمة، وهم اليهود الذين يخونون ا لعهد، وينقضون ا لوعد، ويضمرون العدوان. هم أشبه بصهاينة اليوم. وهم في عداء للمسلمين، والمسلمون في قتال معهم إلى يوم القيامة، "تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر يقول يا عبدالله هذا يهودي ورائي فاقتله". ولا تقوم الساعة قبل أن يحدث ذلك، فينتصر المسلمون على اليهود. وعلى المسلمين إجلاء اليهود عن اراضي العرب درءاً للعدوان والغدر ومنعاً لوجود بؤرة استيطانية تتوسع فيما بعد حتى تشمل أراضي العرب. ويظل اليهود كارهين للعرب، فقد تحولت النبوة منهم إليهم (أي إلى العرب)، وغضب الله عليهم وحكم عليهم بالتيه، فإما أن يسلموا واما أن يغادروا، "انطلقوا إلى يهود.. اسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، واني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله". وكان الرسول يكبِّر في حروبه مع اليهود "الله أكبر، خربت خيبر"، وقد حاول اليهود سمّ الرسول: فإن كان كاذباً يستريحون وان كان نبياً فلن يضره السم.
ويعدد النبي ست مراحل مستقبلية حتى يوم الساعة. الأولى موته حتى فتح بيت المقدس. فبيت المقدس فتح للمسلمين. والثانية والثالثة موتتان ويصبح المسلمون كالغنم وربما هما الغزوتان غزوة الصليبيين والاستعمار الحديث من الغرب والتتار والمغول من الشرق. والرابعة وفرة المال حتى ليعطى الرجل مائة دينار ويظل ساخطاً وربما هي فترة النفط وثروة النفط وعوائد النفط. والخامسة فتنة لا تترك بيتاً للعرب إلا دخلته. وهو حال العرب الآن من التفكيك والضعف والحروب الأهلية فى لبنان والجزائر أو الحروب بين العرب والمسلمين مثل حربي الخليج الأولى والثانية. والسادسة هـدنة بين العرب وبني الأصفر الذين يغدرون بالعرب، ويأتونهم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا. وهو حال العرب الذين صالحوا "إسرائيل"، وعقدوا معاهدات "سلام" معها، وغدرها بالعرب في فلسطين بعد أسلو ومدريد، وحصار المدن والمخيمات بمئات من الدبابات والمصفحات، والقضاء على السلطة الوطنية المنتخبة. ومن أعداء الأمة قوم ينتعلون نعال الشعر، عراض الوجوه، صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، وهم أقرب إلىالآريين والى الغربيين الرومان أو الشرقيين التتار والمغول. "إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً ينتعلون نعال الشعر.. وأن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة".وأحيانا يعينون بالترك.
لقد نشأ الإسلام وسط الإمبراطوريتين القديمتين، الروم غرباً وا لفرس شرقاً. وورثهما المسلمون، فلا قيصر غرباً ولا كسرى شرقاًَ.. فالإسلام هو القوة البازغة في نظام العالم القديم "هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن ثم لا يكون قيصر بعده ولتقسمن كنوزهما في سبيل الله". وهو كذلك أيضا في نظام العالم الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية في الشرق وبداية التفسخ في المجتمع الرأسمالي الغربي ومعارضة الشعوب للعولمة ورموزها مثل منظمة التجارة العالمية، ومجموعة الثمانية، واتفاقية "الجات"، والمجمع الصناعي العسكري، والشركات المتعددة الجنسيات، واقتصاد السوق.
وللمجاهد الشهيد الجنة إن لم يرجع سليما مع أجر أو غنيمة. الجهاد بمقاييس الدنيا أخذ وعطاء، فوز وتضحية، غنم وغرم، وبمقاييس الآخرة غنم وفوز. وللمجاهدين فى الجنة درجات تبلغ المائة، ما بين درجة وأخرى كما ما بين السماء والأرض. أوسطها الفردوس، وأعلاها فوق ا لعرش، ومنه تتفجر الأنهار. دار الشهداء أحسن الدور. ويأتي الشهيد يوم القيامة اللون لون الدم، والرائحة ريح المسك. والشهادة تغفر الذنوب. والتضحية بالنفس تجب كل شيء، "ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار" فتمسه و"الجنة تحت ظلال السيوف". وظل الملائكة على الشهيد "ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها تباركه وتحييه وتسعده".
4- معاني الجهاد عند الفقهاء
ويعتبر ابن المبارك أنما الجهاد تطبيق لمبدأ وحدة القول والعمل، "يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون". فالجهاد عمل لتحقيق القول، والقول إعلان عن الإيمان فى الشهادة، "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم". والجنة في مقابل الشهادة: (إنما الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة).
والشهادة تعبير عن صدق الإيمان، (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا). وهي استباق للخير، (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض). وهي النفير للحق والقيام دفاعاً عنه، (انفروا خفافاً وثقالاً)، (والسابقون السابقون). والشهادة منافسة وتسابق وتسارع لنيل الخير. ومن يقاتل مع النبي فهو رباني مثله، (وكأي من نبي قاتل معه رَبَّيُّون كثيرٌ).
والشهيد مثل القائم الصائم الخاشع الراكع الساجد. فالشهادة عبادة، وركن من أركان الإسلام. المجاهد فى سبيل الله كالصائم القائم بآيات الليل وآناء النهار. فالشهادة ركن من أركان الإسلام تعادل كل ركن وتفضلها جميعاً. (رباط يوم وليلة كصيام شهر وقيامه). المجاهد للعدو في ساحة الوغى مثل المجاهد نفسه بالصلاة والصيام والزكاة، "يوشك أن يأتي على الناس زمان خير الناس فيه منزلا، رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعة استوى على فرسه ثم طلب الموت مظانة، ورجل في غنيمة في شعب من هذه الشعاب، كسقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويعتزل الناس إلا من خير حتى يأتيه الموت).
ولا يوجد فضل يعادل الشهادة، (والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم). فالتضحية بالنفس أغلى من التضحية بالوقت والشبع والمال والجهد. هي التضحية الشاملة، "لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمه الجهاد في سبيل الله" فهي رهبانية الخارج وليست رهبانية الداخل، في العالم وليست مع النفس، و"سياحة الأمة الجهاد فى سبيل الله ". فالجهاد سعي فى الأرض، وانتشار فى العالم.
والشهداء أمناء الله، قتلوا أو ماتوا على فراشهم، سقطوا فى المعركة أم قضى نحبهم من جراحهم. فالشهادة نية وفعل، قصد وتحقيق.
والأمة فى رباط إلى يوم القيامة "إن الله بعثني بالسيف بين يدى الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالفني، ومن تشبه بقوم فهو منهم". فالأمة حاملة للرسالة، والرسالة أمانة فى الأرض. والتدافع قانون تاريخي. ومن ثم تظل الأمة إلى يوم الدين حاملة لهذه الأمانة.
والشهداء على ثلاث درجات. الأول الشهيد الممتحن وهو المؤمن المجاهد بنفسه وماله وفي خيمة الله تحت عرشه، ولا يفضله إلا النبي، والثاني الشهيد الذى كفّر عن ذنوبه بشهادته، فالسيف ممحاة للخطايا. والثالث الشهيد المنافق وهو أقل الدرجات لأن السيف لا يمحو النفاق. فالشهادة صدق فى البداية وصدق فى النهاية.
وأول من يحبهم الله "رجل كان في فئة أو سرية فانكشف أصحابه فنصب نفسه ونحره حتى قتل" فهو شهيد مرتين مرة لأنه ضحى بنفسه ومرة لأنه أحيا الآخرين. الشهيد من سد الثغرة وحمى الرفاق، وضحى بالنفس فى سبيل المجاهدين. "وأفضل الشهداء عند الله الذين يلقون في الصف فلا يلتفتون وجوههم حتى يقتلوا"،، أي المجاهد الذي يخلص فى القتال، ويواجه العدو دون تردد، الإقدام دون الإحجام واليقين فى المواجهة، والتركيز على العدو.
وأفضل جهاد "من عقر جواده وأهريق دمه" أي من فقد سلاحه وداهمه العدو. فالجهاد قوة إرادة أكثر من كثرة السلاح، ويقاتل الفلسطينيون بسلاح أقل وإرادة أشد عدوا بسلاح أكثر وارادة أضعف. "يوم في سبيل الله خير من القيام فيما سواه". فالزمان تاريخ، وا لعمر خلود المجاهد مصب التاريخ ومحرك الزمان ومغير الأحوال، ومبدل الأمم والشعوب.
والشهداء أربعة، مؤمن لاقى العدو حتى قتل، ومؤمن أقل إيمانا أتاه سهم فقتل. ومؤمن خلط عمل صالحاً بعمل طالح ومسرف على نفسه قاتل فقتل، والكل شهيد ولكن على درجات متفاوتة. أفضلها الإيمان والفعل وأقلها الفعل حتى وان ضعف الإيمان والشهادة عمل صالح لا يختلط بعمل أقل صلاحاً. الجهاد قصد وغاية الاستشهاد نية وفتح وليس مجرد إسراف في القتل، قتل النفس أو قتل الآخر.
وخيرالناس منزلاً من امتطى فرسه فى سبيل الله فجاهد حتى قتل ثم أمرؤ اعتزل يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، يعتزل شؤون الناس، فالجهاد في العالم له الأولوية على الجهاد فى النفس. "الجهاد لمن جاهد نفسه بنفسه".
والجهاد في بقاع الأرض بالشام والعراق واليمن. وخير الجهاد فى الشام فإنه جهاد الأنبياء، "إنكم ستجندون أجنادا، جنداً بالشام، وجندا بالعراق، وجندا باليمن وعليك بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه ويستقِ بغدره فإن الله عز وجل تكفل لي بالشام وأهلها". وفلسطين جزء من الشام والمدخل إليه. فالجهاد فى فلسطين لإزاحة الاحتلال الصهيوني والحصار على شعب العراق مثل الجهاد فى الشام. وفي اليمن خير وبركة، فالحكمة يمانية. الشام أرض الأنبياء، والمدخل الشرقي لمصر وأمنها القومي، وقد زرعت "إسرائبل" بالشام لفصل المشرق العربي عن المغرب العربي وتهديد مصر.
والغزو في البر والبحر. بل إن القتال في البحر خير من القتال فى البر. وشهيد البحر له أجران مثل شهيد البر. ومن ثم كان الدفاع عن البحر الأحمر كأمن قومي عربي جهادا في سبيل الله. والدفاع عن سواحل الشام والخليج ضد القواعد الأجنبية جهادا فى سبيل الله. "من لم يدرك معي فليفز في البحر فإن قتال يوم في البحر خير من قتال يومين في البر. وان أجر الشهيد فى البحركأجر شهيدين في البر وإن خيارالشهداء عند الله عز وجل أصحاب الأكف، قوم تكفأ عليهم مراكبهم في البحر" لذلك عبر المسلمون أفريقيا إلى الأندلس ركوباً للبحر وفتحوا جزر البحر الأبيض المتوسط قبرص وكريت ومالطة عبر البحر. وانطلقت دولة الخلافة إلى أوروبا الشرقية عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور. وانطلق المسلمون شرقاً عبر خليج فارس وبحر العرب حتى ماليزيا وإندونيسيا والفليبين ومن يركب الناقة قادر على أن يركب الفلك وامتداد الصحراء في الأفق مثل امتداد المحيطات، ولا نهاية اليابس لا تختلف عن لا نهائية الماء، ومن فاته الغزو في البر مع الرسول فإنه في البحر مع الأمة.
والغزو في البر والبحر لا تراجح فيه، ولا انحسار للفتوحات فالأرض التي يبلغها الإسلام تظل كذلك إلى يوم الدين، "إنكم ستجندون أجناداً، وتكون لكم ذمة وخراج، ، يكون لكم على سيف البحر مدائن وقصور. فمن أدرك ذلك فاستطاع أن يحس نفسه في مدينة من تلك المدائن أو قصر من تلك القصور حتى يموت فليفعل".
والشهيد أول من يدخل الجنة قبل العبد المملوك والعفيف المتعفف. فهو أول المستحقين. والاستحقاق بالحياة له الأولوية على الاستحقاق بالفعل. والكل يسبق الجزء. فالشهيد في أعلى عليين. "ومن رمى بسهم فبلغه فله درجة في الجنة". الشهادة نضال في الأرض وفوز في السماء، تحقيق قصد في الأرض ونيل فوز في السماء.
وثلاثة عيون لا تحرقها النار أبداً العين الباكية من خشية الله، والعين الساهرة مع كتاب الله، والعين الحارسة للمجاهد فى سبيل الله.
وأجرالمجاهد على الله قد يسلب منه الحق في الأرض وقد يناله بعض السوء من طغيان الحكام. ومع ذلك هو في زمرة الأنبياء والرسل، "إنه سيكون في أمتي قوم يسد بهم الثغور، تؤخذ منهم الحقوق، ولا يعطون حقوقهم، أولئك مني وأنا منهم، أولئك مني وأنا منهم.
وأفضل الشهداء تدركهم الشهادة وهم في رباط مثل شهداء المقاومة الفلسطينية، يبعث الله عز وجل يوم القيامة أقواماً يمرون على الصراط كهيئة الريح ليس عليهم حساب ولا عذاب.. أقوام يدركهم موتهم في الرباط".
والشهادة عمل مستمر حتى يوم القيامة، عمل يولد أعمالاً صالحة. الشهادة حياة مستمرة في الأرض وفي السماء، وفي الأوطان وفي الجنان، "كل ميت يختم على عمله إلا الذي يموت في سبيل الله فإنه يجري عليه أجر عمله حتى يبعث".
5- عاني الجهاد عند بعض المصلحين
وتبدأ معاني الجهاد عند المصلحين من القرآن والسنة والفقه بالإضافة إلى ظروف العصر وتحدياته والقدرة على الخروج من المنهج النصي إلى المنهج الاجتماعى. فالجهاد ليس فقط أمراً شرعياً بل هو أيضأ حركة اجتماعية، تبدأ من الفرد وتمتد إلى الجماعة، ثم تتحول إلى حركة تاريخية.
فأقرب الكتابات الإصلاحية إلى الكتاب والسنة والفقه القديم هو رسالة "الجهاد فى سبيل الله للإمام الشهيد حسن البنا إذ يبين أولا أن الجهاد ركن من أركان الإسلام، وفريضة على كل مسلم ومسلمة. ثم يذكرنا- ثانيا بعض آيات الجهاد فى الكتاب ليس عن طريق تحليل الألفاظ، لفظ "الجهاد" بل عن طريق معانيه مثل القتال والغزو والاستعداد والتخلف عن القتال والجهاد بالنفس والمال ثم الفوز فى الآخرة، فالجهاد فرض، (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)، ومع ذلك فعسى أن نكره شيئاً وهو خير لنا. وعسى أن نحب شيئا وهو شر لنا. فالقتال في الظاهر ألم وفراق وجهد ومشقة واستشهاد، وهو في الباطن فرح ونعيم وسعادة وفوز أبدي. ويظن القاعدون والمخلفون والمنافقون أن التخلف عن الجهاد منجاة من الموت، والموت حكم عام على البشر جميعاً، القاعدين والمجاهدين، "يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزًى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم والله يحيى ويميت". فالمجاهد هو الذي اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، وقاتل فى سبيل الله فيؤتيه أجرا عظيماً. الجهاد أمر شرعي بالاستعداد لملاقاة العدو، إرهاب عدو الله. وهو أمر بتحريض النبي المؤمنين على القتال، والقلة الصابرة تغلب الكثرة الباغية. وقتال البغاة جزء من عذاب الله لهم بأيدي المؤمنين. والجهاد استنفار لبذل المال والنفس، "انفروا خفافاً وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون". اما المخلفون فإنهم يخشون القتال لما به من نصيب وجهد ومشقة في الحر. والقاعد أول مرة لن يجاهد ثاني مرة. فالجهاد طواعية لا جبراً، وحرية لا قسراً، يرتعشون من سورة القتال بعد نزولها.
ويقاتل المسلم استعداداً لردع العدوان وحماية للأمة لأن الإسلام رسالة هداية وعدل. فإذا ما طلب العدو السلم استجيب له، (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله) والقصد من الجهاد إعلاء كلمة الله وليس الجاه وحب الظهور والطمع في الغنيمة والغلبة، (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
وبالرغم من القتال إلا أن الرحمة واردة في الجهاد. إذ يحرم الاعتداء، (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) والعدل عام ينطبق على الناس جميعاً أقرباء وأباعد، (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى)، فالغزو باسم الله دون غل أو غدر أو تمثيل أو قتل للأطفال والنساء والشيوخ، "اغزوا باسم الله في سبيل الله فاقتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلو ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا". ولا يتطلب القتال تشويه الوجه والتمثيل بالجثة، "إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه". وإن من الجهاد أيضا قول الحق في وجه إمام جائر، "إن من اعظم الجهاد كلمه حق عند سلطان جائر". فالجهاد ضد الطغيان في الداخل الخارج.
ويبين المودودى في رسالته "الجهاد في سبيل الله" خط ترجمة الغربيين لها بلفظ holly war أي الحرب المقدسة أسوة بما كانت تقوم به الكنيسة في الغرب. وذلك مثل خطأ الغرب في اعتبار الإسلام نحلة religion والأمة دولة وطنية nation وحقيقة الجهاد من طبيعة الإسلام باعتباره فكرة انقلابية ومنهجاً انقلابياً، تعيد بناء المجتمع بأسره على أساس من الحرية والمساواة تحت شعار"لا إله إلا الله" وهذا يتطلب الجهاد. وهو يعادل لفظة struggle بالإنجليزية. وهو جهاد فى سبيل الله، وابتغاء وجه الله ضد الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت، (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت). الجهاد في سبيل الله جهاد في سبيل الحرية والمساواة ضد العدو والإفساد في الأرض، (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين). ودعوة الإسلام الانقلابية تقتضي ألا تكون العبودية إلا لله، (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله). فالإسلام دعوة إلى انقلاب عالمي شامل وتطبيق للحاكمية، (إن الحكم إلا لله)، ضد الملوك والطغاة. (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون). الجهاد إذن هو الوسيلة لتحقيق الحاكمية، وتحويل العقيدة إلى شريعة، نظام العدل في مواجهة نظام الظلم.
ولا تجوز قسمة الجهاد إلى هجومي offensive ودفاعي defensive فالدفاع اعتذار، إنما الإسلام بطبيعته حركة تحرر في التاريخ يقلب نظم البغي والطغيان. فالإسلام والجور نقيضان. والحرية والقهر لا يلتقيان. ولا خوف على حقوق أهل الذمة في الإسلام فقد جمعته المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات مع المسلمين. إنما يناهض الجهاد قوى الطغيان. وهما بلغة العصر الاستعمار والاستغلال.
ويأخذ سيد قطب في رسالته، (الجهاد في سبيل الله) نفس الاتجاه التحرري معتمداً على الكتابات السلفية لابن القيم وتقسيم المجتمعات غير الإسلامية إلى أهل صلح وهدنة وأهل حرب وأهل ذمة. لا يقاتل أهل العهد إلا بعد خرقهم له وإعلامهم بذلك. وأهل الذمة جزء من الأمة. أما أهل الحرب فهم الذين يقاتلون الذين نزلت فيهم سورة "براءة" وهذا يدل على أن الإسلام يتسم بالواقعية الجدية، والواقعية الحركية، والحركة الدائبة، والضبط ا لتشريعي لعلاقة المجتمعات بعضها بالبعض. الجهاد ضد الاستكبار في الأرض والقوى السياسية التي تقوم عليه. ولا فرق بين دفاع وهجوم كما هو الحال عند المودودي. والإسلام إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من عبودية العباد إلى عبودية الله (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)، وهو ليس الحكم الثيوقراطي المعروف في الغرب بل حكم الشريعة. القتال إذن لدرء العدوان والدفاع عن الحرية، (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله). فالقتال للبغاة، (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم). والجهاد ضد البغاة ومن يساعدونهم، (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة). لقد أخطأ المستشرقون عندما تصوروا أن الإسلام انتشر بالسيف للإكراه على العقيدة مع أن تحرر البشر حركة طبيعية لا تحتاج إلى سيف. السيف للبغي والظلم والعدوان وهو مضاد لطبيعة البشر.
----------------------------
المصدر :الجهاد في التراث الاسلامي

Heba Khled
08-31-2011, 04:53 AM
التوحيد
عبد المجيد عمر النجار


نقصد بالتوحيد هنا معنى منهجياً يمثّل خاصية من خصائص الفكر المرشّدة للفكر الإسلامي، فهو إذن ليس معنى عقدياً وإن كان له صلة به من حيث إن عقيدة التوحيد تطبع العقل المؤمن بها على خاصية التوحيد كخاصية منهجية في التفكير، فهي ثمرة لها ونتيجة من نتائجها.
ونعني بهذه الخاصية المنهجية أن يتوجّه العقل في البحث عن الحقّ، وفي تركيب خطط الإصلاح منه بحيث يؤالف بين المعطيات التي يتوفّر عليها، ويردّ بعضها إلى بعض بحسب التشابه والتماثل، ويوحّدها في معيار دلالي يكون أساساً لمبدأ واحد تنخرط فيه جهود الفهم والتعليل، وتنبني على أساسه الرؤى والحلول. وبهذه الخاصية يتوصّل الفكر إلى أحكام معرفية موحّدة المعيار، فتنسجم نتائجها ولا تتناقض، سواء كان ذلك في المعرفة الكونية بما تقوم عليه من وحدة القواعد في التجريب، أو في المعرفة الشرعية والإنسانية بما تقوم عليه من وحدة المبدأ والغاية.
وفي العقيدة الإسلامية ما يشكّل العقل على هذا النحو من المؤلفة والتوحيد في النظر، حيث إن هذه العقيدة تقوم على التوحيد المطلق، فكل ما في الكون مبدؤه واحد على كثرة أنواعه وتغيّرها، ونظامه في التركيب والحركة والظهور والاختفاء يجري على قانون واحد، وسيروته تتّجه إلى غاية واحدة، ذلك هو الله المبدئ والمهيمن والمعيد، وحياة الإنسان في مختلف تصاريفها تتّجه إلى وجهة واحدة هي تحقيق الخلافة في الأرض بالعبودية لله، فهذا المعيار الموحّد الذي تقوم عليه العقيدة الإسلامية من شأنه أن يُكيّف عقل المؤمن بها على نحو من المؤالفة والتوحيد في الفهم والتحليل والحكم.
وقد بدت هذه الخاصية المنهجية جليّة في الفكر الإسلامي على عهد ازدهاره، حيث بدت العلوم الإسلامية وهي مجلى هذا الفكر ما كان منها مبتدأ وما كان منها مقتبساً مصاغة في نشأتها وتطوّرها لخدمة القرآن الكريم ومضامينه التوحيدية. فما من مبحث شرعي أو إنساني أو كوني إلاّ وبدا فيه الفكر مشدوداً في حركته إلى غاية واحدة هي تحقيق مقتضيات التوحيد في حياة الناس فيؤلّف بين المعارف والحقائق، ويوحّد بناءها ووجهتها في سبيل ذلك.
ولمّا بدأ التحضّر الإسلامي في الأفول ظهر خلل في خاصية المؤلفة والتوحيد هذه، فإذا بالفكر الإسلامي يظهر فيه التشتّت في المقاييس، والتعدّد في المعايير عند مباشرته البحث والتقدير. فالنظر في الطبيعة أصبح نظراً محكوماً بأسباب مختلفة تداخلها الأوهام والخرافات بعدما كانت تحكمه وحدة القانون الطبيعي كسب وحيد يمثّل سنّة الله في الكون. والنظر في الشريعة أصبح تتنازعه ازدواجية في المعايير بين المعيار الأصلي المتمثّل في الوحي، وبين معيار أقوال السابقين من العلماء والمجتهدين التي اكتسبت ما يشبه صفة القداسة، وأصبحت أصلاً للتفكير الشرعي في استنباط الأحكام وتقريرها. وهكذا غدا الفكر الإسلامي مشتّتاً بين أقطاب متنافرة متضاربة في البحث والنظر، فإذا هو ممزّق بين العقل والنقل، وبين الظاهر والباطن، وبين الروح والمادة، ونشأ عن ذلك تضارب في الأحكام وتناقض بينها، وانعكس ذلك كلّه سلبياً على سير الحياة الإسلامية، وتعطيل حركة النموّ فيها.
ويبدوا هذا التشتّت في الفكر الإسلامي اليوم أكثر استفحالا، إذ هو قد استصحب من عوامل التشتّت ما هو قديم وأضاف إليها عوامل أخرى جديدة، فإذا هذا الفكر تتنازعه في البحث والتقرير ثنائيات متعارضة من العقل والشرع، ومن مصدرية الوحي ومصدرية الفكر الغربي، ومن سببية القانون الكوني، وسببية الأوهام من الأرواح والأشخاص الفاعلة في الطبيعة، ومن التقليد للموروث والتقليد للوافد الثقافي الغربي. وهكذا شكّلت هذه الثنائيات المتناقضة كلّها معايير وأسباباً للفكر الإسلامي يمارس من خلال البحث عن الحقائق، فإذا هو بهذا التشتّت تضيع منه وحدة المعيار، فلا يقوى على تقدير المصلحة التي تنفع الأمّة، ولا يقدر على توجيه المعطيات المتاحة والمؤالفة بينها بحيث توظّف كلّها في خدمة تلك المصلحة.
أ _ التوحيد الغائي: ومعناه أن يكون الفكر الإسلامي وهو يبحث عن الحقيقة، ويؤلّف منها خطط الحياة مشدوداً إلى غاية موحّدة تسلك مناشطه جميعاً في خطّ موصول بها ليؤدّي بها ذلك الخطّ إلى تحقيقها. فهذه الوحدة الغائية تصير إذن صبغة للفكر بالمعنى المنهجي، فإذا هو يتصرّف في بحثه المادي عن قانون كوني.
----------------------------------
المصدر : عوامل الشهود الحضاري

Heba Khled
08-31-2011, 04:54 AM
لماذا نبحث ونفكر لمعرفة خالق الكون؟
مكارم الشيرازي


معرفة الله
1- إنَّ حبّ الاستطلاع والتعرف على عالم الوجود كامن في أعماقنا جميعاً.
إنَّنا نريد أنْ حقاً: هل هذه السّماء الرفيعة بنجومها الجميلة، وهذه الأرض المنبسطة بمناظرها الأخّاذة، وهذه الكائنات المتنوعة، والطيور الجميلة، والأسماك الملونة في البحار، والزهور، والبراعم والنّباتات، وأنواع الأشجار السّامقة، هل هي كلّها قد وجدت في هذا الكون لوحدها، أم أنَّ هذه الصور العجيبة قد رُسمت بيد ماهرة قادرة مدبّرة؟
ثم إنَّنا إذا تجاوزنا ذلك كلّه، فإنَّ الأسئلة الأولى التي تراود خواطرنا في الحياة هي:
من أين جئنا؟ أين نحن الآن؟ وإلى أين سائرون؟
ما أعظم سعادتنا لو إننا عرفنا الإجابة على هذه الأسئلة!
أي أنْ نعرف كيف بدأت حياتنا؟ وإلى أين سيكون مصيرنا في النهاية؟ وما الذي ينبغي نفعله الآن؟
إنَّ روح حبّ الاستطلاع فينا تفرض علينا أنْ لا نجلس دون حراك حتى نعثر على أجوبة هذه الأسئلة.
قد يتفق أن يصاب أحدهم في سيّارة ويغمي عليه، فيؤخذ إلى المستشفى لمعالجته. وعندما يفيق من اغماءته ويتحسن حاله، يكون أوّل سؤال يطرحه على من حوله هو: أين أنا؟ لماذا جيء بي إلى هنا؟ متى اخرج؟ وهذا يعني أنَّ الإنسان لا يستطيع أنْ يلزم السّكوت نحو أمثال هذه الأسئلة.
وعليه، فإنَّ أوّل ما يحملنا على البحث عن الله ومعرفة خالق عالم الوجود هو روح حبّ الاستطلاع المتعطشة فينا.
2- عرفان الجميل: لنفرض أنّك قد دُعيت إلى وليمة فخمة، هيأوا لك فيها كلّ أسباب الضيافة الكريمة والترحيب بك وراحتك، ولكن بما أنّك قد حضرت الوليمة بصحبة أخيك الأكبر الذي دعاك إليها، فإنَّك لا تعرف مضيفك حقّ المعرفة. لذلك فأنت عندما تجد كل هذه الحفاوة والتكريم من صاحب البيت، يكون جلّ همك أن تتعرف عليه لكي تقدم ما يستحقه من آيات الشكر اعترافاً بجميله.
كذلك هي حالنا عندما ننظر إلى مائدة الخلق الواسعة حيث نجد عليها مختلف أصناف النّعم وقد وضعت تحت تصرفنا: عيون ناظرة، وآذان سامعة، وعقول ذكية، وقوى جسمانية ونفسانية متنوعة، ومختلف سبل العيش، ورزق طيب وطاهر، كلّها قد عرضت على هذه المائدة الفسيحة الشّاسعة، فيتجه فكرنا دون اختيار إلى ضرورة معرفة واهب كلّ هذه النّعم لكي نقدم له فروض الشكر وإنْ لم يكن بحاجة إلى شيء من شكرنا، وما لم نفعل ذلك نصاب بالقلق وبإنَّنا نفتقر إلى شيء ما. وهذا محفز آخر يدفعنا للبحث عن الله ومعرفته.
3- حساب الرّبح والخسارة في هذا البحث: افرض إنَّك في سفرك قد بلغت مفرق طرق أربعة حيث تسمع الناس يتنادون أنْ لا تمكثوا في هذا المكان، ففيه أخطار كبيرة. إلاّ أنَّ كل فريق يدعوك إلى سلوك أحد تلك الطّرق، فهذا يقول: أفضل الطريق هذا الذي يتجه إلى الشرق. ويقول فريق آخر: بل الطريق المؤدي إلى الغرب أكثر اطمئناناً. فريق ثالث يدعوك إلى طريق وسط بين الطّريقين، قائلاً: أنَّه الطريق الوحيد الذي ينجيك من المخاطر ويوصلك إلى حيث الأمن والأمان وكلّ أنواع السعادة.
فهل يجوز لنا أن نسلك أحد تلك السبل دون تمعّن أو دراسة؟ أم هل يرتضى لنا العقل أنْ نمكث هناك دون أن نختار واحداً من تلك الطّرق؟ طبعاً لا.
إنَّ العقل ينصحنا بأن نبادر فوراً إلى دراسة الوضع وتمحيص أقوال كل فريق بدقة، فإذا وجدنا في أقوال أحد الفرق دلائلاً مقنعة من الصدق والصحة أخذنا بها، وسلكنا ذلك الطرق بكل اطمئنان وثقة.
هكذا نحن في هذه الدّنيا، حيث نجد مختلف المذاهب والاتجاهات تدعونا إليها. ولكن لما كانت سعادتنا وتعاستنا، تقدّمنا وتأخرنا. منوطة بدراسة هذه الاتجاهات واختيار أفضلها، فإنَّنا لا نجد بداً من أنْ نفكر في الأمر، لاختيار الطريق الذي يؤدي بنا إلى التقدم والتكامل، وتجنّب الطريق الذي يوصلنا إلى منزلق التعاسة والفساد والشقاء.
وهذا دافع آخر يدفعنا لإمعان الفكر في خالق عالم الوجود.
يقول القرآن الكريم:
(فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (سورة الزمر/17-18).
------------------------------
المصدر : دروس في العقائد الإسلامية

Heba Khled
08-31-2011, 04:56 AM
قيمة الإنسان في الإسلام
د. ابن عيسى باطاهر


إن موضوع ((قيمة الإنسان في نظر الإسلام)) له علاقة وطيدة بـ ((التفسير الإسلامي للتاريخ)) لأن صناعة التاريخ تقتضي وجود صانع فعّال، ومحرّك رئيس للأحداث، وهو الإنسان الذي يختلف حضوره الاجتماعي من مجتمع إلى مجتمع، ومن بيئة إلى بيئة حسب تكوينه الثقافي، وحسب التوجيه الذي يخضع له.
فالانسان باعتباره صانعاً للتاريخ أو باعتباره معطلاً له، هو العنصر والمقوّم الحضاري الأول الذي اهتمت به جميع الرسالات الروحية، والفلسفات المادية قديماً وحديثاً، فهو الباني للحضارات، والمؤثر الحقيقي في سير المدنيات، وهو أيضاً المتسبب الرئيس في جميع المشكلات التي تواجه الأمم والمجتمعات.
إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة الإنسان بالدرجة الأولى، ((ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها، وما الحضارات المعاصرة، والحضارات الضاربة في ظلام الماضي، والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن، فهي حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم على الأرض إلى آخر وريث له فيها، ويا لها سلسلة من النور، تتمثل فيها جهود الأجيال المتعاقبة في خطواتها المتصلة في سبيل الرقي والتقدم)).
وإذا كان الانسان هو المؤثر الحقيقي في سير أحداث التاريخ، فقد اختلفت المذاهب والنظريات الدينية والوضعية وغيرها من الفلسفات البشرية في كيفية التعامل مع هذا الكائن المتميز، وكيفية توجيهه التوجيه الذي يحقق له قيمته الاجتماعية.
وتميزت النظرة الإسلامية عن غيرها من النظريات والمذاهب الأخرى، حيث رأت في الانسان كائناً مستحقاً للتكريم الإلهي منذ الخلق الأول، وكائناً له قيمة في الحياة بما يقوم به من دور اجتماعي بنّاء يساهم في البناء الحضاري، ويحقق السمو للنوع البشري، وإذا تخلف هذا الانسان عن أداء دوره المنوط به فإن الاسلام يُنزله من قمّة التشريف والتكريم إلى أسفل سافلين، وهذا ما دلت عليه الآيات في قوله تعالى: (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) التين: 4 ـ 6.
فالإنسان في نظر الإسلام له قيمتان: ((قيمته كإنسان، وقيمته ككائن اجتماعي، قيمة توهب له في طينته الأولى بما وضع الله فيها من تكريم، وليس لظرف من الظروف، ولا لأحد من الناس أن يُغيّر منها شيئاً كما أنه لا يمكن لأي ظرف أن يغير شيئاً من خصائص عيّنة الزنك، وقيمة أخرى تُعطى له بعمليات اجتماعية معينة، تماماً كما تُعطي العمليات الصناعية لعينة من الزنك قيمتها العملية، وبعبارة أخرى إن الإنسان يمثل معادلتين، معادلة تمثل جوهره كإنسان صَنَعَهُ من أتقن كل شيء صنعه، ومعادلة ثانية تمثله ككائن اجتماعي يصنعه المجتمع، ومن الواضح أن هذه المعادلة الأخيرة هي التي تحدد فعالية الانسان، كإنسان في جميع أطوار التاريخ لا يتغير فيه شيء، بل تتغير فعاليته من طَور إلى طور)).
إن القيمة الأولى هبة من الله، لكن ليس لها علاقة بفاعلية الانسان في الأرض، لأنها تمثل تكريماً إلهياً يعطى للإنسان الاستعداد الضروري لأداء الدور، ويبقى العمل بفاعلية لأداء هذا الدور منوطاً بالإنسان نفسه، فقد خلق الانسان مزوداً بالعقل، ومسلحاً بالإرادة، وفوق ذلك كله سخر له الكون، ومهدت له الأرض،ووضعت أمامه السنن، كي يؤدي وظيفته، قال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) التين: 4، وقال تعالى أيضاً: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) الإسراء: 70، وقال تعالى أيضاً: (ولقد مكناهم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون) الأعراف: 10.
أما القيمة الثانية فهي التي تزود الإنسان بالفاعلية والعزم لأداء دوره ووظيفته، لأنها قيمة تتعلق بالرسالة الاجتماعية التي يقوم بها في الحياة، ومن هنا قوّم الاسلام الانسان على أساسها، وربط مصيره الدنيوي والأخروي بها، قال تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) العصر: 1 ـ 3.
إن الإنسان من خلال هذه الآيات ليس له قيمة تذكر، بل هو في خسر وضلال حتى يؤمن ويعمل صالحاً ويتزود بالأخلاق والقيم المشروعة، وهذا كله يعبر عنه بالحضور الاجتماعي الذي يحقق مصلحة الإنسان ومصلحة مجتمعه، فالإنسان مكلف بأداء رسالة في مجتمع، وإذا تخلى عن هذه الوظيفة فقد أبرز المقومات في البناء الاجتماعي، ولم تبق له سوى قيمته كغنسان، التي ليس لها وزن، ولن تفيده شيئاً في حياته ومسيرته الحضارية.
ويأخذ حديث القرآن عن رسالة المسلم الاجتماعية طابع التنوع والإسهاب، لأهمية هذا المبدأ في بناء التصور الاسلامي عن الانسان وعلاقته بالكون الذي من حوله، فكثيراً ما يعرض الإيمان مقروناً بالعمل، والعقيدة ممزوجة بالسلوك، ويرفع في أثناء ذلك من قيمة العمل الصالح الذي يمثل الوظيفة الاجتماعية، ويجعله سبباً للنجاح الدنيوي والأخروي، وأساساً للاستحقاق والرفعة، قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران: 110، وقال تعالى أيضاً: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هو المفلحون) آل عمران: 104.
والمعروف في أعمّ صوره، والمنكر في اشمل معانية، يُكوّنان جوهر الأحداث التي تواجه المسلم يومياً كما يكونان لبّ التاريخ، ومن هنا حرص القرآن على تذكير المسلم برسالته دائماً، وحثه على أداء هذه الرسالة الاجتماعية بفاعلية ليكون عنصراً إيجابياً يحقق الخير والنفع للبشرية في جميع مستويات الحياة، قال تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) مريم: 12، وقال تعالى أيضاً: (فاستبقوا الخيرات) البقرة: 148، وقال تعالى أيضاً: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) آل عمران: 133.
وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة تبيّن أهمية البعد الاجتماعي لدور المسلم ورسالته الحضارية، فكثيراً ما وجه الرسول (ص) المسلم لأداء وظيفته بتقديم الجهد المطلوب، والعمل الصائب، وفضل (ص) المسلم الفعال على المسلم غير الفعال، قال عليه الصلاة والسلام: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز)) وقال (ص): ((مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
وقيمة العمل في المنهج النبوي ـ أيضاً ـ لا تضاهيها قيمة، لأن العمل هو الحركة في الحياة، وهو الذي يجسد الحقائق النظرية في قوالب تطبيقية تعود بالخير والنفع على الإنسان ومجتمعه، قال (ص): ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا، وسقوا، وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل مَن فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعمل... ومثل مَن لم يرفع بذلك رأساً)).
والإنسان حين يُفقد قيمته الاجتماعية يتحول من إنسان فعال، إلى كائن عاجز لا يُحسن استثمار الوسائل التي بين يديه في تحصيل أحسن النتائج، لأنه فقد أساساً حسن التعامل مع السنن الإلهية، ويصبح حينئذ عالة على المجتمع، وهذا العجز هو الذي تشير إليه الآية القرآنية: (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم) الملك: 22.
إن البُعد الاجتماعي في حياة الانسان هو الذي يمنحه الفاعلية والتوتر اللازمين للقيام بدوره ورسالته، فنراه ينقلب من إنسان خارج التاريخ إلى إنسان صانع للتاريخ، ويبقى السؤال الملح، ما هي الظروف التي تجعل المجتمع يَمنَح الفرد القيمة التي تَبعث فيه الفاعلية؟
يقول مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ : ((إن المجتمع يكون أحياناً في حالة ركود وكساد، ولو أننا قد حللنا في مثل هذه الحالة الوضع النفسي الذي يكون عليه الفرد فإننا نراه يتمتع بصورة واضحة بشعور الاستقرار، فلا يحتويه أي قلق، وبالتالي فإنه لا يبذل أي محاولة لتغيير الوضع من حلوه: إذ تسير الأشياء والحوادث دونما تدخل من إرادته، وهنا يصبحُ التاريخ سيلاً يجرفه إلى حيث لا يدري مستسلماً له الاستسلام المطلق، فإذا ما حدثت في المجتمع حالة جديدة غيرت هذه الأوضاع كلها، فإن موقف الانسان هنا يتغير أمام الحوادث والأشياء، وبالتالي يتغير مجرى التاريخ)).
وحالة القلق هذه التي يتحدث عنها مالك هي ظاهرة إيجابية ضرورية في أي إقلاع حضاري، فهي تشبه التيار الكهربائي الذي ينطلق في الجهاز السليم فيبعث الحياة في كامل أجزائه.
ويبقى أن نشير إلى أن السيرة النبوية تمثل نموذجاً لقيمة المسلم الفردية، وقيمته الاجتماعية، فالرسول (ص) قبل البعثة لم يكن سوى إنسان ضال، أي بلا رسالة في الحياة (ووجدك ضالاً فهدى) الضحى: 7، وأما ما ذكر التاريخ من قيم أخلاقية تجسدت في شخصه (ص) فلم يكن لها سوى بعد فردي، لقد كان إنساناً خارج التاريخ حتى إن كتب السير والتاريخ أعطتنا صورة مقتضبة لفترة تقدر بأربعين سنة، بل إنها في كثير من الأحيان تعجز عن ذكر أية أحداث خلال سنوات كثيرة من حياة الرسول (ص) ولا تحسبن أن هذا يُعد نقصاً في السيرة النبوية، ولا تقصيراً من الناقلين والمؤرخين، لأن السنن الإلهية تجعل ميلاد العظماء ساعة يحملون رسالة التغيير والبناء في الحياة ومن هنا يبدأ التاريخ.
لقد دخل الرسول (ص) التاريخ ساعة كُلّف بالرسالة فأصبح بذلك إنساناً آخر يتحرك في مجتمع، يربي ويوجه، ويقوم ويبني، ويسعى بكل ما لديه من طاقة في سبيل تحقيق رسالته في الحياة، قال تعالى: (يا أيها المدثر قم فأنذر) المدثر: 1، 2، وقال تعالى: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) المزمل: 5.
فالقيام لأداء أعباء الرسالة التي عُبر عنها في الآية الكريمة بالقول الثقيل، يحتاج إلى جهد كبير، وعمل دؤوب وفاعلية متوقدة، وهذه هي الأبواب التي يُدخل منها إلى التاريخ.
وقد كان الرسول (ص) بعد حمل الرسالة مثالاً رائعاً للإنسان المُستخلف ذي القيمة الاجتماعية التي تحقق الخير والنفع للمجتمع، وللإنسان العامل الفعّال الذي يعمل للدنيا والآخرة بثقة وعزم، واضعاً أمام عينية هداية السماء، وإعانة الله، وبين يديه أسباب النصر والنجاح، حتى ترك لنا تاريخاً شهد له الأعداء قبل الأصدقاء بالفضل والخيرية، واستحق (ص) بذلك تزكية الله له على مرّ القرون والأجيال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) الأحزاب: 21.

Heba Khled
08-31-2011, 04:58 AM
نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية
د. أحمد محمود صبحي


وجوب إمامة الأفضل
يرى الشيعة الاثني عشرية أن إمامة المفضول مع وجود الأفضل قبيحة عقلاً فضلاً عن معارضتها لنص الكتاب، أما وجه القبح فإنه لما كان الإمام منصوباً من الله كان في جواز أن ينص الله على المفضول مع وجود الأفضل منه ما يتنافى مع عدم جواز صدور القبح من الله وبذلك ترتبط فكرة وجوب إمامة الأفضل بفكرة فعل الأصلح.
أما وجوب فعل الأصلح على الله فذلك لأنه وجب عليه سبحانه ألا يترك الواجب ويفعل القبيح، وأن تكون جميع أحكامه على وجه الحكمة والصواب ليس فيها جور ولا ظلم ولا عبث، ولما كان الله عالماً بقبح القبائح مستغنياً بذلك عنها ـ غذ يستحيل أن تلجئه ضرورة إليها ـ فقد تقدس عن الإلزام والقهر، ولما كان فعل القبيح لا يصدر إلا عن ضرورة ملجئة وجهل من الفاعل، وكل ذلك محال على الله، ولما كان صدور القبح غير جائز بدعوى أن لله حكمة في ذلك، لتعارض ذلك مع العدل المتصف به كان في صدور القبح منه محال وفي القول بتجويز صدور القبح منه قبح من العباد وآيات القرآن تشير إلى (أن الله لا يحب الفساد).
وإذا كان غير جائز على الله فعل القبيح وواجب عليه فعل الأصلح بعباده، فإن في تجويز نصب الإمام مفضول مع وجود الأفضل منه ما يعارض ذلك، فإذا كانت الإمامة بالنص من الله فإن إمامة المفضول مع وجوب الأفضل يتعارض مع وجوب فعل الأصلح على الله.
ولما كان متكلمو الشيعة يقيسون الإمامة على النبوة في كل استدلالاتهم، فإنهم لكي يدللوا على وجوب إمامة الأفضل استندوا إلى فكرة يسلم بها معهم سائر فرق المسلمين، وهي وجوب نبوة الأفضل.
ويستند الشيعة في إمامة الأفضل إلى قوله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى).
وليس النص والعقل وحدهما هما اللذان يقضيان بوجوب إمامة الأفضل بل إن الذوق يستنكر أن تكون للمفضول رياسة على الأفضل.
ويعتبر الشيعة أن الإمام حجة فيما يؤديه كالرسول وفي تجويز كونه مساوياً في الفضل لبعض رعيته أو أنقص فضلاً منهم ما ينفر عن القبول أو الخضوع لرياسته.
ويرى الرازي أن دخول الفاضل تحت رئاسة المفضول مما يسهل على مَن هو أنقص فضلاً من الأمير الدخول تحت طاعته كما اختار الرسول عمر بن الخطاب فجعله في جيش أسامة لما أنف بعض مشيخة قريش أن يكون في جيشه، ففي إمامة المفضول رياضة للفاضل وكسر ما فيه من نخوة.
وهذا نقد لا يثبت للنقد، لأن الرازي قد اعترف في المثال الذي أورده أن بعض مشيخة قريش قد أنفوا رياسة أسامة اعتقاداً منهم بأفضليتهم أو بوجود من هو أفضل منه مع أنهم بذلك قد عصوا أمر الرسول، ثم هم راجعوا أبا بكر في أمر رياسة أسامة بعد موت الرسول، وفي هذا ما يدل على أن رياسة المفضول يمجها العرف والذوق العام، هذا إلى أن ما ذكره الرازي لتبرير إمامة المفضول متهافت كذلك، لأنه إذا كان تواضع الأفضل يسهل انقياد الرعية للأمير المفضول، فإنه من ناحية أخرى يشجع المفضول الذي قد نقل درجته في الفضل إلى حد الفسق أن يغلب على أمر المسلمين بالقوة مستنداً إلى تواضع الأفضل أو سكوته على الحق وهذا ما تم بالفعل في أمر الخلافة منذ أن تولاها الأمويون.
والواقع أن متكلمي أهل السنة وفقهائهم لم يسلموا بجواز إمامة المفضول مستندين إلى أصل من أصول الدين ولكنهم جوزوا ذلك إما تبريراً لسلطان الخلفاء ولخلع الصفة الشرعية على خلافتهم وإما على سبيل معارضة آراء خصومهم من الشيعة.
ويورد الرازي رأياً آخر ليبرر به تجويز إمامة المفضول على الفاضل فيفترض وجود ثلاثة نفر مرشحين للإمامة للاختيار فيما بينهم: أحدهم غاية في النسك وثانيهم غاية في الفقه وثالثهم غاية في السياسة، وكل واحد منهم ناقص في الأمرين اللذين لصاحبيه، فإن ولينا الأعلم والأنسك عظمت المفسدة لفقد المعرفة السياسية، وإن ولينا السائس والأمير وجعلناه رئيساً في أحكام الدين على كل رعيته فحينئذ يكون الرئيس أقل فضلاً من المرؤوس فيما هو قاصر فيه من العلم والنسك، فإن قالوا تفوض السياسة إلى السائس ويرجع في الفتوى للفقيه وفي أمر الصلوات والعبادات إلى الناسك قلنا هذا باطل.
ولست أجد في هذا المثال الذي أورده الرازي أي نقد لرأي الشيعة في وجوب إمامه الأفضل، لأن الإمامة عندهم ليست بالاختيار حتى يمكن تصور المفاضلة بين الناسك والفقيه والسائس، فضلاً عن أن الشيعة يفترضون في إمامهم الفضل في هذه الأمور جميعاً على الناس جميعاً بوصفه معصوماً حائزاً على كل الكمالات منصوباً من الله، ولا أجد في هذه المفاضلة إلا تعبيراً عن حيرة في نفس الرازي نفسه إذ من النادر أن يجتمع النسك والعلم والسياسة بدرجة فائقة في شخص واحد ليصلح إماماً، أما ما اعتبره الرازي باطلاً فمن الغريب أنه حادث الآن بعد تجربة دامت أربعة عشر قرناً إذ انتهى أمر الخلافة بفصل السياسة عن الدين أو على حد تعبير الرازي فوضت السياسة إلى السائس والفتوى للفقيه وأمر العبادات للناسك، غير أنه من التعسف أن نطالب الرازي أن يتصور إمكان وجود مثل هذا النظام أو وقوعه يوماً ما، ذلك أن تفكير جميع المتكلمين والعلماء مهما اختلفت فرقهم كان في حدود السياسة الدينية أو الشرعية.
والواقع أن أهل السنة والشيعة لا يحتدون في الجدل طويلاً حول إمامة الأفضل لا لقوة منطق الشيعة في دعواهم فحسب، بل لأن موقف أهل السنة نفسه لا يبدو واضحاً فضلاً عن أن جواز إمامة المفضول لا يبرره منطق أو دين وإن وجد له تبرير من مقتضيات الواقع أو حوادث التاريخ وليست هذه هي التي تملي على الفقهاء والمشرعين أصول الأحكام.
غير أن الجدل يشتد وترتفع حرارة المناقشة بين أهل السنة والشيعة حول قضية أخرى وثيقة الصلة بوجوب إمامة الأفضل، هذه القضية هي المفاضلة بين الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدين، ولعل الشيعة هم أول مَن فتح باب الجدل في ذلك حين اعتبروا علياً أفضل الصحابة أجمعين، وأنه يزيد فضلاً على أبي بكر، ولقد وصل الجدل حول المفاضلة بين علي وأبي بكر إلى حد تأويل الفريقين لآيات من القرآن وإيراد أحاديث ترجح أفضلية أحدهما على الآخر، ومعارضة أل السنة لدعوى الشيعة في أفضلية علي تنطوي على تسليم منهم بوجوب إمامة الأفضل، ومن هنا استقر رأي الأشاعرة على أن ترتيب الخلفاء في الفضل كترتيبهم في تولي الخلافة: أو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي فقد ذهب إلى هذا إماما الأشاعرة: أبو الحسن الأشعري، وأبو حامد الغزالي، ولم يكن هذا الرأي منهما عن اجتهاد مبعثه الحيدة التامة في المفاضلة، بقدر ما هو اعتبار أن ما جرى فيما يتعلق بالخلافة الراشدة لابد أن يكون قد تم في اعتبارهم وفقاً لوجوب إمامة الأفضل.
إلى جانب هاتين الصفتين الرئيسيتين في الإمام: العصمة والأفضلية، صفات أخرى لا ترقى في الأهمية إلى جانب العصمة أو الأفضلية لا من حيث اتصاف الإمام بها، وإنما من حيث ما تشغله من اهتمام في كتبهم، هذا إلى أنها ليست فضائل قائمة بذاتها، وإنما هي تابعة ولازمة عن العصمة والأفضلية.
فالإمام أزهد الناس جميعاً، إذ لو كانت لديه رغبة في أمور الدنيا جمع حوله أمثاله من أصحاب المطامع فأين مقام الفقراء والمساكين، إذن لانتفت صفة العدالة فيه وبالتالي العصمة والأفضلية، أما إن كان زاهداً ارتفع الفقير بمشاهدة زهد الإمام عن ذل الفقر وتساوى في نظره الفقر والغنى وازدري الدنيا فلا يفتتن بزخرفها ولا يغريه المنصب، ولذا قال الإمام علي: يا دنيا غري غيري فقد طلقتك ثلاثاً، وقال: والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجزوم.
ولا يليق بالإمام أن يخادع أو يحتال وإلا لارتكب ما يخالف الدين باسم الدين، وليست السياسة المداهنة والرياء والدهاء، وإنما هي إدارة البلاد وتدبير العباد على أساس من تقوى، وهذا ما منع أميرالمؤمنين أن يصانع أهل النفوذ أو يجامل أهل الغدر أو يجاري أرباب الزيغ والارتياب، مع أن الناصحين قد نصحوه بذلك في بدء خلافته لأنه دون الحيلة عنده حاجز من تقوى الله، ولذا كان يقول: والله إن معاوية ليغدر ويفجر ولولا الدين لكنت أدهى العرب.
ولا يخشى الإمام في الله لومة لائم من حيث إنه لا يخشى الناس، وهو لا يجزع ولا يفزع في مواطن الهلع، وإنما يقابل المواقف العصبية برباطة جأش وثبات قلب واستنارة وجه وإيمان كامل بالله، ولقد كان أميرالمؤمنين أشجع الناس ففعل في غزواته مع الرسول ما فعل.
والإمام أوسع الناس صدراً، إذ لو سئم المراجعة والتردد وتبرم من السؤال والإلحاح وأهمل الدعوة والإصلاح لقصر بذلك في واجبات أمته (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) آل عمران آية 159.
هذه هي الإمامة الإلهية لا تماثلها أية إمامة زمنية، لم تكونها الصدف ولا قدمتها الظروف ولا أوجدتها المطامع والأغراض دون نظر لمصالح العباد ورعاية للهدى والرشاد، ولا غرابة أن يستنكر الناس قيام الإمامة الإلهية لأنهم اعتادوا أن يتسم الخلافة من هتكوا الحرمات واجترحوا السيئات واقترفوا المحرمات فلم يتصوروا إمامة من الله يجدون في ظلها العدل والرخاء والقرب من الله.

Heba Khled
08-31-2011, 05:00 AM
الاتجاه الفكري لمدرسة الإمام جعفر الصادق _ ع _
د. منصور الجمري


كثر الحديث في السنوات القليلة الماضية حول إمكانية الفكر الإسلامي مواجهة التحديات المعاصرة وإمكانية تخليصه من الشوائب والمعوقات الموروثة. وفي هذا السياق برزت أسماء لمفكرين عرب ومسلمين حاولوا فهم مكونات "العقل العربي" و"العقل الإسلامي"، كالدكتور محمد عابد الجابري والدكتور محمد أركون، والدكتور عبد الرحمن الطريري وغيرهم. والحديث عن "العقل"، هو الحديث عن قدرة الإنسان إدراك الأشياء على حقيقتها، وقدرة الإنسان تحديد رأيه في موضوع من المواضيع. ويرتبط بمفهوم "العقل"، مفهوم " العقلانية" التي يقصد منها قدرة الإنسان على تحديد موقفه الفكري، وسلوكه تجاه قضايا الحياة الاجتماعية والمعرفة، وقضايا العلوم التطبيقية. فالإنسان يحقق هدف إنسانيته من خلال تحكيم نظام عقلي يقوم على مجموعة من المبادئ والمسلمات والقوانين الأولية التي تتفق عليها كل العقول السليمة، وأن تلك المبادئ تتميز بالسمو والارتفاع، فوق الجزئيات، وفوق اعتبار الزمان والمكان. (أنظر الطريري/1993).
ولو رجعنا إلى القرآن الكريم، فإننا نرى الكثير من آياته تتحدث عن صيغ مشتقة أو مرادفة لكلمة العقل مثل {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون} (البقرة/242)، و{النجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} (النمل/12). ومن هذا المنطلق تناول علماء المسلمين مفهوم العقل وعلاقته بالشريعة وناقشوا المواضيع التي طرحت أسئلة في غاية الأهمية مثل: هل أن الشرع هو أساس الإيمان؟ أم أن العقل هو الأساس؟ فكثير من أمور الشرع لا يمكن إثباتها بالحجة والبرهان، ولهذا فإن الإشكالية التي تطرح نفسها هي: هل الحجة والحاكمية للشرع أم للعقل؟
العلاقة بين الشرع والعقل مسألة تتعلق بموضوع المعرفة، لأن المعرفة هي الرابطة التي تصل الإنسان بعالمه الخارجي. ولولا المعرفة لظل الإنسان أسيرا لذاته مثل المخلوقات غير العاقلة. فالمعرفة هي التي تفتح عقل الإنسان على الطبيعة المحيطة به، وتفتح أمامه الأسئلة حول ما وراء الطبيعة. وعلى هذا الأساس فإن نظرية المعرفة لدى الفلاسفة تحاول تعريف الوسائل التي تزود الإنسان بالمعرفة وطبيعة القنوات التي تربطنا بالعالم الخارجي.
يتفق الفلاسفة المسلمون وغير المسلمين على أن التكوين المعرفي يعتمد على نوعين أساسيين من العقلنة الإنسانية: الاستدلال والاستقراء. الاستدلال يمكن الإنسان من استخراج النتيجة العقلية بالاعتماد على مقدمات نظرية معروفة ومقبولة. أما الاستقراء فيمكن الإنسان من الوصول إلى نتيجة عقلية من خلال تتبع الجزئيات باستخدام التجربة (المعتمدة على الحواس الخمس) للتوصل إلى حكم نهائي.
والفلاسفة الأوائل يرون أن اعتقاد الانسان بشيء ما لا يمكن أن يكون يقينيا مطلقا ما دام هناك أدنى احتمال خطأ في المقدمات التي أوصلت إلى تلك النتيجة. ولهذا، فإن الشك اعتبر المحفز الرئيسي لتكون المزيد من المعرفة. وقد سعى الفلاسفة للوصول إلى العلم الأساسي والمعرفة التي لا تحتاج لدليل ولا تحتمل الشك للوصول إلى علم يقيني يمكن تأسيس العلوم والمعارف الأخرى عليه. وهنا يشير الإمام الصادق (ع): "أما إذا خرجت من الأفكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة".
لا شك أن وصول هذه الأفكار التشكيكية إلى المسلمين (بعد ترجمة الكتب اليونانية التي بدأت في عهد الإمام جعفر الصادق) كان لها أبلغ الأثر في دفع رواد الفكر الإسلامي لمواجهة الكثير من الإشكاليات التي طرحت نفسها على الساحة. ولقد ساعدت الاوضاع السياسية الإمام الصادق، كما عبر عنه أسد حيدر (1969)، "بين شيخوخة الدولة الأموية وطفولة الدولة العباسية، إذ اتسع المجال للصادق لنشر العلم وبث الأحكام الشرعية والتعاليم النبوية". فبين ميلاد ووفاة الإمام الصادق في 702 - 765م، عاصر ثمانية من ملوك بني أمية واثنان من ملوك بني العباس. وبسبب تلك الظروف اشتهر الإمام الصادق في ذلك العصر واتسع ذكره وتوسعت مدرسته الفكرية التي كان يدرس فيها أربعة آلاف عالم، اشتهر عنها حرية القول وحرية النقض والإبرام في شأن الحقائق الدينية والعلوم الطبيعية.
وفي الوقت الذي ركز الفكر اليوناني على النظريات والعموميات والنهج الاستدلالي، كان الإمام الصادق يخضع بحوثه للنهج التجريبي معتمدا على القرآن الذي ركز على الاعتبار بالمحسوس المتمثل بالواقع، وحث على رفض المسلمات والعموميات التي تحكم مقدما على أي أمر واقع. ولذا فإن مدرسة الإمام الصادق بالمدينة المنورة احتوت على علماء ومتخصصين في جميع المجالات العلمية المتطورة في ذلك الحين، مثل الفيزياء والكيمياء والطب وعلوم الجغرافيا والفلسفة، بالإضافة طبعا للعلوم الدينية كعلم الحديث والفقه.
يقول الإمام الصادق (ع): "اطلبوا العلم ولو بخوض المهج وشق اللجج"، ويقول لتلامذته "اكتبوا، فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا"، (أنظر سليمان كناني/1991). هذا التأكيد على الجانب التجريبي والبحث العلمي المستمر، مكن تلامذة الإمام الصادق من استيعاب الفكر اليوناني دون الإخلال بمرتكزات الفكر الإسلامي. ولذلك فإن الإمام الصادق واجه المشاكل المطروحة في عصره حول الجبر والاختيار، والقضاء والقدر، بانفتاح وحرية لا زالت رمزا لكل من طلب الانعتاق من الاغلال. فهاهو الإمام الصادق يتحدث بطول نفس مع الزنادقة الذين لم يؤمنوا بالإسلام، ولا يغضب عندما يسأله أحد الزنادقة "كيف يعبد الله الخلق ولم يروه؟"، ويجيبه الإمام "رأته القلوب بنور الإيمان وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثم الرسل وآياتها، والكتب ومحكماتها، واقتصر العلماء على ما رأوه من عظمته دون رؤيته" (أنظر الجندي/1977).
ولهذا فإن الإمام الصادق يقول "اطلبوا العلم، فإنه السبب بينكم وبين الله". ويؤسس الصادق نظرية عقلية بقوله "الحسن الجوهر هو العدل، لأنه علة كل حسن، والجور هو القبح لأنه علة كل قبح". وبهذا يتضح العمق الفكري والسياسي للصادق عندما يربط الظلم والجور بكل نتيجة قبيحة ويربط العدل بكل نتيجة حسنة.
على أن الإمام الصادق وقف موقفا رافضا لمبدأ "القياس" لأنه وجد ذلك تحديدا للمنهج الفكري الذي نشره بين تلامذته. فالإمام أبو حنيفة استخدم "القياس" كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي واستنبط أحكاما شرعية على أساس مقارنة حالة معينة بحالة أخرى. اذا كان القياس منصوص العلة فهو مقبول، أما إذا كان مختلف العلة فيرفض قبوله. بمعنى ان قياس الاحكام دون النظر إلى العلة مرفوض. فمثلا: علة تحليل الخمر هو الاسكار ولهذا فان أي مسكر يصبح حرام. ولكن القياس الشكلي قد يؤدي إلى تحريم كل شيء يشبه الخمر وان كان ليس مسكرا. وقد يحلل ايضا مسكرا لانه لايشبه الخمر الذي ورد ذكره في القران والسنة. ولعل من أفضل الردود المعاكسة لمنهج القياس ما ورد على لسان جابر بن حيان، تلميذ الإمام الصادق (ع) وأبو الكيمياء وصاحب أقدم مختبر كيميائي عرفه التاريخ. فالقياس يشبه "المجانسة" و"مجرى العادة"، ويشرح جابر بن حيان ذلك بالقول "ومن دلالة المجانسة دلالة الأنموذج كمن يريك بعض الشيء دلالة على كله، وهو استدلال وغير قاطع. إذ الأنموذج لا يوجب وجود شيء من جنسه يساويه تماما في الطبيعة والجوهر". (أنظر الجندي/1977). ويشير إلى مجرى العادة قائلا: "وكذلك دلالة مجرى العادة، فإنه ليس علم يقين اضطراري برهاني أصلا، بل علم إقناعي يبلغ أن يكون: أجرى وأولى وأجدر لا غير. وليس في هذا الباب علم يقين واجب".
واستتباعا لذلك فإن الإمام الصادق علم تلامذته الأخذ بالدليل الاستقرائي لتحصيل المعرفة الإنسانية والكونية، معتبرا القرآن مصدرا إلهيا للمعرفة الدينية الموجهة للمعرفة الإنسانية وليست البديلة عنه. فجابر بن حيان هو القائل في حق الإمام الصادق: "وحق سيدي، لولا أن هذه الكتب باسم سيدي صلوات الله عليه لما وصلت إلى حرف من ذلك إلى الأبد". ويقول جابر مسترشدا بتعاليم الإمام الصادق: "اتعب أولا تعبا واحدا، واعلم. ثم أكمل، فإنك لا تصل أولا ثم تصل إلى ما تريد". ويقول أيضا: "من كان دربا مجربا، كان عالما حقا، ومن لم يكن دربا لم يكن عالما، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع، لأن الصانع الدرب يحذق، وغير الدرب يعطل". ويقول جابر "عملته بيدي وبعقلي، وبحثته حتى صح، وامتحنته حتى كذب" (أنظر الجندي/1977).
إن هذا الفكر المشرق للإمام الصادق يدحض ما قاله الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي" عندما ذكر: "أقرر أن الحركة في الثقافة العربية كانت وما تزال حركة اعتماد لا حركة نقلة، وبالتالي فزمنها يعدها للسكون لا الحركة على الرغم من كل حركتها، والدليل أن الفكر الشيعي فقها وكلاما وسياسة اكتمل مع جعفر الصادق". ولا بد لنا من الاعتراض على من يسمي فكر الإمام الصادق "شيعيا"، لانه فكر اسلامي عام تعاطى مع مفردات المعرفة كافة كالكيمياء والرياضيات والفلك والجغرافيا وغيرها مما سجل له اعلام الفكر سبقه إلى هذه الميادين الواسعة الافاق. الإمام الصادق كان قائدا إسلاميا تعاطى مع جميع المسلمين دون تفريق وفتح آفاق العلم مستلهما ما انتجته الحضارة الإنسانية انذاك ومطورا لها - بعد أسلمتها - ودافعا لها نحو التجديد المستمر والبحث المعتمد أساسا على المنهج التجريبي الاستقرائي، والمستلهم هداه من وحي القرآن الكريم.
مراجع:
(1) أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، دار الكتاب العربي، 1969.
(2) المستشار عبد الحليم الجندي، الإمام الصادق، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1977.
(3) د. محمد شريف، (مقال صحافي)، دعوة إلى تدقيق العلاقة بين العقل والإيمان، جريدة الزمان، 10/11/1999.
(4) سليمان كناني، الجانب الاجتماعي والسياسي في شخصية الإمام الصادق، مؤتمر الإمام الصادق (ع) الدولي، دمشق، 26/9/1991.
(5) د. عبد الرحمن الطريري، العقل العربي وإعادة التشكيل، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، 1993.
(6) د. طراد حمادة، نقد الجابري للعقل العربي وسمعة الابستمولوجيا، المنهاج، العدد الأول، 1996.
(7) د. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988.
(8) د. زهير غزاوي، التيار العلماني العربي ودراسة فكر الإمام الصادق، المنهاج، العدد السابع، 1997

Heba Khled
08-31-2011, 05:02 AM
الإسلام والديانات السماوية
محمد ظفر الله خان

إن رسالة موسى _كما أنزلت وكما يصورها القرآن الكريم _ تختلف عن "اليهودية" التي يتبعها اليهود والتي يتخذون منها أساساً للترابط في قيام دولة إسرائيل المعاصرة، يقول الله عز وجل في وصف رسالة موسى:
(أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة).
... فقد وصف "كتاب موسى" بأنه كان قبل القرآن إماماً للبشرية ورحمة لهم. وجاء القرآن شاهداً عليه ومؤيداً لما جاء به وهو (أي القرآن) لذلك إمام ورحمة للناس جميعاً..
بينما يقول في وصف اليهودية من بني إسرائيل:
(وقالوا (أي أهل الكتاب) كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا!.
قل: بل ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين.
قولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق.
ويعقوب والأسباطِ، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون.
فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق، فسيكفيكَهم الله وهو السميع العليم. صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة، ونحن له عابدون).
(أم تقولون: إن إبراهيم، وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب والأسباطِ، كانوا هوداً أو نصارى؟ قل أأنتم أعلم أم الله).
فالقرآن _فيما يحكيه عن المولى جل شأنه هنا _ لا يقبل اليهودية "أو النصرانية" كدين لهداية البشرية وإنما دين الله مصدر هدايته هو: "ملة إبراهيم حنيفاً".
فاليهودية أو "النصرانية" دين فريق مقيد من البشر، وليست الدين الذي هو للناس جميعاً، وهو وحده الذي يقبل عند الله وهو الدين الذي جاءت به الرسل جميعها.
ثم في قوله تعالى: (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين).
ينفي أن يكون إبراهيم عليه السلام يهودياً، ثم يثبت أنه كان مسلماً وهذا يوضح أن هناك إختلافاً وفجوة بين ما لليهود من يهودية... وبين ما عليه المسلمون من إسلام الذي هو رسالة الله منذ إبراهيم حتى محمد بن عبد الله عليهما الصلاة والسلام.
وتختلف اليهودية عن كتاب موسى كما تختلف عن ملة إبراهيم، وعما أنزل إلى الرسل جميعاً:
فكتاب موسى، ورسالة إبراهيم وما أنزل على الرسل من بعدهما هو الإسلام الذي جاء به القرآن مصدقاً لما بين يديه من هذه الرسالات..
وإذن:
هنا رسالة الله، أو الإسلام، وهي الرسالة الإلهية منذ إبراهيم... حتى موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
وهنا شيء آخر يختلف عنها وهي: يهودية بني إسرائيل.
والحديث كذلك عن اليهودية ليس هو الحديث عن دين الله أو عن رسالته للبشرية التي هي الإسلام منذ إبراهيم عليه السلام.
والسؤال الآن: بم تختلف اليهودية عن كتاب موسى؟
ويجيب القرآن الكريم أيضاً عن هذا السؤال في مثل ما يذكره قول الله تعالى:
(وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه
قل: فلم يعذبكم بذنوبكم؟
بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير).
وقد كان بنو إسرائيل يدعون أنهم أولاد إبراهيم عليه السلام ولذا لا يعاقبون على ذنوب يرتكبونها، وإن عوقبوا عليها _على أسوأ الفروض _ فلمدة قصيرة. ولذا جاء القرآن _كرسالة لله _ ينفي هذا الادعاء، ويؤكد أن الناس جميعاً سواء أمام الجزاء، وأنه لا فرق بين مجموعة وأخرى، ولا بين شعب وآخر في ذلك.
... جاء قول القرآن هذا في قوله:
(وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة!
قل: أتخذتم عند الله عهداً، فلن يخلف الله عهده؟
أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟
بل: من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون).
... فشعب بني إسرائيل ليس شعباً "مختاراً" يتميز عما سواه من الشعوب كما تنطق رسالة الله في القرآن، وإن إدعى اليهود ذلك لأنفسهم.
والذين يكفرون "بروحية" الدين تحت تأثير الاتجاه المادي في الإيمان بالله، ويباشرون هذا الإتجاه في ارتكابهم الجرائم الإجتماعية رغم إعطائهم العهد والميثاق على عدم ارتكابها، لا يستبعد منهم أن يخالفوا هذه الروحية في تمييز أنفسهم عن سواهم بعد أن يعلنوا الإيمان بها:
1_ فقد طالبوا برؤية الله عياناً كطريق للإيمان به:
(يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات).
2_ وباشروا الجرائم الإجتماعية، رغم المواثيق المؤكدة على عدم ارتكابها:
(وإذ أخذنا ميثاقكم:
لا تسفكون دماءكم
ولا تخرجون أنفسكم من دياركم، ثم أقررتم وأنتم تشهدون. ثم أنتم هؤلاء:
تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، وأن يأتوكم أسارى تفادوهم، وهو محرم عليكم إخراجهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون).
_ واستمر شعب بني إسرائيل نفسه تحت تأثير "المادية" قروناً وأجيالاً عديدة حتى اليوم، رغم سلسلة من الأنبياء توضح لهم رسالة موسى، ورغم أن عيسى جاء على أثرهم برسالة الله اليهم مرة أخرى (وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه) ورغم مناشدته إياهم أن يسمعوا لصوت الآيات، ورغم توضيحه لما اختلفوا فيه عن كتاب الله: (وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل). (وإذ قال عيسى بن مريم: يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة).
ومما اختلفوا فيه عن كتاب الله قولهم، إنهم شعب الله المختار، ومع ذلك ظلوا ماديين ومدعين لأنفسهم بسبب ماديتهم ما يتفوقون به على غيرهم. ولهذا كانوا ظالمين لأنفسهم:
(ولما جاء عيسى بالبينات قال: قد جئتكم بالحكمة، ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه (أي عن كتاب الله) فاتقوا الله وأطيعون.
وإن الله هو ربي وربكم فاعبدوه، هذا صراط مستقيم. فاختلف الأحزاب من بينهم، فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم).
فبنوا إسرائيل ظلوا مختلفين عن دين الله ورسالته على عهد موسى. ثم اختلفوا كذلك عن دين الله ورسالته على عهد عيسى: منهم من كفر به وبرسالته، ومنهم _وهم قلة _ أصبحوا حواريين له وهم الذين أخذوا إسم "النصارى" من أبناء هذا الشعب الإسرائيلي: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله، آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون). واختلافهم عن دين الله ورسالته _سواء على عهد موسى، أو على عهد عيسى عليهما السلام _هو على نحو إدعاءاتهم التي سجلها القرآن الكريم عليهم فيما يحكيه عنهم:
من قولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه).
وقولهم: (لن تمسنا النارُ إلا أياماً معدودة).
وقولهم: إن إبراهيم كان يهوديا، فيما ينفيه القرآن في قوله:
(ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً).
(وقولهم على مريم بهتانا عظيما).
ومن قولهم: (إنا قتلنا المسيح بن مريم رسول الله).
(وأكلهم أموال الناس بالباطل)...
وقد جاء القرآن بعد ذلك يناشدهم عدم الغلو في الدين، وعدم اتباع الهوى. ولكن ظل نداؤه إياهم بغير جدوى. واستحقوا بسبب ظلمهم لأنفسهم واختلافهم عن دين الله اللعن من الله جلت قدرته:
(قل يا أهل الكتاب: لا تغلوا في دينكم غير الحق).
(ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل).
_ فاستعلاء شعب إسرائيل اليوم في دولتهم المعاصرة على أساس من عقيدة اليهودية يحول دون أن يكون "الدين" من مقومات الدولة كدولة عصرية، يجب أن تسوي بين جميع الأفراد في الإعتبار البشري وفي حرية العقيدية.
وتأثر شعب إسرائيل اليوم في دولتهم المعاصرة بالإتجاه المادي _الذي ظل طوال تاريخهم لا يجعل "اليهودية" أيضاً ديناً يعتبر أو لا يعتبر من مقومات دولة عصرية. أي أنه يحول دون إعتبار اليهودية ديناً أولاً.
و "اليهودية" إذن لا تصاحبها خصائص الرسالة الإلهية وخصائص دينية وأبرز هذه الخصائص.
أولاً: المساواة في الإعتبار البشري: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم). (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً، ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وثانياً: "روحية" الدين وهي تلك الروحية التي تحول دون الجرائم الإجتماعية في الأموال والأعراض والأنفس والتي تحمل على تجاوز دائرة الطفولة البشرية في التفكير والإعتقاد.
فلا يقف تفكير المؤمن بدين الله وروحية هذا الدين عند حد المحسوس والشاهد، كما لا يجمد إعتقاده وإيمانه بما يحسه فقط، ويرفض كل ما عدا المحس إن فكر أو اعتقد. ولذا يرفض الإيمان بالله لأنه لا يحس:
(ذلكم الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل
لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصارَ وهو اللطيف الخبير).
_ فالإتجاه المادي من شأنه أن يفرق حتى بين الإخوة، والدين من شأنه أن يكتل ويجمع حتى بين الأعداء: (.. واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون).
_ الإتجاه المادي يشجع "الأنانية" و "الفردية". والدين يشجع روح الجماعة والمشاركة، على حساب الذات وشهواتها. والأنانية هي داء المجتمع وعدوه الأول.. هي مصدر الخصومات والأحقاد.. هي مصدر الإستغلال والإحتكار.. هي مصدر العبث والفساد عن طريق الترف والمبالغة في المتعة المادية.. هي مصدر القتل وإشاعة الفحشاء والمنكر.. هي مصدر الشرك والإنتهازية والنفاق.
ولذا لا يصدق إطلاقاً أن أية إيديولوجية تدعو إلى المبادلة أو المنفعة المادية وحدها تصبح عقيدة أو ديناً، فضلاً عن أن تكون ذات أثر إيجابي في حياة من يدعي أنهم يؤمنون بها.. لا يصدق مطلقاً: أن مذهباً مادياً في الحياة يشيع روح الإنسانية أو يستهدف المستوى الإنساني في المجتمع.
والإتجاه المادي يطلب إقتناص الفرصة في جمع المال والمتع الدنيوية، والدين يطلب الزهد فيها لصالح الإيمان بالله والقيم العليا.. يطلب التضحية حتى بالنفس بعد المال والولد.
و "اليهودية" المادية إذن و "اليهودية" التي تدعي أنها دين "النخبة" ودين "الشعب المختار" لو تأسست عليها الدولة العصرية، دولة المساواة في الإعتبار البشري لكانت عوامل الفرقة فيها متعددة ولكان الصراع الداخلي أشد وأعنف فيها، وهي عوامل العنصرية والإنتهازية المادية.
ولكنها في الآونة الحاضرة لا يبدو التفرق في مجتمعها ولا التمزق الداخلي فيه بسبب التركيز على "توسعاتها" وعلى ما يضمن لها شبه الإستقرار ويكفل لها أمنا خارجياً.
وعوامل العنصرية إذا أوحت بها عقيدة كان تمزيقها للوحدة الداخلية أمراً لا مفر منه إن عاجلا أو آجلاً وعوامل الإنتهازية المادية لا تسبب فرقة الأنانية فحسب، وإنما مع ذلك تجعل الأخ يحقد على أخيه ويغدر به ويتسلط عليه إن أمكن، في سبيل تحصيل المتعة المادية.
_ ولنحاول أن نتعمق في التاريخ لنتعرف على متابعة اليهود للدين الإسلامي حتى نستطيع أن نحكم على هذه الطائفة.. في وضوح.. وعدل.. وعلى الدوام.. ومن خلال حياتهم عبر العصور لا من خلال فترة ما بعد البروتوكولات... وفقط..
لقد أثبتت الوثائق العلمية أن اليهود ترقبوا الدين الإسلامي.. ومطلع الدعوة المحمدية.. حتى أنهم تركوا الأرض.. واتجهت عناصرهم المفكرة والرئيسية إلى الصحراء القاحلة في المدينة، وبالقرب من مكة.. وزعموا أنهم جاءوا إلى هذه المنطقة.. تاركين خلفهم الأرض السهلة والبلاد الخصبة.. إنتظاراً لنبي سيظهر في هذه الأرض.. فيتبعونه لأن كتبهم تنبئهم بذلك..
قالوا هذا لقبائل العرب.. فتركوهم وشأنهم إذ أنهم أهل إيمان بالله والعرب قوم وثنيون..
ولكن اليهود.. بعد أن استقر بهم الأمر.. بدأوا يقيمون الحصون.. ويوسعون في رقعة أرضهم.. ويعملون فيما لا يعمله العرب ويكونون الثروات، ويتدربون على القتال وإستعمال الأسلحة.
ولما أثار هذا شك العرب، واستفسروا عنه، خاصة وأن أحداً لم يحتك بهم أو يحاول الإعتداء عليهم كانوا يجيبون بما لا يضمرون..
أما الحقيقة.. فهي ملاقاة محمد ورسالته.. وحتى يمثلوا مع النبي دورهم مع المسيح.. يقاتلونه.. ويشرعون في قتله إن استطاعوا.. لكيلا ينتشر دينه، وليخلو لهم الجو مع الدين الجديد يصارعونه ويقتلون قادته ثم يقضون عليه تماما.. لأن الإسلام دين آخر.. يختلف عنهم، وعن المسيحية، وفي انتشاره وتعمقه في النفوس.. قضاء على ما سواه..
هكذا كانوا يفكرون.. ومن أجل هذا كانوا يعملون ويستعدون ولم يتبع اليهود النبي.. ولم يؤمنوا بالإسلام.. وإنما كانوا حرباً عليه من اللحظة الأولى.. ولكن الأمر إنتهى بهم من غير طائل.
وانتشر الإسلام..
وقويت جماعة المسلمين..
وتحرك اليهود يكشفون عن نياتهم ومؤامراتهم، ويواجهون المسلمين في وضوح وصراحة بالعداء.. ويؤلبون عليهم العرب.. وينضمون إليهم في قتالهم للمسلمين.
ومن خلال المرور العاجل لوصف القرآن لهم، تبرز بعض جوانب مؤامرة اليهود ضد المسلمين الأول وقد قضى الله سبحانه وتعالى على هؤلاء اليهود في حروب المسلمين معهم سواء مع بني قينقاع أو بني النضير أو بني قريظة، وأخيراً في خيبر..
ومن هذا المنطلق والوضع.. نجد صفات اليهود التي يحذر القرآن المسلمين منها ويعلمهم إياها.
فمن هذه الصفات الكثيرة التي ذكرها لنا القرآن الكريم:
مغرورون:
إنهم مغرورون.. فقد ذهب رسول الله (ص) مرة إلى حيث يتعبد اليهود يتدارسون كتابهم، ودعاهم النبي إلى الإسلام فصمتوا، ولم يتحدث واحد منهم، ثم بدد الصمت النعمان بن عمرو والحارث بن زبير إثنان من أحبار اليهود ليسألا سؤالا غريباً: "على أي دين أنت يا محمد؟".
فيقول لهم الرسول "على ملة إبراهيم ودينه.." فيجيبان: "إن إبراهيم كان يهودياً".
فيسألهما النبي عن أي سند لهما فيما يقولان وعمن تعلماه وأين وجداه؟ فيجيبان أنهما يجدانه في كتابهما المقدس، فيرد عليهما رسول الله (ص) "فهلم إلى التوراة فهي بيننا وبينكم.." فرفضا.. لينتهي هذا اللقاء كما بدأ من غير طائل.. ولينزل قول الله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون. ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون).
وسفهاء
ويصفهم القرآن مرة أخرى بأنهم سفهاء إذ عندما استجاب الله سبحانه وتعالى لدعاء نبيه وتحولت القبلة من المسجد الأقصى الحرام.. صعق اليهود، وسارع وفد من أحبار اليهود إلى لقاء النبي (ص) ليساوموه على أن يعود إلى القبلة الأولى، وهم يدخلون في الدين الإسلامي، وظلوا يساومون النبي.. والنبي يقول لهم: إن هذا هو أمر الله.. ولا يملك هو إلا طاعته.. ولم يقتنعوا ولم ييأسوا، وانصرفوا غاضبين مقهورين، لينزل فيهم قول الله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم).
وأتباع شياطين:
وأشمل الأوصاف.. من بين أوصاف عديدة يذكرها القرآن الكريم لليهود.. أنهم أتباع شياطين، وكان هذا إثر محاورة مع النبي (ص) يذكرها عبد الله بن عبد الرحمن فيقول: أن نفراً من أحبار اليهود جاءوا إلى رسول الله (ص) فقالوا: يا محمد أخبرنا عن أربع نسألك عنها، فإن فعلت ذلك إتبعناك وصدقناك وآمنا بك فقال لهم رسول الله (ص) عليكم بذلك عهد الله وميثاقه.
قالوا: نعم.
قال: فاسألوا عما بدا لكم.
قالوا: فأخبرنا كيف يشبه الولد أمه. وإنما النطفة من الرجل.
فقال لهم: هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما علت صاحبتها كان لها الشبه.
قالوا: اللهم نعم..
قالوا: فأخبرنا كيف نومك؟
قال: تنام عيني وقلبي يقظان.
قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه.
قال: هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها فحرم على نفسه الطعام والشراب.
فقالوا: اللهم نعم.
قالوا: فأخبرنا عمن يأتيك بالوحي..
قال: هل تعلمونه جبريل وهو الذي يأتيني.
قالوا: اللهم نعم ولكنه يا محمد لنا عدو وهو ملك إنما يأتي بالشدة ويسفك الدماء ولولا ذلك لاتبعناك.
فانصرفوا. لينزل الله قوله تعالى: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) إلى قوله تعالى: (أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون. ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر).
و.. أوصاف أخرى...
وصدق الله إذ يقول جل شأنه: (لتجدنَّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود)
-------------------------------
المصدر: الاسلام والانسان المعاصر

Heba Khled
08-31-2011, 05:04 AM
انفتاح الاسلام على الثقافات الاخرى
محمد احمد بدوي


ان الإنفتاح على ما هو خارج الذات استعداد فطري لضرورته لتلبية الحاجات البيولوجية الأولية، وكذلك الحاجات النفسية الأولية كالحب والعطف، وأول ذلك بحث الطفل عن ثدي أمه. ويتسع ميدان الإنفتاح ويعمق الأخذ والعطاء بتقدم السن والخبرة.
والأمم _ومثلها في ذلك مثل الطفل والحيوان ينتابها الإنغلاق والتقوقع والتجمد كوسيلة دفاع في بعض المواقف، وهذا مسلك فطري، ودافع النجاة من المخاطر فطري كذلك. وقد يكون الإنغلاق، ومنه الإنحسار والهرب، مكتسباً بمرتبة عالية من التفطن والخبرة، كما فعل خالد بن الوليد في غزوة مؤتة.
وقد تأتي نوبات الإنغلاق والتقوقع _وقد أتت فعلاً في التاريخ الإسلامي _ عند إحساس الأفراد والأمم بالاكتفاء الذاتي الحقيقي والمزيف _وغالباً ما يكون مزيفاً _ وقد سبق كل كارثة أصابت العالم الإسلامي حالة من حالات الشعور المزيف بالأمان والتفوق، وكان ذلك قبل هجمة الصليبيين وقبل هجمة المغول، وقبل الحملة الفرنسية، وقبل نكسة سنة 1967 حين قال قائد القوات المسلحة المصرية في أحد الاحتفالات السابقة على النكسة: نحن نملك أقوى قوة ضاربة في الشرط الأوسط.
معالم بارزة في تاريخ الانفتاح الإسلامي على الثقافات الأخرى
كان القرآن الكريم _ولا يزال _ نافذة على الأمم والتاريخ منذ أوائل نزوله، فقد أطلع العرب والعالم على حضارات سبقت واندثرت، وعلى ديانات مضت، وعلى أمم معاصرة لنشأة الإسلام، فارس والروم، وساق من قصصهم وحياتهم ما فيه عبرة لأولي الألباب، وحكى أنواعاً من سلوك الأمم وعاداتها وتقاليدها وفساد مناهجها، فحكى عن قوم نوح وأصحاب الرس وثمود، وعاد وفرعون وإخوان لوط، وأصحاب الأيكة وقوم تبع، وما أصابهم من سنن الله من الظالمين والطاغين، وعبّر القرآن الكريم عن بعض القوانين الاجتماعية، وترك للإعتبار استنتاج غيرها بعد ذكر العناصر التي تؤدي إلى استنتاجها.
وجاءت الأخبار الموثقة بأصح الأسانيد عن النبي (ص) وانفتاحه على الثقافات الأخرى، وعدم التحرج من الأخذ منها، فقد روى مسلم في صحيحه عن جدامة بنت وهب الأسدية في كتاب الرضاع، أنها سمعت رسول الله (ص) يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم، (والغيلة وطء المرضع).
وروى البخاري في كتاب العلم عن أنس بن مالك، قال: كتب النبي كتاباً أو أراد أن يكتب، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة، نقشه محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده.
ولما هاجر النبي (ص) إلى المدينة أخذ نساء المهاجرين من أدب نساء الأنصار، فقد روى الشيخان عن عبد الله بن عباس في سؤاله عن المرأتين اللتين قال الله تعالى فيهما: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)، فقال عمر في قصته عن ذلك: ... وكنا معشر قريش نغلب النساء. فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار، فصخبت على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني. قالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه...
ولم يكن حفر الخندق للدفاع معروفاً عند العرب، لكنه كان من فنون الفرس، وكان الذي أشار بحفره سلمان الفارسي، فقال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا، خندقنا علينا، فأمر رسول الله (ص) بحفره، وعمل فيه بنفسه.
ولم يكن العرب يعرفون العبرانية، فأمر رسول الله (ص) زيد بن ثابت أن يتعلمها فتعلمها ومما يدل على أنهم لم يكونوا يعرفون العبرانية ما روى البخاري في كتاب التوحيد عن ابن عمر قال: أتى النبي (ص) برجل وامرأة من اليهود قد زنيا، فقال لليهود: ما تصنعون بهما؟
قالوا: نسخّم وجوههما ونُخزيهما. قال: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فجاءوا فقالوا لرجل ممن يرضون: يا أعور اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع فيها، فوضع يده عليه. قال: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيه آية الرجم تلوح. فقال: يا محمد إن عليهما الرجم، ولكنا نكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما.
وعن تعلم زيد بن ثابت للعبرانية روى ابن سعد في الطبقات عن زيد بن ثابت، قال: قال لي رسول الله (ص): إنه يأتيني كتب من أناس لا أحب أن يقرأها أحد، فهل تستطيع أن تتعلم كتاب العبرانية أو السريانية؟ فقلت: نعم فتعلمتها في سبع عشرة ليلة.
ومضى المسلمون في هذا الانفتاح الشامل حتى نقلوا كتب اليونان والرومان والفرس إلى العربية في أواخر عهد بني أمية والدولة العباسية.
وتلى ذلك الانفتاح فترة انغلاق واكتفاء ذاتي وتقوقع طويلة، كانت تتخللها فترات صحو متفرقة الأماكن والأزمنة. كان المسلمون سكرى بما أحرزوا من تقدم وتفوق حوّله المتصوفة إلى سكر ونشوة بتفوق المكانة والمنزلة عند الله في الدار الآخرة، بل نشوة في الدنيا لو عرفها الملوك لجالدوهم عليها بالسيوف. كان يقال ذلك في الوقت الذي كانت خيول المغول تطحن بلاد الإسلام وتستولي على بغداد في الوقت الذي استقر فيه الصليبيون في الشام وفلسطين وكوّنوا فيها ممالك صليبية وأسراً مللكة.
كانت الدولة العباسية قد تمزقت، فقامت في داخلها دويلات كانت تنهض وتزدهر فترات صغيرة، ثم ينتابها الوهن والضعف والانهيار، وانشغلت بالحروب فيما بينها وبين الدولة الأم.
ثم اجتالت الجميع النوازل من الحروب الصليبية مدة القرنين السادس والسابع الهجريين (من 489ه‍ إلى 691ه‍) (من 1096م إلى 1291م).
وعاصرت الهجمة المغولية الهجمة الصليبية، فقد أنفد جنكيز خان رسله سنة 612ه‍ إلى علاء الدين شاه ملك خوارزم، ثم تلا ذلك عنفوان الهجمة المغولية فأطبقت على المسلمين من الشرق بينما كانت الحملات الصليبية متجهة إلى مصر لأنها مركز المقاومة، ومن أهم الحملات الصليبية على مصر حملة جان دي برين التي هاجمت دمياط سنة 616ه‍ في الوقت الذي كان فيه جنكيز خان يطبق بجيوشه على دولة خوارزم بقيادة علاء الدين، ثم بقيادة ابنه جلال الدين، ثم قضوا عليه سنة 628ه‍، وسقطت بغداد في يد المغول سنة 656ه‍، وضغط المغول في اتجاه مصر، وانتصر المسلمون في معركة عين جالوت.
كان على المماليك بقيادة خليل بن قلاون أن يواجهوا الصليبيين المستقرين في باقي ممالكهم في فلسطين، والمغول الذين استقروا في دمشق، فأوقع الهزيمة بالمغول، وأبعدهم نهائياً عن بلاد الشام وأخذ من الصليبيين عكا آخر معاقلهم.
لم يفق المسلمون من سكرتهم بهذه المحن بل استمر بهم الهُوى إلى القاع من التخلف والعيش في الخرافات والكرامات والخوارق وازدهار الطرق الصوفية طيلة القرون التي تعاصر فيها التخلف الأوروبي، واستمرت أوروبا في نهضتها ونحن مازلنا في طريقنا إلى القاع من التخلف في العهد العثماني طيلة القرون من العاشر إلى الثالث عشر الهجريين.
الانفتاح الإسلامي في العصر الحديث
جاءت الحملة الفرنسية على مصر والمسلمون في قاع التخلف الذي ليس بعد عمقه عمق يمكن أن تصل إليه المجتمعات، ولم يتم اكتشاف هذا القاع وعمقه واتساعه إلا بالحملة الفرنسية، كما لم تعرف الهوة بيننا وبين اسرائيل في العلم والصناعة إلا بالنكسة سنة 1967م.
وأعطانا الجبرتي صوراً مبكية لما قابل به علماؤنا العلماء الفرنسيين وما قاموا به من أفعال استعراضاً للعضلات وتخويفاً وإرهاباً، ومنها بعض التفاعلات الكيمياوية البسيطة التي تتغير بها ألوان السوائل، وأعطانا الدكتور زكي نجيب محمود في مقاله: (تلك هي القضية) بأهرام 5/6/1405 (25/2/1985) صورتين أخريين، أولا هما إيقاف المشايخ صفاً واحداً يمسك أحدهم بيد التالي له ومس الواقف الأول بسلك مكهرب فسرت رعشة الكهرباء في أجسام الجميع. أما الصورة الثانية فهي سؤال أحد المشايخ العلماء الفرنسيين: هل في علمكم الجديد ما يجعل إنساناً موجوداً هنا وموجوداً في بلاد الغرب في وقت واحد؟ فأجابوا بالنفي، فرد هو قائلاً: لكن ذلك ممكن في علومنا الروحانية، ومهما كانت الصورتان مختارتين لخدمة هدف المقال، فإنهما ليستا كل ما حدث.
نهضة محمد علي
إن نهوض محمد علي بمصر وانفتاحه على علوم الغرب هو بدء النهوض الحقيقي الذي لم ترض عنه أوروبا فوأدته في المهد. أما الحملة الفرنسية فلم يترتب عليها أي عمل إيجابي، لا شعبي ولا حكومي في اتجاه الانفتاح، على عكس ما يرى الدكتور زكي نجيب محمود في مقاله: (تلك هي القضية) من عزو الانفتاح وبدء التقدم إلى الحملة الفرنسية، فإن الخلفية التي كانت وراء نهضة محمد علي قد تكونت لديه قبل مجيء الحملة الفرنسية بسنين طويلة من بدء أن كان جندياً بسيطاً في الجيش العثماني.
إن الانفتاح الإسلامي بعد طول انغلاق وتقوقع لبضعة قرون متطاولة(من 5 إلى 12ه‍) لم يبدأ مجسماً ومجسداً بإجراءات رسمية وبعوث إلا على يد محمد علي، وإنها وإن كانت قسرية إرغامية، إلا أنه لم يكن ينفع إلا هذا، ولا يناسب إلا هذا.
ومنذ بدأت النهضة الحقيقية انقسم الناس إزاء هذا الانفتاح إلى ثلاثة فرقاء:
1_ فريق الرافضين للانفتاح ولما يجيء من أبوابه جميعاً. ومن المفارقات المضحكة أن هؤلاء الرافضين للانفتاح على علوم الغرب وتقنياته هم أسرع الناس إلى التمتع بمنتجاتها.
2_ فريق قابل لكل ما هب علينا من أبواب الانفتاح من تيارات مادية ومعنوية إلى درجة الانمياث فيها، وقد دعا الدكتور طه حسين في كتاب: (مستقبل الثقافة في مصر) إلى الانسلاخ كلية من الثقافات الشرقية إلى الثقافات الغربية.
3_ فريق منهجي لا أرى إلا أنهم من الذين عناهم الرسول (ص) كما روى البخاري في صحيحه عن معاوية، وقال سمعت رسول الله (ص) يقول: لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من كذّبهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
هذه الطائفة موجودة في كل المواقف التي وقفتها أمتنا إزاء الأحداث الكبرى، تقوّم المعوج وتهدي إلى المنهج كلما صرفتنا عنه الصوارف من داخل أو من خارج.
وكانت بين الفرقاء معارك طاحنة طيلة القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين (19 و20م) فكان منها معارك بين الرافضين والقابلين، وبينهما وبين المنهجيين، وكانت طائفة الحق بين شقي الرحى، فمن جهة كان عليهم مواجهة الانمياثيين ومواجهة المقلدين، تنعى على الأولين اندفاعهم وتهورهم غير المحسوب وانهيارهم أمام حضارة الغرب، وعلى الآخرين جمودهم على صيغ عهود الظلام، وإصرارهم على استمرار صب حياتنا في قوالبها.
وقد كانت هذه الطائفة ممثلة في الجبرتي نفسه من أول يوم رأينا فيه تخلفنا رأي العين بذوبان سيوف المماليك وخيولهم المزركشة على حرارة مدافع الفرنسيين أمام الأهرام. قال الجبرتي في مذكراته ناعياً على المسلمين قراءتهم البخاري للنصر على الفرنسيين: أكان نبيكم يحارب الأعداء بقراءة القرآن أم بالعمل بما فيه؟ وكان منهم محمد عبده وجمال الدين والشيخ عليش ورشيد رضا وشكيب أرسلان ومحب الدين الخطيب ومصطفى صادق الرافعي، ولم يكن لهم منبر في مثل ارتفاع منبر دعاة الانمياث ولا صحافة في مثل قوة صحافتهم.
وكان النصر في هذه المعارك لدعاة الاستغراب فيما يبدو في وسائل الإعلام، وكان دفاع التراثيين أقل مما يجب في مستواه، ووقعوا في فخ جعل المعركة بين السفور والحجاب _القابلين للمناقشة والجدال _ بينما كانت في حقيقة الأمر بين التبرج والتحشم غير القابلين للجدال.
وقد وصف الدكتور زكي نجيب محمود ذلك الانتصار في أخطر مقال له في السنين الأخيرة بأهرام 23 رمضان 1304ه‍ (3/7/1983) بعنوان: (إسلامنا يكفينا ولكن كيف؟) قال: كنا ننظر إلى أعلام تلك المرحلة الأولى أي خلال النصف الأول من هذا القرن (الميلادي) فيأخذنا غير قليل من الجزع إذ نلمح في هؤلاء الأعلام شيئاً من الإسراف في التباهي بثقافة الغرب وحضارته مما أدى يومئذ إلى العيش في مناخ كاد المواطن فيه أن يخفي مصريته وعروبته وإسلامه حتى لا يتهم بالجلافة والتخلف، ولا أظن أحداً منا قد نجا من تلك التبعية العمياء القاتلة. نعم كان الصوت الأعلى لأصحاب هذه الثقافة المتفوقة عند الغرب، وكان الشعور بالنقص هو نصيب من درس الكنز الموروث مكتفياً به، وهو موقف فيه هزال المريض وضعف الذليل.
لقد نجا الفريق المنهجي من هذه التبعة العمياء القاتلة، ولم يخفوا مصريتهم ولا عروبتهم ولا إسلامهم، ولم يرهبهم أن يرميهم بعض فئات المجتمع بالجلافة والتخلف، بل كان لسان حالهم حين يعظون وينصحون يوقظون من منابرهم المنخفضة: اللهم أهد قومنا فإنهم لا يعلمون.
ومضى الدكتور زكي يقول في مقاله ذاك: وكنت لفترة طويلة واحداً من أولئك الذين ضلوا سبيل الحق حتى أراد الله لي رؤية أهدى إ.ه‍.
إن الفريق المنهجي كان من أول يوم متمتعاً بهذه الرؤية الأهدى، فلم يضلوا سبيل الحق في هذا الصدد، ولم ينبهروا كما انبهر غيرهم.
ولقد أراد الله هذه الرؤية الأهدى مؤخراً لجميع دعاة الاستغراب، فلم يعد منهم أحد إلا أقل القليل _ضحية الدعوة للاستغراب المطلق، وصار الجميع ممن كان رافضاً على طول الخط ومن كان قابلاً على طول الخط على يقين من أن المعاصرة لا تنافي التراثية، ولا تقابلها تقابل تضاد ولا تناقض، وأن في التراث علماً وجهلاً وحضارة وتخلفاً شأن كل تراث في العالم على مدى التاريخ، بل إن الجهل في تراثنا أقل بمئات المرات من الجهل في تراث غيرنا من الأمم. وعلى يقين أيضاً بأن في الجديد الغربي علماً وجهلاً، ونوراً وظلاماً.
انتهى جميع الفرقاء الآن إلى الأخذ من التراث والترك، والأخذ من الغرب والترك بمنهج، وأسدل الستار على فصل من فصول الرواية بزيارة الشيخ الشعراوي لتوفيق الحكيم، ولعل زيارة يقوم بها الدكتور زكي للشيخ الشعراوي قد مهد لها الدكتور في مقال له في الأهرام بعنوان: (خلاف الرأي لا يفسد للود قضية) لينسدل الستار على آخر فصل من تلك الرواية الكابوس.
لكن يوجد للآن فئة قليلة تنفخ في الرماد الخامد لعلها تجد جذوة فيها روح لينفخوا فيها، وذلك بإثارة قضية المعاصرة والتراث وجعل المعاصرة مرادفة للعقل والمنهج وجعل التراث مرادفاً للخرافة، وفيما يبدو فإن بقاء بعض الحياة المترنحة في المعركة ليس سببه المعاصرة ولا التراث فهما قد اصطلحا، وصارا كياناً واحداً، ولكن السبب لمن تكون له القيادة القادمة من الفرقاء، وهذه هي القضية الآن، ففي كلا الفريقين أناس لا يرضون بهذا الصلح لعل انتصار فريقهم يمهد السبيل إلى دور يقومون فيه بقيادتنا إلى محاذير الاستغراب أو محاذير الانغلاق.
إن الفكر الإسلامي الآن أصبح بهذا الإجماع محصناً عن الانسياق إلى محاذير دعوة كلا الطرفين اللذين كانا متناقضين وهو يريد أن ينطلق إلى تحقيق معاهدة الوفاق والتناصر وما تقتضيه من عمل متواصل وتأصيل لمناهج المرحلة المقبلة.
والمنهج للمستقبل يتمثل بعضه كما يبدو لي في الآتي:
1_ ولوج باب الاجتهاد في الفقه الإسلامي الذي أقنعنا أنفسنا ردحاً طويلاً من الزمن بأنه مغلق، وإن كنا لا ندري من أغلقه ولا متى أغلق. ويمكن أن ينظر إلى هذا الإغلاق المزعوم أنه كف ذاتي فرضه العلماء على أنفسهم لاعتقادهم أنهم غير أهل له، ولم يحظروه على غيرهم، وربما كان هذا حكمة وبراً بالأجيال المقبلة، إذ عرفوا قدرهم ظناً أو يقيناً فلزموه.
2_ تنمية منهج لتحقيق التراث يتجاوز ما هو متعارف في مناهج التحقيق المستقرة من الاكتفاء بالوصول في الكتاب المحقق إلى أصح النصوص باستعراض المتاح منها وتصحيح بعضه ببعض.
3_ تنمية منهج لنشر التراث بعد تحقيقه، وذلك:
أ_ إما باختصار الكتب الكبيرة والاقتصار على ما يوظف منها في حياتنا، ويفيدنا في مستقبلنا، ويصلح هذا المنهج لكتب السنة التي فيها الكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة. ولا حاجة إلى التأكيد على احتياج تخليص السنة من الضعيف والموضوع إلى أقسى المناهج صرامة واحتياطاً.
ب_ وإما بالتعليق والشرح والتصحيح في الكتب الصغيرة والمتوسطة.
أما جانب علوم العصر التي قطع فيها الأوروبيون والأمريكيون واليابانيون مراحل كبرى فإن المناهج المتخذة الآن صالحة إلى حد كبير، ويجب المضي فيها بأقصى ما نستطيع، ويجب أن تخصص الدول الإسلامية أكبر قدر من الدعم لعملية الترجمة لهذه العلوم إلى اللغة العربية واللغات الأخرى السائدة في العالم الإسلامي، وعلى الأصوات المعارضة لتعريب العلوم أن تلزم جانب التعقل، فإن نقل العلوم إلى اللغة العربية أمر بالغ الأثر في دفع التقدم خطوات إلى الأمام، وإن فيما رد به المؤيدون للتعريب حجج المانعين كفاية لكل منصف.
وقد سبق في التاريخ الحديث سابقتان يستفاد من إيجابياتهما ويتخلص من سلبياتهما. أولاهما قيام الدولة في عصر محمد علي من تكليف المبعوثين بالتأليف والترجمة فيما درسوا وطبعه على نفقة الدولة، والثانية مشروع الألف كتاب الذي لم يظفر فيه العلم بنصيبه الواجب.
هذا بعض ما يجب في جانب العلوم الطبيعية والرياضية. أما في جانب العلوم الاجتماعية مثل الاقتصاد والسياسة والأخلاق وعلم النفس وعلم الاجتماع فإن الأمر فيها جد مختلف، فإن العلوم المادية تتحقق فيها الموضوعية بشكل كامل، بينما الباحث في العلوم الاجتماعية لا يمكنه أن يتخلص من خلفيته ومسلماته وعقائده مهما ادعى الموضوعية، ومن ثم فإن العلوم الاجتماعية يجب أن يعاد فيها النظر بصفة جذرية وشاملة.
على أن بعض الباحثين المسلمين قد رأوا في طريقة تناول العلوم المادية ضرورة لتصحيح منطلقاتها الشكلية التي لا تؤثر في مسار البحث، ومن ذلك انطلاق العلوم من منطلق مادي بحت، والقول بأنه يلزم من ذلك إنكار ما فوق الطبيعة، وهذا إلزام لفكرنا بما لا يلزم، فإن العلم لا يتعرض لما وراء الطبيعة لا بنفي ولا إثبات، وحسناً فعل، ولو لم يفعل ما تقدم، وليس من المنهج القول بأن ما ليس معي فهو عليّ، ومن ثم فإن البحوث التي تقترب من منطقة الغيب لم تنته إلا إلى فروض ونظريات لم يرق شيء منها إلى القوانين العلمية، مثل بدء الخلق وبدء الحياة وتكون السماوات والأرض وخلق الإنسان.
ونحن كمسلمين نؤمن بأن ما جاء في كتاب الله تعالى وصحيح السنّة عن هذه الأمور حق لا ريب فيه، وكل ما يطلبه كون الإنسان مسلماً من الباحث في الطبيعة والرياضيات بكل تشكلاتها في المادة الميتة والحية، هو الاعتقاد في أن خالقها هو الله تعالى بما فيها من مادة وبما يحكمها من قوانين باطراد ونظام، قال فيهما الباري في كتابه: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت)، وقال (سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً)، ولا يلزمنا هذا أي تغيير مهما كان في خطوات المنهج العلمي، ولا تغيير ما وصلت إليه البشرية من مساعدات الحواس مثل المجاهر والمقربات وأدوات القياس والكشف، ويبدو لي أن هذه المناهج هي مما يشاء الله لكي نحيط بشيء من علمه في قوله تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)، على أن هذا بحث آخر طويل نكتفي بالإشارة إلى مداه الواسع العميق.
إن العلوم الإنسانية كما نمت ووضعت لها المناهج في الغرب تحتاج إلى يقظة إذ لم نلاقها إلى الآن على المستوى الشعبي والجامعي بما يجب أن تتلقى به، بل نجد علماءنا في الجامعات انساقوا في تيارها الخطر، فلكل مدرسة من مدارس علم النفس ومدارس علم الإجتماع كليات أو أقسام في كليات إسلامية تدرسها وتدرس مبادئها وتروج لها، وتعتز بالانتساب إليها.
فمثلاً المدرسة الاجتماعية الفرنسية تقتصر بعض الكليات على دراستها دون غيرها من المدارس. وهذه المدرسة تلح على إلغاء كل دور للمصلحين في التقدم البشري، وترجع حركة المجتمعات إلى ما أسموه العقل الجمعي، وتلغي كل أثر للأنبياء، وتجازف المدرسة على لسان دوركيم في كتابه: (قواعد المنهج في علم الاجتماع) بأن الجريمة والانحرافات هي أمور سوية وليست خاضعة لأي تقويم بالحسن أو بالسوء، ويقول الدكتور محمود قاسم مترجم الكتاب في أحد تعليقاته عليه: فمن ذلك أنه يرى أن الجريمة ليست ظاهرة معتلة أي شاذة بل هي ظاهرة سليمة لأنها توجد في جميع الأنواع الاجتماعية مهما اختلفت أشكالها وصورها، ويقول دوركيم في ذلك: وسنطلق إسم الظواهر السليمة على تلك الظواهر المرضية أو المعتلة _فعنده إذن قوم لوط وقوم شعيب أسوياء، أما لوط وشعيب فهما ظاهرتان معتلتان. ويقول: ومن ثم تكاد الجريمة ان تكون هي الظاهرة الوحيدة التي تنطوي بصفة لا تقبل الشك على جميع أعراض الظاهرة السليمة.
ومدرسة التطور قد مدت المبدأ إلى جميع الميادين الإنسانية وكان قد بدأ في الحياة العضوية.
وهناك فلسفة التاريخ والجدلية المادية في تفسيره، وبلغ من جرأة التابعين لها أن يحاول دس التفسير المادي للتاريخ على القرآن الكريم، ومما بنوا على ذلك أن القوة التي دفعت بالإسلام إلى الظهور هي البورجوازية التجارية في مكة وغيرها من المدن. وقد سألني طالب بإحدى كليات التجارة سؤالاً قال عنه إنه في الأنثروبولوجيا، ولم أر صلة للسؤال بالأنثروبولوجيا، فطلبت منه الكتاب المقرر رسميا، ولشد ما كانت دهشتي حين رأيت الكتاب في التصور الشيوعي للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، بينما عنوان الكتاب في الأنثروبولوجيا.
وعلم النفس الفرويدي الذي تهاوى في الغرب على يد السلوكيين والتجريبيين، لا تزال موجته عندنا في ارتفاع، ونرى المحللين النفسيين المسلمين لا يكتفون باستخدام التحليل النفسي في علاج مرضاهم بل يعملون أيضاً على نشر نظريته الفلسفية. يقول الدكتور مصطفى زيور في تقديم كتاب تطور الشعور الديني عند الطفل والمراهق.. وهكذا فإنه كان من المستحيل للبشرية أن تكون قد عرفت تطور الشعور الديني قبل اكتشاف فرويد للتحليل النفسي. ويقول د. مليجي: ولكنه (أي طفل) بإتمامه المرحلة الأوديبية المعروفة واكتشافه نقاط ضعف أبيه لا يستطيع أن يفعل أي شيء إلا أن يفيض تلك الصفات مثل كمال المعرفة والقوة إلى كائن جديد أعلى هو الله.
وهناك ما يسمى بعلم النفس البيولوجي الذي يرجع الدوافع الفطرية إلى حاجات بيولوجية، والذي ألف في وقت من الأوقات كتاب في علم النفس للثانوي في مصر على أساسه، والذي اعتمد على النقل من كتب اعتمدت بدورها على مشاهدات سائحين وسائحات في مجتمعات متخلفة، للتدليل على عدم فطرية دافع التملك وفطرية شيوعية الملك.
كما توجد في ساحة التأثير في حياة المسلمين الأيديولوجيات الشرقية والغربية التي نتطوح _بفعل عوامل لا تخلو من تأثيرات خارجية _ في أحضان هذه مرة وفي أحضان تلك أخرى.
من لهذا كله؟ إن العلماء والمفكرين في أنحاء العالم الإسلامي مدعوون إلى التفطن له وتناوله بمناهج علمية راقية لرفع ما فيه من زيف ولتصحيح حياتنا التي أصبحت كالمرقعة لا يستبين أصل نسيجها.
إن الأزهر بعد تطويره مدعو أكثر من أي هيئة إسلامية حكومية أو أهلية إلى الإسهام في تنقية حياتنا من تأثيرات العلوم الاجتماعية التي ازدهرت في الغرب بمناهج متأثرة بعقائده وتراثه. ويوجد الآن في مصر قلة تدعو إلى الرجوع عن تطوير الأزهر والعودة به إلى الاقتصار على العلوم الإسلامية المبثوثة في الحواشي والشروح المتأخرة. إن تطوير الأزهر قد جاء تعبيراً صادقاً عن روح الإسلام الذي لم يغفل أبداً كتابه الخالد العلوم المادية ولا مناهجها، وجاء استكمالاً لرسالته، وللضرورات الآتية:
1_ القضاء على الازدواجية الثقافية التي عانينا منها طويلاً في التعليم والحياة، ومن الذين كتبوا ضد الازدواجية من يهاجم أكبر خطوة في محوها تمت في هذا العصر، وعلى الجامعات المدنية أن تقوم بواجبها في القضاء على الازدواجية الممقوتة بتضمين مناهجها قدراً معقولا من الدراسات الدينية.
2_ إخراج الداعية الطبيب والداعية المهندس والداعية عالم الأجناس الذي يستطيع أن يقوم بالدعوة الإسلامية بكفاءة وخبرة وفن، اقتداءً بما يفعل الدعاة للأديان الأخرى، فلم يكن المبشرون في أنحاء العالم ممن اقتصروا في دراستهم على ما في الكليات اللاهوتية، بل كان منهم أطباء وجماعو حشرات وزلط وحجارة.
وقد جزعنا وفجعنا بما تصرف به المسلمون حكومات وشعوباً إزاء انفتاحنا على العالم، وانفتاح العالم علينا في أعقاب الحرب الثانية، فقد تقاعسوا عن إرسال البعثات للتبشير بالإسلام في أنحاء الأرض، ولئن اقتضت السياسة الخارجية للحكومات الإسلامية القصد في إرسال بعثات الدعاة وإقامة المراكز الإسلامية اكتساباً للأصوات في المحافل الدولية، فإن الشعوب الإسلامية لا تجد ما يغتفر لها قصورها في هذا السبيل.
3_ إدخال علوم الغرب وحضارة الغرب من باب إسلامي، والخروج إلى علوم الغرب وحضارته من باب إسلامي كذلك.
4_ مواجهة طوفان الأفكار والمبادىء التي دخلت إلى عقولنا وحياتنا عن طريق العلوم الإنسانية.
مشكلة الحكم الإسلامي أو تقنين الشريعة الإسلامية
هذه المشكلة ثمرة كبرى من ثمرات الانفتاح غير المنهجي الذي مكن لمفاهيم العلوم الإنسانية الغربية وتطبيقاتها من عقولنا وحياتنا. فلما جاءت الرؤية الأهدى كنا قد ابتعدنا كثيراً عن تراثنا وكشفه وتنميته وتقنيته، فاتسم تناولنا للمشكلة عند كثير بالسطحية والتبسيط. وقد برزنا العجز عن حسن التمهيد وعن إكمال التصور لكيفيات التطبيق بإطلاق شعارات يسلمون بها على إطلاقها مع أنها عند العارفين مقيدة بما نستطيع نحن أن نقوم به، وإطلاقها معناه إلا يكون لنا عمل وأن المعجزة ستتولى كل شيء. لن تتولى المعجزات عنا شيئاً، وقد انتهى زمنها، ولن يعود تحت أي ظروف، فعملنا وحده هو الذي فيه النجاة وهو نصرنا لله.
لم ينتشر حتى الآن في الفكر الإسلامي اجتهاد موفق يخفف من هذا التبسيط، ويدفع إلى شيء من تقدير المشاكل، ويخرج العامة من خدرهم الغيبي في انتظار تعليق لافتة الحكم الإسلامي على دور الحكومات الإسلامية ليأتينا رزقنا رغداً من كل مكان، وتحل مشاكلنا تلقائياً، ويتفجر البترول وتنفتح نفوسنا للعمل وبذل الجهد والإنتاج، وتنصلح أخلاقنا، ولقد غذي هذا الخدر بقدر مبالغ فيه من التبسيط في الصحف وبخاصة الصحف الدينية، وعلى المنابر وفي مناقشات الناس.
ومن نتائج هذا أن نرى في المقابل المتوجسين خيفة، الذين ينفرون من الاقتراب من الموضوع برمته، إما علنا بمختلف الحجج، وإما خفية خوف مصادرة المشاعر العامة. وقد تحرك بعض الكتابات الحماسية والتشنجات والانتفاضات غير المسئولة التي استباحت الدماء المخاوف من المزاولات التي مارسها الحكم الثيوقراطي في أوروبا ضد المصلحين وضد المشتبه في ولائهم للكنيسة ولأهل الأديان الأخرى.
ولهؤلاء وأولئك نقول: إن الفكر الإسلامي المتعمق ليعرف أن المشاكل التي يواجهها سواء في طور التمهيد له، أو في طور الممارسة الفعلية، متشابكة ومعقدة ويؤثر بعضها في بعض ويتأثر به، كما تتبادل التأثير مع مشاكل أخرى خارج الحدود.
--------------------------
المصدر:مجلة المسلم المعاصر/العدد44/1405

Heba Khled
08-31-2011, 05:05 AM
الفكر الإسلامي والنقد الأكاديمي العربي المعاصر
بقلم: زكي الميلاد


هناك نسق من الكتابات التي توجهت نحو حقل الإسلاميات التاريخية والفكرية, وتناولت قضايا وظواهر وأحداثيات الفكر الإسلامي الوسيط والمعاصر. هذه الكتابات خضعت لتصنيفات عديدة ومختلفة بحسب تكوينات الفهم لطبيعة منازعها وميولها واتجاهاتها, دون النظر لوحدتها النسقية, أو التي كان بالإمكان النظر لها من خلال وحدة نسقية لها شرائطها الجامعة ومنطقها المشترك, وعن طريق تمييزها وتحديدها بحقل منهجي له طرائقه وتقنياته في الدراسة والتحليل والبحث, وهو حقل البحث الأكاديمي. ولأن الصفة البارزة على هذه الكتابات هي صفة النقدية, لذلك جاز لنا وصفها بالنقد الأكاديمي باعتبار أن طبيعة هذا النقد وأدواته ومفاهيمه ونظرياته ترتكز على المنهجيات النقدية الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية. ولأن منشأ هذا النقد الوسط الأكاديمي. وينتسب إلى أكاديميين هم أساتذة جامعات وباحثون لهم أهلية التخصص.
وتوجيه النظر للنقد الأكاديمي في مجال الإسلاميات والفكر الإسلامي, يتأكد من جهتين: معرفية ومنهجية. الجهة المعرفية تتصل بالمستوى العلمي والفكري للدراسات والكتابات المقدمة في هذا الشأن, والتي تحاول أن تميز حالها بالحيادية والموضوعية والجدية. والجهة المنهجية تتصل بالتركيز على إظهار المستوى المنهجي في البحث والالتزام بالمعايير العلمية والأكاديمية. أو هكذا تحاول أن تصور هذه الكتابات حالها بتلك المزايا والمواصفات. لكنها لا تفسر أو تفهم بهذا النحو دائماً, فغالباً ما يكون هذا النمط من الكتابات موضع جدل أو محفزاً للجدل بحيث يصل أحيانا إلى فتح نقاشات ساخنة وسجالية بين نخب مختلفة.
ومن الأسماء التي تبرز في هذا المجال, وتصنف كتاباتهم على هذا الشكل من النقد الأكاديمي, وفي النطاق العربي تحديداً. الدكتور (محمد أركون) من الجزائر, والدكتور (هشام جعيط) من تونس, والدكتور (فهمي جدعان) من فلسطين, والدكتور (رضوان السيد) من لبنان. يشترك هؤلاء في تخرجهم لمرحلة الدراسات العليا من الجامعات الأوروبية والفرنسية بوجه خاص, ما عدا الدكتور (رضوان السيد) الذي حصل على الدكتوراه من جامعة توبنجن الألمانية سنة 1977م. كما أن الفلسفة هي الحقل المعرفي المشترك بينهم, إلى جانب اهتمامهم وتخصصهم في مجال الدراسات الإسلامية والفكر الإسلامي, فمنهم من حصل على الدكتوراه في قسم الفلسفة, ومنهم من كان أستاذاً للفلسفة في التدريس الجامعي, والمشترك الآخر والأساسي بينهم في الدراسات والأبحاث التي قدموها في مجال الإسلاميات الكلاسيكية وبمنظور تاريخي والتخصصي في حقل الفلسفة ساهم في تكوين النزعة النقدية عندهم, لهذا اتصفت كتاباتهم بالنقد الأكاديمي أو جاز وصفهم بذلك.
والدراسات التي قدمها هؤلاء أضافت اتجاهاً جديداً في حقل الدراسات الإسلامية يستفيد من الخبرة العلمية والنقدية والأكاديمية للغرب, لذلك فهي تختلف وتتمايز عن النمط السائد في كتابات الإسلاميين ودراساتهم في هذا الحقل. وقد عكست تلك الدراسات بنسبة ما روحية الغربيين في البحث من حيث النشاط والجدية والإحاطة والسعي نحو الكشف العلمي. وهي الروحية التي وصفها الدكتور (مصطفى عبدالرازق) في كتابه الشهير (تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية) بقوله: "إن الناظر فيما بذل الغربيون من جهود في دراسة الفلسفة الإسلامية وتاريخها, لا يسعه إلا الإعجاب بصبرهم ونشاطهم وسعة اطلاعهم وحسن طريقتهم مع ذلك فهو لا يزكيهم بالكامل ويبرر لأخطائهم بما يصفه بالضعف الإنساني, في تتمة كلامه, حيث يضيف "وإذا كنا ألمعنا إلى نزوات من الضعف الإنساني تشوب أحيانا جهودهم في خدمة العلم, فإنا نرجو أن يكون في تيقظ عواطف الخير في البشر وانسياقها إلى دعوة السلم العام والنزاهة الخاصة والإنصاف في التسامح مدعاة للتعاون بين الناس جميعا على خدمة العلم باعتباره نوراً ينبغي أن لا يخالط صفاءه كدر".
والوصف الذي نستعمله لهذا النسق من الكتابات لا يعني التوافق بين هذه الكتابات. أو الانسجام الفكري بين أصحابها, بل إنها تتعدد وتختلف في منظوراتها التفسيرية والتحليلية, وفي المنهجيات النقدية التي يرجع إليها, وفي الأطروحات التي يحاول كل واحد من هؤلاء صياغتها والتوصل إليها. كما إن تلك الكتابات تتأثر بنوعية البيئات والشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية المكونة لها, وفي طبيعة الدور الذي يحاول كل واحد من هؤلاء أن يتمثله, وفي الموقع الذي يتأثر منه هؤلاء ويؤثرون من خلاله, فالدكتور (محمد أركون) ينطلق من منظورات شديدة الجذرية والصرامة في التعامل مع النص الإسلامي والمعارف الإسلامية, وبالاعتماد على المناهج العلمية الحديثة في الألسنيات والعلوم الإنسانية والاجتماعية, متجاوزاً وناقداً مناهج الفقهاء واللغويين والمفسرين الكلاسيكية والتقليدية حيث يعتبرها (أركون) مناهج مستهلكة وقديمة, وغير قادرة على مواجهة الفكر الحديث والولوج إلى عالم الحداثة, ولا تصل إلى دائرة اللامفكر فيه.
ولا شك أن الدكتور (أركون) متأثر في صياغة هذا المنظور من الموقع الأكاديمي الذي يحتله باعتباره أستاذاً للدراسات الإسلامية ومديراً لمعهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة السربون الفرنسية. ومن رؤيته للدور الذي يحاول أن ينهض به في النطاقين العربي والإسلامي, والأوروبي الغربي, فإنه يرى نفسه معنياً بصورة أساسية بمخاطبة المفكرين والباحثين والمستشرقين الغربيين, ويدعوهم إلى إعادة النظر في طريقة تدريس الدراسات الإسلامية من خلال منهجيات نقدية عقلانية صرفة تتجاوز الطرق التقليدية وأشكال التحيز وعدم الموضوعية, كما يطالب بشطب مفردة الاستشراق من القاموس الفكري المعاصر لأنه حسب رأيه يمثل مرحلة تاريخية انقضت وتركت شرخاً عميقاً بين دول المتوسط, وحاجزاً حضارياً بين الشرق والغرب. وتقوم أطروحته الأساسية على نقد وتفكيك النص الديني الإسلامي بالنمط الذي وصل إليه الغرب في نقد وتفكيك العهدين القديم والجديد للديانة المسيحية, كشرط للدخول في عالم العلمانية والتقدم والحداثة.
أما الآخرون وإن كانوا ينطلقون من منظورات نقدية إلا أنها ليست بتلك الجذرية أو الصرامة التي يصفها (هاشم صالح) بإقامة مواجهة ما بين القرآن والصيغ النظرية للفكر الحديث كضرورة ثقافية وتاريخية ملحة. وهاشم صالح هو الذي قدم (أركون) إلى العالم العربي وعرف بدراساته وكتاباته. كما يختلفون عن (أركون) أيضا في الأطروحة الأساسية فأطروحة (هشام جعيط) هي أن العرب والمسلمين لا يمكن أبداً أن يلجوا باب الحداثة والمشاركة في العالم المعاصر. إلا إذا كونوا لأنفسهم طموحاً عالياً في مجالات الفكر والمعرفة والعلم والفن والأدب, وقرروا بصفة جدية الأخذ عن غيرهم , وما أبدعته الحداثة في كل هذه الميادين.
أما أطروحة (فهمي جدعان) فهي أن الأزمنة الحديثة إنما تبدأ مع ابن خلدون الذي اعتبر إشكاليته هي الإشكالية الحضارية في الأمة التي يقوم عليها قيام الحضارات وانهيارها, أو صورة الأمة أو الدولة المثلى التي يمكن لقيامها أن يجنب الأمة استمرار التقهقر ويحقق لها الانعتاق من حالة الانحطاط والسير في طرق التمدن والتقدم. وعند (رضوان السيد) أن تتقدم إشكالية التقدم على إشكالية الهوية.
لا شك في قيمة مثل هذا النقد الأكاديمي, وفي حقل الدراسات الإسلامية بالذات, ومن الضروري الانفتاح عليه والتواصل النقدي معه. حيث تتأكد قيمته مع ما أصاب حقل الدراسات الإسلامية من جمود وانغلاق وتشبث بالنمط التقليدي القديم ومحدودية في مواكبة تطورات الفكر العالمي والمستجدات الحديثة في ميادين العلوم والمعارف والمناهج وهذا ما يمكن أن تضيفه أو تعرف به وتؤكد عليه تلك الكتابات الأكاديمية.
أما النقد الذي يسجل على النقد الأكاديمي وبالذات كتابات (أركون) فهو الإفراط الشديد في استعمال المفاهيم والمصطلحات التي تنسب على الفكر الأوروبي لتفسير وتحليل ونقد النصوص والمعارف الإسلامية, والمغالاة في تطبيق منهجيات الألسنيات والعلوم الإنسانية والاجتماعية, والتقليل من شأن منهجيات الفقه وأصول الفقه واللغة والتفسير, بالإضافة إلى التجريد النظري والإسراف في النقد والتعامل الفوقي والنخبوية المتعالية.

Heba Khled
08-31-2011, 05:06 AM
الإسلام والعلمانية
زكي عليو


يوحي هذا العنوان على أن هناك علاقة ما بين الإسلام والعلمانية ، فهناك من يرى أن ثمة تعارض بين الإسلام والعلمانية ، باعتبار أن الإسلام دين جاء من أجل الإنسان كما يراه أتباعه ، والعلمانية مشروع لا يمكن لها أن تتيح للإسلام تطبيق ما جاء به ، وهناك من يرى أنه ليس هناك داعي للأخذ بالإسلام كدين يمارس على أرض الواقع بل يبقى دوره في الوجدان والقلوب وهو إيمان ، فقط يحتاجه الإنسان في مواقف ضعف تعتريه ، وهناك من يرى أننا بالعلمانية نستطيع أن ننجز الكثير لا نستطيع إنجازه مع الإسلام ، وأخيراً من يرى أن العلمانية فكرة تنظم المجتمع كما يراه أتباعها ، ولا تتعارض مع الإسلام .
1
نتيجة لعقود تاريخية عاشها المجتمع الأوروبي بين الإصلاح الديني والنهضة والتنوير انبثقت العلمانية في المجتمعات الأوروبية " قامت في أوروبا خلال القرن السادس عشر ثورة الإصلاح الديني بقيادة مارتن لوثر ( ألمانيا ) الذي بدأ دعوته عام 1520 ، وتابع من بعده عملية الإصلاح هذه جان كالفن ( سويسرا ) . إن عملية الإصلاح الديني تعني مواجهة احتكار الكنيسة في روما لتفسير الإنجيل المقدس ، ومعارضة إضفاء القدسية الإنجلية على المذهب الكاثوليكي ، حيث ينظر إلى المقدس عامة من خلال الكثلكة .
والجدير ذكره أن الإصلاح الديني قاد إلى البروتستانتية في إطار الكنيسة المسيحية الغربية قد تطور ليصبح ثورة ضد تكبيل العقل بقيود الوحي ، فقامت حركة التنوير الأوروبي التي هي امتداد لثورة الإصلاح الديني . وتعني في جوهرها الإيمان وقدرة العقل على معرفة الحقيقة . ومن فلاسفة التنوير نذكر :
هوغو غروتيوس ( 1583-1645 ) ، توماس هوبز ( 1588-1679 ) ، جون لوك ( 1632-1704 ) ، دافيد هيوم ( 1711-1776 ) ، جان جاك روسّو ( 1712-1778 ) ، جيرمي بنتام ( 1748-1832 ) ، ستيوارت ميل ( 1806-1873 ) ...
تحولت حركة التنوير هذه إلى ثورة سياسية ضد استبداد الكنيسة والسلطة فكانت العلمانية " ( تطور الفكر السياسي ، د. عدنان السيد حسين ، 109-110 ) .
وحضرت العلمانية في المجتمعات العربية نتيجة عدة عوامل منها الاحتكاك العربي والإسلامي بأوروبا الذي كان عن طريقين الأول من داخل المجتمع العربي والإسلامي عندما استحدثت السلطة العثمانية في أواخرها التنظيمات الأوروبية المستندة إلى مرجعية وضعية بدلاً عن التنظيمات التي كانت معمول بها والمستندة إلى الشريعة الإسلامية ، وآثار الخضة التي عاشها المجتمع المصري بعد حملة نابليون بونابرت الذي جلب معه كل شيء من آلات الطباعة والعسكر إلى المومسات ، والثاني من داخل المجتمع الأوروبي وكان نتيجة لاحتكاك العرب بأوروبا عن طريق البعثات والهجرات ، وصاحب كل هذا وجود شريحة ترى أن هناك مجتمعات أوروبية متقدمة ، وهناك فارق كبير بيننا وبينهم ، فهم يستطيعون الفعل في جميع مناحي الحياة ولهذا فهم متقدمون ، وفي نفس الوقت لا نستطيع أن القيام بهذا الفعل لكي نتقدم ، ومن ثم لا تستطيع أن نصل ونتقدم إلا باتباع الطريق الذي سلكه الأوروبي ، الذي تضمن في أحد أسبابه العلمانية .
فأول طرح للعلمانية في مجتمعاتنا كان في عصر النهضة من قبل مجموعة أفراد متعلمين من أمثال شبلي الشميل وفرح أنطون ، واستمر طرح العلمانية بشدة امتداداًً لمثقفي ومفكري عصر النهضة الذين كانوا يرون أهمية تبني العلمانية .
2
تطرح العلمانية من قبل بعض المثقفين العرب لعدد من الأسباب منها :
1 - حصر دور الدين في المسجد ، وإن ليس للدين دور في حياة الإنسان سوى في دور العبادة ، وعندما يتدخل الدين في شؤون الإنسان السياسية والاجتماعية فإنه يفرض قدسية على العمل السياسي نابعة من هذا الدين ، فالشأن الديني شأن مطلق بينما السياسة شأن نسبي ومن ثم فلا مكان للدين في العمل السياسي وإن محله فقط هو المسجد يقول د. عزيز العظمة " ولكنني أود أن أؤكد على رأيي الذاهب إلى أن دور الدين في العصر الحديث ليس في مجال السياسة بل هو في المساجد وفي القلوب، لا أعتقد بصحة المقالة الذاهبة إلى أن الإسلام دين ودولة ، هذه عقيدة سياسية حديثة ، وليست هي بالضرورة مما ينتج عن قراءة النصوص الدينية التأسيسَّة ، وهذا أمر بيَّنه الشيخ عبد الرازق منذ ما يفوق السبعين عاماً ، منذ حوالى خمسة وسبعين عام . ولا أعتقد أن الإسلام هو شيء يُطبق ، إنه دين ، وككل الأديان ، وككل مجموعات التصورات والنظم والأخلاق وما شابه ذلك ، أمور تتطور بفعل التاريخ ، وأن التطورات التي حصلت في العالم العربي ، وفي كل أنحاء المعمورة في القرنين الأخيرين قد جعلت من الدين ، أو جعلت للدين توصيفاً مخالفاً ومغايراً لما كان عليه منذ قرون ، فيجب أن نعترف بهذا الواقع ، وألاَّ نتقوقع في جملة من التصورات التي تستلبنا من الحاضر ، وتبعدنا عن الواقع " ( قمة الدوحة الإسلامية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، برنامج الاتجاه المعاكس ، موقع الجزيرة نت ) .
2 - تتميز مجتمعاتنا العربية بتعدد الأديان والمذهبيات والقوميات ، ولكي لا يكون هناك تمايز لدين أو مذهب أو قومية على بقية الأديان أو المذاهب أو القوميات في الدولة الواحدة ، الذي يؤدي لحدوث اضطهاد لفئات بينما تتمتع فئة واحدة بالامتيازات في الدولة ، ومن هنا فالعلمانية هي الحل بتوفيرها المساواة بين أفراد المجتمع .
ولكي لا يكون هناك اختلافات داخل المجتمع تؤدي لعدم استقراره يلزم أن يكون هناك نظام واحد يخضع له جميع أفراد المجتمع بمختلف أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ، وسوف نضرب عدد من الأمثلة لتوضيح هذه الفكرة .
المثال الأول في المجال التعليمي ، يرى العلمانيون أن تعليم الطلاب الدين في المدارس يعمل على تغذية الطلاب الحس الديني الضيق ، من ثم يلزم أن يتم تعليم الطلاب تعليم وطني أي أن يبتعد عن إثارة المشاكل الدينية لأن هناك وطن واحد وأديان متعددة ، يعزز ذلك وجود مشاكل تاريخية بين الأديان والطوائف والقوميات ، فمثلاً عندما يكون هناك مسيحيين ومسلمين في مجتمع واحد هل يكون التعليم إسلامي أم مسيحي ؟ فإذا كان التعليم مسيحياً سوف يشتكي المسلمون من ذلك والعكس صحيح ، مما قد يثير عدد من المشاكل لدى كل طرف يرى أنه متضرر من هذا التعليم ، أو عندما يكون هناك في نفس المجتمع مسلمون سنة وشيعة فهل يكون التعليم وفق المذهب السني إن كانت الأغلبية سنية أو يكون شيعياً إن كانت الأغلبية شيعية مع وجود الكثير من المشاكل الموروثة والمعاصرة بين السنة والشيعة بينهما في بعض المجتمعات التي تعاني من مشاكل طائفية ، ومن ثم فحافظاً على عدم وجود انقسامات في داخل المجتمع الواحد يلزم أن تحضر العلمانية .
المثال الثاني في المجال القضائي ففي مجتمع يكون فيه عدد من الأديان إذا حدثت فيه مشكلة بين مسيحي ومسلم وتطلب ذلك اللجوء للقضاء فهل يتم التقاضي على أساس أن القضاء يلزم المسيحي أن يُحكم وفق القضاء الإسلامي وهو لا يريد ذلك ، أو كمثال آخر بين الشيعة والسنة هل يرتضي الشيعي أن يتحاكم مع شيعي آخر في نزاعه وفق المذهب السني إذا كان قضاء الدولة التي ينتميان لها قضاء سني أو العكس ، ومن هنا يلزم أن يكون القضاء وضعي لكي تحقق المساواة بين أفراد المجتمع .
المثال الثالث أن تضطهد الأغلبية الأقلية من منطلق ديني كما قد يكون في بعض المجتمعات التي لديها مشاكل طائفية أو التي كانت تعيش في فترة تاريخية منها مثل هذه المشاكل ، وبالتالي لحل هذا الاضطهاد يلزم أن تكون العلمانية هي الحل .
ويرى العلمانيون العرب أن الدولة العربية ليست دولة علمانية ومن ثم عليها أن تكون دولة علمانية فهي تخصص برامج دينية في إعلامها وتستضيف " رجال دين " يتحدثون عن الدين .
هذا باختصار ما يستلزم حضور العلمانية لدى مؤيديها في مجتمعاتنا .
3
العلمانية هي نظرة مادية للإنسان والمجتمع والكون تستبعد الدين من ذلك ، ولكنها في الوقت ذاته لا تتنكر للدين أي أنها ليست نظرية إلحادية ، وهي ليست كما يصورها البعض أنها معادل للعلم ، فلفظة العلمانية ليست مشتقة من العلم لأن أصل الكلمة secularism لا تدل على ذلك حيث تعني العالم أو الدنيا ، ويمكن إرجاع السبب في إرجاع البعض العلمانية للعلم من أنهم يرون أن البديل للدين هو العلم ، وتعرف العلمانية على أنها " ظاهرة تاريخية ذات أسباب وغايات مركبة ومعقدة ، تتصل بعوامل اقتصادية وفكرية وحضارية عدة ، ساهمت في مجملها بانقلابات جذرية في حياة الإنسان ونظرته إلى المجتمع والطبيعة والدين " ( تطور الفكر السياسي ، مصدر سابق ، 112 )
يطرح السيد محمد حسن الأمين أن هناك نوعان للعلمانية ملحدة ومؤمنة ويمكن لنا أن نقبل بالعلمانية المؤمنة ، بينما يطرح د. عبد الوهاب المسيري أن هناك نوعان من العلمانية جزئية " هي رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع الأبعاد الكلية والمعرفية ، ومن ثم لا تتسم بالشمول ، وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة ، وربما الاقتصاد وهو ما يُعبر عنه بعبارة " فصل الدين عن الدولة " ، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت حيال المجالات الأخرى من الحياة، ولا تنكر وجود مطلقات أو كليات أخلاقية أو وجود ميتافيزيقا وما ورائيات ، ويمكن تسميتها " العلمانية الأخلاقية " أو " العلمانية الإنسانية " " ، وشاملة " رؤية شاملة للواقع تحاول بكل صرامة تحييد علاقة الدين والقيم المطلقة والغيبيات بكل مجالات الحياة ، ويتفرع عن هذه الرؤية نظريات ترتكز على البعد المادي للكون وأن المعرفة المادية المصدر الوحيد للأخلاق وأن الإنسان يغلب عليه الطابع المادي لا الروحي ، ويطلق عليها أيضاً " العلمانية الطبيعية المادية " ( نسبة للمادة و الطبيعة) " ( العلمانية ، د.عبد الوهاب المسيري ، مفاهيم ومصطلحات ، موقع إسلام أون لاين ) ، بينما يطرح الباحث السوري محمد جمال باروت أن الدين الإسلامي دين علماني لأنه دين فيه شريعة التي بحاجة لتطبيقها للدور بشري وهو يهتم بمصلحة الإنسان .
4
من وجهة نظر إسلامية سوف نناقش فكرة العلمانية في النقاط التالية :
1 - يرى الإسلاميون أن الدين الإسلامي دين شامل مترابط يؤثر بعضه على بعض ، بمعنى مفصل أكثر ، إن من يصلي ويصوم ويحج ويزكي ولا ينظر إلى تطبيق مسائل العدل والمساواة والأخلاق وغيرها من قيم بتجاهلها لا تنفعه صلاته - بمعنى أن أثرها فيه قليل أو قد يكون أحياناً معدوم - ، وهذا واضح في أن من يصلي ولكنه يكذب أو يظلم أو يسرق لا تنفعه صلاته " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " فمن يصلي ولا تؤثر فيه صلاته لا فائدة منها ، فالإنسان لا يدين الصلاة بل هي تدين هذا الإنسان . وطالب الإسلام الإنسان المسلم أن يتفاعل مع ما يدور حوله " من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم " ولا يقصد بـ - ليس بمسلم أنه خرج من الإسلام - بل يعني أن عليه أن ينظر في ممارسته لهذا الإسلام ، ولم يطالبه بأن يصلي ويصوم فقط ، حيث يحيط بحياة الإنسان الظلم والكذب والسرقات وغيرها من المسائل . إن العلمانية عندما تقوم بحصر الدين في المسجد ما الذي يبقى للإنسان من وجود وهو يشاهد الكثير من الأخطاء والفساد والمآسي تحيط حوله دون أن يؤثر في ذلك ، واعتماد العلمانية فقط على القانون في مقاومة الظلم والتأكيد على العدل والمساواة والوقوف في وجه الفساد فيه تقزيم للإسلام إن لم تقضي عليه .
2 - هناك سبب نراه مهم في طرح العلمانية فبعض ممن يطرح العلمانية لا ينطلق من أجل المساواة بين أفراد المجتمع بمختلف أديانه أو قومياته أو مذاهبه ، بل أن الطرح ينبع من عدم دينية ، بمعنى آخر أن هناك لا دينيين ونتيجة لموقف سلبي واضح من الدين ، أو عقدة من الدين يطرحون العلمانية . من المعلوم أن الدين يطالب أتباعه بالالتزام بما يأمر به ، وهذا الاتباع يلزم مجاهدة النفس لدرجة وصف مجاهدة النفس بالجهاد الأكبر الذي يقارن بالقتال الموصوف بالجهاد الأصغر ، ورغبة منهم بعدم الالتزام بذلك يطالبون بالعلمانية لأنها سوف لن تقف ضد الكثير من رغباتهم وطموحاتهم وشهواتهم ، بعكس الإسلام الذي سيقف في وجه الرغبات والطموحات والشهوات غير المشروعة ، ونجد هؤلاء دائمي السخرية من الإسلاميين والإسلام .
3 - هل كان اختيار العلمانية في مجتمعاتنا نتيجة ضغط عالمي بأن نتبنى الخيار العلماني أم أنه نتيجة تحولات تاريخية حقيقية فرضتها الظروف التاريخية الاجتماعية وبالتالي لا محيص من تبني العلمانية ، فلا يمكن أن نتجاهل العوامل السياسية في مشكل العلمانية في مجتمعاتنا .
4 - إن نجاح العلمانية في المجتمعات الغربية لا يعني أنها بالضرورة قد تنجح في غيرها من المجتمعات ، فطبيعة المجتمعات الأوروبية في نظرتها لدور الدين - المتمثل في الدين المسيحي - في الحياة الاجتماعية والسياسية تختلف عن طبيعة المجتمعات المسلمة التي ترى للدين دور في حياتها ، فالعلمانية كانت حلاً لمشكلة المجتمعات الأوروبية لكي يتقدموا حيث احتكار الكنسية للعلم الذي كان مطلب مهم لكي تتقدم المجتمعات الأوروبية بل ومصادرة الآراء العلمية التي لا تتفق مع وجهة نظر الكنيسة ، بينما لا نجد أن المؤسسة الدينية تحتكر العلم بل الدين الإسلامي يحث على العلم ، ولكنه ضد استخدام العلم في الضرر بحياة الإنسان ، ومن هنا لا يمكن القول أن العلمانية ستكون حلاً لمشاكل المجتمعات الإسلامية بل أنها ستزيد المجتمعات الإسلامية أزمات فوق أزمتها .
6 - إن تقديم بعض الدول الإسلامية البرامج الدينية في إعلامها الرسمي لا يعني ذلك أنها دولة ذات توجه إسلامي أو أنها تطبق الشريعة الإسلامية ، وهنا يطرح سؤال ما الفرق بين البرامج الدينية التي تبث في الإعلام الرسمي والإعلام غير الرسمي ولا سيما مع ثورة الفضائيات العربية على سبيل المثال ، نجد أن البرامج الدينية التي تطرح في الإعلام الرسمي تتوافق مع السياسات التي تنتهجا الدولة ولا يمكن لها أن تعارض هذه السياسات فهي أحد مؤسسات الدولة ، فالحكومات العربية لديها الإسلام الرسمي إن جاز التعبير الذي قد يتعارض مع الإسلام الشعبي أو الإسلام السياسي ، ومن جهة أخرى إلى أي مدى تطرح القضايا الملحة في مثل هذه البرامج التي تحتاج إليها الشعوب العربية والمسائل التي يحث عليها الإسلام ، وهناك برامج تقدم في بعض الإعلام الرسمي للإسلام فيها موقف واضح .
7 - إن طرح عدم تدخل الدين في أنظمة الدولة يفضي إلى حالة لدى المسلمين يرون فيها أنهم مخيرون بين إما أن يكون مع دينهم أو مع قوانين وأنظمة الدولة ، والتي قد تكون في أحيان كثيرة متعارضة فالواقع يثبت أن القوانين في جميع الدول القائمة حالياً ذات مرجعية وضعية ، يمكن أن تتوافق قواعد من النظم الوضعية مع المرجعية الإسلامية لكن ليس بالضرورة يحدث دائماً فكثير من الأنظمة والقوانين الوضعية تتعارض مع المرجعية الإسلامية ، ولعل الدول العربية يوجد بها من ذلك الكثير ، وأحياناً يكون الاختلاف في الكيفية التي وصلت للنتيجة وهي التي تعتبر الإشكالية أكثر من النتيجة ، فإما أن يختاروا دينهم على القانون ولا سيما عندما تكون العلمانية مفروضة على المسلمين ، أو أن يعيشون حالة عدم استقرار بسبب عدم قدرتهم الالتزام بدينهم باتباع القانون الذي مضطرون إتباعه ، فمثلاً عندما يفرض على المسلمات عدم ارتداء الحجاب عند الدخول في الجامعات أو دخول البرلمان - تركيا في المثالين ، فرنسا في المثال الأول - وبالتالي فإن الملتزمين بدينهم إما عليهم عدم الدخول في الجامعات أو عدم الالتزام بحكم شرعي ، وتحضر هنا مسألة عدم السماح للنساء بارتداء الحجاب في الجامعات التركية مما يجعل المرأة المسلمة إما عدم لبس الحجاب أو ترك الجامعة أو لبس شعر مستعار لكي لا يظهر شعرها الحقيقي ورغم ذلك لا تسلم من سخرية البعض .
8 - إن التجربة العربية التاريخية تثبت أنه لا يمكن أن تفصل أثر الدين عن الحياة السياسية ، فتاريخياً كان من ضمن القوى الوطنية الفاعلة في مقاومة الاستعمار ، قوى تستند للدين كمرجعية في مقاومة الاستعمار فمن ينكر دور الأمير عبد القادر الجزائري وعبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي في الجزائر ، وعمر المختار في ليبيا ، وعلماء الدين في ثورة العشرين في العراق ، ودور الشيرازي في فتواه المشهورة عن التنياك ، وعز الدين القسام ، وفي العقد الأخير من ينكر دور حزب الله في لبنان وحركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين في مقاومة إسرائيل . ومن ينكر دور الحركات الإسلامية في الحياة السياسية ولو أخذنا الانتخابات البرلمانية كأحد المعايير السياسية ولا سيما في انتخابات العقد الحالي نجد أن الإخوان المسلمين رغم ما يعانونه من مضايقات النظام الحاكم الحالي حققوا مقاعد أكثر من مقاعد المعارضة المصرية مجتمعة رغم حظرها سياسياً ، وقبل عدة أشهر فاز حزب العدالة والتنمية في المغرب الذي استطاع أن يحقق 41 مقعد في البرلمان ويحتل المرتبة الثالثة ، ويتخلف عن الحزب الذي حقق أكبر عدد من المقاعد سوى 4 مقاعد ، رغم تقديمه مرشحين في 56 من أصل 90 دائرة واستطاع أن يضاعف عدد مقاعده في البرلمان عن البرلمان السابق حيث مثله 17 نائب ، وانتخابات الجزائر والبحرين وباكستان ، ولعل آخرها فوز حزب العدالة والتنمية التركي الذي شكل الحكومة منفرداً بعد فوزه بالمركز الأول في الانتخابات التشريعية - ولسنا بحاجة لتعليق على هذا الحدث بالذات - .
9 - يمكن القول أن الإسلام يحتوي على عقيدة وأحكام وأخلاق ، والفقه الإسلامي يعتمد على القرآن الكريم باعتباره المصدر الأول ، ويقسم الفقهاء الأحكام الشرعية إلى قسمين أحكام العبادات وأحكام المعاملات ، ويختص النوع الأول بالأحكام المتعلق بالفرد في علاقته بربه والتي تختص بالصلاة والصوم والحج ، بينما يختص النوع الثاني بالأحكام المتعلقة بعلاقة الفرد بالجماعة والأفراد الذين يتعامل معهم ، فنجد في هذا الجانب المعاملات المالية مثل القرض والربا والشراكة أو العلاقات الاجتماعي كما في مسائل الزواج والطلاق والزنا وغيرها من المسائل . ومن ثم عندما يتم تجاهل النوع الثاني من الأحكام ويختصر علاقة الإنسان بالدين فقط بالنوع الأول من الأحكام فمعنى ذلك أن يتم تعطيل عدد من الأحكام التي وردت في القرآن الكريم والتي أمرنا باتباعها .
10 - يطرح السيد محمد حسين فضل الله فكرة وهي لماذا لا يأخذ المسيحيين العرب الشريعة الإسلامية بدلاً من القانون الوضعي ، ومعروف أن أغلب القوانين الموجودة في الدول العربية مأخوذة من القوانين من الدول الغربية ، وبالتالي فالشريعة التي يضعها المسلمون العرب خير من القوانين المأخوذة من تلك القوانين .
11 - أن لكل دولة مرجعية فكرية وقانونية تستند إليها ومن ثم فهل يعقل أن تكون هناك دولة قومية تتنكر للفكرة القومية والوحدوية ، وكذلك عندما يحكم الاشتراكيون هل سيستندون للفكر الاقتصادي الرأسمالي أو الفكر السياسي الليبرالي أم الفكر الإسلامي ، وهذا ينطبق على الليبراليين هل عندما يحكمون في دولة هل سيستندون إلى المرجعية الاشتراكية ، فهناك فرق بين كون الدولة لا دين لها وبين أن الدولة لها مرجعية ، ولعل ما يفكر به الاتحاد الأوروبي في أن يكون للمسيحية وجود باعتبارها مكون مهم للهوية الأوروبية إشارة إلى أنه لا يمكن تجاهل الدين " يعكف الاتحاد الأوروبي اليوم على وضع دستور له ، وهو يتساءل إن كانت ثمة مرجعية دينية له ، وكان النقاش في هذا الموضوع قد انصب على مسألة إن كان من الواجب تضمين نص الدستور الجديد إشارة إلى المسيحية على أساس أنها إحدى المقومات التاريخية الأساسية للهوية الأوروبية .
وكان البابا وراء المطالبة بتضمين الدستور مثل تلك الإشارة ، وتقوم حجته في ذلك على أن المصدر النهائي للقيم الأوروبية حتى للعلمانية الأوروبية الإنسانية منها يتمثل في المسيحية · وقام الرئيس الفرنسي السابق فاليري جسكار ديستان الذي يترأس لجنة صياغة الدستور الأوروبي بزيارة البابا في الفاتيكان الأسبوع الماضي لمناقشة الأمر معه " ( حدود السياسي والديني : جذور الهوية الأوروبية الحديثة ، ويليام فاف ، صحيفة الاتحاد الإماراتية ، العدد 9993 ، الخميس 9 رمضان 1423 هـ / 14 - 11 - 2002 م ) ومن هنا كيف يستطيع مثلاً القومي أو الاشتراكي أو الليبرالي من إدارة الدولة من دون أن تتأثر هذه الإدارة بفكره ، فهناك رابط مهم بين الفكر والممارسة ، وإلا هل يمكن أن نقول أن اشتراكي يدير الحكومة بفكر ليبرالي . وباعتبار الإسلاميين قوى حقيقية في المجتمعات العربية والإسلامية أليس من حقهم أن تكون لهم وجهة نظرهم في كيفية إدارة الدولة ومرجعيتها خصوصاً عندما لا يهدد ذلك السلم الاجتماعي بممارسة ذلك من باب الحرية التي ينادي بها غيرهم ، وذلك يكون عن طريق الدعوة بالفكر والممارسة التي تجعل الدولة الإسلامية ليست بعبعاً يخيف الآخرين ، إلا إذا كان للكل الحق أن يصل للحكم وليس للإسلاميين الحق في ذلك .
وهنا بما أن الإسلاميين ملتزمين بالمرجعية الإسلامية ، فبالتالي لا يمكن للإسلامي أن ينشد الدولة وفق مرجعية غير إسلامية ، وإلا حدث لديه تناقض بين ما يفكر به وما يطبقه ، فكثير من الأحكام الشريعة لا يمكن تطبيقها من دون وجود دولة ، فكما يقول الفقهاء ما يتم به الواجب فهو واجب ، فالقضاء يلزم أن يكون إسلامياً حيث يختلف القضاء الإسلامي عن غيره من القضاء الوضعي ففي الفقه الإسلامي كان أحكام متميزة في الزواج والطلاق والمواريث والمعاملات المالية ، حيث لا يمكن مع القضاء الوضعي أن تطبق الأحكام الشريعة .
12 - إن قضية المساواة التي يطرحها العلمانيون هي ذات جانب سياسي ، فهم يرون أنه ينبغي أن تكون مساواة بين أفراد المجتمع بحيث يكون للجميع الحق في الوصول إلى مناصب الحكم كما ذكرنا أعلاه ، ومعلوم أن هناك في الفكر الإسلامي وجهة النظر ترى أن الحاكم في الدولة الإسلامية لابد أن يكون مسلم ، وأخيراً قرأت رأي للدكتور رضوان السيد مفاده أن الإسلاميين في سوريا ولبنان لا يوجد لديهم مانع من أن يكون الحاكم غير مسلم " وقد أصدر الإسلاميون المصريون والأردنيون والباكستانيون وأخيراً السوريون وثائق في مسألة التعددية ، وما يزال كثيرون منهم مترددين في التعددية الثقافية ؛ لأنها متصلة بهوية المجتمع ولا يجوز التلاعُبُ بها ، أما التعددية الاجتماعية والسياسية فإنهم يقرُّونها ، بل ويؤكدون عليها بالعودة للقرآن والسنة وممارسات المجتمع الإسلامي القديمة ، وقد أقرُّوا إنشاء أحزاب ، كما تحالفوا في الانتخابات النيابية والنقابي مع أحزاب وحركات غير إسلامية ·
كما أن جماعات التيار الرئيسي تُقرُّ الآن بمبدأ المواطنة ، والتساوي بين المواطنين على اختلاف أديانهم ، بيد أن لدى بعضهم تحفظات على ولاية غير المسلم لرئاسة الدولة أو قيادة الجيش ، لكن الإخوان المسلمين السوريين ، والإسلاميين اللبنانيين يقولون بذلك من دون تحفظ ، ويعتبرون أن المسألة انقضت منذ عصر التنظيمات في العهد العثماني " ( الإسلام والمجتمع المدني ، د. رضوان السيد ، صحيفة الاتحاد الإماراتية ، الأحد 22/7/1422هـ الموافق 29/9/2002 ، العدد 9947 ) ، ونرى أنه ما المانع من أن يكون غير المسلم حاكم في الدولة الإسلامية إذا انطلقنا من عدد من المرتكزات الأولى أن هناك لدى الإسلاميون نظرة ترى أن المسيحي مواطناً وهذه النظرة تمثل قطيعة للنظرة التقليدية التي لا ترى في المسيحي مواطناً حيث ترتبط المواطنة بصورة واضحة بالحقوق . الثاني أنه ما دام هناك في الدولة الإسلامية قانون مطبق يسري على الجميع فما المانع من أن يكون المسيحي حاكم طالما هو يعمل ضمن القانون ومع مستشارين يطبقون القانون فهو لن يستطيع أن يأتي بما يخالف الشريعة الإسلامية ، فضلاً عن قبوله العمل في دولة تطبق الشريعة الإسلامية . الثالث أن الرأي الذي يرى أنه لا يمكن أن يكون المسيحي في المناصب القيادة ، ناشئ من الفقه الذي يعتمد على الاجتهاد ، من هنا قد يمارس الفقه اجتهاده ويتغير الرأي الذي لا يرى للمسيحي الحق في تولي المناصب القيادية في الدولة الإسلامية .
13 - يطرح بعض العلمانيون أن العلمانية مرتبطة بقوة مع الديمقراطية ، ولكن لا يقول لنا العلمانيون أن العلمانية عندما جاءت وطبقت في دولنا العربية والإسلامية تم ذلك بطريق ديمقراطي ، حيث تم الاستفتاء عليها من قبل هذه الشعوب وإن الشعوب قبلت بها بالتالي فهي مطلب شعبي ، وليس ما قام به كمال اتاتورك ببعيد ألم يقم بإلغاء الخلافة الإسلامية واستبدالها بالعلمانية رغم عن شعب تركيا .
14 - يطرح العلمانيون أن لا دولة في الدين الإسلامي مستندين على ذلك من رأي للشيخ علي عبد الرازق ، وأن هذا الرأي يأتي من شخص تخرج مؤسسة علمية دينية ، ولكن السؤال الذي يطرح ماذا يمثل رأي الشيخ عبد الرازق بالنسبة لرأي العلماء في وقته أو الوقت الراهن ، ولماذا لا يورد لنا العلمانيون رأي لعالم دين أو مفكر إسلامي آخر يرى في العلمانية كما يراها الشيخ علي عبد الرازق سواء كان معاصراً للشيخ عبد الرازق أو في عصرنا الراهن ، ومن جهة أخرى هناك آراء لمفكرين مشهود لهم في الساحة العربية المعاصرة رؤيتهم في قضية العلمانية ، فمثلاً د. محمد عابد الجابري يرى أننا لسنا بحاجة للعلمانية ونستطيع أن نستعيض بدلاً عنها بالعقلانية والديمقراطية ، أو مثلاً رأي غلنز من أن العلمانية قابلة لكي دين إلا مع الدين الإسلامي ، أو بعض دارسي الإسلام من الباحثين الغربيين الذين يرون أن العلمانية غير قابلة في المجتمعات الإسلامية ، أمثال جون أسبوزيتو وجون فول ورودني ستارك وبين بريديج ( راجع ، المفترون : خطاب التطرف العلماني في الميزان ، فهمي هويدي ، ص 242 ) .
15 - ليس المقصود من الدولة الإسلامية أنها هي التي يحكمها رجال الدين كما هو موجود مثلاً في إيران ، فهذا رأي اعتقد أنه ليس جديراً بالثقة ، فيمكن أن يحكم رجل دين الدولة ولكن لا يطبق فيها الإسلام ، ولكن الدولة الإسلامية هي الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية وفق ما جاء به الدين الإسلامي لا الشريعة التي يلعب بها بعض الفقهاء وكثير من الحكام .
16 - هناك نقطة مهمة وهي رد على تجارب علمانية ففي تركيا صاحبت العلمانية قمع لبعض الحريات ، وفي الاتحاد السوفيتي سابقاً كانت دولة ضد الدين وكانت تعيش حياة الاستبداد ولم تستطع تبني نموذجها ، فحتى في الدول الغربية لا يكفي أن تكون هناك علمانية إن لم يكن معها حرية لكي تنجح هذه الدول ، النازية الفاشية أليست دول علمانية ، وبالتالي الحديث عن تلازم العلمانية بالديمقراطية أو التقدم ليس ضروري .
17 - سبق أن تحدثنا في فقرة سابقة من أن نجاح العلمانية في الغرب ليس بالضرورة أن تنجح في المجتمعات العربية والإسلامية ، فرغم أن هناك نماذج مختلفة للعلمانية في الغرب ، ففي الوقت الذي تكون فيه العلمانية الفرنسية تصطدم مع الدين بقوة ، نجد أن هناك العلمانية الألمانية التي يوجد فيه أحزاب مسيحية ، والعلمانية البريطانية حيث تتبوأ الملكة رئيسة الكنيسة ، والعلمانية الأمريكية التي تعتبر علمانية متصالحة مع الدين .
وهنا بعد ذكر نماذج علمانية مختلفة سوف نأخذ النموذج العلماني الأمريكي الذي يوصف بأنه الأفضل فيما بينها ، سننطلق باعتبار نظرة العلمانية المادية للكون والإنسان والمجتمع للإلقاء نظرة على المجتمع الأمريكي ، فلو أخذنا ما يعيشه المجتمع الأمريكي في جانبه الاجتماعي نجد أن هناك تجارة مخدرات وتعاطي مخدرات ، أمراض جنسية أبرزها الأيدز ، إجهاض ، أطفال غير شرعيين ، تفكك اجتماعي ، عنف اجتماعي ، سرقات ، نصب ، احتيال ، قتل إلى غيره من المشاكل الاجتماعية ، صحيح أن ذلك يحدث مع وجود معارضة من قبل جهات دينية ، ولكن ما مدى تأثير هذه المعارضات والدعوات للعودة إلى الدين في داخل المجتمع الأمريكي ، إضافة وهو المهم هل يمكن لنا أن نبعد أثر التدين من المشاكل الاجتماعية ، نحن لا ندعي أن التدين وحده قادر على حل المشاكل ولكن يبقى هو أقوى العوامل المساعدة لذلك ، والنقطة المهمة التي نريد إثارتها هل نحن بحاجة لتبني النموذج الأمريكي للحياة الاجتماعية ، نحن نعاني من مشاكل اجتماعية كبيرة ولكن لا أتصور أن النموذج الاجتماعي الأمريكي لو تم تبنيه سيحل مشاكلنا بقدر ما سيزيدها تعقيداً .
الأحساء -الرياض

Heba Khled
08-31-2011, 05:08 AM
الحقائق دعائم العقل
د. هاني عبدالرحمن مكروم


فالحقائق من خلق وتدبير العليم الخبير وتنتسب لاسمه ـ الحق، جل شأنه ـ وهي أساسات الفكر السليم وهيكل العقل القويم. ويستحيل أن تتعارض الحقائق، لأنها من مصدر واحد هو خالق هذا الكون البديع المنسق في خشوع وإحكام وجلال. من الممكن أن تتعارض بعض مكونات الواقع، لأنها تشتمل على الحق وعلى الباطل، أما الحقيقة فحق محض ولا تتعارض أجزاء الحق، وحين يبرز أي تعارض ـ بين الأشياء ـ فيكون ذلك بسبب ظلام الجهل وتسلل الباطل وسوء الفهم. والحقيقة يصعب صياغتها بلغاتنا ورموزنا، فلغاتنا بجانب لغات الحقيقة تشبه إشارات الأخرس.
ويخطئ البعض فيتصور أن الواقع بسيئاته وباطله هو الحقيقة! لكن الواقع هو أساساً حقيقة سامية لوثها الباطل، وبالتفكر والتمييز يتضح الأمر. والفكر الذي يبنى على غير الحقائق هو وهم ولا محالة زائل، لأنه باطل وسقيم. وأساس قبح وحقارة الكذب أنه ضد الحقيقة، وبوجهه الصفيق يحاول اعتراض طريق النور، ولا يحدث ذلك إلا بسبب قصور ـ أو حالة مرضية ـ في العقل. فالحقيقة هي ضالة العقل السوى، وفي كنفها تأنس وتسعد النفوس المطمئنة.
إدراك الحقائق:
والحقائق أرسخ من الجبال، لكن إحساس الإنسان بالحقائق أو مدى إدراكه لها وتمسكه بها يتأثر كثيراً بضعف أو قوة بصيرته ومدى دقة إحساسه. فالأعمى لا يشعر بالحقائق التي يمثلها النور مهما وُصفت له، كما أن ضعيف السمع لا يميز شدة الصوت ولا يستجيب للإشارات الصوتية الضعيفة. والسرعة في شعور الشخص المتحرك غيرها في حس الإنسان الساكن، ونتيجة لذلك تأتي الاستجابة لتلك الإشارات غير متناسبة مع حقيقتها، وهذا نوع من الخطأ غير المقصود لكنه يحدث وتترتب عليه نتائج سلبية. فمن لم يتعامل مع النار كيف يشعر بمدى خطورتها! إن مدى إدراكه لها يتناسب مع ما وصله عنها من وصف أو ما شاهد عن بعد. وليس انطباع من رأى النار كمن اكتوى بها. كل هذه الانطباعات عن النار، رغم أن حقيقتها وشجرتها واحدة، لكن إدراكها أو الإحساس بها وبالتالي التصرف تجاهها يختلف من شخص لآخر.
الحقائق كمعظم الأشياء لها شق مادي وصفي وهو الأدنى والأفنى، والآخر خفي معنوي وهو الأعلى والأبقى. الشق المادي من الحقيقة يُدرك بالحواس وبالتشريح، والشق المعنوي من الحقيقة يدرك بالتفكير وجمع المعلومات ووزنها وتحليلها والتفكير فيما وراءها. وبكلا الشقين تكون الحقيقة في البادية غير واضحة ولكن بعد بذل الجهد العقلي ـ في كليهما ـ يأتي هدى الله وفضله فينجل من الحقيقة ما ينجلي. وذلك معنى التبيين أو التوضيح، فلو كانت الحقائق واضحة منذ البادية ما احتاجت إلى بيان أو توضيح.
الحقيقة تبدو مغلفة بطبقات لا نهائية من المعلومات، وكلما عرفنا معلومة يتضح أن خلفها معلومات في سلسلة لا نعرف لها نهاية. والجهل بهذه المعلومات يمثل حُجُباً تُخفي أنوار الحقيقة. وحين يقال إن ((العلم نور)) فالأساس هو نور الحقيقة الذي يتجلى بالعلم ويحجب بالجهل. والحقيقة المطلقة الكبرى في الكون هي الله ومنه يستمد النور كله: (الله نور السموات والأرض...) وذلك النور العقلي يختلف عن الضوء المألوف، فنور العقل يُحجَب بسبب تبلد الحس الناتج عن شدة التعلق بالمادة والتدهور الأخلاقي الذي يسبب ثخانة المخ وتغليظ أقفال العقل المادي. فالحس البليد يحتاج لصفع المادة كي يفيق ـ ثم لا يلبث أن يغط في سبات عميق ـ وتلك خاصية حيوانية، حث أن الضرب هو إحدى وسائل تطويع الحيوان. أما القيم الأخلاقية فتنمي الإحساس بالمعاني وترقيق العقل وشفافية النفس.
وحين نذكر لفظ الحقيقة أو الحقائق فنقصد ما يتيسر لنا إدراكه منها، فالإدراك الكامل للحقائق مستحيل، لأنه متصل بأصولها الكبرى والبعيدة والتي تتصل في عالم الغيب بالخالق جل وعلا. وهذه ليست دعوة لليأس لكنها لبنة ضرورية في علم الحقائق تضع الإنسان قرب حجمه الحقيقي، حتى يتمكن من تصور ترتيب شبه صحيح للأمور والحقائق، ويتقدم هذا الترتيب مع تراكم العلوم الصحيحة.
فبالسعي للمعلومات الموثوقة نلمس أطراف الحقائق ونتحرك خطوة خطوة على أفرعها فنجد أنها تتلاقى في الأصول المرحلية المتصلة بأصول أعمق. وقد جرت العادة على تسمية الحقائق التي تبلورت بالعلم (التجريبي) بالحقائق العلمية وتلك تسمية مجازية تمييزاً لها عن الحقائق الفعلية التي لم يتوصل العلم البشري إلى قول محدد بشأن ماهيتها، كالروح والجن والسماوات السبع مثلاً.
ويمكن تصور أن إدراكنا الإيجابي لنور الحقيقة يتناسب طردياً مع معلوماتنا الصحيحة والمتكاملة عنها، وإدراكنا السلبي يتناسب مع معلوماتنا الخاطئة عنها، والجهل (السطحي) يقع فيما بين الحالتين. وربما يجوز تمثيل ذلك كما في الشكل. وعلى هذا الشكل يمكن تصور سهولة تعليم الجاهل السطحي بموضوع معين. وواضح أن معدل الإدراك يكون بطيئاً في البداية ـ قرب نقطة الصفر ـ ثم تتساند المعلومات لتنشيط العقل ودعم الإدراك بعد ذلك.
أما حالة الفرد المشبع بمعلومات خاطئة ـ حول موضوع ما ـ أي حالة الجهل العميق فتحتاج أولاً لكشف مدى زيف تلك المعلومات (الجهالات) وإزالة آثارها قبل البدء في تقديم المعلومات الصحيحة التي ترتكز على الحقائق، ويمكن تمثيل ذلك بالتحرك على المنحني من أسفل إلى أعلى. ومعالجة مثل هذه الحالة أصعب من معالجة حالة الجهل السطحي (الأمية). وجدير بالذكر أن عكس ذلك ممكن، وهو ما يسمى ـ معكوساً في الغالب ـ ((بعملية غسل المخ))، أي طرد ما به من معلومات صحيحة ليحل محلها أو يسكن إلى جوارها) معلومات خاطئة مغرضة، أو العكس أحياناً. وذلك يحتاج لتحايلات للتشكيك في المعلومات الصحيحة بخلطها بالشوائب ثم تزيين المعلومات الخاطئة بخلطها بكسور الحقائق وأنصاف المعلومات.
عدد الحقائق الفرعية ـ في الوجود ـ يفوق الحصر وكيفية تداخلاتها وعلاقاتها شديدة التنوع، والإدراك المطلق للحقائق يحتاج لقدر هائل من العلم وذلك غير متيسر للإنسان، لأنه محدود العلم وتلك حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد ويسلم بها الكل حتى الملاحدة ورواد العلوم الوصفية حين يشعرون بعجزهم، أما المؤمن فيسلم بها ويبني عليها (... وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).
إذن فإدراك الناس ـ عموماً ـ للحقائق يكون جزئياً من حيث الكم ونسبياً من حيث الكيف.
الوهم:
الوهم ابن الباطل ويقابل الحقيقة إلا أنه لا يدل على شيء ذي حقيقة، فالوهم شيء فارغ، أو فراغ معلق في لا شيء، ولا يوصل إلا للضياع، بل إن الوهم ذاته ـ إن كان له ذات ـ لا يمكن أن يبني عليه غلا الخرافات وحزم الأكاذيب، فبئس البناء والباني والمبني عليه. لذلك لا يمكن للوهم أن يستقر أو تتميز له معالم، إنه هلامى الشكل سرابى المادة أخطبوطي الحركات، يتبخر حين يواجه قوة ونور الحقيقة. وعندئذ يشعر صاحب الوهم أن شيئاً جزءاً من كيانه (عقله) يتحطم أو ينسحب أو يتبخر، ويشعر وكأنه يولد من جديد في عالم مختلف يحتاج لحسابات جديدة ولمسار جديد. فالعقل السوى عدو الوهم والخرافة والأسطورة وما شابه ذلك من الأكاذيب.
العقل الفطري يرفض الوهم والباطل، وحين يتلقاهما في الصغر ينشأ في حالة ريب وخوف وجبن يتردد فيها، ويتقلب من شك إلى حيرة إلى قلق، ويمكن أن يُرى ذلك في وجهه مهما حاول الإخفاء، أو تعاطى من المغيبات، لا تطمئن نفسه أبداً حتى يَمن الله عليه بالهداية، فيلفظ الأوهام والأباطيل.
للوهم تأثير تخديري يجعل من يعيش فيه غافلاً عن الحقائق، لا يشعر بها إلا حين تصدمه الوقائع.
الوهم كنتاج للجهل وصناعة الإفك يساعد على تنمية مناخ التخلف والشر، بعضهم من بعض. والوهم المححض يكون في الفكر فقط وليس في الواقع ـ لأن الوهم لا حقيقة له ولا واقع ـ ومقره في العقل الفارغ والمريض والتافه، أما الواقع الذي يعيشه أغلب الناس فخليط من الحقائق والأباطيل.
وجدير بالذكر أن الخيال يختلف عن الوهم، ولا يقترب من الوهم إلا الخيال المريض، لاشتراكهما في الأكاذيب والمعلومات والتصورات الخاطئة. أما الخيال الرشيد فيتعامل مع الحقائق والوقائع ويبحث عن الغائب منها ويحاول أن يتلمس العلاقات الصحيحة بين الأشياء ومسبباتها ومسببات مسبباتها، ويستنتج ويراجع استنتاجاته فيصل بسعادة غامرة إلى الله ـ أصل كل الحقائق سبحانه وتعالى. والخيال مطلوب للإبداع وتوليد الفكر والمعاني السامية التي تدور حول الحقائق.
صحة العلم بالحقيقة:
الصحة عكس المرض، ولفظ ((صحيح)) يقابل لفظ مريض أو كسير، و ((كامل)) يقابل ((ناقص)). وتطبيق مثل هذه المفاهيم على المعلومة وعلاقتها بالحقيقة يفتح أبواباً للتأمل، فمعلوماتنا عن حقيقة الشيء ـ إن صحت ـ فهي جزئية وبالتالي فنحن ندرك كسوراً من الحقائق. إذن علمنا بالحقيقة غير مكتمل الصحة، وهذا لا يقلل من قيمة ما نعلم بل يدعونا للسعي وطلب المزيد من الصحة بشوق وتواضع وخشوع. ومن أمثلة فتات العلم أو أجزاء المعلومات ما يسمى بالواقع التجريبي أو الوقائع التي نتوصل إليها بالتفكير والملاحظة، مثل:
ـ لا يمكن أن يحيا الإنسان بدون ماء.
ـ الماء يمثل ما يقرب من ثلثي وزن الإنسان الحي.
ـ بدون الماء يجف النبات ويموت.
ـ لا يمكن أن تعيش الأسماك بدون الماء.
ـ الماء نسبته كذا في جسم الطيور.
كل من هذه المعلومات الجزئية وأمثالها تمثل واقعاً تجريبياً علمياً ملموساً وأحياناً مقاساً، والتوصل إليه وتحصيله هو وأمثاله يحتاج لوقت وجهد ـ وهو فريضة ـ وفي نفس الوقت فهذه المعلومات العديدة (الفتات) أو جزئيات الحقيقة وأنصاف المعلومات يشملها جميعاً(يربطها ببعضها) الحقيقة النورانية المتكاملة التي تدوي بين الأرض والسماء ـ منذ القدم ـ شاهدة بصدق ودقة التبليغ، وملوحة بعظمة الإرادة المطلقة التي هي أم الأسباب ومصدر الحقائق: (... وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمنون). آية منزلة من مصدر النور، بدون الحاجة إلى تجارب أو أبحاث أو مختبرات أو تحليلات... إلخ. تلك معلومة شاملة المعاني كاملة الصحة تلخص حقيقة كونية أساسية، وعلى العاقل أن يبني عليها أوثق البنيان. أما حين تكون معلوماتنا عن الشيء مغلوطة أو منفوخة أو مبتورة ـ وما أكثر ذلك ـ فيجب الحذر كل الحذر.
ترتيب الحقائق:
الحقائق في هذه الدنيا عديدة، بل تفوق الحصر، لكنها أبداً لا تتناقض بل هي دوماً تتكامل وتتناغم وتتلاقى في اتجاه الحقيقة المركزية الكبرى، وحين يبدو أدنى تناقض بين بعض أجزاء حقيقة ما فيجب أن نتوقف لنبحث عن الخطأ في فهمنا نحن لنصححه، لأن أجزاء الحقيقة لا يمكن أن تتناقض. نعم، الحقيقة تتشعب أبعادها، وأوجهها تتعدد وتتقابل، لكن أجزاءها لا تتناقض. على هذا الأساس يمكن أن نصحح أفكارنا بتخليصها من المتناقضات وهذا دور العقل، لأن أجزاء الفكرة السليمة لا تتناقض.
والإدراك المطلق ((لشجرة الحقائق)) لا يعلمه إلا الله، أما الإنسان فيدرك من الحقائق ما يتناسب مع علمه واستعداد عقله.
ما قيمة وحال العقل الذي ينكر الحقيقة الكبرى!! كيف يستقيم فكره إن لم يستقر على الحقائق الراسخات! وهذا الصنف من العقول البائسة تجد له أتباعاً وأشباه أتباع بالملايين (نسوا الله فأنساهم أنفسهم). تجد كثيراً من الناس يُرزقون ولا يخطر ببالهم أن يشكروا من رزق، فمن سيشكرون بعد ذلك؟! يذنبون ولا يشعرون بالحياء ممن أمهلهم وهو قادر عليهم، فممن سيستحون إذن! وأي خير يرجى من ورائهم. وما أروع قول خاتم المرسلين (ص) في الحديث الذي رواه مسلم وغيره، عن أبي هريرة (رض): ((... والحياء شعبة من شعب الإيمان)). والمصيبة الكبرى هي الجهل العميق بالحقيقة الكبرى، وتتوالى وتتنوع بعد ذلك الجهالات بكبريات الحقائق.
ومن الناس مَن يسلمون بوجود الله، لكن ما قدروا الله حق قدره، وتصوروه في صور ومنازل ومواقف لا تليق بقدره ـ عزوجل ـ . وفي ذلك يوجد خلل ربما جاز أن نسميه ((إدراك جزء الحقيقة)) والغفلة عن معظمها، أو قل الجهل النسبي بها. وعلمياً لا يمكن تشييد بناء بالفتات، لا بد من ربط الحبيبات ببعضها لتكون كتلة متماسكة يشد بعضها بعضاً، والكتلة الكبيرة يصعب أن تستقر أو تستريح على الكتلة الصغيرة، لكن العكس هو الصحيح. فالحقائق الكبرى أصول عريقة والحقائق الصغرى فروع حديثة، وصحة الفروع رهن بصحة الأصول. وأصول الحقائق موجودة منذ الأزل، ولكننا نعجز عن إدراك معظمها، بسبب شدة عظمتها وقلة علمنا، وما يستجد من الحقائق هو أطرافها كأوراق الشجر وأزهارها وأشواكها التي تتنوع وتنمو ثم تتساقط وتتجدد لكن الأسس تبقى.
الموت حق وحقيقة ثقيلة لا ينكرها عاقل، وأسبابه كامنة فينا وحولنا، وما وراء هذه الحقيقة أثقل منها، وكل أهل الدنيا لا يملكون إزاءها حيلة ولا وسيلة، ولكن كم نسبة البشر الذين يقدرون هذه الحقيقة حق قدرها ويستعدون لها؟
إنكار الحقائق يمكن أن يحدث بسبب خلل في العقل، خلل علمي (معنوي) وليس عضوياً، والجهل يمكن تصنيفه تحت هذا النوع من الخلل. فالعاقل لا يقبل ولا يرفض إلا عن علم أو ببينة، أما الرفض الجاهز لكل ما هو مجهول، والرفض الموروث، وما شابه ذلك فيعتبر خللاً أو قصوراً عقلياً (أو فكرياً) لا يستند إلى علم أو فهم، وماذا بعد العلم غير الجهل! والخلل الفكري دليل على الضعف النفسي المتمثل في شدة الخوف من المجهول ورفضه خوفاً مما وراءه. حدث ذلك مع كل رسالات السماء من عهد نوح إلى عهد محمد (ع) الحقائق الناصعة البياض قوبلت بالرفض والرفض العنيف، رفض عن جهل وراثي عميق لا عن علم سليم، بل إصرار على ما هم فيه من ضلالات ومفتريات لا برهان عليها، فهل يصح أن نعتبر هذه العقول سليمة حتى ولو اخترعت ما اخترعت!
في محاولتنا لتصور ترتيب جيد للحقائق وما يُشكل العقل، نقر بأن ترتيبنا عرضة للخطأ ولذلك سنحاول الإيجاز، لتقليل فرصة الخطأ، وبقدر صدق التجائنا للعليم الخبير نرجو أن يعيننا على تفادي الخطأ. وفيما يلي نذكر اجتهادنا في هذا الترتيب ـ بتقسيم عريض ـ كالتالي:
1 ـ حقائق ذكرت في نصوص منسوبة لعلام الغيوب ومحفوظة بلا أدنى تحريف أو إعادة ترتيب أو أخطاء ترجمة أو ضعف ذاكرة أو تأويل أو خلط بهوى. أمثال هذه الحقائق هي كل ما تضمنه كتاب الله ومنها: الله خالق كل شيء، قل هو الله أحد، كل نفس ذائقة الموت، محمد رسول الله، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومَن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
2 ـ معلومات نسبت للرسل والأنبياء ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ بروايات متباينة الدقة والاتفاق والترتيب ومتانة السند، نأخذ منها ما نطمئن لصحته وحسنه بما لا يتعارض مع الآيات الكريمات.
3 ـ معلومات هدى الله إليها بعض مَن كرس وقته للبحث العلمي والتدقيق، وهي خليط أكثره صواب ونافع وقليله غير ذلك.
4 ـ مخاليط من فتات علوم وركام وخرافات وأوهام وأكاذيب وافتراءات وأحقاد وأهواء وتعصبات وتلفيقات وكناسات.
وفي ترتيب الحقائق نجد صعوبة تتمثل في غياب المقياس المتفق عليه بين العقول المتنوعة. فقد نلم بفتات حقيقة ما ـ أنت وأنا ـ ولكن إدراك كل منا لتلك الحقيقة يختلف حسب كم ونوع الفتات ومعانيه عند كل منا، لذلك تختلف صورتها وبالتالي أهميتها عندي وعندك. وهذا أحد أسباب الاختلاف الذي يصل أقصى مداه حينما يكون أحدنا مُدركاً لتلك الحقيقة والآخر يجهلها (الأمي) أو يتصور عكسها، أو مُلقن بضدها (الجهل العميق). وهنا يمكن أن نفسر تقارب أفكار مَن خضعوا معاً لبرامج تلقين موحدة لفترات طويلة، حيث تزيد مساحة الاتفاق بينهم، وفي المقابل نجد تباين هؤلاء مع أولئك الذين تلقوا برامج تلقين مغايرة. غالباً ما يصعب التوفيق بين هؤلاء وأولئك، لأن كلاً منهما ركز على جوانب ورموز يجهلها الآخر ويرفضها، وأصبح كل فريق متمسكاً برؤيته التي تشكلت ببرامج التلقين ـ دون أن يشعر. كل فريق يعظم الأسس التي زُينت له في برامج التلقين وقد شغلت حيزاً في ذاكرته وأحدثت آثاراً يصعب محوها إلا بهزة عنيفة. وكما يقول ربنا عزوجل: (كل حزب بما لديهم فرحون) المؤمنون/ 53.
وبرامج التلقين تعطي على هيئة حزم من المعلومات يحاول مَن رتبها أن يُكون من كل حزمة خلاصة معينة لا يشترط أن تعبر عن حقيقة صادقة. ومن مجموعة الحزم يمكن تكوين صورة أشمل للتعبير عن توجه أوسع بغض النظر عن الحقيقة، وهذا أسلوب تركيبي معروف عند مخططي ومحترفي تشكيل العقول. وقلما يهتم الناس بالحقائق الخالصة، إنما تهتم الغالبية العظمى بالفتات وأشباه الحقائق التي تؤيد فكرها ووجهة نظرها وظاهر مصالحها العاجلة، وتنفر من الحقائق التي تناقض توجهاتها وما سبق أن ترسب وترسخ في عقولها. فما يتفق مع الهوى يتم الترحيب الاحتفال به، أما ما يتعارض معه فيحاول الناس مقاومته والتفنن في مراوغته، فأين موقع الحقيقة من هذا الحال!
-----------------------------------
المصدر:العقل ,تنظيمه وادارته

Heba Khled
08-31-2011, 05:09 AM
اقتناع النبي الشخصي بالنبوة
مالك بن نبي

إن ((محمداً)) أمي، ليس لديه من معرفة البشر سوى ما يمكن أن يمنحه له وسطه الذي ولد فيه.
وفي هذا الوسط الفروسي، الوثني، البدوي، لا مجال مطلقاً للمشكلات الاجتماعية والغيبية (الميتافيزيقية)، فإن معارف العرب عن الحياة الاجتماعية والفكرية لدى الشعوب الأخرى ليست بذات قيمة، إذا ما رجعنا إلى الشعر الجاهلي الذي يعتبر مصدراً قيماً للمعلومات في هذا الموضوع.
فمحمد في ذهابه إلى عزلته في غار حراء لم يكن لديه سوى ذلك المتاع العادي من الأفكار الشائعة في وسطه البدائي.
ثم تأتي الفكرة الموحي بها فتقلب هذه المعرفة الضئيلة المحاطة بسياج مزدوج من الجهل العام، والأمية الخاصة عند محمد.
ومن الواجب أن نتصور في كلمة ((اقرأ)) وهي الكلمة الأولى للوحي، تأثيرها الصاعق على النبي حيث إنها لا تعني شيئاً بالنسبة له، إذ هو أمي. وهذا الأمر الملزم يحدث بطبيعة الحال انقلاباً في كيانه، لأنه يزلزل فكرة الأمي عن نفسه، فيجيب متهيباً: (ما أنا بقارئ). ولكن ... أي صدمة مذهلة تصيب فكره الموضوعي .. ؟!. فإذا كان النبي قد تخلقت لديه نواة الاقتناع عقب الملاحظات الأولى المذكورة، فإن هذه الصدمة العقلية لن تبدد شكوكه مرة واحدة، إذ عندما يأمره الصوت في المرة التالية (أن ينذر)، سيتساءل قلقاً ((مَن ذا الذي يؤمن بي؟)) وفي هذا السؤال نلمح مفاجأة الشيء غير المتوقع، وحيرة الاقتناع.
وفضلاً عن ذلك فإن الوحي سينقطع فترة من الزمن، وسنجد أنه يتمناه، بل يريده، بل يناديه مستيئساً، ولا من مجيب.
هنا يجد ((محمد)) نفسه في أقسى لحظات أزمته الأدبية التي عرفها في غار حراء. وهنا يتعاظم شكه، وقد كان يسيراً، فيشكو حيرته لزوجته الحانية، وإذا بها تحاول أن تعزيه بكلمات لا تبعث في قلبه العزاء ... وأخيراً وبعد عامين ينزل الوحي، فيأتيه بالكلمة العليا، الوحيدة، التي هي بلسم الشفاء ... كلمة الله.
لقد أشرقت أسارير النبي، إذ هو يملك منذ الآن البرهان الأدبي والعقلي على أن الوحي لا يصدر عن ذاته، ولا يوافيه طوع إرادته، فلقد بدا له عصياً لا يمكن أن يخضع له، كما لا تخضع له أفكار الآخرين وكلماتهم. ولديه الآن برهان موضوعي إلى أقصى درجة على صحة اقتناعه الجديد.
هذا الانتظار الحزين، ثم ما تلاه من ابتهاج مفاجئ كانا ـ في الواقع ـ الظرفين النفسيين المناسبين لتلك الحالة من الفيض العقلي، حيث لم تعد تخطر ظلال الريبة والشك.
والحق أن الشك الذي عاناه النبي (ص) هو الذي اضطره إلى أن ينكب على حالته الخاصة، ويواصل تفكيره ومعالجته التي ستنتهي باليقين النهائي.
وفي هذا التحول نرى أثرا لتربية السامية، التي تعين رسول الله على أن يتحقق تدريجياً في نفسه من حقيقة الظاهرة القرآنية، يعينه على ذلك تكيف مستمر لضميره الواعي، وكأنما أريد إعداده منهجياً للاقتناع الجديد، ثمرة الفكرة الناضجة المستغرقة، وهو اقتناع يتجلى في محاوراته الأولى مع قريش، لقد تبدلت حال نفسه، فأصبح يثق في ذاته، وينزل الوحي لكي يعكس على نظرنا حاله النفسية الجديدة، ويؤكد هذا الاقتناع الظافر بقوله:
(والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى ... ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآة نزلة أخرى ... ) النجم الآيات 1 ـ 4، 11 ـ 13.
لم يعد لدى النبي أدنى شك أدبي أو عقلي، فإن الحكم الصادق هو الذي يهديه، وهذا النوع من الحكم لا يحول الشك المنهجي الذي عاناه، إلى شك مقصود لذاته. إذ أن الحقيقة العلوية للوحي تفرض نفسها فرضاً على العقل الوضعي. فكل ما يراه، وما يسمعه، وما يشعر به، وما يفهمه يتفق الآن مع حقيقة واضحة تماماً في ذهنه، جلية في عينيه هي: الحقيقة القرآنية.
وأكثر من ذلك فإن إدراكه في هذا النطاق سيزداد ويتسع كلما تابع الوحي آياته البليغة، تلك التي تكون الكتاب الروحي الذي أحس به مطبوعاً في قلبه في غار حراء، وإن هذا الاقتناع العقلي ليزداد رسوخاً كلما ازدادت الهوة عمقاً في عينيه بين ظنون ((الإنسان)) وما يجري على لسان ((النبي)).
وسيتابع الوحي نزوله بسور القرآن سورة سورة، فتتزاحم في وعيه الحقائق التاريخية، والكونية، والاجتماعية التي لم يسبق أن سجلت في صفحة معارفه، بل حتى في معارف عصره، ومناحي اهتمامه.
هذه الحقائق ليست مجرد تعميمات غامضة، ولكنها معلومات محددة تضم تفاصيل هامة عن تاريخ الوحدانية.
فقصة يوسف المفصلة، مثلاً، أو التاريخ المفصل لهجرة بني إسرائيل لا يمكن اعتبارهما مجرد اتفاق عارض، بل يجب حتماً أن يأخذا لدى ((محمد)) (ص) صفة الوحي العلوية.
ولنا أن نتساءل كيف استطاع أن يدرك الاتفاق العجيب لهذا الوحي مع ما ورد من التفاصيل التاريخية في التوراة ... ؟
لقد كان يكفي محمداً لاقتناعه الشخصي أن يلاحظ أن مثل هذا التفصيل غير المتوقع، والذي غاب عن الأعين في طيات التاريخ ليس بذي طابع شخصي، دون أن يستخدم فعلاً أساساً للمقارنة، حتى يحكم على الفكرة الموحاة، ومدى تصديقها لما ورد في التوراة.
فكان عليه أن يلاحظ أن أخبار الوحي تنزل عليه من مصدر ما، فمن هو هذا المصدر؟. صار إذن من اللازم أن يحتل هذا السؤال مكانه في العملية العقلية التي يستقي منها النبي إدراكه الثابت، واقتناعه الشخصي. ولقد جاءت إجابته عن هذا السؤال بعد مقابلة باطنية بين فكرته الشخصية وبين الحقيقة المنزلة، وكان بحسبه أن يعقد هذه المقابلة لكي يحل مصدر هذه الأخبار المنزلة، خارج ذاته، وخارج مجتمعه، فما كان لديه أي التباس في هذا، فخارج معلوماته لم يكن يستطيع أن يجد الحقيقة القرآنية عند أي مصدر إنساني.
و ((محمد)) صادق مع قومه، وهو قبل ذلك صادق مع نفسه، فدراسته الواعية لحالته الغريبة يجب أن تكون نوعاً من الدرس الباطني القرآني. بحيث تقضي هذه الدراسة على أي شكل يخايل عينيه، ما دام يمكنه أن يجريها على أساس منهجين مختلفين، الأول: ذاتي محض يقتصر على ملاحظته وجود الوحي خارج الإطار الشخصي، والثاني: موضوعي يقوم على المقارنة الواقعية بين الوحي المنزل وما ورد من التفاصيل المحددة في كتب اليهود والنصارى مثلاً.
وكأنما كان الوحي ـ أحياناً ـ يعلمه هذا المنهج الأخير الموضوعي عندما لا يكون الأمر أمر اقتناعه هو ـ حيث إنه اقتنع منذ زمن طويل ـ بل أمر تأسيس وتربية للذات المحمدية، ولا سيما عندما يجادل المشركين عن عقيدته، أو وفود النصارى الآتية من أطراف الجزيرة، كوفد نجران الذي أتاه ليناقش معه عقيدة التثليث.
وفي هذا يحدثه الوحي صراحة:
(فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، لقد جاءك الحق من ربك، فلا تكونن من الممترين) يونس آية 94.
يحدثنا المفسر جلال الدين السيوطي فيقول:
إن النبي عقب على ذلك قائلاً: ((لا أشك ولا أسأل)).
فمن هذا نرى أن النبي كان يمكنه أن يكتفي بالمقابلة الباطنية المشار إليها آنفاً، على الأقل فيما يتصل باقتناعه الشخصي. ولكن كان عليه أيضاً أن يشبع حاجة الآخرين إلى الاقتناع، فكأنما قد استخدم لذلك المنهج الثاني عندما كان يتصدى في إحدى المناظرات العامة لتحقيق قيمة الوحي بصفة موضوعية بالنسبة لحقيقة مكتوبة في الكتب السابقة.
وتلك ـ على ما نظن ـ المناسبة التي نزلت من أجلها سورة يوسف، فكما قرر الزمخشري: نزلت هذه السورة المكية عقب نوع من التحدي الذي جابهه به علماء بني إسرائيل، لقد سألوه صراحة عن قصة يوسف، فنزلت ولكنها إذا كانت قد أجابت على تحد صادر عن أحبار اليهود أو غيرهم، فإنها لم تكن لتحسم النزاع إلا بمقابلة دقيقة بين نصوص التوراة وقصص القرآن.
ولا شك أن النبي لم يكن في نفسه مهتماً بمثل هذه المقابلة، التي تتيح له فرصة المقارنة الموضوعية بين الوحي والتاريخ الثابت في كتب بني إسرائيل. ولعل هذه الفرصة لم تكن الوحيدة التي لجأ فيها إلى المقارنة الفعلية، التي تقدم في كل مرة عنصراً جديداً لمقياس اقتناعه العقلي.
وأخيراً، فإن صوغ هذا الاقتناع، يبدو أنه قد سار طبقاً لمنهج عادي حين ضم ـ من ناحية ـ الملاحظات المباشرة للنبي عن حالته، ومن ناحية أخرى مقياساً عقلياً يستقي منه اقتناعه، وهو يجول بعقله في دقائق ملاحظاته.
إن علم الدراسات الإسلامية الذي يتناول هذه الدراسات في عمومها بفكر مغرض، لم يعالج مشكلة هذا الاقتناع الشخصي، برغم أنها في المقام الأول من الأهمية لتفهم الظاهرة القرآنية، إذ هو يمثل مفتاح المشكلة القرآنية حين نضعها على البساط النفسي للذات المحمدية.
وغني عن البيان أنه لكي يؤمن ((محمد))، ويستمر على الإيمان بدعوته يجب ن نقرر حسب تعبير (أنجلز) أن كل وحي لابد أن يكون قد ((مر بوعيه)) واتخذ في نظره صورة مطلقة، غير شخصية، ربانية في جوهرها الروحي، وفي الطريقة التي تظهر بها.
ومحمد (ص) قد حفظ ـ بلا أدنى شك ـ اعتقاده حتى تلك اللحظة العلوية، حتى تلك الكلمة الأخيرة:
((نعم ... في الرفيق الأعلى)).
----------------------------
المصدر: الظاهرة القرانية

Heba Khled
08-31-2011, 05:11 AM
صفات الله الثبوتية
العلامة الحلي ـ فاضل مقداد


قال الحلي:
الأولى، أنه تعالى قادر مختار لأن العالم محدث لأنه جسم، وكل جسم لا ينفك عن الحوادث، أعني الحركة والسكون، وهما حادثان لاستدعائهما المسبوقية بالغير، وما لا ينفك عن الحوادث فهو محدث بالضرورة، فيكون المؤثر فيه، وهو الله تعالى قادراً مختاراً، لأنه لو كان موجباً، لم يتخلف أثره عنه بالضرورة، فيلزم من ذلك إما قدم العالم أو حدوث الله تعالى، وهما باطلان.
والقادر المختار هو الذي إذا شاء أن يفعل فَعَلَ، وإن شاء أن يترك تَرَكَ، مع وجود قصد وإرادة، والموجَب بخلافه.
والعالم كل موجود سوى الله تعالى.
والمحدث هو الذي وجوده مسبوق بالغير أو بالعدم، والقديم بخلافه.
والجسم هو المتحيز الذي يقبل القسمة في الجهات الثلاث.
والحيز والمكان شيء واحد، وهو الفراغ المتوهم الذي يُشغله الأجسام بالحصول فيه.
والحركة هي حصول الجسم في مكان بعد مكان آخر. والسكون هو حصول ثان في مكان واحد.
إذا تقرر هذا فنقول، كلما كان العالم محدثاً، كان المؤثر فيه وهو الله تعالى قادراً مختاراً، فهنا دعويان: الأولى إن العالم محدث، والثانية انه يلزمه اختيار الصانع. أما بيان الدعوى الأولى، فلأن المراد بالعالم عند المتكلمين هو السموات والأرض وما فيهما وما بينهما. وذلك إما أجسام أو أعراض، وكلاهما حادثان. أما الأجسام فلأنها لا يخلو من الحركة والسكون الحادثين، وكل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، أما انها لا يخلو من الحركة والسكون، فلأن كل جسم لابد له من مكان ضرورة. وحينئذ إما أن يكون لابثاً فيه فهو الساكن، أو منتقلاً عنه، وهو المتحرك، إذ لا واسطة بينهما بالضرورة، وأما انهما حادثان، فلأنهما مسبوقان بالغير، ولا شيء من القديم مسبوق بالغير، فلا شيء من الحركة والسكون بقديم، فيكونان حادثين، إذ لا واسطة بين القديم والحادث، أما انهما مسبوقان بالغير، فلأن الحركة عبارة عن الحصول الأول في المكان الثاني، فيكون مسبوقاً بالمكان الأول ضرورة. والسكون عبارة عن الحصول الثاني في المكان الأول، فيكون مسبوقاً بالحصول الأول بالضرورة، وأما إن كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فلأنه لو لم يكن حادثاً لكان قديماً وحينئذ إما أن يكون معه في القدم شيء من تلك الحوادث اللازمة له أو لا يكون، فإن كان الأول لزم اجتماع القدم والحدوث معاً في شيء واحد، وهو محال، وإن كان الثاني، يلزم بطلان ما علم بالضرورة، وهو امتناع انفكاك الحوادث عنه وهو محال. أما الأعراض، فلأنها محتاجة في وجودها إلى الأجسام، والمحتاج إلى المحدث أولى بالحدوث. وأما بيان الدعوى الثانية، فهو إن المحدث لما اتصف ماهيته بالعدم تارة، وبالوجود أخرى كان ممكناً، فيفتقر إلى المؤثر، فإن كان مختاراً فهو المطلوب، وإن كان موجباً، لم يتخلف أثره عنه فيلزم قدم أثره لكن ثبت حدوثه، فيلزم حدوث مؤثره للتلازم وكلا الأمرين محال. فقد بان إنه لو كان الله تعالى موجباً، لزم إما قدم العالم أو حدوث الله تعالى، وهما باطلان، فثبت انه تعالى قادر ومختار، وهو المطلوب.
قال: وقدرته يتعلق بجميع المقدورات، لأن العلة المحوجة إليه هي الإمكان، ونسبة ذاته إلى الجميع بالسوية، فيكون قدرته عامة.
أقول: وقد نازع فيه الحكماء حيث قالوا إنه واحد لا يصدرُ عنه إلا الواحد والثنوية حيث زعموا إنه لا يقدر على الشر. والنظام حيث اعتقد إنه لا يقدر على القبيح. والبلخي حيث منع قدرته على مثل مقدورنا والجبائيان حيث أحالا قدرته على عين مقدورنا والحق خلاف ذلك كله. والدليل على ما ادعيناه انه قد انتفى المانع بالنسبة إلى ذاته وبالنسبة إلى المقدور، فيجب التعلق العام. وأما بيان الأول، فهو إن المقتضى لكونه تعالى قادراً هو ذاته، ونسبتها إلى الجميع متساوية لتجردها، فيكون مقتضاها أيضاً متساوية النسبة، وهو المطلوب. وأما الثاني فلأن المقتضى لكون الشيء مقدوراً هو إمكانه، والإمكان مشترك بين الكل، فيكون صفة المقدورية أيضاً مشتركاً بين الممكنات، وهو المطلوب. وإذا انتفى المانع بالنسبة إلى القادر وبالنسبة إلى المقدور، وجب التعلق العام، وهو المطلوب. واعلم انه لا يلزم من التعلق الوقوع، بل الواقع بقدرته تعالى هو البعض، وإن كان قادراً على الكل. والأشاعرة اتفقوا في عموم التعلق، وادعوا معه الوقوع.
قال: الثانية، أنه تعالى عالم لأنه فعل الأفعال المحكمة المتقنة، وكل مَن فعل ذلك فهو عالم بالضرورة.
أقول: والعالم هو المتبين له الأشياء، بحيث تكون حاضرة عنده، غير غائبة عنه والفعل والمُحكم المتقن هو المشتمل على أمور غريبة عجيبة والمستجمع لخواص كثيرة والدليل على كونه عالماً وجهان: الأول أنه مختار، كل مختار عالم. أما الصغرى فقد مر بيانها. وأما الكبرى فلأن فعل المختار تابع لقصده، ويستحيلُ قصد شيء من دون العلم به. الثاني انه فعل الأفعال المحكمة والمتقنة، وكل مَن كان فعله كذلك فهو عالم بالضرورة. أما انه فعل ذلك فظاهر لمن تدبر مخلوقاته. أما السمائية فيما يترتب على حركاتها من خواص فصول الأربعة وكيفية نضد تلك الحركات وأوضاعها، وهو مبين في فنه. وأما الأرضية فيما يظهر من حكمة المركبات الثلاث، والأمور الغريبة الحاصلة فيها، والخواص العجيبة المشتملة عليها، ولو لم يكن إلا في خلق الإنسان، لكفى الحكمة المودعة في إنشائه وترتيب خلقه وحواسه وما يترتب عليها من المنافع كما أشار إليه بقوله: (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق).
قال: علمه يتعلق بكل معلوم لتساوي نسبة جميع المعلومات إليه، لأنه حي وكل حي يصح أن يعلم كل معلوم، فيجب له ذلك لاستحالة افتقاره إلى غيره.
أقول: الباري تعالى عالم بكل ما يصح أن يكون معلوماً، واجباً كان أو ممكناً، قديماً كان أو حادثاً، خلافاً للحكماء حيث منعوا من علمه بالجزئيات على وجه جزئي، لتغيرها المستلزم لتغير العلم الذاتي. قلنا المتغير هو التعلق الاعتباري لا العلم الذاتي. والدليل على ما قلناه أنه يصح أن يعلم كل معلوم، فيجب له ذلك. أما إنه يصح أن يعلم كل معلوم، فلأنه حي وكل حي يصح منه أن يعلم، ونسبة هذه الصحة إلى جميع ما عداهُ نسبة متساوية، فيتساوى نسبة جميع المعلومات إليه أيضاً. وأما إنه إذا صح له تعالى شيء وجب له، فلأن صفاته تعالى ذاتية، والصفة الذاتية متى صحت وجبت، وإلا لافتقر اتصاف الذات بها إلى الغير، فيكون الباري تعالى مفتقراً في علمه إلى غيره، وهو محال.
قال: الثالثة، أنه تعالى حي لأنه قادر عالم فيكون حياً بالضرورة.
أقول: من صفاته الثبوتية كونه تعالى حياً، فقال الحكماء وأبو الحسين البصري حياته عبارة عن صحة اتصافه بالقدرة والعلم. وقالت الأشاعرة هي صفة زايدة على ذاته مغايرة لهذه الصحة، والحق هو الأول إذ الأصل عدم الزائد. والباري تعالى قد ثبت إنه قادر عالم، فيكون حياً بالضرورة، وهو المطلوب.
قال: الرابعة، أنه تعالى مريد وكاره، لأن تخصيص الأفعال بايجادها في وقت دون آخر، لابد له من مخصص وهو الإرادة، ولأنه تعالى أمر ونهى، وهما يستلزمان الإرادة والكراهة بالضرورة.
أقول: اتفق المسلمون على وصفه بالإرادة، واختلفوا في معناها. فقال أبو الحسين البصري هي عبارة عن علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة الداعي إلى إيجاده وقال النجار معناها أنه غير مغلوب ولا مكروه، فمعناها إذن سلبي، لكن هذا القائل أخذ لازم الشيء في مكانه وقال البلخي هي في أفعاله عبارة عن علمه بها، وفي أفعال غيره أمره بها، فإن أراد العلم المطلق فليس بإرادة وإن أراد المقيد بالمصلحة، فهو كما قال أبو الحسين البصري. وأما الأمر فهو مستلزم للإرادة لا نفسها. وقالت الأشاعرة والكرامية وجماعة من المعتزلة إنها صفة زائدة مغايرة للقدرة والعلم مخصصه للفعل. ثم اختلفوا، فقالت الأشاعرة ذلك الزائد معنى قديم، وقالت المعتزلة والكرامية هو معنى حادث. فالكرامية قالوا هو قائم بذاته تعالى، والمعتزلة قالوا لا في محل، فإذن الحق ما قاله أبو الحسين البصري. والدليل على ثبوت الإرادة من وجهين الأول، إن تخصيص الأفعال بالإيجاد في وقت دون وقت آخر، وعلى وجه دون آخر، مع تساوي الأوقات والأحوال بالنسبة إلى الفاعل والقابل، لابد له من مخصص. فذلك المخصص إما القدرة الذاتية، فهي متساوية النسبة، فليست صالحة للتخصيص، ولأن من شأنها التأثير والإيجاد من غير ترجيح، وإما العلم المطلق فذلك تابع لتعيين الممكن وتقدير صدوره، فليس مخصصاً وإلا لكان متبوعاً. وأما باقي الصفات فظاهر إنها ليست صالحة للتخصيص. فإذن المخصص هو علم خاص مقتضي لتعيين الممكن ووجوب صدوره عنه، وهو العلم باشتماله على مصلحة لا تحصل إلا في ذلك الوقت أو على ذلك الوجه، وذلك المخصص هو الإرادة. الثاني: أنه تعالى أمر بقوله: (أقيموا الصلوة) ونهى بقوله: (ولا تقربوا الزنا) فالأمر بالشيء يستلزم إرادته ضرورةً والنهي عن الشيء يستلزم كراهته ضرورةً، فالباري تعالى مُريد وكاره وهو المطلوب. وهيهنا فائدتان: الأولى، كراهته تعالى هي علمه باشتمال الفعل على المفسدة الصارفة عن إيجاده كما إن إرادته هي علمه باشتماله على المصحة الداعية إلى إيجاده. الثانية، إن إرادته ليست زائدة على ما ذكرناه، وإلا لكانت إما معناً قديماً كما قالت الأشاعرة، فيلزم تعدد القدماء، أو حادثاً، فإما في ذاته كما قالت الكرامية فيكون محلاً للحوادث، وهو باطل، وإما في غيره، فيلزم رجوع حكمه إلى الغير لا إليه، وإما لا في محل كما تقول المعتزلة. ففيه فسادان: الأول، يلزم منه التسلسل، لأن الحادث مسبوق بإرادة المحدث، فهي إذن حادثة، فننقل الكلام إليه ويتسلسل. الثاني، استحالة وجود صفة لا في محل.
قال: الخامسة، أنه تعالى مدرك لأنه حي، فيصح أن يدرك. وقد ورد القرآن بثبوته له، فيجب إثباته له.
أقول: قد دلت الدلائل النقلية على اتصافه تعالى بالإدراك، وهو زائد على العلم، فإنا نجد تفرقة ضرورة بين علمنا بالسواد والبياض، والصوت الهائل والحسن وبين إدراكنا لها، وتلك الزيادة راجعة إلى تأثر الحاسة، لكن قد دلت الدلائل العقلية على استحالة الحواس والآلات عليه تعالى، فيستحيل ذلك الزائد عليه. فإدراكه هو علمه حينئذ بالمدرَكات. والدليل على صحة اتصافه به هو ما دل على كونه عالماً بكل المعلومات من كونه حياً، فيصح أن يدرك. وقد ورد القرآن بثبوته له، فيجب إثباته له. فإدراكه هو علمه بالمدركات، وذلك هو المطلوب.
قال: السادسة، أنه تعالى قديم أزلي باق أبدي، لأنه واجب الوجود، فيستحيل العدم السابق واللاحق عليه.
أقول: هذه الصفات الأربعة لازمة لوجوب وجوده. فالقديم والأزلي هو المصاحب بمجموع الأزمنة المحققة والمقدرة بالنسبة إلى جانب الماضي. والباقي هو المستمر الوجود المصاب لجميع الأزمنة. والأبدي هو المصاحب بجميع الأزمنة محققة كانت أو مقدرة بالنسبة إلى الجانب المستقبل. والسرمدي يعم الجميع. والدليل على ذلك هو أنه قد ثبت أنه واجب الوجود، فيستحيل عليه العدم مطلقاً، سواء كان سابقاً على تقدير أن لا يكون قديماً أزلياً، أو لاحقاً على تقدير أن لا يكون باقياً أبدياً. وإذا استحال العدم المطلق عليه، ثبت قدمه وأزليته وبقاؤه وأبديته، وهو المطلوب.
قال: السابعة، أنه تعالى متكلم بالإجماع والمراد بالكلام الحروف والأصوات المسموعة المنتظمة. ومعنى أنه تعالى متكلم أنه يوجد الكلام في جسم من الأجسام. وتفسير الأشاعرة غير معقول.
أقول: من جملة صفاته تعالى كونه متكلماً، وقد أجمع المسلمون على ذلك. واختلفوا بعد ذلك في مقامات أربع: الأول، في الطريق إلى ثبوت هذه الصفة. وقالت الأشاعرة هو العقل. وقالت المعتزلة هو السمع. وهو قوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً) وهو الحق لعدم الدليل العقلي، وما ذكروه دليلاً فليس بتام. وقد أجمع الأنبياء على ذلك، وثبوت نبوتهم غير موقوف عليه لجواز تصديقهم بغير الكلام، بل موقوف على المعجزات، ولا يلزم الدور، فيجب إثباته. الثاني في ماهية كلامه، فزعم الأشاعرة أنه معنى قديم قائم بذاته، يعبر عنه بالعبارات المختلفة المتغيرة المغايرة للعلم والقدرة، فليس بحرف ولا صوت ولا أمر ولا نهي ولا خبر ولا استخبار وغير ذلك من أساليب الكلام. وقالت المعتزلة والكرامية والحنابلة هو الحروف والأصوات المركبة تركيباً مفهماً. والحق الأخير لوجهين: الأول، إن المتبادر إلى أفهام العقلاء هو ما ذكرناه، ولذلك لا يصفون بالكلام مَن لم يتصف بذلك كالساكت والأخرس. الثاني، إن ما ذكروه غير متصور، فإن المتصور إما القدرة الذاتية التي تصدر عنها الحروف والأصوات، وقد قالوا هو غيرها، أو العلم وقد قالوا هو غيره، وباقي الصفات ليست صالحة لمصدرية ما قالوه، وإذا لم يكن متصوراً لم يصح إثباته إذ التصديق مسبوق بالتصور. الثالث، فيما تقوم به تلك الصفة أما الأشاعرة فلقولهم بالمعنى قالوا انه قائم بذاته تعالى، فعندهم هو المتكلم بالحروف والصوت. وقالت المعتزلة والإمامية وهو الحق إنه قائم بغيره لا بذاته، كما أوجد الكلام في الشجرة فسمعه موسى (ع)، ومعنى انه متكلم انه فعل الكلام لا قام به الكلام. والدليل على ذلك انه أمر ممكن، والله تعالى قادر على كل الممكنات. وأما ما ذكروه فممنوع، وسند المنع من وجهين: الأول، انه لو كان المتكلم مَن قام به الكلام لكان الهواء الذي يقوم به الحرف والصوت متكلماً، وهو باطل، لأن أهل اللغة لا يُسمون المتكلم إلا مَن فعل الكلام، لا مَن قام به الكلام، ولهذا كان الصدى غير متكلم. وقالوا: ((تكلم الجني على لسان المصروع)) لاعتقادهم إن الكلام المسموع من المصروع فاعله الجني. الثاني، إن الكلام إما المعنى وقد بان بطلانه، أو الحرف والصوت، ولا يجوز قيامهما بذاته وغلا لكان ذا حاسة لتوقف وجودهما على وجود آليتهما ضرورة، فيكون الباري تعالى ذا حاسة، وهو باطل. الرابع، في قدمه أو في حدوثه، فقالت الأشاعرة بقدم المعنى، والحنابلة بقدم الحروف، وقالت المعتزلة بالحدوث، وهو الحق لوجوه: الأول، أنه لو كان قديماً لزم تعدد القدماء وهو باطل، لأن القول بقدم غير الله كفر بالإجماع. ولهذا كفرت النصارى لإثباتهم قدم الأقنوم. الثاني، إنه مركب من الحروف والأصوات الذي يعدم السابق منها بوجود لاحقه، والقديم لا يجوز عليه العدم. الثالث، انه لو كان قديماً لزم الكذب عليه واللازم باطل، فالملزوم مثله. بيان الملازمة أنه أخبر بإرسال نوح في الأزل بقوله: (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه) ولم يرسله إذ لا سابق على الأزل، فيكون كذباً. الرابع، انه يلزم منه العبث في قوله: (اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) إذ لا مكلف في الأزل، والعبث قبيح، فيمتنع عليه تعالى. الخامس، قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) والذكر هو القرآن، لقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
قال: الثامنة، انه تعالى صادق، لأن الكذب قبيح بالضرورة، والله تعالى منزه عن القبيح لاستحالة النقص عليه.
أقول: والصدق هو الاخبار المطابق. والكذب هو الاخبار الغير المطابق، لأنه لو لم يكن صادقاً لكان كاذباً، وهو باطل، لأن الكذب قبيح ضرورة، فيلزم اتصاف الباري بالقبيح، وهو باطل. وأيضاً الكذب نقص، والباري تعالى منزه عن النقص.
------------------------------
المصدر:شرح الباب الحادي عشر

Heba Khled
08-31-2011, 05:13 AM
مزامنات - عشق التراث: مشروع قطيعة -
سيار الجميل

تتحدد مشكلة التراث عند العرب المحدثين في دراسته وتدريسه، ثم في فهمه واخراجه ليساهم في رفد الحاضر بنواح كثيرة، ذلك ان المجتمع العربي (والمجتمعات الاسلامية) سيبقي دائما بحاجة الي تراثه المتنوع، فرغم عظمة هذا التراث وتنوعه وركامه، الا انه لم يزل غير متكامل في دراسته وتحقيقه وتجريبه والتعلم منه للمزيد من الخبرات علي الوجه الافضل، وذلك في علم ثقافتنا العربية الحديثة. لقد شهد النصف الاول من القرن العشرين حركة فكرية عربية جادة في دراسة التراث العربي علي درجة من الرصانة والعلمية، واذا كانت تحقيقات التراث العربي لم تصل حتي يومنا هذا الي درجة من العلمية والكفاءة الا ان الفكر العربي ــ حينذاك ــ قد ازدهر علي ايدي اصحابه من ابناء العربية، وذلك في ميادين الادب والفلسفة واللغة والتاريخ والنقد الادبي، وجاءت الاستفادة والنجاح من خلال المزاوجة الرصينة بين القديم والجديد، ولم يكن ذلك بالامر الهين ليتم الازدهار، اذ توفر له احد أهم الشروط وهو السيطرة علي مادة كل من القديم والجديد، وعليه، فقد زخرت الفترة المعنية بنشاطات عديدة لرجال اغنوا المكتبة العربية بتحقيقاتهم ومعارفهم لاعمال حية وصعبة ومفيدة من التراث العربي الذي اعتبروا سدنته امتدوا بثقافتهم المعاصرة مع جذوره المتنوعة.
ثنائية الماضي والحاضر
وفي تلك الفترة التي تمتعت طبيعتها الفكرية بمزايا تخالف ما يتصف به واقعنا الفكري المأزوم هذه الايام، لم يكن الاحتراب واضحاً وبيناً بين ثنائية ولدت في النصف الثاني من القرن العشرين شكلوها تحت مسميات: التراث والمعاصرة، او التقليدية والتغريب او الاصالة والتحديث.. كما هو ظاهر للعيان اليوم تفكير العرب والمسلمين في اعلاناته وشعاراته، او انه يعمل تحت الارض سرا وبخفاء دفين، او كالجمر الاحمر تحت الرماد.. وهذا هو حال حاضرنا الفكري العربي المعاصر، اننا اليوم لا نتعامل مع التراث والجذور الاصيلة تعاملاً علمياً او حيوياً مجرداً من كل نوازع الادلجة والسياسات الجديدة.. لقد حدث انفصام فكري اليوم بين الاثنين، ذلك ان جيل اليوم بتياريه المتصادمين يري ان تراثه منفصل عن حياة الحاضر المعاصر، وتراكيبه الفكرية وموازينه، وان كلا من الطرفين يري في المسألة التراثية: إما اجهاضا للتقدم والتحضر، نظرا لعقم هذا التراث كونه جاءنا من الماضي السحيق (كذا) واما انه المنقذ الوحيد للأمة ومن كل ما علق بها من ادران وبدع، هكذا. فان كلا من الطرفين علي وهم حقيقي فكري وسياسي بالدرجة الاولي، ذلك الوهم الذي خلقته السياسات العربية التي آمنت بالثنائيات والتحيزات والانغلاقات. ان كلا من الطرفين بدأ وكأنه ينظر الي التراث، وقد انعزل عنه عن كره، او سوء فهم، او جهل، أو ضعف قراءة، أو لا مبالاة قاتلة. في حين ان التراث العربي والاسلامي مدرسة حقيقية يمكن الاستفادة منه في بناء المستقبل.
ان الخلل والاخطاء في احياء التراث العربي ــ الاسلامي، والتعامل مع الجذور بعلم ودقة ومن دون تحيز، ثم العجز في توظيفه وتكريسه لخدمة الحاضر، جعل جيل اليوم من المهتمين به، والقارئين له، لا يجدون غير التفاخر به، وتقليب صفحات كنوزه من دون فهمه وادراك ما يحتوي عليه ووضعه في المكان اللائق الذي ينبغي وضعه فيه امام العالم كله، ومن خلال دراسته وفحصه والتوقف عنده مليا، اذ انه يحتوي وفي شتي ميادين المعرفة علي آلاف الظواهر التي تستحق الاهتمام والوقوف عند كل كلمة وجملة وفقرة، وفي شتي الميادين التي كتب تراثنا فيها: الادب، النقد، العلوم، المنطق، الفقه، المقامة، علم الكلام، التاريخ، الجغرافية، المذاهب، الفلك، الموسيقي، الفلسفة، الترجمة وعلم الحيل والميكانيك.. الخ، فلم يزل الحاضر يجهل عوالم ما كتبه العديد من الرجال القدماء فناً وعلماً رغم العديد من الدراسات والكتابات التي كتبت عنهم وعن اعمالهم ومعطياتهم.
المثقف العربي ازاء تراثه
ان المثقف العربي ــ اليوم ــ يستهويه ان يقتني مثلا، عدداً كبيراً من كتب التراث العربي، ولكن لنتساءل: الي اي درجة يستطيع هذا المثقف ان يتوفق في فحص ما اقتناه بدقة وموضوعية وتركيز؟ قد يقف قليلا عند أمهات مأثورات العرب المسلمين خلال القرن الرابع الهجري، ليقرأ طويلا ولكن ليس باستطاعته ان يشرح لنا شفويا وعلي درجة عالية من التفكير العلمي ما قرأه بطريقة نقدية محكمة. ولئن وقف العديد من الدارسين العرب المحدثين عند كثير من مأثورات القرون الهجرية الاولي ــ مثلا ــ فانه من المستبعد وقوفهم عند مأثورات حية اخري انجبتها قرون اخري، تلك المأثورات المهمة التي ساهمت ــ هي الاخري ــ في التطور الحضاري عند العرب والمسلمين! وهذا كله، نتيجة واضحة لعلة مزمنة في الفكر العربي الحديث، تكمن في تركيز اغلب الدراسات والتخصصيات والآراء العلمية حول تراث العرب في عصر ازدهارهم، ولم يهتم الدارسون والعلماء العرب اهتماماً جدياً وكافياً ومعقولاً بالاحقاب الاخري ومأثوراتها الغزيرة، اي ان العرب، ــ وأقصد العشرات من المثقفين العرب ــ ينظرون الي تراثهم نظرة متجزئة تحددها الفواصل الزمنية التاريخية والسياسية، والتي عاش وتطور من خلالها، صحيح هو أمره، عندما كان زاهراً راقياً متنوعاً خلال عصر التدوين والقرون المتوهجة الاولي ــ مثلاً ــ وانه عاش تقليديا فارغا ــ كما يصفونه ــ خلال الاحقاب الاخيرة، الا اننا لا يمكننا البتة من تجزئته، وطبعه بالسمات السياسية التي امتاز بها كل عصر من العصور. بدون شك، ان الظروف التاريخية المختلفة قد اثرت فيه، وفي معطياته، الا انه بقي وحدة حية متواصلة غير منقطعة عن الجذور الاولي، بل انه تطور وتبلور في احاديته الواحدة الموحدة من خلال: وحدة المجتمع العربي التاريخية الطويلة، ووحدة اللغة العربية الراقية، ووحدة الثقافة الاسلامية، وآحادية الأساليب التربوية والتكوينية والتثقيفية في عالمهم الشاسع.
الاسقاطات العربية المعاصرة
اعتقد أن اكبر جناية يمارسها العرب اليوم تجاه تراثهم، ليس فقط بما يتمثل في عدم الاهتمام به او فهمه فحسب، بل سحبه من مواقعه التي عاش فيها ليفسر كل كما يحلو لمفسره اليوم، هذا الذي يعيش جميع متناقضات ايامنا المتداخلة والمفككة المعاصرة.. ومن جملة الاخطاء التي تمارس بحق الرجال القدماء من العلماء والفقهاء والأدباء.. من العرب والمسلمين الذين عاشوا قبل مئات السنين انهم ما كانوا يعرفون خريطة العرب السياسية المعاصرة.. التي انتجتها القوي العالمية في القرن العشرين! لقد كانت بلادهم واحدة، وارضهم واحدة، يولدون في مدينة، ويرضعون في اخري، ثم يتربون في مدينة بعيدة، ويقرأون ويدرسون ويتعلمون في أخري، وهكذا، نجدهم يموتون في مدينة قاصية.. اذن ما معني خصام ابناء البلاد العربية والاسلامية اليوم؟ يقول بعضهم عن احد العظماء انه عراقي، فيجيب اخرون: بل هو سوري، وعن آخر، كان من تونس، فيصيح البعض من هناك: بل انه جزائري.. وهلم جرا.
ويبقي انه اغزر تراث كتابي في هذا الوجود!
صعب ان تجد البلاد العربية اليوم لها مفاخر وتقاليد اصيلة.. تسحبها هذه، وتدفعها تلك، وتكرسها الاخري علي حساب رصيفتها، ان مفاخر العرب وتقاليدهم وآثارهم ومأثوراتهم واحدة، وكانت قد اندمجت في كتلة ثقافية واحدة يشكله اليوم ما يعرف بعالم المسلمين الكبير. وعلي الجيل العربي المعاصر ان يصحح نظرته للتراث، ويعمل علي تقييمه من خلال دراسته واستيعابه وفهمه من الناحية العلمية، وإلا يصبح منقطع الجذور، معدوم الاسبقيات، هزيل اللغة، ضائعاً تائهاً في زحمة الافكار المعاصرة التي لم يستطع ابدا السيطرة عليها، وتحقيق ذاته وامانيه من خلالها.. وعليه ان يدرك بانه الوحيد الذي يمتلك اعظم تراث كتابي علي وجه الارض، ولكن ليعلم من طرف آخر، انه لا يمكن لأي مخلوق مثقف في وجود اليوم، ان يبتعد أبدا عن حياة العصر ومنتجاته وادبياته وفلسفاته وكل ركاماته المعرفية، وإلا تحجر وأصبح من المتخلفين عن ركب هذا العالم المتغير.
-----------------------------
المصدر:الزمان/21/7/2002م

Heba Khled
08-31-2011, 05:14 AM
التوفيقية ومشكلة التجديد والإصلاح في الإسلام
د. محمد جابر الأنصاري


أولاً ـ يمكن القول بصفة عامة إن الفكر العربي الحديث ظل لأجيال تحت تأثير الفلسفة المثالية الأوروبية بمختلف اتجاهاتها، وأن تأثره بالتيار الآخر، المادي الوضعي، والمادي الجدلي على الأخص، جاء محدوداً
وعلى نطاق فردي، أو جماعي صغير، حتى وقت متأخر زمن الحرب العالمية الثانية وما بعدها.
ويعود ذلك إلى سببين: أولهما سيطرة فكر الدولتين المحتلتين، فرنسا وبريطانيا، بنزعاته المثالية وعدائه للمادية الجدلية (الماركسية)، على الثقافة المحلية الجديدة في الشرق العربي، وثانيهما النفور الكامن في الثقافة
الإسلامية التقليدية من الإتجاه المادي ونتائجه اللادينية أو الإلحادية.
(ثم إن التطور الطبيعي بحد ذاته كان يقتضي انفتاح الفكر العربي على أوليات الثقافة الأوروبية واتجاهاتها الأقدم والأكثر رسوخاً وتأثيراً، وأن يستوعبها كي يصبح قادراً فيما بعد، على تقبل اتجاهاتها الأكثر جدة
وتطرفاً وبعداً عن خلفيته الإيمانية. وهو تقبل يعتمد حصوله أيضاً على درجة من التطور الاجتماعي وظهور طبقات وفئات مهيأة لاستيعابه وتبنيه).
فطه حسين على سبيل المثال بدأ بمنهج الشك الديكارتي في بحث ((في الشعر الجاهلي)). والشك الديكارتي في حقيقته وتحليله النهائي شك منهجي وليس شكاً اعتقادياً فلسفياً، لأن ديكارت ذاته تجاوزه بعد تطبيقه
منهجياً وعاد إلى ثنائية الروح والجسد، وأكد أولوية الإيمان منضوياً بذلك تحت الإتجاه المثالي الأوروبي الجديد الذي غداً عَلَماً من أعلامه.
وأقصى ما وصلت إليه مادية طه حسين تأثره بالفكر الاجتماعي للفيلسوف الفرنسي دركهايم (1858 ـ 1917) الذي درس على يديه. ودركهايم ليس مادياً بالمفهوم الجدلي أو الوضعي الخالص، ولكه أخضع قيم الدين
والأخلاق في دراسته للمجتمع للتطور التاريخي الواقعي ورد مصدر تلك القيم إلى الوجدان الاجتماعي وذهب إلى أن الجماعة تكون معتقداتها.
ومحمد حسين هيكل تأرجح بين المادية الوضعية العقلانية لأوغست كونت (1798 ـ 1857) الذياهتم لفترة من الوقت بنقل أفكاره إلى العربية، وبين إيمانية جان جاك روسو (1712 ـ 1778) وبحثه عن الديانة
الطبيعية الإنسانية المؤمنة والقائمة على شعور القلب ويقينه العفوي، وقام بتأليف كتاب عنه.
وفي النهاية اندمج الاتجاهان لديه في توفيقية العقل والإيمان حيث وازن بين المادية والمثالية، مع تغليب ضمني للثانية في إطار الإيمان الإسلامي الذي تحول إليه.
أما العقاد فقد وقف موقفاً عدائياً تجاه المادية، وخاصة فرعها الديالكتيكي الماركسي، ونقدها نقداً لاذعاً وعنيفاً. أما تأثره بالفلاسفة المثاليين فاكن جلياً وعميقاً ومتعدد الأوجه. ولأن العقاد أغزر المفكرين التوفيقيين
المحدثين إنتاجاً، وأكثرهم تعرضاً لمناحي التوفيق المستجد في مختلف جوانبه ومشكلاته (بغض النظر عن مدى أصالة توفيقه ووجاهة حججه واتساقها) ـ فإن فكره يصلح نموذجاً لدراسة كيفية اللقاء والتأثر والتفاعل
بين التوفيقية العربية والمثالية الأوروبية.
ويرى شوقي ضيف أن من جملة أسباب غموض العقاد في أسلوبه قراءاته للفلاسفة الالمان من أمثال شوبنهور ونيتشه وكانت. ويحاول عثمان أمين من جهة أخرى أن يثبت بأن العقاد تابع كانط في فلسفته في التفريق
بين عالم الظاهرات وعالم الأشياء في ذاتها.
ويرى آخرون أن موقف العقاد من المرأة لا يختلف بقليل أو كثير عن موقف شوبنهور منها.
وفي البحث الذي أفرده الدكتور محمد البهي ـ وهو مفكر توفيقي متخصص ـ لدراسة الفكر الإسلامي الحديث نجد أنه يقسم نطاق المعرفة والفكر إلى قسمين متصارعين متواجهين: جانب الفلسفات المادية الوضعية من
جهة، وجانب الدين والفلسفة المثالية من ناحية أخرى، ويرى أن بين الدين والفلسفة المثالية ما يشبه المطابقة في القضايا الأساسية، وهي النتيجة ذاتها التي توصل إليها إبراهيم اللبان في كتابه الفلسفة والمجتمع
الإسلامي، كما تقدم.
وبذلك يمكن القول إن عنصر الفلسفة المثالية يمثل همزة الوصل على النطاق الفكري بين المعتقد الإسلامي والعقل الأوروبي الحديث، وإن التوفيقية هي المجال الأبرز للقاء بين الجانبين.
ثانياً ـ هذه الأفكار المثالية الإيمانية الوافدة، هل لها ((مدخل شرعي)) لكي تنفذ إلى داخل نطاق الإسلام، وتلتحم به، وتصبح جزءاً منه؟ وهل لما يدعو إليه إبراهيم اللبان من ((تجديد ديني عام)) و ((ثورة فكرية)) و
((حركة عقلية))، مبررات إسلامية ذاتية؟ هذه الأسئلة تطرح قضية ((الإصلاح الديني)) في الإسلام، ومدى فهم التوفيقية الجديدة لهذه الضرورة، ونوع موقفها منها.
تتردد في التراث الإسلامي، الديني ـ السياسي، فكرة انتظار المهدي ـ ونشير إليها بالمعنى الإسلامي العام المتداول لدى مختلف الفرق الذي سيظهر يوماً ما ليملأها عدلاً بعد أن ملئت ظلماً، وليزيل التحريف الذي
أصاب الدين.
وهو قد يجمع بين الإصلاح الديني والإصلاح السياسي، نظراً لالتحام الجانبين في الإسلام، كما تجسد ذلك مثلاً في حياة محمد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين، السنية المالكية.
غير أن ظاهرة المهدي وإن ارتبطت بفكرة الإصلاح والثورة فهي بعيدة عن مفهوم التجديد العقلي والثورة الفكرية، لأنها بطبيعتها فكرة إيمانية إلهامية يعتمد ظهورها، حسب المعتقد، على اإرادة الإلهية ويعتمد محتواها
ومضمونها على بصيرة المهدي وكراماته الغيبية.
لذا فقد انتشرت هذه الظاهرة في الأطراف الإسلامية البعيدة عن فعل المؤثرات العقلية. إنها تعبر عن تجديد الإيمان لذاته بذاته، أي بفعل إيماني خارق لا بنظر عقلي أو اجتهادي إرادي بشري.
ومن الغريب أننا لا نجد في التاريخ الإسلامي قيام مصلح دنيوي يرجع إلى العقل ليطالب بإصلاح الفاسد والعدالة في توزيع الثروة، وذلك لأن الرأي العام في تلك العصور كان متأثراً بالدين تأثراً كبيراً، فهو لا
يخضع لدولة إلا إذا مزجت بالدين، وهذا ما لاحظه ابن خلدون في العرب، إذ قال: (إنهم لا يخضعون ولا يقادون إلا لرسالة دينية أو نحوها)، وكان كالعرب الأمم الأخرى التي خضعت لحكمهم وآمنت بتقاليدهم ... )).
وهذه الملاحظة يؤكدها المؤرخ برنارد لويس بالقول إن جميع الثورات في تاريخ الإسلام اصطبغت بالصيغة الدينية، وكانت ثورات باسم الإسلام، وضمن نطاقه، لا ضده، ولا بقصد الخروج عنه وحتى الخوارج
عندما كفروا الجماعة كفروها باسم الإسلام لا بغيره.
هذا يعني أن التجديد لابد أن يكون دينياً وضمن الإطار العام الشرعي للمعتقد الإسلامي، إذا كان المقصود إصلاح الإسلام لا نقضه أو رفضه، وحتى إذا أريد الفصل بين الجانبين الزمني والروحي في الإسلام، فلا بد
من استخراج مبررات وأدلة من صميم المبادئ الإسلامية ذاتها لتحقيق ذلك، كما حاول أن يفعل، على نحو مصغر ومحدود، علي عبدالرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم لإثبات ما ذهب إليه من عدم وجود مستند
عقيدي وشرعي لفكرة الخلافة.
وقد خلقت الرغبة في التجديد أو الإحياء أو الإصلاح في التراث الإسلامي فكرة أخرى، غير المهدوية، وهي الفكرة القائلة إن إماماً مجدداً يخرج في مطلع كل قرن لإحياء الدين استناداً إلى حديث رواه أبو هريرة عن
النبي (ص) أنه قال: (يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدد لها دينها). والفكرة في ذاتها وجيهة لأن التشريع دائماً يتغير بتغير الزمان والمكان، وفي الفقه أمثلة كثيرة من هذا القبيل)).
وهذه الفكرة أقرب إلى مفهوم التجديد الديني بمعناه الإصلاحي العقلي ودافعه الإرادي الإنساني، أو كما يقول أحمد أمين: والفرق بين الدعوة إلى التجديد والدعوة إلى المهدية أن الأولى ترتكز على العقل وعلى تجارب
الحياة وعلى الواقع، أما الدعوة الثانية فترتكز على عقيدة دينية فقط بإمام منتظر، وأن السلطة السماوية هي التي تقربه وهي التي تؤيده.
ويبدو أن فكرة التجديد أو الإحياء المئوي فكرة قوية التأثير ومستمرة في التقاليد الفكرية الإسلامية، فقد أخذ الفقهاء والمؤرخون يبحثن في كل مائة سنة عمن يصلح أن يكون مجدداً، قالوا إنه على رأس المائة الأولى
كان عمر بن عبدالعزيز، والثانية الشافعي والثالثة ابن سريح أو الأشعري ... الخ.
وقد كان لهذه الفكرة أبلغ الأثر في تحويل الإمام الغزالي ـ في راس المائة الخامسة ـ من حياة العزلة والانقطاع إلى معترك الدعوة والعمل، وإشارته إليها في ((المنقذ من الضلال)) تكشف مدى ترسخها في وعيه الذاتي
وكيف تملكه الشعور تحت تأثيرها بأنه الإمام المجدد في مائته وعصره. وفي العصر الحديث سرت الفكرة القائلة إن محمد عبده قد جدد في رأس المائة الماضية، محييا بذلك تراث التجديد والإصلاح في الإسلام.
غير أنه تجب الإضافة أيضاً بأنه إذا كان الوعي الفكري ـ الديني في الإسلام لم يتنبه لفكرة التقدم الإنساني الحضاري بمضمونها العصري، فليس معنى ذلك أن الحضارة الإسلامية قد خلت منها واقعاً وممارسة.
فالتقدم الحضاري الذي أحدثه الإسلام في القرون الأربعة الأولى ـ التي تصادفت مع عصر السيادة العربية ـ ظاهرة ثابتة ومؤكدة.
ومشاركة المسلم في ((عمران)) الأرض التي استخلفه الله عليها تحققت بمقدار، والثورات السياسية التي حفل بها تاريخه ـ وأهمها الثورة العباسية السنية المتحالفة بداية ومنطلقاً مع شيعة آل البيت، والتي أحدثت
وقادت أكبر نهضة حضارية في تاريخ الإسلام ـ دليل على رغبة المسلمين في تغيير أوضاعهم وتحسينها بإرادتهم، كما أن ظهور المعتزلة والفلاسفة والمتصوفة من الدلائل الهامة على إمكانية حدوث تجديد فكري في
الإسلام.
أي أن شهادة التاريخ والممارسة الحضارية تثبت وجود دافع ((التقدم)) في الإسلام، وإن لم يظهر ((الوعي)) بهذه الفكرة في صلب الإدراك الديني العام أو لدى المفكرين الإسلاميين القماء من حيث هي فكرة ملموسة
واضحة.
وأياً كان الأمر فالوعي بمفهوم التقدم ظاهرة حديثة من معطيات التطور الأوروبي في قرونه الأخيرة، وليس الجائز إقحامها في فكر الأديان إلا من زاوية الإصلاح الديني الحديث ومضامينه وشروطه حيث يتحتم
التمييز بين مفهوم للإحياء الديني يعد للنص النقلي ويرفض فكرة التقدم والتطور، وبين مفهوم للتجديد الديني أو للثورة الدينية ـ من داخل الإطار الديني ذاته ـ يستوعب النزعة التطورية ويحاول الجمع بينها وبين
الأصول، أي بمعنى آخر، يحاول التوفيق بين ظاهرة التطور وظاهرة الثبات في ديمومة حياة الأمة والحضارة بتركيز محور ثابت يسمح بدوران التغيرات ويتيح تحركها الدينامي، موفر لها القاعدة التي تمدها
بالإتساق والإتزان.
وهذا يجعلنا ندقق النظر لنرى كيف يتداخل ويتطابق مفهوم ((التجديد والإصلاح))، ومفهوم ((التوفيق)) في الإسلام، وكيف وقفت حركة الرجعة إلى السلف ـ على اختلاف تياراتها وعصورها ـ ضد منزع التوفيق
لأنه يرتبط بالتجديد، كيف كان التوفيقيون في مختلف العصور أنصاراً لمبدأ الاقتباس الحضاري، ورموزاً لفترات التغيير المتضمن إطلاقاً لطاقات العقل.
فطالما أن ظهور تيار عقلي مستقل تماماً عن النظرة الدينية أو مخالف لها أمر غير وارد في المفهوم الإسلامي الشمولي الجامع المانع، فإن الأفكار التجديدية أمامها سبيل واحد للدخول في التقليد الفكري الإسلامي هو
سبيل التكيف والتوافق مع أصول الإسلام، بعد إعادة تفسير هذه الأصول، بإحدى الطرق التأويلية والاجتهادية التي يحتملها ذلك التقليد.
ومما يؤكد كون التوفيق سبيل التجديد، إن الأفكار التجديدية تتعرض للمقاومة وترفض عندما يتم طرحها بصورتها الأصلية غير الإسلامية أو المناقضة للإسلام، بينما تحظى أفكار أكثر تجديداً وجرأة منها بالقبول
عندما تعاد صياغتها صياغة إسلامية وتوضع في معادلة المركب التوفيقي.
غير أن هذه الإصلاحية التوفيقية ـ بسبب التوتر الخفي الفاعل في باطنها بين عنصريها كما تبين ـ ما أن تشعر بازدياد قوة التيارات العقلية الوافدة وتحس بضغطها الذي يهدد معادلة التوازن ـ اجتماعياً وفكرياً ـ حتى
يتحول فيها المؤشر ـ بغريزة الدفاع عن الذات ـ إلى ناحية المحافظة والحذر، الأمر الذي يؤدي إلى تضييق مفهومها للإصلاح والتجديد، كي لا تتسرب إلى مركبها الدقيق نسبة أكبر من عناصر النظر العقلي فتخل به.
((فالكشف عن القيم الذاتية للإسلام هو الأمارة التي اتخذناها طابعاً لما سميناه (الإصلاح الديني). ولا نقصد بهذا الكشف (الدفاع) عن الإسلام لأن هذا الدفاع قد يشتبك مع حماس العاطفة الدينية فيؤثر على القيمة الذاتية
للإسلام.
((وإنما نبغي فحسب مدلول هذا ((الكشف)) من فصل ما يتصل بالإسلام من تحريف في التأويل، أو غموض في التفسير أو ركود في الفهم. والإصلاح الديني في مجال الإسلام ـ بهذا المعنى ذو صلة وثيقة بالعصر
الذي يتم فيه، وبالمفكر الذي يقوم بمحاولته، وبظروف الحياة التي عاش فيها هذا المفكر)).
إن هذا المفهوم ينتقل إلى التركيز على العامل الذاتي في الإسلام ويحصر الإصلاح في عملية الكشف عن قيمه الأصلية، ورد الاعتبار إليها، وتنقيتها، دن مذهبية خاصة، مما يعبر عن شموله الإجماعي، بينما يلتفت
المفهوم الآخر، الأكثر مرونة إلى العناصر الحضارية الوافدة ويدعو إلى استيعابها ضمن دائرة الاعتقاد والأخلاق، ويشدد على ضرورة التجديد بما يوحي إن العامل الأصيل ذاته ـ وإن أعيد الكشف عنه ـ لا يفي بكافة
الاحتياجات النظرية لمواجهة تحديات العصر.
يذكر عبدالقادر المغربي أحد الإصلاحيين السوريين من الذين رافقوا جمال الدين الأفغاني، إن السيد قال له في إحدى محاوراته الفكرية معه: ((لابد لنا من حركة دينية ... إننا لو تأملنا في سبب انقلاب حالة عالم
أوروبا من الهمجية إلى المدينة، نراه لا يتعدى الحركة الدينية التي قام بها لوثر وتمت على يده.
وقد مثل الإصلاح البروتستانتي وثورته ضد التقليد والسلطة الدينية مصدر إيحاء للرواد الإصلاحيين المسلمين مطلع النهضة، ورأوا فيه عودة بالمسيحية إلى الصورة الإسلامية للدين بالرجوع إلى الكتاب وتقليص
دور ((الواسطة)) الكهنوتية بين العبد وربه.
غير انهم لم يطمحوا ـ مع هذا ـ لتغيير مماثل. وهذه المسألة بحاجة لدراسة متخصصة.
فالإسلام ظاهرة دينية حقيقية، والقرآن حمال وجوه ومعان وعندما يطالب المصلح الإسلامي المعاصر بـ ((الكشف عن القيم الأصيلة في الإسلام، فإنه سيستوحي تلك القيم التي تتلاءم مع عصره وثقافته وظروفه)).
أضف إلى ذلك أن مبدأ ((الإجماع))، إذا تحقق وانعقد، يمكن أن يوفر المستند الشرعي لاستيعاب أنواع من المؤثرات وصهرها في بوتقة المعتقد الإسلامي، اعتماداً على المأثور النبوي (لا تجمع أمتي على خطأ)، دن
التقيد بأي تفسير خاص لمفهوم ((الإسلام الأصلي)) عدا ما تحتمه ضوابط التفسير والتأويل والاجتهاد بالرأي، وهي ضوابط تختلف نوعيتها ايضاً مرونة أو تشدداً ـ من مدرسة إلى أخرى.
ولكن هل يعني ذلك أن أي درجة من ((التجديد)) ينعقد عليها ((الإجماع)) ـ يمكن أن تصب جزءاً من السنة في الإسلام؟ وهل يمكن تقبل الرأي القائل: إن قبول التجديد أو رفضه، يتقرر بما يمكن أ نطلق عليه حديثاً
((مناخ الرأي)) في الأوساط (الدينية) المتعلمة والمؤثرة.
أضف إلى ذلك أن عدم وجود أية هيئة تقيس الإجماع الشامل أو تمثله في عموم الإسلام، يؤدي إلى ظهور عدة أشكال من الإجماع متأثرة بتقاليد وظروف مختلفة في أنحاء العالم الإسلامي.
لقد استوعب الإسلام قسطاً كبير من المؤثرات الخارجية التي كانت غريبة عن دين الصحابة أحياناً بالتنازل للأفكار الحديثة، وأحياناً بالتوافق مع ممارسات الشعوب التي شملها، غير أن هذه التجديدات في المبدأ
والممارسة ظلت مقيدة ومعدلة دائماً بقرار الإجماع، كما ظلت عرضة، بين وقت وآخر، للتقليص بفعل موجات من المحافظة الدينية، التي كانت في حقيقتها تعبيراً عن تولد إجماع مضاد للإجماع الآخر؟؟
إذا صحّ ذلك، فإن الإجماع طبقاً للظروف والعوامل الفاعلة في تحديده، وسواء كان متحرراً يعتمد التأويل والاجتهاد، أو سلفياً يعتمد الظاهر والنقل، هو الذي يقرر نوعية الإصلاح الديني واتجاهه.
وفي حالة كون الإصلاح تحرري الاتجاه، فإن تجديده يستند إلى مدى ما تمّ استيعابه وقبوله من مؤثرات جديدة في عملية التوفيق، أما إذا كان سلفياً فإن قوة ردته تعتمد على مدى ما يتم رفضه من مؤثرات توفيقية
سابقة تمازجت بالأصول الإسلامية، وهل الردة مخففة كردة الأشعري أم متصلبة كردة ابن تيمية.
أي إن الموقف من مبدأ التوفيق ـ قبولاً أو رفضاً ـ هو الذي يكشف عن اتجاه الإصلاح، وما إذا كان تجديدياً أو سلفياً.
بمعنى آخر لابد للمصلح الإسلامي أن يقرر قبل البدء بعملية إصلاحه إن كان سيقبل بمبدأ التوفيق أم سيرفضه، وإلى أي درجة من درجات القبول أو الرفض، وطبقاً لأي ضوابط.
غير انه لابد من التنبه في مسألة الإصلاح الإسلامي، إن لمبادئ الشورى والإجماع والتأويل والاجتهاد والتوفيق حدوداً يلزم أن نقف عندها في خاتمة المطاف.
ففي التحليل النهائي هناك حد قاطع في الإسلام لا يمكن تجاوزه وهو نطاق ما أمر الله وما نهى، ما أحل وما حرم، فالسلطة النهائية ـ في جوهر العقيدة وأسس الشريعة ـ لله لا للأمة، للشرع لا للشعب، وذلك بعد أن
تستنفد جميع إمكانات ((الإجتهاد)) الفقهي والفكري واحتمالات ((التأويل)) العقلي. وهذه المسألة لابد من التوقف أمامها في إطار المشروعية والمرجعية الإسلامية، إذ يمكن رفعها في وجه أية محاولة لتجاوز الاجتهاد
البشري حدوده ونطاقه. يقرر عبدالقادر عودة، وهو قانوني من مفكري الإخوان (أعدمته الثورة عام 1954):
((لمن الحكم؟ هذا سؤال لا تصعب الإجابة عليه بعد أن علمنا إن الله هو خالق الكون ومالكه، وإنه استعمر البشر واستخلفهم في الأرض وأمرهم أن يتبعوا هداه ... فكل ذي منطق سليم لا يستطيع أن يقول بعد أن علم
هذا إلا أن الحكم لله، وإنه جل شأنه هو الحاكم في هذا الكون .. وإن على البشر أن يتحاكموا إلى ما أنزل ويحكموا به لأنهم .. قد استخلفوا في الأرض استخلافاً مقيداً باتباع هدى الله)).
ثم ينبه إلى محدودية الشورى الإسلامية واقتصارها على ما لم يقطع فيه ـ القرآن والسنة برأي وانحصارها في التطبيق وشؤونه لا في التشريع.
وهذا فارق هام بين الشورى في الإسلام والديمقراطية في الغرب حيث للأمة سلطة التشريع والحكم دون التقيد بأي مفهوم للسلطة الغيبية العليا.
-------------------------------------
المصدر:الفكر العربي وصراع الاضداد

Heba Khled
08-31-2011, 05:15 AM
تطبيق نظرية الإسلام عن الليل والنهار:
علي الكوراني


تنوف الآيات القرآنية التي تضمنت ذكر الليل والنهار على الستين آية، ولكن الآيات التي اختصت بالليل والنهار أو تضمنت التركيز عليهما تنوف على الثلاثين.. وهي تنقسم إلى فئتين: الفئة الأولى منها تتناول
الجانب التكويني لظاهرتي الليل والنهار، فتبين للناس مختلف أوجه الحكمة والرحمة في تكوين الليل والنهار.. في اصل خلقهما، وفي تقليب كل منهما وتكويره على الآخر، وفي ثبات نظامهما الدقيق وارتباطه بحاجة
البشر الحياتية، وفي مسيرة الليل الدائبة وراء النهار على مدار الكرة (يطلبه حثيثاً) فلا يدركه... وتدعوهم الى استيعاب الدلالة والحكمة والرحمة في هاتين الظاهرتين اللتين قُصدتا قصداً في تكوين الأرض وإعدادها
لحياتهم..
من هذه الفئة قوله عز وجل (وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)(الاسراء _ 12).
وقوله تعالى (ان ربكم الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثا.. والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره. الا له الخلق والامر. تبارك الله رب العالمين)(
الاعراف _ 54).
وقوله تعالى: (أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة..؟ من إله غير الله يأتيكم بضياء؟ أفلا تسمعون) .
(قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة..! من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه؟ أفلا تبصرون؟).
(ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار: لتسكنوا فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون)(القصص/ 31_33).
وقوله تعالى: (ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)(آل عمران/ 190).
والفئة الثانية تتناول الجانب الوظيفي لليّل والنهار، وتدعو الناس لأن يجعلوا حياتهم منسجمة مع الوظيفة الطبيعية لكل منهما.
قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتا، وجعل النهار نشورا)(الفرقان _ 47).
وغرضنا في هذا القسم. أن نتبين منه رأي الاسلام في الجانب الوظيفي لليل والنهار ثم نتبين مدى فاعلية توقيت الصلاة في تطبيق هذا الرأي.
وخير صياغة لرأي الإسلام عن وظيفة الليل والنهار على ضوء هذه الآيات، هذا المطلع البليغ من دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام.
"الحمد لله الذي خلق الليل والنهار بقوّته، وميّز بينهما بقدرته، وجعل لكل واحد منهما حداً محدوداً، وأمداً ممدوداً.. يولج كل واحد منهما في صاحبه، ويولج صاحبه فيه بتقدير منه للعباد فيما يغذوهم به وينشؤهم عليه -
فخلق لهم الليل ليسكنوا فيه من حركات التعب ونهضات النصب، وجعله لباساً ليلبسوا من راحته ومنامه فيكون ذلك لهم جماعا وقوة، ولينالوا به لذة وشهوة.
وخلق لهم النهار مبصرا ليبتغوا من فضله وليتسببوا الى رزقه ويسرحوا في أرضه طلباً لما فيه نيل العاجل من دنياهم ودرك الآجل في أخراهم.
بكل ذلك يصلح شأنهم، ويبلوا أخبارهم، وينظر كيف هم في أوقات طاعته ومنازل فروضه ومواقع أحكامه.. ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.. عدلا منه تقدست أسماؤه وتظاهرت
آلاؤه..".
فالجانب الوظيفي لليل في رأي الاسلام هو السكن لهذا الجهاز الانساني، أما الحركة فهي اضطرار مخالف لوظيفة الليل الطبيعية.
والجانب الوظيفي للنهار هو العمل والنشور _السرح في الأرض _ أما السكون فهو مخالف لوظيفة النهار الطبيعية، اللهم إلا راحة الظهيرة القصيرة التي تنص عليها الآية 58 من سورة النور (يا أيها الذين آمنوا
ليستئذنكم الذين ملكت ايمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات في اليوم... وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة) ، والتي تكون بحكم الاكتفاء بسكن الليل ارتياحا موجزاً لتجديد النشاط عقب شوط العمل..
وقد تمثل جانب التوعية النظرية بتقرير الإسلام رأيه عن الجانب التكويني والجانب الوظيفي لليل والنهار وتركيزه والتأكيد عليه، وهو ما تكفلت به الفئتان من الآيات التي أشرنا اليها والعديد من نصوص السنة التي
فصلت النظرية وشرحتها، كقوله (ص) "لا سهر إلا في ثلاثة، تهجد بالقرآن، أو في طلب العلم، أو عروس تهدى إلى زوجها" رواه في الخصال.
وأما الجانب التشريعي لمعالجة هذه الناحية من حياة الناس فأراه يتمثل أكثر ما يتمثل في توقيت الصلاة الصباحية والمسائية.. فقد فرض الله عز وجل على الناس أن يستيقظوا قبل طلوع الشمس ليؤدوا صلاتهم بين
يديه سبحانه إيذاناً ببدء النشور وانتهاء السبات، كما فرض عليهم أن يؤدوا صلاة أخرى في المساء إعلاناً بختام فترة النشور ودخول فترة السكون.
إن صلاة الصباح والمساء إذ تحددان بصورة طبيعية وأكيدة بدء العمل ونهايته لترسمان لنا صورة المجتمع المسلم، المسلم إرادته لله عز وجل.
مجتمع يهب مع الفجر على انسياب الأذان بصوت الإعلان الخالد (الله أكبر) يهب للماء يفتح به نشاطه بعد استجمام ويمثل بين يدي الرب الرحيم، بادئاً يومه الجديد باسمه وبعونه وبهدايته وفي طريقه..
مجتمع يتنفس أناسه مع تنفس الطبيعة الرائع وتتفتح قلوبهم باشراقة الصلاة مع تفتح قلب الطبيعة باشراقة التسبيح، فيمتزج ابتهال الإنسان في موكب سعيد من تغريد وثغاء وأريج وهديل يعم المدن والقرى والسهول
والسفوح والقمم فرحة بيوم جديد وبأمل جديد.. ثم ينطلق هذا الموكب في نشاطه بعين الله وبعونه يقيم حياته ويعمر أرضه ويصرف شؤونه.. حتى إذا نثرت عليه الشمس ثمالة أشعتها وعسعس الليل مؤذناً بالسكون
عسعس موكب الحياة المبارك إلى مهاد أمن الله في ختام رائع يلتف فيه حنان الثغاء بزقزقة الأوكار وإياب النسيم بارتياح الزهور وتنزل الملائكة بصلاة الختام، حيث يعود الناس من سرحهم وكدحهم إلى بيوت الله
يشكرونه على توفيق يومهم ويعتذرون اليه لما فرط منهم ويستهدونه لأيامهم المقبلة ويستمدون منه المعونة للسير في المهمة التي خلقهم من أجلها وهداهم اليها، ثم ليسكنوا إلى أهليهم من حركات التعب ونهضات
النصب ليكون ذلك لهم جماعاً وقوة وسعادة..
ولافتتاح النهار أثر كبير في سلوك الإنسان فان المفهوم الذي تفتتح به نشاطك والشعور الذي تتلقاه في الصباح ينعكسان على عملك في النهار بشعور أو لا شعور. وماذا أبلغ من أن يفتتح المجتمع البشري نشاطهم في
أرضهم بصلاة بين يدي رب الأرض والوجود عز وجل يستهدونه الطريق ويستعينونه على الأهداف ثم ليسرحوا في أرضه ويبتغوا من فضله..
وختام النهار كافتتاحه أو هو أشد حاجة لعودة إلى الله ووقفة تضع الناس بحصيلة نهارهم بين يديه ليباركوا نتاجهم الخيّر وجهدهم المبرور وينفضوا عنهم أوضار النهار وأثقاله وآثامه..
وماذا باستطاعة حضارة الإنفصام عن الله، أن تحقق للناس غير انفصالهم عن الطبيعة وعن أنفسهم؟
لو كان الناس أكفاء لإسعاد أنفسهم في الدنيا بدون هدى الله لانتظموا مع الطبيعة في منهج البكور والعودة على الأقل!
تحديد شوط العمل بصلاة الظهر:
إذا بلغ النهار منتصفه وجب على الناس أن يؤدوا صلاة الظهر، وفي هذا التوقيت علاج لمسألتين مهمتين في حياة الناس:
الاولى: تصفية الشوائب التي تعلق بنفس الإنسان من غمرة الحركة. فإن باستطاعتك أن تدرس فردا أو أفراد من الناس لترى الفرق الكبير بين حالتهم النفسية في الصباح حينما توجهوا الى أعمالهم باسم الله وعلى
بركته، وبين حالتهم النفسية قرابة الظهر وقد قطعوا شوطا من العمل في طلب الرزق..
سترى مجتمعا استغرق في حركة السعي لرزقه حتى كاد ينسى مفهومه عن السعي، وسترى الروح الفردية قد تسربت في افراده حتى ليكاد الواحد منهم أن ينحصر في جوه ومشاغله الخاصة ناسياً بذلك وجوده
المجموعي ومسؤولياته في ذلك..
فحركة العمل بطبيعة كونها ارتباطا بكسب وشؤون شخصية تشد الإنسان إلى أن يعيش في إطاره الشخصي ويحرص على صغير الحطام وتبعده عن فهمه الواسع للحياة واحساسه بموقفه منها..
انه داء النسيان يعاود الانسان في غمرة علائقه بالدنيا فيتهدد مفهومه عن المال والذات ويتهدد هدفه من كدحه وسرحه حتى تكاد تنفذ من قلبه شحنة المشاعر الجيدة التي تلقاها في الصباح فلا يعيده إليها الاّ نداء يأتي
من مختلف الجنبات معلناً (الله أكبر) لتتجاوب معه أعماق الضمير قائلة: نعم، الله أكبر.. نداء وكأنه يد الغيب الرفيقة تمتد فتنتشل الناس من نسيانهم لتضعهم بين يدي ربهم الأكبر عز وجل، أمام مفاهيمهم ومشاعرهم
وأهدافهم من حياتهم الدنيا.. وحياتهم العليا..
والمسألة الثانية: التي يعالجها توقيت الصلاة بانتصاف النهار: مسألة تحديد شوط العمل فمن الواضح من صورة المجتمع الإسلامي أن أذان الظهر يعلن انتهاء شوط العمل الصباحي فيه، ويدعو الناس لأداء فريضتهم
وتناول غذائهم..
لقد أحكم الله سبحانه بقدرته خلق الإنسان فجعل نفسه وجسده يحتاجان إلى الطاقة في آن، فما أن تبلغ الشمس كبد السماء حتى تحتاج النفس إلى استعادة معطى الاسلام من المفاهيم والاهداف في صلاة بين يدي الله
تبارك وتعالى، ويحتاج الجسم الى وجبة الغذاء وقليل من الراحة.
إن الصورة الاسلامية المفضلة للعمل في الأرض أن يكون انتصاف النهار نهاية لشوط الصباح وبملاحظة البكور في النشور الذي تفرضه صلاة الفجر فإن الدوام الرسمي يكون فترة واحدة تنتهي بصلاة الظهر، أم
الأعمال الحرة فتكون على فترتين تبدأ أولاهما بطلوع الشمس أو بعده بقليل وتنتهي بصلاة الظهر، وتبدأ الثانية بعد راحة الظهيرة وصلاة العصر وتنتهي بصلاة المغرب.. ثم يكون السكون والاستجمام.
ونلمس حرص الاسلام على هذه الصورة لمجتمعه من تأكيده بشكل خاص على الصلاة الوسطى، صلاة الظهر، فقد ورد في تفسير قوله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) ان الصلاة الوسطى هي
صلاة الظهر.
فلسفة الصلاة

Heba Khled
08-31-2011, 05:19 AM
نُبوَّة النِّساء
د. عمر سليمان الاشقر


ذهب بعض العلماء إلى أن الله أنعم على بعض النساء بالنبوة، فمن هؤلاء ابو الحسن الأشعري والقرطبي وابن حزم.
والذين يقولون بنبوة النساء متفقون على نبوة مريم، ومنهم من ينسب النبوة إلى غيرها ويعدّون من النساء النبيات: حواء وسارة وأمّ موسى وهاجر وآسية.
وهؤلاء عندما اعترض عليهم بالآية التي تحصر الرسالة في الرجال دون النساء، قالوا نحن لا نخالف في ذلك، فالرسالة للرجال، أمّا النبوة فلا يشملها النصُّ القرآني، وليس في نبوة النساء تلك المحذورات التي
عددتموها فيما لو كان من النساء رسول، لأنّ النبوة قد تكون قاصرة على صاحبها، يعمل بها، ولا يحتاج إلى أن يبلغها إلى الآخرين.
أدلتهم:
وحجّة هؤلاء أن القرآن أخبر بأن الله تعالى أوحى إلى بعض النساء، فمن ذلك أنه أوحى إلى أمّ موسى: (وأحينا إلى أمِّ موسى أن أرضعِيهِ، فإذا خِفتِ عليهِ فألقيهِ في اليمِّ ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادُّوه إليك وجاعلوهُ
مِنَ المرسلينَ)(سورة القصص، 7)، وأرسل جبريل إلى مريم فخاطبها (فأرسلنا إليها رُوحنا فتمثَّلَ لها بشراً سوياً، قالت إنّي أعوذُ بالرّحمن منّك إن كُنت تقياً، قال إنّما أنا رسولُ ربكِ لأهَبَ لكِ غُلاماً زكياً...)(سورة
مريم/ 17_18)، وخاطبتها الملائكة قائلة: (يا مريمُ إنَّ الله اصطفاك وطهَّركَ واصطفاكِ على نساءِ العالمينَ، يا مريمُ اقتني لربِّك واسجدي واركعي معَ الرَّاكعين...)(سورة آل عمران/ 42_43).
فأبو الحسن الأشعري يرى أنّ كلّ من جاءه الملك عن الله _تعالى _ بحكم من أمر أو نهي أو باعلام فهو نبي، وقد تحقق في أمّ موسى ومريم شيء من هذا، وفي غيرهما أيضا، فقد تحقق في حواء وسارة وهاجر
وآسية بنصّ القرآن.
واستدلوا أيضا باصطفاء الله لمريم على العالمين (واصطفاكِ على نساءِ العالمينَ)(سورة آل عمران/ 42)، وبقوله (ص): "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران".
قالوا: الذي يبلغ مرتبة الكمال هم الأنبياء.
الردّ عليهم
وهذا الذي ذكروه لا ينهض لاثبات نبوة النساء، والردُّ عليهم من وجوه:
الأول: أننا لا نسلّم لهم أنّ النبيّ غير مأمور بالتبليغ والتوجيه ومخالطة الناس، والذي اخترناه أن لا فرق بين النبيّ والرسول في هذا، وأنّ الفرق واقع في كون النبي مرسل بتشريع رسول سابق.
وإذا كان الأمر كذلك فالمحذورات التي قيلت في ارسال رسول من النساء قائمة في بعث نبي من النساء، وهي محذورات كثيرة تجعل المرأة لا تستطيع القيام بحقّ النبوة.
الثاني: قد يكون وحي الله إلى هؤلاء النسوة أم موسى وآسية.. إنّما وقع مناماً، فقد علمنا أنّ من الوحي ما يكون مناماً، وهذا يقع لغير الأنبياء.
الثالث: لا نسلم لهم قولهم أن كل من خاطبته الملائكة فهو نبي، ففي الحديث أن الله أرسل ملكا لرجل يزور أخا له في الله في قرية أخرى، فسأله عن سبب زيارته له، فلمّا أخبره أنه يحبّه في الله، أعلمه أنّ الله قد بعثه
إليه ليخبره أنه يحبّه، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى معروفة، وقد جاء جبريل يعلم الصحابة أمر دينهم بسؤال الرسول (ص) والصحابة يشاهدونه ويسمعونه.
الرابع: أن الرسول (ص) توقف في نبوة ذي القرنين مع اخبار القرآن بأنّ الله أوحى إليه (قُلنا ياذا القرنينِ إمّا أن تُعذّب، وإمّا أن تتّخذَ فيهم حُسنا)(سورة الكهف/ 86)".
الخامس: لا حجة لهم في النصوص الدالة على اصطفاء الله لمريم، فالله قد صرح بأنّه اصطفى غير الأنبياء: (ثمّ أورثنا الكتابَ الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسهِ، ومنهم مقتصدٌ ومنهُم سابقٌ بالخيراتِ)(سورة
فاطر/ 32)، واصطفى آل ابراهيم وآل عمران على العالمين، ومن آلهما من ليس بنبيٍ جزما (إنّ الله اصطفى آدمَ ونوحاً وآل إبراهيمَ وآلَ عمرانَ على العالمينَ)(سورة آل عمران/ 33).
السادس: لا يلزم من لفظ الكمال الوارد في الحديث الذي احتجوا به النبوة، لأنّه يطلق لتمام الشيء، وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغ النساء الكاملات النهائية في جميع الفضائل التي للنساء، وعلى ذلك فالكمال هنا كمال
غير الأنبياء.
السابع: ورد في بعض الأحاديث النصّ على أن خديجة من الكاملات وهذا يبين أن الكمال هنا ليس كمال النبوة.
الثامن: ورد في بعض الأحاديث أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة إلا ما كان من مريم ابنة عمران، وهذا يبطل القول بنبوة من عدا مريم كأم موسى وآسية، لأنّ فاطمة ليست بنبيّه جزما؛ وقد نصّ الحديث على أنها
أفضل من غيرها، فلو كانت أم موسى وآسية نبيتان لكانتا أفضل من فاطمة.
التاسع: وصف مريم بأنها صديقة في مقام الثناء عليها والأخبار بفضلها، قال تعالى: (ما المسيحُ بنُ مريمَ إلاّ رسولٌ قد خلت مِن قبلهِ الرُّسل، وأمُّهُ صديقةٌ كانا يأكلانِ الطّعامَ)(سورة المائدة/ 75)، فلو كان هناك وصفا
أعلى من ذلك لوصفها به، ولم يأت في نصّ قرآني ولا في حديث نبويّ صحيح اخبار بنبوة واحدة من النساء.
------------------------------
المصدر:الرسل والرسالات

Heba Khled
08-31-2011, 05:21 AM
صِفاتُ الرّسُل
د. عمر سليمان الأشقر



البشريّة
شاءت حكمة العليم الخبير أن يكون الرسل الذين يرسلهم إلى البشر من البشر أنفسهم، (قُل إنّما أنا بشرٌ مِثلُكُم)(سورة الكهف/ 110).
أهلية البشر لتحمّل الرسالة
الذين يستعظمون ويستبعدون اختيار الله بعض البشر لتحمّل الرسالة لا يقدرون الإنسان قدره، فالإنسان مؤهل لتحمّل الأمانة العظمى، أمانة الله التي أشفقت السماوات والارض والجبال من حملها، (إنّا عرضنا الأمانةَ
على السّموات والأرضِ والجبالِ فأبينَ أن يحمِلنَها وأشفقنَّ منها، وحَمَلَها الإنسانُ إنّه كان ظَلوماً جهولا)(سورة الأحزاب/ 72).
والذين استعظموا اختيار الله البشر رسلاً نظروا إلى المظهر الخارجي للإنسان، نظروا إليه على أنه جسد يأكل ويشرب وينام، ويمشي في الأرض لتلبية حاجاته (وقالوا: ما لِهذا الرسولِ يأكُلُ الطَّعام ويمشي في
الأسواقِ)(سورة الفرقان/ 7) ولم ينظروا إلى جوهر الإنسان، وهو تلك الروح التي هي نفخة من روح الله، (فإذا سوَّيتهُ، ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدينَ)(سورة الحجر/ 29). وبهذه الروح تميز الإنسان،
وصار إنسانا، واستخلف في الأرض، وقد أودعه الله الاستعداد للاتصال به عن طريق تلك النفخة العلوية التي ميزته، فلا عجب أن يختار الله واحداً من هذا الجنس، صاحب استعداد للتلقي، فيوحي إليه ما يهدي به
إخوانه إلى الطريق كلّما غام عليهم الطريق، وما يقدم به إليهم العون كلّما كانوا بحاجة إلى العون (وقالت لَهُم رُسُلُهُم إن نحنُ إلاّ بشرٌ مثلكم، ولكنَّ الله يمنُّ على من يشاءُ من عباده)(سورة إبراهيم/ 11).
ثمَّ إنّ الرسل يُعدّون إعدادا خاصّا لتحمُّل النبوة والرسالة ويصنعون صنعا فريدا (واصطنعتُكَ لِنفسي)(سورة طه/ 41)، واعتبر هذا بحال نبينا محمد (ص)، كيف رعاه الله وحاطه بعنايته على الرغم من يتمه وفقره (
ألم يجدكَ يتيماً فآوى وَوَجدَكَ ضالاً فهدى وَوَجدكَ عائلاً فأغنى)(سورة الضحى/ 6_8) وقد زكّاه وطهّره وأذهب عنه رجس الشيطان.
ففي حديث الإسراء: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثمَّ غسله بماء زمزم، ثمّ جاء بطست ممتلىء حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري، ثمَّ أطبقه" متفق عليه.
لِمَ لَمْ يكن الرسل ملائكة؟
لقد كثر اعتراض أعداء الرسل على بعثة الرسل من البشر، وكان هذا الأمر من أعظم ما صدَّ الناس عن الإيمان، (ومَا منعَ النّاسَ أنْ يؤمِنوا إذ جاءَهُم الهُدى إلا أنْ قالوا أبَعَثَ اللهُ بشراً رَسُولاً)(سورة الإسراء/ 94)
وعدوا اتباع الرسل بسبب كونهم بشرا فيما جاءوا به من عقائد وشرائع أمرا قبيحا، وعدُّوه خسرانا مبينا (ولَئنْ أطَعتُمْ بشراً مِثلَكُمْ إنَّكُمْ إذاً لخاسِرُونَ)(سورة المؤمنون/ 34)، وقد اقترح أعداء الرسل أن يكون الرسل
الذين يبعثون إليهم من الملائكة يعاينونهم ويشاهدونهم، أو على الأقل يبعث مع الرسول البشري رسولا من الملائكة، (وقالَ الّذينَ لا يرجُونَ لقاءَنا لولا أُنزلَ علينا الملائكةُ أو نرى ربَّنا)(سورة الفرقان/ 21).
وعندما نتأمّل النصوص القرآنية يمكننا أن نردّ على هذه الشبهة من وجوه:
الأول: أن الله اختارهم بشرا لا ملائكة لأنّه أعظم في الابتلاء والاختبار، ففي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم في صحيحه: "إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك".
الثاني: أن في هذا إكراما لمن سبقت لهم منه الحسنى، فإن اختيار الله لبعض عباده ليكونوا رسلا تكريم وتفضيل، (أولئكَ الَّذينَ أنعمَ اللهُ عليْهِمْ مِنَ النَّبيينَ منْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وممَّنْ حملْنا مع نُوحٍ ومن ذُرِّيَّةِ إبراهيمَ وإسرائيلَ
ومِمَّن هدَيْنا واجتبيْنا...)(سورة مريم/ 58).
الثالث: أنّ البشر أقدر على القيادة والتوجيه، وهم الذين يصلحون قدوة وأسوة، يقول المرحوم سيد قطب في هذا: "وإنها لحكمة تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر، واحد من البشر يحسّ بإحساسهم، ويتذوق
مواجدهم، ويعاني تجاربهم، ويدرك آلامهم وآمالهم، ويعرف نوازعهم وأشواقهم، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم...، ومن ثمَّ يعطف على ضعفهم ونقصهم، ويرجو في قوتهم واستعلائهم، ويسير بهم خطوة خطوة، وهو يفهم
ويقدر بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم، لأنّه في النهاية واحد منهم، يرتاد بهم الطريق إلى الله، بوحي من الله وعون منه على وعثاء الطريق.
وهم من جانبهم يجدون فيه القدرة الممكنة، لأنّه بشر مثلهم، يتسامى بهم رويدا رويدا، ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أنّ الله قد فرضها عليهم، وأرادها منهم، فيكون بشخصه ترجمة حيّة للعقيدة
التي يحملها إليهم، وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم، ينقلونها سطرا سطرا، ويحققونها معنى معنى، وهم يرونها بينهم، فتهفوا نفوسهم إلى تقليدها، لأنها ممثلة في إنسان".
الرابع: صعوبة رؤية الملائكة، فالكفار عندما يقترحون رؤية الملائكة، وأن يكون الرسل إليهم ملائكة _لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك.
فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل، فالرسول (ص) مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسمية والنفسية عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم ورجع إلى منزله يرجف
فؤاده، وقد كان (ص) يعاني من اتصال الوحي به شدّة، ولذلك قال في الردّ عليهم (يومَ يروْنَ الملائكةَ لا بُشرى يومئذٍ للمُجرمين)(سورة الفرقان/22)، ذلك أنَّ الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول
العذاب، فلو قدّر أنّهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم.
فكان إرسال الرسل من البشر ضروريا كي يتمكنوا من مخاطبتهم، والفقه عنهم، والفهم منهم، ولو بعث الله رسله إليهم من الملائكة لما أمكنهم ذلك. (ومَا مَنَعَ النَّاس أنْ يؤمنوا إذ جاءَهُم الهُدى إلاّ أنْ قالوا أبَعَثَ اللهُ بشراً
رسُولاً؟ قُلْ لو كان في الأرضِ ملائكةٌ مطمئنينَ لنزّلنا عليهم من السّماء ملكاً رسُولاً)(سورة الإسراء/94_95). أما وأن الذين يسكنون الأرض بشر فرحمة الله وحكمته تقتضي أن يكون رسولهم من جنسهم (لَقَدْ مَنَّ اللهُ
على المؤمنينَ إذْ بعثَ فيهم رسُولاً من أنفسِهِم)(سورة آل عمران/ 164).
واذا كان البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة والتلقي عنهم بيسر وسهولة فيقتضي هذا _لو شاء الله أن يرسل مَلكا رسولا إلى البشر _ أن يجعله رجلا (ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لجعلناهُ رَجُلاّ ولَلَبسْنا عليهم ما يلبِسون)(سورة
الأنعام/9).
والتباس الأمر عليهم بسبب كونه في صورة رجل، فلا يستطيعون أن يتحققوا من كونه ملكا، وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة من إرسال الرسل من الملائكة على هذا النحو، بل إرسالهم من الملائكة على هذا النحو لا
يحقق الغرض المطلوب، لكون الرسول الملك لا يستطيع أن يحس بإحساس البشر وعواطفهم وانفعالاتهم وإن تشكل بأشكالهم.
مقتضى بشريّة الأنبياء والرسل
ومقتضى كونهم بشرا أن يتصفوا بالصفات التي لا تنفكُّ عنها البشرية، فمن ذلك كونهم جسدا يحتاجون لما يحتاج إليه البشر من الطعام والشراب، ويحدثون كما يحدث البشر، لأنَّ ذلك من لوازم الطعام والشراب، (وما
أرسلنا قبلكَ إلاّ رجالاً نوحي إليهم، فاسْألوا أهلَ الذِّكرِ إن كُنْتُمْ لا تعْلَمونَ، ومَا جعلْناهُم جسداً لا يأكُلُونَ الطَّعام وما كانوا خالدينَ)(سورة الأنبياء/ 7-8).
ومن ذلك أنهم ولدوا كما ولد البشر، لهم آباء وأمهات، وأعمام وعمات، وأخوال وخالات، يتزوجون ويولد لهم، (ولَقَدْ أرسلْنا رُسُلاً مِنْ قَبلكَ، وجَعَلْنا لَهُمْ أزواجاً وذُريَّة)(سورة الرعد/ 38).
ويصيبهم ما يصيب البشر من أعراض، فهم ينامون ويقومون، ويصحون ويمرضون، ويأتي عليهم ما يأتي على البشر وهو الموت، فقد جاء في ذكر إبراهيم خليل الرحمن لربّه: (والذي هو يُطْعِمُني ويَسْقينِ، وإذا
مَرِضْتُ فُهوَ يشفينِ، والّذي يُميتُني ثُمَّ يُحْيينِ)(سورة الشعراء/ 79_81). وقال الله لعبده ورسوله محمد(ص): (إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَيّتونَ)(سورة الزمر/ 30). وقال مبينا أنّ هذه سنته في الرسل كلهم: (وما مُحَمَدٌ إلا
رَسُولٌ قَدْ خلتْ مِنْ قبلهِ الرُّسُلُ، أفإنْ ماتَ أو قُتِلَ انقلبتُمْ على أعقابِكُمْ)(سورة آل عمران/144).
وقد صحّ أنَّ الرسول (ص) قال لأمّ سليم: "يا أم سليم، اما تعلمين أني اشترطت على ربي، فقلت: إنّما أنا بشر؛ أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيّما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها
بأهل، أن يجعلها طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة".
تعرض الأنبياء للبلاء
ومن مقتضى بشرية الرسل أنّهم يتعرضون للابتلاء كما يتعرض البشر، فقد يسجنون كما سجن يوسف (لَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنينَ)(سورة يوسف/42) وقد يصيبهم قومهم بالأذى وقد يدمونهم، كما أصابوا الرسول
(ص) في معركة أحد فأدموه، وكسروا رباعيته، وقد يخرجونهم من ديارهم كما هاجر إبراهيم من العراق الى الشام، وكما هاجر نبينا محمد (ص) من مكة إلى المدينة، وقد يقتلونهم (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بما لا تَهْوى
أنفُسُكُم استكبرتُم ففريقاً كذَّبتُم وفريقاً تَقْتُلونَ)(سورة البقرة/ 87) وقد يصابون بالأمراض، كما ابتلى الله نبيّه أيوب فصبر. وكان من ابتلائه أن ذهب أهله وماله، وكان ذا مال وولد كثير، (وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي
مسنيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ، فاستجبنا لَهُ، فكشفنا ما بهِ من ضُرٍّ، وآتيناهُ أهلَهُ ومِثلهُمْ مَعَهُمْ رحْمةً منْ عندنا وذكرى للعابدين)(سورة الأنبياء/ 83_84).
والأنبياء لا يصابون بالبلاء فحسب، بل همّ أشدُّ الناس بلاءً، فعن الصعب ابن سعد عن أبيه قال: قلت لرسول الله (ص): أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثمَّ الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان
دينه صلبا اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلي عن حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة".
اشتغال الأنبياء بأعمال البشر
ومن مقتضى بشريتهم أنهم قد يقومون بالأعمال والأشغال التي يمارسها البشر، فمن ذلك اشتغال الرسول (ص) بالتجارة، قبل البعثة، ومن ذلك رعي الأنبياء للغنم، ومن الأنبياء الذين نصَّ القرآن على أنّهم رعوا الغنم
نبيّ الله موسى عليه السلام، فقد عمل في ذلك عدّة سنوات، فقد قال له العبد الصالح: (إني أُريدُ أنْ أُنكِحكَ احدى ابنتيَّ هاتيْنِ على أنْ تأجُرني ثماني حججٍ، فإنْ أتمَمْتَ عشراً فمِنْ عِندكَ، وما أُريدُ أنْ أشقَّ عليكَ
ستجدني إنْ شاءَ الله من الصّالحين، قال ذلكَ بيني وبينَكَ أيَّما الأجلين قضَيْتُ فلا عُدوانَ عليَّ، واللهُ على ما نقولُ وكيلٌ)(سورة القصص/ 27_28) قال ابن حجر: والذي قاله الأئمة ان الحكمة في رعاية الأنبياء للغنم
ليأخذوا أنفسهم بالتواضع، وتعتاد قلوبهم بالخلوة، ويترقوا من سياستها إلى سياسة الأمم.
ومن الأنبياء الذين عملوا بأعمال البشر داود عليه السلام، فقد كان حدّادا يصنع الدروع، قال تعالى: (وعلَّمْناهُ صَنْعةَ لبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بأسِكُمْ فهلْ أنتُمْ شاكرونَ)(سورة الأنبياء/ 80)، كان حدادا، وفي نفس الوقت
كان ملكا، وكان يأكل مما تصنعه يداه.
ونبيّ الله زكريا كان يعمل نجّارا.
ليس فيهم شيء من خصائص الألوهية والملائكية
ومقتضى كونهم بشرا أنهم ليسوا بآلهة، وليس فيهم من صفات الألوهيّة شيء، ولذلك فإنّ الرسل يتبرءون من الحول والطول ويعتصمون بالله الواحد الأحد، ولا يدعون شيئا من صفات الله تعالى، قال تعالى مبينا
براءة عيسى مما نسب إليه: (وإذْ قالَ اللهُ يا عيسى بنَ مريمَ أأنتَ قُلْت للنّاسِ اتَّخذوني وأمِّيَ إلهينِ مِنْ دونِ اللهِ؟ قالَ: سُبْحانكَ ما يكُونُ لي أنْ أقولَ ما ليْسَ لي بحقٍّ، إن كُنتُ قلتهُ فقدْ علِمتهُ، تعلمُ ما في نفسي، ولا أعلَمُ
ما في نفسكَ إنَّك أنتَ علاّمُ الغُيوبِ، ما قُلْتُ لَهُمْ إلا ما أمرتني بِهِ أن اعبُدوا الله ربِّي وربَّكُم، وكُنْتُ عليهم شهيداً ما دُمْتُ فيهمْ، فلمّا توفيتني كُنْتَ أنتَ الرَّقيبَ عليهِمْ، وأنْتَ على كُلِّ شيءٍ شهيدٌ)(سورة المائدة/
116_117).
هذه مقالة عيسى في الموقف الجامع في يوم الحشر الأكبر، وهي مقولة صدق تنفي تلك الأكاذيب والترهات التي وصف بها النصارى عبد الله ورسوله عيسى فطائفة قالت: الله هو المسيح بن مريم حلّ في بطن مريم
(لَقَدْ كَفَرَ الّذينَ قالوا إنَّ اللهُ هُوَ المسيحُ ابنُ مرْيَمَ)(سورة المائدة/ 72) وأخرى قالت هو ثالث ثلاثة (لقدْ كَفَرَ الذينَ قالوا إن الله ثالثُ ثلاثةٍ)(سورة المائدة/ 73) وطائفة ثالثة قالوا هو ابن الله تعالى الله عما يقولون علوّا
كبيرا (وقالوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ ولداً، لَقَدْ جئتُمْ شيئاً إدّا...)(سورة مريم/88-89).
الكمال البشري
لا شك أن البشر يتفاوتون فيما بينهم تفاوتا كبيرا في الخلق والخُلق، والمواهب، فمن البشر القبيح والجميل وبين ذلك، ومنهم الأعمى والأعور والمبصر بعينيه، والمبصرون يتفاوتون في جمال عيونهم وفي قوة
ابصارهم، ومنهم الأصم والسميع وبين ذلك، ومنهم ساقط المروءة ومنهم ذو المروءة، والهمة العالية.
ولا شكّ أنّ الأنبياء والرسل يمثلون الكمال الانساني في أرقى صوره، ذلك أنّ الله اختارهم واصطفاهم لنفسه، فلا بدّ أن يختار أطهر البشر قلوباً، وأزكاهم اخلاقاً، وأجودهم قريحة، (اللهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَهُ)(
سورة الأنعام/ 124).
الكمال في الخلقة الظاهرة
لقد حذرنا الله تعالى من إيذاء الرسول (ص) كما آذى بنو إسرائيل موسى، (يا أيُّها الَّذينَ آمنوا لا تَكُونوا كالَّذينَ آذوْا مُوسى فبرَّأهُ اللهُ مِمّا قالوا وكانَ عِندَ اللهِ وجيهاً...)(سورة الاحزاب/69).
وقد بين لنا رسولنا (ص) أن ايذاء بني إسرائيل لموسى كان باتهامهم إياه بعيب خلقي في جسده، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله(ص): "إنّ موسى كان رجلاً حييّا ستيرا لا
يرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إمّا برص، وإمّا أدرة، وإمّا آفة، وإنّ الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده، فوضع ثيابه
على الحجر ثمَّ اغتسل، فلمّا فرغ، أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنَّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه عريانا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله
إنّ بالحجر لندْباً من أثر ضربه، ثلاثا أو أربعا أو خمسا، فذلك قوله: (يا أَيُّها الذينَ آمنوا لا تكونُوا كالّذينَ آذوْا موسى، فبرّأهُ اللهُ مِمّا قالوا، وكانَ عِنْدَ اللهِ وجيهاً)(سورة الأحزاب/ 69).
الصور الظاهرة مختلفة
ليس معنى كون الرسل أكمل الناس أجساما أنهم على صفة واحدة وصورة واحدة، فالكمال الذي يدهش ويعجب متنوع وذلك من بديع صنع الواحد الأحد وكمال قدرته.
وقد وصف لنا الرسول (ص) بعض الأنبياء والرسل، يقول (ص): "ليلة أسري بي رأيت موسى وإذا هو رجل ضَرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة".
وقال في عيسى: "ليس بيني وبينه نبيّ، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل".
وقد وصف لنا الصحابة رسولنا (ص) فمن ذلك قولهم: "كان أحسن الناس.. ربعة، إلى الطول ما هو، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدين، شديد سواد الشعر، أكحل العينين، أهدب الأشفار، إذا وطىء بقدمه وطىء
بكلها، ليس له أخمص، إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنّه سبيكة فضة".
الكمال في الأخلاق
لقد بلغ الأنبياء في هذا مبلغا عظيما، وقد استحقوا أن يثني عليهم ربّ الكائنات فقد أثنى الله على خليله إبراهيم عليه السلام فقال: (إنّ إبراهيمَ لحليمٌ أوّاهٌ منيبٌ)(سورة هود/75).
وقالت ابنة العبد الصالح تصف موسى: (يا أبتِ استأجرهُ إنَّ خيرَ من استأجرتَ القويُّ الأمينُ)(سورة القصص/26).
واثنى الله على إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد، (واذكُرْ في الكتابِ إسماعيلَ إنّهُ كانَ صادقَ الوعْدِ وكانَ رسولاً نبياً)(سورة مريم/54).
وأثنى الله _جلّ جلاله _ وتقدست أسماؤه _على خلق نبينا محمد _ (ص) ثناءً عطرا، فقال: (وإنّكَ لعلى خُلُقٍ عظيمٍ)(سورة القلم/ 4).
فقد وصف الله _سبحانه _ خلق نبينا محمد (ص) بأنّه عظيم، وأكّد ذلك بثلاثة مؤكدات: أكدَّ ذلك بالإقسام عليه بنون والقلم وما يسطرون، وتصديره بإنّ، وادخال اللام على الخبر.
ومن خلقه الكريم (ص) الذي نوه الله به ما جبله عليه من الرحمة والرأفة (لَقَدْ جاءَكُمْ رسولٌ مِنْ أنفسِكُم عزيزٌ عليهِ ما عَنتُّمْ حريصٌ عليكُمْ بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيمٌ)(سورة التوبة/128).
وقد كان لهذه الأخلاق أثر كبير في هداية الناس وتربيتهم، هذا صفوان بن أميّة يقول: لقد أعطاني رسول الله (ص) ما أعطاني وإنه لأبغض خلق الله إليّ فيما زال يعطيني حتى إنّه من أحبّ الناس إليّ "رواه مسلم في
صحيحه".
ولو لم يتصف الرسل بهذا الكمال الذي حباهم الله به لما انقاد الناس لهم، ذلك أن الناس لا ينقادون عن رضا وطواعية لمن كثرت نقائصه، وقلت فضائله.
خير الناس نسبا
الرسل ذوو أنساب كريمة، فجميع الرسل بعد نوح من ذريته، وجميع الرسل بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم، قال تعالى: (ولقَدْ أرسلنا نوحاً وإبراهيمَ، وجعلنا في ذُرّيتهِما النُّبوَّةَ والكتاب...)(سورة الحديد/ 26).
ولذلك فإنّ الله _سبحانه _ يصطفي لرسالته من كان خيار قومه في النسب.
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي عن الرسول (ص)، قال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إنّ الله _تعالى _ خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثمّ جعلهم قبائل فجعلني
في خيرهم قبيلة، ثمّ جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفساً".
أحرار بعيدون عن الرق
ومن صفات الكمال أنّ الأنبياء لا يكونون أرقاء يقول السفاريني في هذا: "الرقّ وصف نقص لا يليق بمقام النبوة، والنبي يكون داعيا للناس آناء الليل وأطراف النهار، والرقيق لا يتيسر له ذلك، وأيضا الرقيّة وصف
نقص يأنف الناس ويستنكفون من اتباع من اتصف بها، وأن يكون إماما لهم وقدوة، وهي أثر الكفر، والأنبياء منزهون عن ذلك".
المواهب والقدرات
الأنبياء أعطوا العقول الراجحة، والذكاء الفذ، واللسان المبين، والبديهة الحاضرة، وغير ذلك من المواهب والقدرات التي لا بدّ منها لتحمل الرسالة ثم ابلاغها ومتابعة الذين تقبلوها بالتوجيه والتربية.
لقد كان الرسول (ص) يحفظ ما يلقى إليه ولا ينسى منه كلمة (سَنُقْرئُكَ فلا تَنسى)(سورة الأعلى/ 6).
وقد كانوا يعرضون دين الله للمعارضين ويفحمونهم في معرض الحجاج، وفي هذا المجال أسكت إبراهيم خصمه (فبُهتَ الذي كفرَ واللهُ لا يهدي القومَ الظّالمينَ)(سورة البقرة/ 258) وقال الله معقبا على محاججة
إبراهيم لقومه: (وتلكَ حجّتُنا آتيناها إبراهيمَ على قومهِ، نرفعُ درجاتٍ من نشاءُ)(سورة الأنعام/ 83).
وموسى كان يجيب فرعون على البديهة حتى انقطع، فانتقل إلى التهديد بالقوة (قالَ فرعونُ وما ربُّ العالمين؟ قالَ ربُّ السّمواتِ والأرضِ وما بينهُما إن كُنتُمْ موقنينَ، قال لِمنْ حولَهُ ألا تستمعونَ! قالَ ربُّكمْ وربُّ
آبائِكُمُ الأوّلينَ، قال إنّ رَسُولكُمُ الذي أرسلَ إليكم لمجنونٌ، قالَ ربُّ المَشْرقِ والمغْربِ وما بينهُما إن كُنتُمْ تعقلونَ، قال لئنْ اتّخذت إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونينَ)(سورة الشعراء/ 23_29).
تحقيق العبودية
بينا الكمال الذي حبا الله به رسله في صورهم الظاهرة، وأخلاقهم الباطنة، والمواهب والسجايا التي أعطاهم إياها في ذوات أنفسهم، وهناك نوع آخر من الكمال وفق الله رسله وأنبياءه لتحصيله، وهو تحقيق العبودية
لله في أنفسهم.
فكلّما كان الإنسان أكثر تحقيقا للعبودية لله تعالى، كلّما كان أكثر رقيّا في سلّم الكمال الإنساني، وكلما ابتعد عن تحقيق العبودية لله كلما هبط وانحدر.
والرسل حازوا السبق في هذا الميدان، فقد كانت حياتهم انطلاقة جادة في تحقيق هذه العبودية، وهذا خاتم الرسل وسيد المرسلين يثني عليه ربّه في أشرف المقامات بالعبودية، فيصفه بها في مقام الوحي (فأوحى إلى
عبدهِ ما أوحَى)(سورة النجم/10) وفي مقام إنزال الكتاب (تباركَ الّذي نزَّلَ الفُرقانَ على عبدهِ ليكونَ للعالمين نذيراً)(سورة الفرقان/ 1). وفي مقام الدعوة (وأنّهُ لمّا قامَ عبدُ الله يدْعُوهُ)(سورة الجن/19) وفي مقام
الإسراء (سُبْحانَ الذي أسرى بِعبدهِ ليلاً من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى الذي باركنا حَولَهُ...)( سورة الإسراء/1) وبهذه العبودية التامة استحق صلوات الله وسلامه عليه التقديم على الناس في الدنيا والآخرة.
----------------------

Heba Khled
08-31-2011, 05:22 AM
السحر في اللغة والفقه وفي الكتاب والتفسير
محمد علي جواد


لقد اختلف في تحديد معنى السحر كما اختلف أهل الفقه في ذلك، ومن جملة كلمات اللغويين في تحديد معناه ما جاء في لسان العرب حيث قال صاحبه:
"ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتى يظن أن الأمر كما يرى وليس الأصل على ما يرى. والسحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودقّ فهو سحر" وجاء عن ابن فارس: "هو اخراج الباطل في صورة الحق".
وعن المجمع للطريحي: "فأنّى تسحرون": أي فكيف تخدعون عن توحيده ويموّه لكم، وقال في قوله تعالى: (إن تتّبعون إلا رجلاً مسحوراً) أي مصروفاً عن الحق. وتسمي السحر سحراً لأنه صرف عن جهته".
أما أهل الفقه فقد جاء عن بعضهم ما يلي:
قال العلاّمة في القواعد والتحرير: "كلام يتكلم به، أو يكتبه أو رقية، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة".
أما في الكتاب فما يستفاد من كلمات أهل اللغة يمكن أن يستفاد من الكتاب الكريم إذ عند قراءة الآيات التي تناولت قضية السحر في سورة طه يستفاد منها أن السحر كيد وخدعة ولا واقع له ولذا قالوا: (إن هذان
لساحران) أي ليس فيهما حقيقة وواقعية ويؤيده قوله تعالى بعد: (فأجمعوا كيدكم) أي اجمعوا خدعكم واصرح منه في الدلالة قوله تعالى: (يخيل من سحرهم أنّها تسعى) ويؤكده قوله تعالى: (انّما صنعوا كيد ساحر).
ويقول محمّد رشيد رضا صاحب تفسير المنار والمعنى الجامع للسحر انه أعمال غريبة من التلبيس والحيل تخفى حقيقتها على جماهير الناس لجهلهم بأسبابها فمتى عرف سبب شيء منها بطل اطلاق اسم السحر
عليه، ولذلك كان الاقوام الجاهلون يعدّون آيات الرسل الكونية التي يؤيدهم الله تعالى بها من قبيل السحر.
ويجعلون هذا مانعاً من دلالتها على صدقهم ومن تأييد الله تعالى لهم، لان السحر صنعة تتلقى بالتعليم والتمرين فيمكن لكل أحد ان يكون ساحراً إذا اتيح له من يعلمه السحر".
وسواء أخذنا بتحديدات اهل اللغة أو الفقه أو بما قاله هذا المفسر أخيراً فهو أسلوب من اساليب المواجهة يعمد فيه الخصوم إلى استعمال مضامين كل هذه المفردات التي وردت في تعريفه. وهي _مما لا شك فيه _ لها
أثرها البالغ في عموم الناس الجاهلين البعيدين عن الهدى والإيمان. ولهذه الاساليب طلاّبها ومروّجوها وساحتها في المجتمع وذهنيته، بل هي من أبرز الاساليب التي تلجأ اليها جبهة الكفر والطغيان في محاربة
ومعارضة جبهة الهدى والايمان في المراحل الأولى من مراحل المواجهة عادة.
ولأنّ طرق استحصال هذا الاسلوب غالباً مرتبطة بالشر والشيطان والإنحرافات الأخلاقية والسلوكية والجن والأرواح، ولتأثيرها السريع والخفي على من تمارس ضدّه ممن ليس لديه حصانة ومناعة منه عمد خصوم
الرسالات إلى اتهام الرسل (عليهم السلام) ورسالاتهم به أو بممارسته والعمل به من أجل تكذيبهم أولاً، ومن أجل خلق المبرر في معارضتهم والوقوف أمامهم ثانياً، ولو بممارسة نفس السحر، بل ذهبوا إلى أكثر من
ذلك أن اتبع فريق منهم كتب السحر وما تتلوا الشياطين على الأنبياء كمنهج حياتي وعقائدي يتميزون به عن جبهة الوحي والرسالات السماوية. قال تعالى: (واتبعوا ما تتلو الشّياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان
ولكنّ الشّياطين كفروا...).
ذكر الفخر الرازي في جملة الآراء في المسألة الولى وهي قوله تعالى: (واتبعوا) أنه قال:
أحدها: أنّهم اليهود الذين كانوا في زمان محمّد عليه الصلاة والسلام. وبعد ذكر القول الثاني والثالث قال:
ورابعهما: انه يتناول الكل وهذا أولى لانه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره إذ لا دليل على التخصيص. قال السديّ: لما جاءهم محمّد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه فاتفقت
التوراة والقرآن فنبذوا القرآن واخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن فهذا قوله تعالى: (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدّق لما معهم نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء
ظهورهم) ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر.
الإتهام بالسحر (الأسباب والممارسات والاهداف)
ان الاتهام بالسحر قديم قدم المجتمعات البشرية، فمنذ أن بعث الله عزّ وجلّ رسله إلى الأمم والأقوام يعظونهم ويوجهونهم ويبشرونهم بثوابه وينذرونهم عقابه ويذكرونهم بالحياة الأبدية في الآخرة وبالحشر والحساب
هناك وان الله يبعث من في القبور وأن النار والعذاب نصيب العاصين رسله والظالمين لهم ولمن آمن بهم، بدأ المكذّبون البعيدون عن هداية رسول العقل والفطرة يفسرون هذه العلاقة بين السماء والأرض وبين
الأنبياء والوحي بلسان الجحود والانكار والهوى والاستكبار، قائلين لو كانت هذه العلاقة بين الأنبياء وبين الله ووحيه صادقة حقّة لكانت موجودة عند باقي البشر من أمثالهم ولما كانت هذه العلاقة غير موجودة عند
هذا الباقي من البشر فهي عند الأنبياء ليس لانهم ليسوا إلاّ بشر مثلهم، وعليه فلابد من توجيه هذا اللون من الادعاء توجيها يتلائم ونظرتهم واعتقادهم، فكان السحر واحداً من هذه التوجيهات والمواجهات متخذين من
وجه الشبه الظاهري بين الساحر والنبيّ في جهة التأثير السريع واستمالة القلوب والاعتماد على أمور خفية شاهداً ومؤيّداً عليه.
فاتهام الأنبياء والرسل (عليهم السلام) بالسحر من قبل خصومهم المكذّبين لم ينبع من نظرة تحليلية واعية معمّقة للظروف الموضوعية الواقعية للتهمة والمتَّهم (بالفتح) وانما ينبع من افق الظروف الموضوعية الواقعية
للمتّهم (بالكسر) إضافة إلى اعتماد أصحاب هذه المواجهة على نحو من أنحاء القياس الباطل في إبراز المواجهة وتصويرها.
ولو طالعنا آيات الكتاب المجيد من أجل أن نتحرّى الأسباب التي دعت المكذّبين إلى اتهام الرسل (عليهم السلام) بالحسر لوجدناها تنحصر بخمسة أمور هي كالتالي:
1_ الكفر: قال تعالى مبيّناً ذلك: (أكان للناس عَجَباً أن أوحينا إلى رجُلٍ منهم أن أنذِرِ النّاس وبشّر الذين آمنوا أنَّ لهم قدم صدق عند ربّهم قال الكافرون إنّ هذا لساحرٌ مبين).
2_ الطغيان والعلو والاستكبار: قال تعالى مبيّناً ذلك: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحرٌ أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون).
3_ الظلم: قال تعالى مبيّناً دوره هنا: (نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلاّ رجلاً مسحوراً).
4_ الطمع وحبّ المال: قال تعالى مبيّناً هذا السبب في هذه المواجهة: (فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئِنَّ لنا لأجراً إن كنّا نحن الغالبين. قال نعم وانكم إذاً لمن المقربين).
5_ اتباع الهوى: قال تعالى مبيّناً ذلك: (اقتربت السّاعة وانشقّ القمر. وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر. وكذَّبوا واتّبعوا أهواءهم وكلّ أمر مستقر).
إذا أردنا ان نؤرّخ لهذه التهمة _المواجهة المنهجية _ فليس هناك كتاب تاريخي يؤرخ لها بشكل دقيق مثلما يعطيها القرآن _وان لم يكن كتاباً تاريخياً _ حظها من العراقة والقدم والامتداد في تاريخ الشعوب
والمجتمعات الدينية حيث يذكر ان هذه التهمة استعملت ضد كل الرسل الذين ارسلوا هداة إلى اُممهم، أي بعبارة اخرى منذ أن تشكل أول مجتمع بشري بعد نبي الله آدم (ع)، ومنذ أن بعث لذلك المجتمع الأول رسول
هداية.
نعم لقد تلقّى جميع الرسل (عليهم السلام) هذه المواجهة الظالمة من قبل خصومهم، وقد قال تعالى مشيراً إلى هذا العمق التاريخي لهذه المواجهة وإلى عراقتها في تاريخ المواجهات ضد رسله (عليهم السلام): (كذلك ما
أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون).
ففي سورة البقرة بيّن تعالى مواجهة الخصوم بالسحر ضد سليمان فقال: (واتّبعوا ما تتلوا الشّياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشّياطين كفروا يعلّمون الناس السحر وما اُنزل على الملكين بباهل هاروت
وماروت وما يعلّمان من أحد حتّى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلّمون منهما ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارّين به من أحد إلاّ باذن الله ويتعلّمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في
الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. ولو أنّهم آمنوا واتَّقوا لمثوبة من عند الله خيرٌ لو كانوا يعلمون).
ومن جملة أكاذيب هؤلاء الشياطين الإنسيين الذين ذكرتهم الآية الشريفة هو إدّعاؤهم ان سليمان (ع) حصل على هذا الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بواسطة الطرق السحرية، وفي سورة الشعراء بيّن عزّ وجلّ
مواجهتهم لشعيب(ع) فقال تعالى: (قالوا إنّما أنت من المسحَّرين. وما أنت إلاّ بشر مثلنا وإن نّظنّك لَمن الكاذبين)، وفي سورة المائدة بيّن تعالى مواجهة الخصوم بالسحر ضد عيسى(ع) قال تعالى: (إذ قال الله يا عيسى
ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيّدتّك بروح القدس تكلّم النّاس في المهد وكهلاً وإذ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وإذ تخلق من الطّين كهيئة الطّير باذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبريء
الأكمهَ والابرص بإذني وإذ تخرج الموتى باذني وإذ كففت بني اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبيّنات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلاّ سحر مبين).
وكنموذج واحد لهذه المواجهة ضده (ع) نذكر قوله تعالى وهو يحكي قول فرعون طاغية عصره فيه: (قال للملأ حوله إنّ هذا لساحر عليم. يريد ان يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون. قالوا ارجه وأخاه وابعث
في المدائن حاشرين. يأتوك بكلّ سحّار عليم...).
وقد بالغ الخصوم في اتهامه بالسحر حتى خاطبوه: (يا ايّها السّاحر) وعبروا عنه بالسحر فقالوا (سحران تظاهرا) وقالوا عنه انه كبير السحرة ومعلمهم وانه ساحر عليم وانه من المسحرين وانه مسحور إلى غير ذلك.
والأمر هكذا وأشد مع النبي محمّد (ص) فقد ذكر له القرآن سبعة عشر مورداً من موارد مواجهته بتهمة السحر.
وقد وصفوه (ص) بأنه ساحر كذّاب، وساحر مبين، وأنه رجل مسحور، ويعلمه السحرة، ونعتوا رسالته بالسحر، فقالوا عنها: سحر مبين، وسحر مفترى، وسحر مستمر، وسحر يؤثر "أي يأخذه من السحرة ويرويه".
وكنموذج واحد أيضاً يشير إلى مواجهتهم له (ص) بهذه المواجهة نذكر قوله تعالى من سورة يونس فحيث قال عزّ وجلّ: (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشّر الذين آمنوا أن لهم قد صدقٍ
عند ربهم قال الكافرون إنّ هذا لساحرٌ مبين).
1_ قيل إنّ عيسى استقبله ناس من اليهود، فلما رأوه قالوا قد جاء الساحر ابن الساحر الفاعل ابن الفاعلة وقذفوه وامه فسمع ذلك ودعا عليهم فاستجاب الله دعاءه ومسخهم خنازير.
2_ وفي الدر المنثور أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن طريق عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي (ص) فقرا عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن
قومك يريدون أن يحملوا لك مالاً ليعطوه لك فإنك أتيت محمّداً لتصيب ممّا عنده. قال: قد علمت قريش اني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل
اعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيّه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله ان لقوله الذي يقوله حلاوة، وان عليه لطلاوة، وانه لمثمر اعلاه، ومغدق أسفله، وانه ليعلو ولا يعلى، وانه ليحطم ما
تحته.
قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: دعني حتّى افكر، فلما فكّر قال ما هو إلاّ سحر يأثره عن غيره فنزلت (ذرني ومن خلقت وحيدا).
3_ قال الثعلبي: قالت العلماء بأخبار الأنبياء إنّ موسى وهارون (ع) وضع فرعون أمرهما على السحر، فأراد أن يقتلهما، فقال العبد الصالح حزقيل مؤمن آل فرعون: أتقتلون رجلاً يقول: ربي الله وقد جاءكم
بالبينات من ربكم، فقال الملأ من قوم فرعون (أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين. يأتوك بكلّ ساحر عليم) وكانت لفرعون مدائن فيها السحرة معدّة لفرعون. إذا أحزنه أمر.
إتّهام الأوصياء وشيعة الخط الرسالي بالسحر
أمّا أمناء الرسل وشيعتهم وأنصارهم في الخط الرسالي فقد تحمّلوا ما تحمل الأنبياء والرسل، ذلك لانّ وحدة الخط والمنهج والهدف بين الرسل والأوصياء وشيعتهم هي التي تستدعي من الخصوم أن يمارسوا معهم
نفس الممارسات التي يمارسونها مع الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، فاذا كنا قد تكلمنا عن ممارسات اعداء الرسالة ضد أنبياء الله بخصوص المواجهة بالسحر فقد حان الوقت أن نتكلم عن ممارساتهم بهذا الخصوص
ايضاً مع ورّاث الخط الرسالي فنقول:
ان قوله تعالى: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) فيها إشارة إلى أن ديدن العتاة المعاندين والكفر المكذِّبين لأنبياء الله واحد في الاعراض والتكذيب بل ان في الآية اشارة أخرى إلى أنهم لا يقتصرون فيه
على الأنبياء، ذلك ان الآيات الدالة على وحدانيته تعالى وربوبيته لهذا الكون والدالة على حقانية وصدق من نصّبهم عزّ شأنه للعباد وهداة ودعاة وائمة كثيرة لا تقتصر على عصر دون عصر وعلى مصر دون مصر،
فاذا كانوا قد كذّبوا بآية شق القمر وكذّبوا بغير هذه الآيات في زمن موسى وغيرها في زمن عيسى (ع) من قبيل آية العصا وآية نزول المائدة من السماء بل واتهام الأنبياء على رغم حقّانيتهم بالسحر ليُشير مرة أخرى
على أن هذا الديدن في التكذيب والاتهام يمارس مع حَمَلَة هذا الهدى، والأمناء عليه ما زال هؤلاء يحملون مسؤولية مقاومة الطغيان والكفر والضلال ونشر الهدى والإيمان والعدالة.
وعند مطالعة الاعلام المعاصر فانه رغم تركه في أغلب الأحيان للفظة سحر وساحر ضد قادة الهدى والإيمان واتباعهم الاّ انه ما ترك معانيها ومرادفاتها، وكل المعاني القريبة والتي تجري مجراها أو تشترك معها في
وجه من الوجوه، فلطالما ولا يزال ينعتهم بالإيهام والتعمية والتغطية والتزييف والتمويه والخداع والمكر والاحتيال والشعوذة وكل الأساليب التي يصرف بها الخصم خصمه عن معرفة وجه الحق، هذا إضافة إلى
استعمال الإعلام المعاصر كافة الأساليب الأخرى التي تحقق هذه المعاني وبشكل فني دقيق وخفي لمواجهة علمية ضد خط الإيمان والرسالة السماوية واتباعها، حتى بلغ حدّا من التأثير في ذهنية الفرد المتتبع
لاعلامهم أن ينصرف عن كل حق، وان يلتبس عليه الواقع، شأنه شأن المسحور الذي ما صار مسحوراً إلاّ بتأثير ما عُمِل ضد من عمل السحر والساحرين، بل إلى الحدّ الذي يمكن أن ننعت به أغلبية المتتبعين ان
يتصوروا ويخيل إليهم من شدة سحر الإعلام ان الحضارات المادية المنخورة من الداخل انها في حالة قوّة وتفوّق، وان القوى العظمى تعجز أمامها كل قوة، وانها من شدة ما يخيّل إليهم من سحر الإعلام هذا أنها
تهيمن على كل شيء، وقادرة على أحصاء انفاس العالم، وأنه لا فرار منها ولا خلاص إلاّ بالاستسلام لها والركوع أمامها، والحقيقة الواقعية التي عليها هذه الحضارات والقوى المتفرعنة والطاغوتية ليس كما
يصورها الإعلام بل هي كما قلنا منخورة ومنحطة ومنهزمة داخلياً وفكرياً يخيل إلى المغفّلين والمغرورين بالقوى المادية انها تسعى وتتحرك، والواقع انها ميتة أو مشرفة على الموت والهلاك البائس المحتّم. ان هذا
اللون من السحر يتم بواسطة تسخير قوى شياطين الإنس، ولا حاجة فيه إلى الاقتراب من شياطين الجن. انه سحر الأفكار والعقول والقلوب والاسماع والأبصار معاً.
ان المشركين بالامس إذا كانوا يطلقون صفة الساحر على النبي (ص)، او على أوصيائه واتباعه لزعمهم انه (ص) يظهر الباطل بصورة الحق بكلمات فصيحة وخطب بليغة ووحي الهي يعجز الانس والجن ان يأتوا
بمثله أو بعشر سور بل سورة واحدة من مثله والتي سرعان ما يصبأ اليها من يسمعها ويرغب فيها وينجذب اليها على حدّ قولهم، أو إذا كانوا يطلقون تهمة السحر على لفظ القرآن الكريم بل على ما يخبر عنه كمبالغة
البعث في الافتراء عليه فان أعداء الرسالات اليوم وبعد اليوم من مشركين ومنافقين وكفّار يطلقون نفس النفثات المحمومة بحقّ قادة الإيمان والهدى وبحق أتباعهم وأبصارهم وشيعتهم وبحقّ رسالتهم ولا يريدون إلا
مدلولها السابق، ولكن من خلال ألفاظ شاع استعمالها أكثر من لفظة "ساحر" وهي الشعوذة، والمكر، والخداع، والمغالطة، والتمويه باظهار الباطل في صورة الحق. على نحو اطلاق الملزوم وارادة اللازم وغير ذلك
من أساليب. ذلك لان هذه الالفاظ لها حالياً مدلولات حقيرة ومهينة بنظر الرأي العام أكثر من لفظ "ساحر".
أساليب القرآن في مواجهة السحر
لقد سلك القرآن الكريم عدة اساليب في مواجهة الخصوم الذين واجهوا الأنبياء بمواجهة السحر بشقيها الشق الدعائي "الاتهام بالسحر" والشق التطبيقي "عمل السحرة". وهذه الأساليب كالتالي:
أولاً: تحديد الحكم الشرعي من السحر: لا شك ان الحكم الشرعي يترتب على موضوعه، وعند استقراء الآيات القرآنية نجد أن السحر في حقيقته الموضوعية عبارة عن كيد وخدعة، وهو من عمل المفسدين، وانه لا
يفلح، وشرّ يستعاذ منه، وأنه عمل لا خلاق له في الآخرة.
فإذا تبيّن ان حقيقة السحر هي هذه، فان الحكم هو النهي عنه في الجملة بلا شك بل ان حرمته من ضروريات الدين بين المسلمين وقوله تعالى: (وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر...) أي لا تكفر
باستعمال السحر المضر كأن تجعل الناس يعتقدون انك تحيي وتميت وتفعل ما لا يقدر عليه إلاّ الله فان ذلك كفر. وفيه اشارة إلى أن العامل به كافر، وان ما يتعلمونه نعمة من النعم فلا يضعوها في غير محلها وهو
إبطال سحر السحرة وإبطال دعاواهم الخطيرة على الدين. وقد يستفاد من كثير من الروايات حرمته تعلّما وعملاً وتكسباً به وكونه من الذنوب الكبيرة التي يستحق فاعلها بدون التوبة منها النار وسوء العقاب في
الآخرة وكونه كالكافر.
فمثل هذا الحكم وهذه النعوت الذميمة والمخيفة التي يستحقها المنتسب إلى السحر عملاً وتعليماً وتكسباً تقتل مواجهة الخصوم بالسحر في جانبها الدعائي _أي الاتهام بالسحر _ إذ مثل هذا الموقف الشرعي الذي
تسجله الشريعة بحق السحر عملاً وتعلماً وتكسباً ليفرغ إتهام الخصوم للأنبياء (عليهم السلام) بالسحر من محتواه وتأثيره، إذ كيف يصدّق من يسمع هذه التهمة وهي توجّه إلى من يُحرّم مفادها وينعت القائم بها بما مرّ
من النعوت. هذا من جهة الاتهام أما من جهة عمل السحر، فقد سلك القرآن تجاه هذا الشق من المواجهة مسلكاً مشابهاً فقد أجاز السحر في مقام دفع الضرر وردّ المواجهة، ومن الاستدلالات القرآنية على هذا الجواز ما
ذكره صاحب مصباح الفقاهة في الجزء الأول ص 299 حيث قال: "نعم يمكن الاستدلال على الجواز بالآية الواردة في قصة هاروت وماروت بتقريب أن السحر لو لم يكن جائز الاستعمال حتى في مقام دفع الضرر
لم يجز تعليمه أصلاً، فجواز التعليم يدل على جواز العمل به في الجملة، والقدر المتيقن منه هو صورة دفع ضرر الساحر، وكيف كان فلا ريب في انه قد يجب إذا توقفت عليه مصلحة ملزمة، كما إذا ادعى الساحر
منصباً من المناصب الالهية، كالنبوة والامامة" انتهى.
ثانياً: مواجهة السحر بالمعجزة:
إن الشعوذة هي عبارة عن الخفّة في اليد، والسرعة في الحركة، فإن المشعوذ الحاذق يفعل الأمور العادية والأفعال المتعارفة بتمام السرعة، بحيث يشغل اذهان الناظرين بأشياء ويأخذ حواسهم إليها، ثم يعمل شيئاً آخر
بسرعة شديدة وبحركة خفيفة فيظهر لهم غير ما انتظروه ويتعجبون منه، ولكن الصادر منه أمر واقعي، كأخذ الأشياء من موضع ووضعها في موضع آخر بالسرعة التامة حتى يتخيل الناظر إليها انها انتقلت بنفسها،
فالنقل والانتقال أمر حقيقي، ولكن الناظر لا يلتفت إلى الناقل، وهذا بخلاف السحر، فانه أمر خيالي محض.
وبعد انّ عرفت ذلك أقول: انّ المواجهة بين القرآن والسحرة هي مواجهة أمر واقعي اسمه (المعجز) وأمر تخييلي لا واقع له ولا حقيقة اسمه (السحر) وأنّى لهذا الثاني ان يصمد أمام الأول، فالحيّة الحقيقية قادرة على
ابتلاع الحبال والعصي الميتة التي يخيّل للناظرين أنها أفاعي وليس العكس. والاحجار وهي تتحول إلى لؤلؤ حقيقي أثمن وأعزّ من الأحجار التي يُتخيل إلى الناظر انها لؤلؤ دون أن تنقلب حقيقة إلى الحالة اللؤلؤية.
ان مواجهة بهذا الشكل لا قياس بين كفتيها، وان قيس فما هو إلاّ كقياس الصفر إلى المليون عرفاً لا يمكن ان تنتهي إلاّ إلى النتيجة التي أخبر عنها القرآن الكريم وهي: العلو والغلبة للحق والواقع والاندحار والخزي
والذل للباطل والأوهام والخيالات.
ومن قراءة الآيات التالية يتّضح ما قلناه: قال تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلّها فكذّب وأبى. قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى. فلنأتينّك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نُخلِفُه نحن ولا أنت مكاناً
سوىً. قال موعدكم يوم الزّينة وأن يحشر النّاس ضحىً. فتولّى فرعون فجمع كيده ثمّ أتى. قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى. فتنازعوا أمرهم بينهم وأسرّوا النجوى.
قالوا إن هذانِ لساحران يريدان ان يخرجاكم من ارضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى، فأجمعوا كيدكم ثمّ ائتوا صفاً وقد افلح اليوم من استعلى. قالوا يا موسى إمّا ان تُلقي وإمّا أن نكون أوّل من ألقى. قال بل القوا
فاذا حبالهم وعصيّهم يخيّل إليه من سحرهم أنّها تسعى. فأوجس في نفسه خيفة موسى. قلنا لا تخف إنّك أنت الأعلى. وألقِ ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنّما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح السّاحر حيث أتى. فأُلقي السّحرة
سجّداً قالوا آمنا بربِّ هارون وموسى).
ثالثاً: أساليب أخرى مختلفة في المواجهة: ولم يقتصر القرآن الكريم في الوقوف أمام الخصوم في مواجهة السحر على الأسلوبين السابقين بل حاول أن يقطع الطريق على هذه المواجهة من أن تصل إلى غايتها وتترك
أثرها بعدة أساليب مختلفة أخرى منها:
التوكل على الله لابطاله والاستعاذة من شرِّ السحر والسحرة به تعالى لدفعه.
وقد نزلت سورة الفلق لهذا الغرض. إذ إنّ السحر لو كان المقصود منه ابطال دعوة الأنبياء وادعاء ان الساحر يأتي بمثل ما يأتون به (عليهم السلام) وإنّه يقدر على ما يقدر عليه الله عزّ وجلّ فان الله سبحانه وتعالى
سيبطله بصريح قوله الذي حكاه على لسان موسى (ع):
(قال موسى ما جئتم به السحر إنّ الله سيبطله).
فبإضافة هذه الحقيقة القرآنية إلى سائر الموانع الأخرى وكلّها ترجع إلى الله عزّ وجلّ لنصل إلى نتيجة لا يجوز معها الارتياب وهي أنّ هذه المواجهة ما دام الهدف منها تكذيب الأنبياء والسخرية منهم وابطال دعوتهم
فانها محكوم عليها بالفشل والبطلان وعدم التأثير البتة.
واستقراء سيرة الرسول (ص) المنقولة بالطرق الصحيحة والسالمة من تأثير هذه المواجهة لدليل عملي آخر يشهد لذلك، بل هناك ما يؤيّد عدم تأثير السحر في الأنبياء، وهو ما نقله نعمة الله الجزائري (رحمه الله) في
قصص الأنبياء عن قصة نبي الله جرجيس حيث قال:
"فلما أصبح الملك دعاه فجلده بالسياط على الظهر والبطن ثم ردّه إلى السجن ثم كتب إلى أهل مملكته أن يبعثوا إليه بكل ساحر فبعثوا بساحر استعمل كل ما قدر عليه من السحر فلم يعمل فيه".
السحر وعلاقة السلطة الطاغوتية به
إنّ السلطة الطاغوتية تمثل ارادة الشيطان في الأرض، والسلطة الإلهية عبر الأنبياء والأولياء ونوابهم تمثل ارادة الله عزّ وجلّ. ولكل من السلطتين فكر وعقيدة ومنهج. ولما كان البحث عن المناهج في المواجهة نقول
ابتداءً ان منهج الطاغوت ينبع من الأفكار والعقائد الشيطانية كالمكر، والكفر، والتمويه، والخداع، والغش، والتفرقة، والاضلال، والعناد، والهوى، والاستكبار، والحسد، والتمرد على الحق، ومحاربته، والعداوة لله
وللإنسان، ويسير طبق هذه المبادىء والمعالم الخبيثة.
وقد مرّ بنا موقف الشريعة الإلهية منها في البحث عن حقيقة اسحر وموضوعه.
أما موقف السلطة الطاغوتية فيلتقي مواجهة السحر لقاء المعلول بعلته ذلك لان السحر ينفتح على باب واسع ومهم من الصفات الرذيلة التي يريد الطاغوت إلصاقها بدعاة الرسالة للاغرار بهم وحربهم والقضاء عليهم
والخلاص منهم، ولهذا لا نستغرب لو رأينا تاريخ المواجهة بين الجبهتين _جبهة الله عزّ وجلّ وجبهة الطاغوت _ يتصدره استعمال هذه المواجهة من قبل كبراء وطواغيت وحكام جبهة الشيطان، قال تعالى: (كذلك
ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحر أو مجنون).
بل وتتصدره كمواجهة عملية يتجاوز فيها أعداء الرسالة السماوية حدود الاتهام إلى حدود طلب الغلبة وابطال أمر المقابل واعمال الشر فيه، وقد قص لنا القرآن كيف استعان فرعون (لعنه الله) بالسحرة للوقوف أمام
دعوة موسى (ع).
واعلم أن السرّ في اعتماد الطواغيت على السِحر والسحرة في الوقوف أمام الأنبياء ودعواتهم الإلهية يمكن أن يبيّن بنقطتين:
الأولى: ان عقول العوام الذين يمثلون الأكثرية الساحقة وكلمة الرأي العام بالامكان التغرير بها وخداعها من خلال السحر وفنونه. ولكن لما كان للأنبياء (عليهم السلام) علاقة بالله عزّ وجلّ يتم من خلالها ابطال كل
أنواع السحر وفنونه لهذا يلجأ الطغاة إلى اعدام السحرة لانهم لم يحققوا لهم قضية خداع الجمهور والتغرير به، ولانه لم يجيء من ورائهم إلاّ خلاف ما يترقبونه منهم وهو انفضاحهم بشكل علني لا يقبل أي تفسير أمام
الحشود الجماهيرية التي هي هدف الطرفين، إذ طرف الطاغوت يسعى أن تكون وسيلته الضاربة لضرب الباطل وأهله على زعمه. وطرف الأنبياء والهداة يسعى أن ينكشف أمر الطغاة واساليبهم أمام هذه القوى
الجماهيرية والحشود الشعبية لينطلقوا من هذه الحالة في هدايتهم وجذبهم نحو الإيمان بالله والتحرر من اسر الطواغيت وتسلطهم.
والثانية أن السحر على رغم الموقف السلبي للشرائع السماوية منه فهو قضية لها أصالتها في تاريخ الشعوب وفي تاريخ حضاراتهم مغرية للنفوس بل تعوّل عليها أكثر الأمم السابقة في كثير من الأمور.
يقول الدكتور طه الهاشمي بهذا الصدد:
"وما السحر إلا طريق لاستخدام قوى الطبيعة أو تغيرها لتصبح خاضعة لارادة الإنسان بغية المحافظة على رفاهه وصياغة قسمته".
إذن فاستعمال الطواغيت لقوى السحر والسحرة ضد دعوات الأنبياء إضافة إلى ما ذكرناه في النقطة الأولى هو إثارة هذه النظرة الشعبية العريقة للسحر والتي تعدّه بالخصوص الاقوام البدائية من الأمور الدينية،
وطرحها كقضية مقدسة تعبر عن ارادة هذه الأقوام ومعتقداتهم، وغاية ما يتذرّعون به للدفاع عمّن يريد بهم شراً، كما يصوِّر لهم الطاغوت، كاخراجهم من ارضهم، وتغيير دينهم، وترك ملتهم وان كان ساحراً بزعمهم.
قال تعالى وهو يبين حكاية هذا الأمر: (قال الملأ من قوم فرعون إنّ هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون).
كل ذلك من أجل أن يحرِّف الصراع الرسالي القائم والمستهدف لوجود الطواغيت ووجود نظامهم وطغيانهم وكفرهم خاصة، ولكونه يستهدف ما يمثل ارادة هذه الاقوام واعتقاداتهم وتراثهم وشعورهم ورأيهم العام
وليضعوا الأنبياء في حالة صراع بالتالي مع البشر الذين جاءوا لهدايتهم وخيرهم وسعادتهم ومن أجل ان تثار ذهنية الجماهير لاستخدام السحر كوسيلة للمقاومة والظفر والخلاص وقد حصل هذا بالفعل حيث حكى
القرآن ذلك بقوله تعالى: (فلنأتينّك بسحرٍ مثله). هذا ما يقصدونه في اعلامهم الخارجي، ولكن حينما يخزون ويندحرون بعد ما يرون السحرة يستسلمون ويسجدون لقوى الإيمان والأنبياء وهم يشاهدون المعاجز الالهية
العظيمة يعلنون حين ذاك عن نواياهم وهي الكفر بما جاء به السحرة بل واتهامهم بأنهم متآمرون مع خصمهم على اخراجهم هم _أي اخراج الطواغيت لا غيرهم _ من الأرض والملك والسلطة، وبأنهم تلامذة لهذا
الخصم والمعلم الكبير، من أجل الالتفاف على ما أحدثته المعجزة من انقلاب في عمق هذا الانسان تجاه الطاغوت وقدرته وتجاه مصيره وبقائه، وتجاه ما يملك الخصم من قوة وقدرة فائقة لا يمكن ان تفسر بالسحر بأيّ
وجه من الوجوه، وما ستؤول اليه هذه القوة من الانتصار والغلبة على نفس الطاغوت مهما أُوتي هذا الطاغوت من حيل ومكائد وأساليب ملتوية.
وهكذا هي طريقة الطواغيت يتبنون في الظاهر قضايا شعوبهم وجماهيرهم ولكنهم في الواقع يضعونهم دروعاً يختلون من ورائها ويحتمون بها شخصياً ويحمون بها ملكهم وملذاتهم، ولكن حينما تبدو هذه الدروع غير
قادرة على حمايتهم، إذ ليس من الضروري أن يكونوا قادرين على حمايتهم في كل الأحوال سرعان ما ينهالون عليهم بالتعذيب والصلب والسجن والقتل والتمثيل بهم وفي أدنى الاحوال بالتهديد والوعيد وخنق
الأنفاس والحريات.
---------------------------
خطط الانبياء والمواجهة

Heba Khled
08-31-2011, 05:25 AM
المسئولية الإنسانية من منظور الاختلاف المذهبي
د. منى أحمد أبو زيد


تمهيد:
نتناول في فصل المسئولية الإنسانية الأفعال التي تصدر عن الإنسان سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة (متولدة)، وتحديد مسئولية الإنسان أمر هام لتحديد نطاق الفاعلية الإنسانية وعلاقتها بالأسباب والمسببات من
جهة، ومن جهة أخرى لتحديد الجزاء المستحق على هذه الأفعال، فالأفعال الحرة هي الدليل على حرية الإنسان، وبقدر ما يمارس الإنسان الحرية في الفعل بقدر ما تقدر قيمة هذه الحرية، إلا أن الحرية ليست بدون
مقابل، بل الحرية يترتب عليها مسئولية، وهذه المسئولية يترتب عليها الجزاء.
ـ أولاً: إثبات الفاعلية الإنسانية
يعرف الطوسي الفعل بأنه «ما وجد بعد أن كان مقدوراً، والفاعل من وجد مقدوره»، وتنقسم الأفعال بحسب صدورها عن فاعليها إلى أفعال مخترعات، وأفعال مباشرة، وأفعال متولدة، المخترع هو الذي يحدث لا في
محل، والمباشر هو ما يحدث بسبب القدرة في محل القدرة، والمتولد هو ما يحدث بسبب فعل آخر.
القسم الأول وهو الفعل المخترع يختص به الله وحده، لأنه هو الذي أوجد الأشياء بقدرته، وهذا القسم لا خلاف فيه بين المتكلمين، فقد اتفقوا على أنه فعل لله وحده.
القسم الثاني: وهو الفعل المباشر، وهو يصدر عن القادرين من الناس، وقد اختلف فيه المتكلمون، وانقسموا إلى اتجاهين، أحدهما ينسب الأفعال كلها إلى الله، سواء كان فاعلها بقدرته أو بقدرة العبد التي اكتسبها من
الله أو بنية العبد، والاتجاه الآخر نسب الفعل المباشر إلى الإنسان، وإن تعددت بعد ذلك حدود هذه الفاعلية بحسب اختلاف قدرة الإنسان على فعل الأعراض، هل هي فاعلية على الألوان فقط أم الألوان والأصوات، أم
أكثر أو أقل؟
القسم الثالث: وهو الفعل المتولد، وهذا القسم حدث فيه اختلاف بين مَن أقر الفاعلية للإنسان عند أصحاب مذهب الحرية.
وكانت فرقة المعتزلة من أهم الفرق التي اهتمت بتحديد موقفها من الأفعال الإنسانية مباشرة أو متولدة، ويشير الأستاذ الدكتور سامي نصر لطف إلى هذا قائلاً: إن المسئولية تتوقف على القدرة الإنسانية في الفعل
والترك، وتتوقف على الاختيار .. والسبب الأساسي في اهتمام المعتزلة بالفعل المتولد كان لتحديد نطاق المسئولية الإنسانية ... هل تشتمل على الأفعال المباشرة فقط بوصفها أفعالاً صادرة عن قصود الإنسان ودواعيه
... أم تشتمل المسئولية على تلك الأفعال غير المباشرة التي تترتب على أفعال الإنسان، أي تشتمل على المتولدات؟.
واستعرض الشريف المرتضى المذاهب الباحثة في الفعل الانساني وأرجع الخلاف بينها في الفعل الاختياري لتحديد المسئولية فيه، إذ أنهم قد اتفقوا في جانب واختلفوا في جانب، اتفقوا جميعاً على أن الفعل
الاضطراري ليس عن فعل الإنسان، واختلفوا في الفعل الاختياري.
والفعل الاضطراري هو ما يحدث في أجسام العباد مثل اللون والهيئة وغيرها من صفات جسمانية، وقد أجمع المسلمون على أن هذه الأفعال هي فعل لله تعالى لا فعل للعبد فيه، وهذه الأفعال لا تشترط في محلها لا
الحياة ولا القدرة أو الاختيار، فقد تظهر على الجمادات أو النباتات أو الحيوانات.
أما الفعل الاختياري، وهو ما يستلزم الحياة والقدرة والاختيار فهو ما حدث فيه اختلاف، وهذا الفعل مثل قيامنا وقعودنا، سكوننا وحركاتنا وغير ذلك من تصرفات، واختلفوا في هذا إلى طرفين:
الطرف الأول: أخذ به جمهور أهل السنة والجبرية قائلين: «إن أفعال المحدثات نوعان ضروري واختياري ... وموجدها كلها هو الله تعالى».
الطرف الآخر، مثّله المعتزلة، ومعهم الاثني عشرية، فترى المعتزلة أن العباد فاعلون لتصرفاتهم حادثة من جهتهم، «وأن كل مَن قال إن الله سبحانه خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه».
أما الاثني عشرية فقد وقفوا إلى جانب المعتزلة وأثبتوا الأفعال للإنسان، فيذكر الشيخ المفيد هذا الأمر نافياً أن يكون الله فاعلاً لأفعال الإنسان، لأن الله عنده «جلّ عن مشاركة عباده في الأفعال ... وتعالى عن
اضطرارهم إلى الأعمال».
وقدم كل طرف أدلته العقلية والنقلية التي تؤكد موقفه، ولعل شدة الخلاف في هذه المسألة تعود إلى شبهة التعارض فيها على المستوى العقلي والنقلي، حيث أكد كل طرف موقفه بناء على العقل والنقل، هذا التعارض
لاحظه ابن رشد بعد ذلك وسجله قائلاً: «إنه إذا تؤمت دلائل السمع في ذلك وجدت متعارضة، وكذلك حجج العقول»، وهذا ما أكده عنه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي في كتابه عن ابن رشد، ولننظر إذن كيف عالج
الاثني عشرية مذهبهم في الفاعلية الإنسانية من جهة الأفعال المباشرة وغير المباشرة.
ـ ثانياً: مسئولية الإنسان من الأفعال المباشرة
وقف أصحاب الحرية وأصحاب الجبرية أمام الفعل الإنساني موقفين متعارضين، وسلّم كل منهما بأن موقفه هو الأسلم من الناحية العقلية والنقلية، باعتبار أنه هو الموقف الضروري الذي لا يحتمل أي لبس أو خطأ،
صرّح أصحاب الموقف الأول، المعبر عن الجبرية بأن «الدلائل الضرورية توجب أن يكون موجد الأفعال (الإنسانية) هو الله تعالى».
على حين اعتقد الفريق الآخر المثبت للحرية الإنسانية أن إثبات الفاعلية للإنسان من الأمور البديهية التي لا تحتاج إلى برهان، يقول الشريف المرتضى: «كان الأولى أن لا ندل على هذه المسألة ـ أعني أن أفعال
العباد فعلهم ـ لأن المنكر لذلك ينكر المحسوسات التي قد تبين صحتها»، وعلى الرغم من تسليم كل طرف في بداية موقفه برأيه، إلا أنه يلجأ إلى إيراد الأدلة العقلية والنقلية التي تؤكد ذلك.
دلل الاثني عشرية على صحة موقفهم بكل وسائل التأكيد الممكنة من «كتاب الله تعالى، ومن أخبار رسول الله (ص) ومن إجماع الأمة ومن حجج العقول».
(أ) أدلة من القرآن الكريم:
استعرض الاثني عشرية الأدلة القرآنية التي تثبت الحرية، ولكن واجهتهم أدلة أرخى قدمها أصحاب مذهب الجبر لإثبات فكرهم، فبدأ الاثني عشرية بتفنيد أدلة الخصوم من طريق تقديم تأويلات معينة قبل أن
يشرعوا في تقديم أدلتهم.
نقد أدلة الجبرية:
ذهب دعاة الجبرية، سواء كانوا جبرية خالصة من أتباع جهم بن صفوان، أو جبرية مقنعة من أتباع الأشاعرة ومَن اتفق معهم إلى أن الآيات القرآنية تؤكد أن أفعال الإنسان هي من الله تعالى، ومن الأدلة التي قدموها
ونقدها الاثني شعرية ما يلي:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (الله خالق كل شيء) فالموجودات كلها، ومنها الإنسان هي خلق الله بأجسامها التي هي جواهر، وأعراضها أي صورها وما يصدر عنها من أفعال، فيكون فعل الإنسان بناء على هذه الآية من خلق الله
تعالى وفعله.
ورفض المرتضى هذا التأويل، ورأى أن معنى خلق كل شيء لا يعني خلق أفعال العباد وإنما المقصود من هذه الآية خلق السماوات والأرض، الليل والنهار، الجن والإنس وما أشبه ذلك، فخالق كل شيء مما خلقه لا
مما فعله عباده، لأنه لا يجوز أن يفعل العباد خلق رب العالمين.
ورد المرتضى عليهم حجتهم قائلاً: إنّه لو كانت أفعال العباد خلق الله لوجبت أن تكون كل هذه الأفعال حسنة لا تظهر فيها القبائح تبعاً لقوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) فيجب حينئذ أن يكون الشرك حسناً،
وكذلك الظلم والكذب والفجور والفسوق، لأن ذلك كله عندهم خلق الله، وإذا كانت هناك قاعدة سبق أن اعتمدها الاثني عشرية وهي نفي القبائح عن الله وأفعال العباد يظهر فيها القبائح فلا يصح أن تكون صادرة عن
الله تعالى.
ولكن نسي المرتضى أن هذه القاعدة تصلح عندهم، ولا يعترف بها أصحاب المذهب الذاهب إلى أن أفعال العباد من خلق الله، فإذا أراد أن يحاج خصومه لابدّ أن يحاججهم على قاعدتهم ومسلماتهم، ولا يحاججهم على
ما صرّح هو به ولم يوافق عليه الخصوم.
الدليل الثاني:
قال تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) الصافات آية 96، وفكرة هذه الدليل تتشابه مع فكرة الدليل السابق، وهي أن الأعمال من الأعراض، وهي أدق من الأجسام، فلما كان لا يستطيع أحد أن يقدر على إحداث الأجسام
سوى الله، فكذا الاعراض، وإذا كان موجد الأفعال هو الله تعالى كان موجد الحركات هو أيضاً الله تعالى.
وقد أشار الشريف المرتضى إلى أن مناسبة نزول هذه الآية، أنها ذكرت في قصة سيدنا إبراهيم عندما حاج قومه فقال لهم: (لِمَ تعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) فلقد نحتم خشباً ثم عبدتموه، وهذا خطأ، وذكر
على جهة التوبيخ، لأن الله خلقكم وخلق ما تصنعون منه إلهتكم، أي الأصنام التي حل فيها تصويراتكم.
ثم يعكس المرتضى هذا الدليل عليهم، قائلاً: إنا نرد هذا الكلام عليهم فنقول لهم: إذا زعمتم أن كفرهم خلقهم، وقال إبراهيم محتجاً عليهم في قولهم إنّ الله خلق أعمالهم فلم لم يقولوا: يا إبراهيم إن كان الله خلق فينا
الكفر، لا يمكننا أن نرد ما خلق فينا، ولو قدرنا لفعلنا، وأنت تأمرنا بأمر لم يخلقه الله فينا، «إن كفرهم غير خلق الله، ولو كان خلق الله ما عذبوا عليه ولا نهوا عنه».
وفي موضع آخر قدم الشريف المرتضى تفسيراً لهذه الآية يؤدي إلى نفس المعنى ولكن بصورة أخرى، فيقول: حمل أهل الحق هذه الآية على أن المراد بقوله (ما يعملون) أي وما تعملون فيه من الحجارة والخشب،
مما كانوا يتخذونه أصناماً ويعبدونها.
ونفس التأويل أخذ به الشيخ الطوسي أيضاً ورأى أنّ قوله تعالى: (خلقكم وما تعملون) المراد به الأجسام، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام دون أفعالهم فيها، فعنّفهم الله تعالى بأن قال: أتعبدون ما تنحتون من الأجسام؟ والله
خلقكم وما تعملون من الأجسام التي تنحتون فيها الأصنام، وتقدير الكلام وما تعملون منه، على أنه يضاف المعمول إلى أنه عمل الصانع، يقال هذا الباب عمل النجار، فيضيفون المعمول فيه إلى العامل، وذلك مجاز.
وهذه الآية أيضاً سبق أن تعرض لها أصحاب مذهب الحرية من المعتزلة، وقدموا تأويلاً لها يوافق القول بالحرية، فنجد القاضي عبدالجبار يستند في تأويل هذه الآية إلى فكرة السياق من ناحية وإلى تقدير محذوف في
الكلام من ناحية أخرى، السياق لأن الله إنما ذكر ذلك ليقرع به عباد الأصنام، فأراد الله تعالى أن يبين أنه الخالق لما يحاولون عبادته، كما أنه الخالق لهم، وأنه أولى بالعبادة من الأصنام، والمحذوف يظهر في معنى
الآية أن الله خلق الإنسان وما يعمل فيه من المواد كالخشب والحجارة وغيره، أما عمله نفسه في هذه المواد فهو من خلقه ولا يدخل تحت منطوق الآية، وهكذا يصبح تقدير المحذوف والحذف مجاز وسيلة التأويل
والعدول عن الظاهر.
ينتهي الشريف المرتضى من نقد أدلة الخصوم بتقديم تأويلات تخدم تصوراته، مؤكداً أن معنى خلق الله لأعمال العباد يعني أنه مقدّر لها، ومعروف مقاديرها ومراتبها وما يستحق عليها من الجزاء ولا يمتنع أن يقال:
«إنّه خالق للأعمال على هذا المعنى، إذا ارتفع الإبهام وفهم المراد».
ـ أدلة الحرية:
أشار الاثني شعرية إلى أنّ القرآن مملوء بآيات كثيرة تثبت الفعل الحسن إلى الله، وتنسب الفعل الرديء إلى الإنسان، فكثيراً ما نقرأ ألفاظاً مثل إنهم «يصنعون» و «يفعلون» و «يكسبون»، فلو كانت هذه الأفعال
كلها لله لبطلت هذه الإضافات إلى الإنسان، وكانت كذباً، وهذا ما أشار إليه الطوسي عندما رأى آيات متعددة تضيف الفعل إلينا، فمن نفى الفعل عنا فقد خالف القرآن.
الدليل الأول: اعتمد الشريف المرتضى على قوله تعالى: (وما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك)، وهذا قول صريح بأن السيئة صادرة عن الإنسان والطاعة وإن كانت من فعل الإنسان فقد
يصح أن يضيفها إلى الله من حيث التمكين منها والتعريض لها، والدعاء إليها، وهذه أمور تحسن هذه الإضافة، ولا يجوز ذلك في السيئة لأنه تعالى ينهي عنها ومنع من فعلها، أو أن من صور اللطف الإلهي أن يسّر
للإنسان الطاعة من حيث العقل والتكليف وبعثة الأنبياء وتحديد الأئمة.
الدليل الثاني: هذا الدليل يقوم على فكرة الاتقان لقوله تعالى: (صنع الله الذي أتقن كل شيء)، فلما لم يكن الكفر بمتقن ولا بمحكم علمنا أنه ليس من صنعه، والدليل على ذلك تؤكده آية أخرى في قوله تعالى: (ما ترى
في خلق الرحمن من تفاوت)، فلما كان الكفر متفاوتاً متناقضاً علمنا أنه ليس من خلق الله تعالى.
وكُتُب الاثني عشرية مشحونة بآيات عديدة تثبت الحرية، وأن الله ليس فاعلاً لأفعال عباده، نجد هذا عند الشريف المرتضى الذي انتهى بعد حصر عشرات الآيات التي تثبت الحرية إلى القول: «لو قصدنا إلى
استقصاء ما يدل على مذهب أن الله لم يفعل الظلم والجور والكذب وسائر أفعال العباد لطال بذلك الكتاب».
وهذه الآيات أيضاً ذكرها الطوسي ليؤكد ذكرة الاثني عشرية عن الحرية مشيراً إلى أن القرآن يؤكد ذلك، لأنه تعالى قال: (جزاء بما كانوا يعملون)، وقوله تعالى: (جزاء بما كانوا يكسبون)، وقوله تعالى: (فمن يعمل
مثقال ذرة خيراً يره، ومَ، يعمل مثقال ذرة شراً يره)، وقوله تعالى: (ومَن يعمل بسوء يجزيه)، وقوله تعالى: (ومَن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً) وغير ذلك من الآيات التي أضاف الفعل فيها إلينا.
(ب) أدلة من السنة النبوية (ومن الأئمة):
كما حرص الاثني عشرية في تأكيد الحرية الإنسانية الاعتماد على آيات قرآنية تؤكد الأدلة النقلية، كان حرصهم كذلك أن يدعموا ذلك بأدلة نقلية أخرى مستند إلى السنة النبوية الشريفة، فذكروا مجموعة من الأحاديث
النبوية.
ولا تختلف الشيعة الاثني عشرية عن أهل السنة في قيمة الاعتماد على الأحاديث النبوية كمصدر من مصادر التشريع، فمن مصادر التشريع عندهم ـ كما هي عند بقية المسلمين ـ الكتاب والسنة، ولكن الاختلاف بينهم
هو ما هي الأحاديث الصحيحة عند كل طرف، وسلسلة الرواة التي يعتمدها كل منهم، لا يرفض الاثني عشرية الأحاديث النبوية التي تعتمدها الفرق الأخرى طالما أن منطوق هذه الأحاديث لا تخالف اعتقاداتهم، وإن
كانت لهم مصادرهم الخاصة في الاعتماد على السنة، وكتب خاصة يرجعون إليها عند الاحتجاج بالأحاديث.
وتحوي كتب الاثني عشرية العديد من الأحاديث النبوية التي تؤكد فكرة الحرية على سبيل المثال: قول رسول الله (ص): «أضمنوا لي أشياء أضمن لكن الجنة، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: لا تظلموا عند قسمة
مواريثكم ... ولا تحملوا على الله ذنوبكم».
ـ روي عن أبي هريرة أنه قد جاء رجل إلى الرسول (ص) وسأله قائلاً: يا رسول الله متى يرحم الله عباده؟ قال (ص): «يرحم الله عباده ما لم يعملوا بالمعاصي ثم يقولون هي من الله».
ـ روي عن النبي (ص) أنه قال: «خمسة لا تطفأ نيرانهم ولا تموت ديدانهم: رجل أشرك بالله ... ورجل حمل على الله ذنبه».
ـ وروي عنه أنه (ص) قال: أتاني جبرئيل فقال: «يا محمد خصلتان لا ينفع معهما صوم ولا صلاة: الإشراك بالله، وأن يزعم عبد أن الله يجبره على معصية».
ـ وروي عن أنس أنه قال: قال رسول الله (ص): «سيكون في هذه الأمة أقوام يعملون بالمعاصي ويزعمون أنها من الله، فإذا رأيتموهم فكذبوهم ثم كذبوهم».
(ج) الإجماع:
يشير الشريف المرتضى إلى أن جوهر الإسلام هو إثبات الحرية، وأن ما ظهر من جبر كان بعد فترة من ظهور الإسلام ونتيجة لظروف معينة، سواء كانت من السلطة الحاكمة، أو من ضعف إيمان بعض المسلمين،
أو تدخل أمور خارجية لنشر هذه العقيدة، وإذا رجعنا إلى كل ما ذكر من الصحابة والتابعين، وأئمة آل البيت وعلماء المسلمين، سنجد إجماعاً على أن المذهب الصحيح هو القول بالحرية، وأن القائلين بالجبر يُعدّون
قلة بالنسبة إلى عامة المسلمين.
ولم يتناول الشريف المرتضى هذا الإجماع بشكل تفصيلي، ولكن اكتفى بذكر العلماء الذين أكدوا مذهب الحرية.
أما فكرة الإجماع نفسها التي تؤكد الحرية يعرضها الشريف المرتضى في ثنايا عرضه للأدلة العقلية، فيتناول في هذه الأدلة أفكاراً يسلم بها أغلب المسلمين، فكأن الإجماع بني هنا على تصورات عقلية لإثبات الحرية.
وقد تردد الاثني عشرية أمام الإجماع كمصدر من مصادر التشريع وتناولوا طرق ثبوت الاجماع في عصر من العصور بعينه، فزعم بعضهم أنه لا سبيل لمعرفة ما أجمع عليه الصحاب لبعد الزمان، ويقولون إن العلم
بالاجماع في حكم من الأحكام بعينه في الأزمان المتأخرة عن طريق لنقل وهو موقوف على معرفة المجتهدين واحصائهم ليدخل كل مجتهد في جملة المجتمعين، وليمكن القول بأنه قد حصل اجماع كاشف عن قول
الإمام في هذه المسألة.
وربما الاجماع الذي قصده المرتضى هنا هو أن يكون سند الاجماع هو العقل إذا بني على الحسن الذاتي أو القبح الذاتي، أو على تخريج أو استنباط أو تفريع واضح المأخذ يجري فيه الاتفاق بين جماهير علمائهم
مهما ابتعدت بهم الأقطار.
ولكن إذا كانت فكرة اجماع المسلمين على مذهب الحرية في الفترة التي عاش فيها الشريف المرتضى في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فكيف الحال، الآن قد تغلبت مذاهب الأشاعرة على أكثر بلاد المسلمين،
وبالتالي أكدت فكرتها المخالفة للحرية فهل الاجماع الذي قصده الشريف المرتضى يصلح الآن أيضاً، أما أنه اجماع كان صالحاً في عصره فقط؟!
(د) الأدلة العقلية:
وكما اعتمد أصحاب مذهب الحرية على العقل لإثبات الحرية الإنسانية، اعتمد أيضاً أصحاب مذهب الجبر على العقل لإثبات أن الإنسان مسيّر لا فعل له، وحرص أصحاب مذهب الحرية على تفنيد أدلة الخصوم
العقلية ليتسنى لهم بعد ذلك تقديم أدلتهم.
نقد أدلة الجبرية:
وضع الاثني عشرية أصحاب مذهب الجبر، سواء من أصحاب جهم بن صفوان، أو من أصحاب نظرية الكسب، في طائفة واحدة مطلقين عليهم اسم المجبرة أو الجبرية، إحداها هي الجبرية الخالصة، والأخرى هي
الجبرية المتوسطة، في حين أن الشهرستاني يخرج أصحاب نظرية الكسب عن الجبرية قائلاً: «فالجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلاً ولا قدرة على الفعل أصلاً، والجبرية المتوسطة هي التي تثبت للعبد
قدرة غير مؤثرة أصلاً، فأما مَن أثبت للقدرة الحادثة أثراً ما في الفعل، وسمى ذلك كسباً فليس بجبري».
وقد هاجم الاثني عشرية أصحاب نظرية الكسب ووضعوهم جنباً إلى جنب مع أصحاب مذهب الجبر، ونحن نتفق مع الأستاذ الدكتور سامي نصر لطف في أن الكسب مرادف للجبر، وقد عرف المكتسب بأنه «
المجبر على فعله لأنه لا يجوز لمن اكتسب أن لا يكتسب لأنه مسلوب الاختيار الذي يعطيه الحرية في الفعل أو الترك».
وكان الحسين بن محمد النجار أول المتكلمين الذين قالوا بنظرية الكسب ثم أخذ بها بعد ذلك الأشعري وفرقته، وفرقة الماتريدية، وإن اختلفوا بعض الشيء عن الأشاعرة في حدود الكسب إلا أنهم اتفقوا معاً على أن
الإنسان ينال جزاؤه بناء على نيته أو قدرته التي أكسبه الله إياها عند خلق الأفعال.
عرف الباقلاني الكسب بقوله: «معنى الكسب أنه تصرف في الفعل بقدرة تقارن في محله فتجعله بخلاف صفة الضرورة»، فالكسب هو الاقتران العادي بين القدرة الإنسانية الحادثة والفعل، والله قد أجرى العادة بخلق
الفعل عند إرادة الإنسان، فإذا أراد العبد القدرة وتجرد لها خلق الله له في هذه اللحظة قدرة على الفعل مكتسبة من العبد مخلوقة من الرب، فيكون الفعل خلقاً من الله وكسباً من العبد، يقول البغدادي: «إن أفعال العباد
اكتساب لهم من الله، لأن الله عزوجل خالقها، كما أنه خالق الأجسام والألوان والطعوم والروائح لا خالق غيره، وإنما العباد مكتسبون لأعمالهم»، فالله خالق الكسب والعبد مستفيد من الكسب.
وقد حاول أصحاب هذا المذهب أن يوفِّقوا بين أن يحدث الفعل بقدرة الله تعالى وفاعليته خلقاً وإبداعاً مع نسبة الفعل بوجه ما إلى الاستطاعة البشرية حتى يوجب على العبد المسئولية والجزاء، يقول اللامشي: «وأما
أهل السنة فقد تمسكوا بفصل الأمر والنهي والثواب والعقاب ... فجعلوها مضافة إلى العباد كسباً واختياراً وإلى الله تعالى تخليقاً وإيجاداً».
فالدافع الأساسي الذي دفع أصحاب نظرية الكسب إلى أن يخففوا من القول بالجبر هو وجود الثواب والعقاب، فكيف يحاسب الإنسان على أفعال لم يفعلها، فقالوا إن الإنسان يختار هذه الأفعال بالنية أو بالقدرة
المكتسبة، وعلى أساس هذا الاختيار يقوم الله بخلق الفعل وينسب إلى الإنسان، ويكتسب الإنسان الجزاء من نتيجة هذا الفعل.
وحاول الباقلاني أن يضيف أبعاداً جددة لنظرية الكسب تبعدها عن الجبرية، فحاول التفرقة بين الأفعال الاختيارية والأفعال الاضطرارية، إذ يعرف الإنسان من نفسه الفرق بين قايمه وقعوده، فالكسب عنده «تصرف
في الفعل بقدرة تقارنه في محله فتجعله بخلاف صفة الضرورة، وكل ذي حس سليم يفرق بين حركة يده على طريق الاختيار وبين حركة المرتعش».
والكسب عند الماتريدية له نفس المدلول، فالفعل الذي يقوم به العبد نوعين، نوع يوجده الله تعالى فيه بدون قدرته واختياره، كحركة المرتعش، والثاني يوجده الله تعالى مع ارادته وقدرته، كالحركات الاختيارية، وسمي
هذا النوع الثاني كسباً، إلا أننا نشير بإيجاز إلى أن نظرية الكسب الأشعرية أقرب إلى الجبرية من النظرية الماتريدية، إذ يتيح الماتريدية اكتساب القدرة للانسان لحظة الفعل لكي يختار أن يفعل، فالقدرة عندهم لها
بعض الدور بخلاف التصور الأشعري الذي حرص إما على القول أن الإنسان اكتسب جزاءه بالنية أو بالقدرة المكتسبة لفعل ما بطريقة معينة.
وقد ساوى الاثني عشرية بين فكرة الكسب وفكرة النية، وروا أن الكسب لا يصلح أن توصف به الأعمال ولا يقع عليه الجزاء، لأن الكسب يقع على النية، والجزاء ليس عن النية ـ خاصة في الأفعال الرديئة ـ وإنما
على الفعل وحده، يقول الشيخ المفيد: مَن عمل بما افترض الله عليه فهو من خير الناس، فالأعمال وحدها هي التي تقدر عليها الجزاء وليست النية.
وهذا ما أكده بعده الشريف المرتضى عندما رأى أن المسئولية في الفعل تقع على العمل وليست على النية، لأن النية لا ترقى إلى مستوى العمل، بل وتختلف عنه، يقول المرتضى: «النية لا تسمى في العرف عملاً،
وإنما تسمى بالأعمال أفعال الجوارح ولهذا لا يقولون عملت بقلبي، كما يقولون عملت بيدي».
ويرد الشريف المرتضى على الحديث النبوي القائل: (إن نية المؤمن خير من عمله)، وهو الحديث الذي اعتمده أصحاب الكسب عندما ربطوا بين معنى الكسب والنية، مدللاً على أن ما يوصف بأنه خير من غيره هو
ما يقع على العمل فقط، فيوصف فعل ما بأنه خير من غيره إذا كان ثوابه أكثر من ثوابه، فكيف يجوز أن تكون النية خير من العمل، ومعلوم أن النية أخفض ثواباً من العمل، ووضع تأويلاً لهذا الحديث يقول فيه: إنه
«يجوز أن يكون المعنى أن نية المؤمن خير من علمه العاري من نية».
وسار الشيخ الطوسي على نفس الخط في نقد مذهب الكسب قائلاً: «ومتى قيل إن أفعالنا تحتاج إلينا في كونها كسباً دون الحدوث، قلنا ذلك باطل ... والكسب الذي يدعونه غير معقول فكيف تتعلق الحاجة به، ويترك
الحدوث الذي هو أمر معقول ومعلوم، والكسب ليس بمعقول ولا معلوم».
فالشيخ الطوسي، يرى أن فكرة حدوث الأفعال عن الإنسان فكرة واضحة جلية مذكورة ومؤكدة بالأدلة النقلية والعقلية، فكيف يرفضها أصحاب مذهب الجبر ويستبدلون مكانها فكرة ليست مذكورة بالأدلة النقلية ولا
تؤكدها الأدلة العقلية، وإن كنا نرى أن في هذا ظلم لأصحاب نظرية الكسب، لأنهم حاولوا أن يوجدوا أسانيداً لمعنى لفظ الكسب من الآيات القرآنية، وحاولوا أن يؤكدوها بأدلة عقلية وأخرى نقلية، مثل ما قالوا لا
يصح صدور فعل عن فاعلين أو خالقين،فهذه محاولة سواء كانت ناجحة أو غير ناجحة إلا أنها كانت الملائمة لتصورهم لدور الله في العالم وتدخله المستمر في كل ما يصدر عن الكائنات، سواء العاقلة أو غير العاقلة
عندما نسبت الفاعلية في العالم إلى الله وحده.
ـ أدلة الحرية:
يعتمد الاثني عشرية على عدد من الأدلة العقلية التي تثبت الحرية، ونجد أن أغلب أفكار هذه الأدلة موجودة عند المعتزلة في التدليل على الحرية، مما يؤكد وجود تقارب بين الفريقين يتباعد ويتقارب بحسب ما
يعرضوه من مشكلات وبحسب أصول كل منهم، أما في مسألة الحرية الإنسانية فكان التقارب في أشده، وهذا ما سنلاحظه من خلال أدلة الفرقتين، وهذه الأدلة هي:
الدليل الأول: البرهان الشعوري
يفرق الاثني عشرية بين نوعين من الأفعال، الأول أفعال ضرورية لا دخل للإنسان فيها، والأخرى اختيارية يفعلها الانسان مختاراً، وهى «الأفعال الظاهرة من العباد التابعة لقصودهم وأحوالهم، المحدثون لها دون
الله تعالى».
ودلل الاثني عشرية على الفرق بين الفعلين الضروري والاختياري كالفرق بين الماشي والانسان المسحوب على وجهه، الأول «مشيته مختاراً متعلقة به وبايثاره، وإذا سحب على وجهه كانت الحركة فيه
اضطرارية، فلذلك فرق بينهما».
فالأفعال الاختيارية هي الأفعال التي يقوم بها الإنسان بحسب قصده ودواعيه وترتفع بارتفاع إرادته، وتقع بوقوع إرادته، سواء في حالة الحب أو الكراهة، فهي أفعال صادرة عن الانسان بفعله وعزم إرادته واختياره،
وهي تختلف عن أحوال أخرى تحدث عن الانسان لا دخل له فيها، مثل ألوانه وأطواله وهيئته، ومرضه وصحته، وفلو كان القيام والقعود مثل الطول والهرم والصحة والمرض لكانت أحكام الجميع واحدة في
الحصول بحسب دواعينا، فلما اختلف حكم الجميع علمنا اختلاف حكمها في الإضافة.
وهذا الدليل هو أحد الأسانيد العقلية التي اعتمدها المعتزلة لإثبات الفاعلية الإنسانية معتمدين على فكرة وجود الداعي والقصد، أو يكفي وجود الشعور الذي يحرك الانسان نحو فعلاً ما، فالعقلاء على اختلاف أحوالهم
يعترفون بأن الفاعل المختار إنما تأتي أفعاله بحسب قصده ودواعيه هو، كما أن هذه الأفعال تنتفي بحسب الكراهة والصوارف عنها، والموانع التي تمنع من مباشرتها.
ويظهر نفس الدليل بنفس الصورة عند الشريف المرتضى المتأثر بمعتزلة البصرة وبخاصة القاضي عبدالجبار، إذ أنه كان أستاذه، وقد تأثر به في طريقة الاستدلال، فيقول: «ألا ترى أن أحدنا إذا قصد إلى الأكل
وأراد وعزم عليه وقع منه، فلولا أنه محدث الأكل وموجده ما تعلق بقصده وداعيه وحاجته، ولولا أن هذه الأفعال التي أشير إليها أفعالنا لم يجب أن يقع بحسب حاجتنا وأحداثنا ويقف على دواعينا»، فسبب حدوث
الفعل إذاً هو قصدنا واختيارنا.
الدليل الثاني: الأوامر والنواهي
ويسمى أيضاً بالبرهان التكليفي، فالتكليف الإلهي يقوم على إفعل ولا تفعل، إذ قد أمر الله تعالى عباده بأفعال كثيرة، كالإيمان والطاعة والصلاة والصوم والعبادات، ونهاهم عن أفعال كثيرة، كالشرك والسرقة وشرب
الخمر، وغيرها من النواهي، فلولا أن هذه الأعمال ـ من الأوامر والنواهي ـ في مقدور الإنسان لما صح التكليف.
إذ لا يمكن أن نتصور وجود خطاب إلهي للعباد بأوامر ونواهي دون تصور وجود قدرة يتم بها الفعل أو يتم بها الكف عن الفعل في حالة النهي. ويشير المرتضى إلى أن هذا التكليف يطرح احتمالين لا ثالث لهما، إذا
ظهر بطلان أحدهما صح الآخر.
الاحتمال الأول: أن الإنسان إذا كلف بما لا يفعله، فيكون أمره هنا نوع من السفه لا يجوز على الباري.
الاحتمال الثاني: ينتج من بطلان الاحتمال الأول أنه إذا كلف الانسان فلابدّ له من حرية واختيار وفعل ليصح المخاطبة بالتكاليف، «ولم يجز أن يأمرهم بأن يفعلوا أطوالهم وقصرهم وألوانهم وصورهم، علمنا أن هذه
الأمور فعل الله، وأنّ الطاعة والمعصية والإيمان والكفر فعل العباد».
الدليل الثالث: المدح والذمّ
أننا وجدنا العباد يُمدحون ببعض الأُفعال، يذمون ببعضها الآخر، فهم يمدحون بفعل الطاعات وأداء الواجبات، كما يمدحون على الإحسان والأنعام، ويذمون بالمعاصي والقبائح، ولولا أن ذلك من أفعالهم واختيارهم لما
توجه إليه مدح ولا ذم، كما لا يصح أن يمدحوا أو يذموا بألوانهم وهيئاتهم، ولا على ما يقع من غيرهم من الأفعال.
وهذا الدليل أيضاً اعتمده المعتزلة كدليل على إثبات الفاعلية الإنسانية، فقد فرق القاضي عبدالجبار بين ما يجب المدح والذم من الأفعال، وما لا يجب، باعتبار أن الإنسان مسئول عن النوع الأول من الأفعال، وغير
مسئول عن النوع الثاني، فالنوع الأول يتحقق فيه شروط التكليف فيكون مسئولاً عنها، وتنعدم مسئوليته إذا غابت هذه الشروط أو غاب شرط منها، فلا يذم الأعمى لعدم تمييزه الألوان، لأنه فقد شرط الرؤية، ومن ثمة
«فلا يحسن هنا أن نقول للطويل لم طالت قامتك ولا للقصير لما قصرت؟ كما يحسن أن نقول للظالم لم ظلمت، وللكاذب لم كذبت؟، فلولا أن أحدهما متعلق بنا وموجود من جهتنا بخلاف الآخر، وإلا لما وجب هذا
الفصل».
الدليل الرابع: وجود قبائح في أفعال البشر
يظهر في أفعال العباد ما هو كفر وظلم وقبح وكذلك باقي الأفعال القبيحة والمعاصي، فلو كان الله هو الفاعل لتلك الأفعال لوجب أن يكون من حيث فعل الظلم ظالماً، بفعله الكفر كافراً، وبفعل القبيح مقبحاً، وقد أجمعت
الأمة على أنه تعالى لا يوصف بأنه ظالم أو غيرها من صفات، وكل مَن وصفه بذلك وسماه به كان خارجاً عن الدين، وإجماع المسلمين على هذا حجة على أن الله لا يفعل شرور العباد، وإنما هم فاعليها، فإذا كان
هناك صنف من أفعال العباد تنسب إليهم، والأفعال الإنسانية من جنس واحد، صح أن تنسب بقية الأفعال بما فيها من طاعات ومعاصي إليهم.
الدليل الخامس: الثواب والعقاب
وهذا الدليل أيضاً أسنده الاثني عشرية إلى إجماع الأمة، وهو أنهم قد اتفقوا على أن الله تعالى يثيب المؤمنين ويعاقب الكافرين، فلولا أن الإيمان والكفر من فعل المؤمن والكافر لم يحسن الثواب، لأنه قبيح، يثاب
العاصي ويعاقب المطيع، الدليل على ذلك لو فعل أحدنا فعلاً في عبده لما حسن أن يعاقبه عليه، ويؤاخذه به، ومَن فعل ذلك عدّ ظالماً وسفيهاً، تعالى الله عن ذلك.
ولو كان الله هو فاعل أفعال العباد «لا يجوز أن يعذب العباد على فعله، ولا يعاقبهم على صنعه، ولا يأمرهم بأن يفعلوا ما خلقه، فلما عذبهم على الكفر وعاقبهم على الظلم وأمرهم بأن يفعلوا الإيمان علمنا أن الكفر
والظلم والإيمان ليست من فعل الله ولا صنعه».
الدليل السادس: بعثة الأنبياء
أشار الشريف المرتضى إلى أن وجود بعثة للأنبياء كي يرشدوا البشر إلى فعل الخير ويحذروهم من ارتكاب الشر لهو خير دليل على أن للإنسان قدرة واختيار للفعل، أما نسبة الأفعال كلها إلى الله سيؤدي إلى أن «
يبطل الثقة بصدق الأنبياء (ع)، ويقتضي الشك في جميع الشرائع والخروج من دين الإسلام، بل من سائر الأديان.
الدليل السابع: العبادة
إن القول بأن الله تعالى هو الفاعل لأفعال الإنسان الظاهرة يقتضي أنه لا نعمة له تعالى على الكافر، وإذا لم تكن له نعمة لم تجب عبادته على الكافر، لأن العبادة وسيلة للشكر، «ومَن لا نعمة له فلا شكر يستحقه ولا
عبادة».
فالله تعالى ليس هو فاعل أفعال الإنسان الظاهرة، بل هذه الأفعال تنسب إلى فاعليها من البشر، ويستخدم الشريف المرتضى طريقة الاحتمالات ليدلل على صدق تصوره، بأن يفترض الاحتمالات الناتجة من افتراض
فاعل لأفعال الإنسان الظاهرة، هل من الله وحده، أم من الله والإنسان بالاشتراك أم أنها من الإنسان وحده، ويفند هذه الاحتمالات ليتبين له ما الاحتمال الصحيح.
الاحتمال الأول: أن تكون أفعال العباد كلها فعل رب العالمين لا فاعل لها غيره، وهذا محال أن يكون منفرداً بالأفعال لا فاعل غيره، لأنه لو صح ذلك لما جاز أن يرسل الرسل وينزل الكتب، ولبطل الأمر والنهي،
والوعد والوعيد والحمد والذمّ، والثواب والعقاب، لأنه لا فضل للعباد في أفعالهم، وأوجب هذا أيضاً أن يكون هو ـ تعالى ـ الفاعل للشرور والقباحئ، ونسب هذا إليه محال.
الاحتمال الثاني: أن يشارك الله العباد في أفعالهم، بأن يصدر الفعل الواحد عن فاعلين، ولا يؤدي هذا إلى كونه فاعلاً للظلم الذي يفعله العباد، وكذلك للكفر والعبث والفساد، وكان عابثاً مفسداً إذ لم يكونوا فاعلين لهذه
الأمور دونه، ولا هو فاعل لها دونهم، وهذا أيضاً احتمال فاسد.
الاحتمال الثالث: أن يكون الفعل صادراً عن العباد وحدهم، وليس فعل الله، وهذا الاحتمال هو ما يقبله الشريف المرتضى، فيقول: «فلما بطل هذان (الاحتمالان) ثبت الثالث، وهو أن هذه الأفعال عمل العباد، وأنها
ليست من فعل رب العالمين ولا صنعه».
ـ ثالثاً: مسئولية الإنسان عن الأفعال المتولدة
كانت مسألة النتائج غير المباشرة عن الفعل الارادي مادة لاختلاف المتكلمين، تبلور هذا الخلاف في التساؤل متى يكون الإنسان مسئولاً عن نتائج فعل يقوم به حتى تلك النتائج غير المتوقعة أي غير المباشرة؟
وقد حاول أصحاب مذهب الحرية تفسير نتائج العمل الإنساني، هل هذا العمل أو الفعل الإنساني هو فعل الإنسان أم فعل غيره؟ أو بمعنى آخر هل يحدث الفاعل فعلاً في غيره أو لا يحدث الفعل إلا في نفسه؟ وما
مسئولية الإنسان عن بعض النتائج التي تحدث عن فعله سواء كان عارفاً لها وقاصداً لفعلها؟ أو غير عارف أنها ستحدث أو غير قاصد إليها؟
وقد ظهرت الإجابة من هذه التساؤلات تحت مسألة «التولد» أو «الآثار غير المباشرة»، ويعد أبا الهذيل العلاف المعتزلي أول متكلم في التولد وإن كان واضع صورة هذه المشكلة الحقيقي هو مؤسس المدرسة
البغدادية «بشر بن المعتمر» بعد ذلك ومن هذه المدرسة وغيرها تعرف الاثني عشرية على مسألة التولد وبحثوها في إطار تحديد مسئولية الإنسان عن أفعاله المباشرة وغير المباشرة.
وتعريف التولد لغوياً يعني «الفعل الصادر عن الفاعل بواسطة، ويقابله المباشر»، أما الترعيف الاصطلاحي فقد تعدد فقال البعض: «هو الفعل الذي يكون بسبب مني ويحل في غيري»، وقال بعضهم: «هو الفعل
الذي أوجبت سببه فخرج من أن يمكنني تركه وقد أفعله في نفسي وأفعله في غيري»، وقال بعضهم: «هو الفعل الثالث الذي يلي مرادي مثل الألم الذي يلي الضربة، ومثل الذهاب الذي يلي الدفعة».
وقسم الأشعري آراء الإمامية إلى رأيين:
الأول: يزعمون أن الفاعل لا يفعل في غيره فعلاً، ولا يفعل إلا في نفسه، ولا يثبتون الإنسان فاعلاً لما يتولد عن فعله.
الثاني: يزعمون أن الفاعل منا يحدث الفعل في غيره، وأن ما يتولد عن فعله كالألم المتولد عن الضرب، والصوت المتولد عن اصطكاك الحجرين، وذهاب السهم المتولد عن الرمية فعل لمن تولد عن فعله».
ولم نجد في مؤلفات الاثني عشرية قبل الشيخ المفيد حديثاً عن الفعل المتولد، مما يدل على أنهم قد تعرفوا على هذه المسألة بعد احتكاكهم بالمعتزلة، وبخاصة معتزلة بغداد التي تعرف عليها الشيخ المفيد وتأثر بها،
وابتداء من المفيد نلاحظ ملامح معالجة الاثني عشرية للتولد، فقد قسم المفيد الأفعال إلى مباشر ومتولد، فيقول: «إن من أفعال القادر ما يقع متولداً بأسباب يفعلها على الابتداء من غير توليد لها ... فالمبتدأ من الأحوال
لا يكون متولداً، والمسبب عن المبتدأ يكون متولداً عن فعل صاحب السبب».
ويتناول بعده الشريف المرتضى بحث هذه المسألة وفي أحد كتبه الكلامية يضع عنواناً باسم «إننا نفعل على سبيل التوليد» يبحث تحته مسألة التوليد من ناحية التعريف وحدود الإنسان ومسئوليته في الأفعال المتولدة،
إذا حدثت في نفسه أو في غيره، أو في الطبيعة، ويبدو في أغلب آرائه متأثراً بمدرسة البصرة الاعتزالية في موضوع التولد.
هذا ما يدفعنا إلى تقديم صورة مختصرة لآراء المدرستين الاعتزاليتين، البصرة وبغداد في مسألة التوليد، حتى نتعرف على الأرضية الفكرية التي قام على أساسها مذهب الاثني عشرية في التولد.
فقد تعددت تصورات المعتزلة في التوليد، فذهب بشر بن المعتمر إلى أن «المتولدات أجمع، وكذلك الأعراض هي من فعل الأجسام الموات بطباعها، ولا فعل لله إلا نفس المحل ولا للعبد عنده فعل سوى الارادة»،
وهذا ما أكده عنه الشهرستاني عندما نسب إليه القول أن «اللون والطعم والرائحة والادراكات كلها من السمع والرؤية، يجوز أن تحصل متولدة من فعل العبد إذا كان أسبابها من فعله».
ونلاحظ أن معمراً قد ينسب بعض الأفعال المتولدة إلى الجماد إذا لم يكن الانسان يعرف سببها، مثال ذلك إذا ألقى الإنسان بحجر وصادف أن قتل هذا الحجر إنساناً، وفاعله لم يقصد فعل ذلك، نسب هذا الفعل ـ الموت
ـ إلى الحجر وليس الإنسان، أما إذا كان الفاعل يعلم نتائج فعله، فإذا ضرب أحد آخر بسكين، وتولد عن هذا الضرب موتاً، فينسب الموت هنا للإنسان لأنه يعلم أن السكين يقتل.
فالفعل المتولد لو كان باختيار الإنسان وقعت عليه مسئوليته، أما إذا صدر عن الانسان بطريق غير مباشر نتائج لم يختارها فلا ينسب معمر مسئولية فعلها للانسان، وإنما ينسبها إلى الطبيعة الجامدة، أما ثمامة بن
أشرس، وهو من معتزلة بغداد فقد صرح بأن المتولدات لا فاعل لها، لا الانسان ولا الطبيعة ولا الله.
واختلفت معتزلة البصرة في آرائها حول الفعل المتولد، فكان منهم الجاحظ وهو أبرز مَن قال بالطبع من رجال المعتزلة، وذهب إلى أن فعل الانسان يصدر عنه على سبيل الطبع لا الاختيار، لأنه لا يقع باختيار منه
إلا الفعل الارادي، قائلاً: «اعلم أن الله جل ثناؤه خلق خلقه ثم طبعهم على حب اجترار المنافع ودفع المضار ... وهذا منهج طبع مركب وجملة مفطورة»، وهذا يوحي بنوع من الحتمية يقربه من الجبرية.
وذهب القاضي عبدالجبار إلى أن كثيراً من معتزلة البصرة صرحوا أن الفعل المتولد الذي يوجد في حيز الإنسان هو فعله دون ما عداه ووجد في حيز غيره، وجعلوا ما تعداه هو ما تفرد الله جل وعز به، فقالوا: إن
«كل ما يحدث عن فعل من جهتنا فهو من فعلنا ... وكل ما كان سببه من جهة العبد حتى يحصل فعل آخر عنده وبحسبه واستمرت الحال فيه على طريقة واحدة فهو فعل العبد، وما ليس هذا حاله فليس بمتولد عنه،
ولا يضاف إليه عن طريق الفاعلية».
وقد تعرضت نظرية التولد لنقد شديد من أصحاب مذهب الجبر، فطالما أنهم ينسبون الأفعال المباشرة لله، فهم أيضاً لابدّ أن ينسبوا غير المباشرة إلى الله دون الإنسان، قائلين: إن «الأفعال والآثار التي سمتها القدرية
متولدات كلها مخلوقة لله تعالى عند أهل السنة لما مرّ في أن إثبات التخليق للخالق إثبات الشريك لله تعالى، وأنه كفر».
وهكذا أغلق أهل السنة بحث هذه المشكلة، واعتبروا أن السؤال عن مسئولية الفعل المتولد وعلى مَن تقع تؤدي بسائلها إلى الخروج عن الدين، ومن هنا أغلقت بحث هذه المشكلة، وكان كل اسهامهم هو نقد القائلين بها
وكان ردهم هو قولهم إن «دليلنا في هذه المسألة ما سبق من الدلائل على أن ثبوت قدرة الاختراع لغير الله تعالى محال».
ولم يبق على ساحة الجدال الفكري في بحث هذه المسألة سوى المعتزلة بمدرستيها، والاثني عشرية وقلة آخرين ظهرت المسألة بداية بشكل مفصل عند معتزلة بغداد التي صرحت بأن جميع الأفعال الخارجة عن
إرادة الإنسان واختياره إنما هي أفعال الله أو أفعال الطبيعة أو فعل الانسان، واتفق معهم في بعض هذه الجوانب بعض معتزلة البصرة، كالنظام والجاحظ بشكل خاص، حينما نسب الأفعال إلى الطبيعة.
وقد رفض الشيخ المفيد نظرية الطبع الموضوعة من قبل الجاحظ، ورد الأفعال المتولدة إلى فاعلها في السبب الأول، وهو الإنسان قائلاً: «إن ما يتولد بالطبع فإنما هو لمسببه بالفعل في المطبوع، وأنه لا فعل على
الحقيقة لشيء من الطباع، وهذا مذهب أبي القاسم الكعبي، وهو خلاف مذهب المعتزلة في الطباع».
وهكذا حدد لنا الشيخ المفيد المصدر الاعتزالي الذي تأثر به في فكرة التولد، وكان هذا المصدر هو أبو القاسم الكعبي البلخي، فهما قد اتفقا على الربط بين السبب المباشر والفعل المتولد برباط الضرورة، وشبه المفيد
وجود الارادة لتحقيق الفعل ضرورة بوجود الفعل المباشر لتحقيق الفعل المتولد ضرورة.
فالفعل عنده انقسم إلى ثلاثة أقسام:
ـ الإرادة وهي سابقة للفعل.
ـ الفعل المباشر، وقت التنفيذ.
ـ الفعل المتولد، وهو النتيجة غير المباشرة التي نتجت عن الفعل المباشر.
وقد فسر الشيخ المفيد هذا التلازم بقوله: «إن كل متولد فهو موجب، وليس كل موجب فهو متولد، والفرق بينهما أن الموجب الذي ليس بمتولد هو ما ولي الارادة بلا فصل بينهما من فعل المريد، والموجب المتولد هو
ما ولي الذي يلي الارادة من الأفعال»، وكان هذا من أثر مذهب البلخي عليه، حين ذهب إلى الجمع بين إيجاب الارادة والتولد.
وظهر تأثير آخر على الشريف المرتضى عن طريق القاضي عبدالجبار في فهمه للفعل المتولد، وإن كان اتفق مع الشيخ المفيد في نقد أصحاب الطبع من المعتزلة ورفض الأخذ بفكرة الطبع لتفسير الفعل المتولد، بل
وجّه لها نقداً عنيفاً، فقال: «ومما يبطل الطبع أنه غير معقول، لأن الفعل يقتضي مؤثراً له صفة المختار ... وأيضاً فالقول بالطبع يقتضي أن لا يصح تحرك الجسم إلى الجهات المختلفة، لأن الطبع لا يوجب إلا أمراً
واحداً»، ولما كنا نرى إمكانية تحرك الجسم في الجهات المختلفة دل هذا على أن المحرك ليس هو الطبع، لأن الطبع ليس له إلا فعل واحد، وتحرك الجسم في الجهات المختلفة ينتج عن أسباب مختلفة وتبعاً لارادات
متعددة.
وقد قدم الشريف المرتضى أدلته على أن الفعل المتولد ينسب إلى فاعله الأصلي، مثله في ذلك مثل الفعل المباشر، فإذا كانت هناك أدلة عقلية تثبت صحة أفعالنا المباشرة لنا، فإن هذه الأدلة أيضاً يمكن أن تستخدم
للتدليل على نسبة الأفعال المتولدة لنا، يقول الشريف المرتضى: «ما دلّ على أننا نفعل على سبيل المباشرة ثابت في المتولد، ودليل المدح الذي بيّناه أيضاً في المباشر قائم في المتولد، وتسند الأفعال المتولدة منا
بطرق لا يجده باقي المباشر»، وهذه مبالغة من المرتضى في أن أدلة إثبات الأفعال المتولدة إلى فاعلها أكثر من أدلة إثبات الفعل المباشر، وإن كان قد لجأ إلى هذه المبالغة كي يؤكد أن مسئولية الإنسان عن أفعاله
المتولدة لا تقل عن مسئوليته عن أفعاله المباشرة.
إن معايير الحكم على الأفعال المباشرة بالمدح والذمّ، هي نفسها المعايير التي تحكم على الأفعال المتولدة، ذلك أن معيار الحكم والمسئولية واحد في الاثنين، ولذا صرح الشريف المرتضى أن «المدح والذم وجهان
معتمدان أيضاً في الأفعال المتولدة».
وقد نتج عن بحث مسألة الفعل المتولد عند الاثني عشرية، وغيرهم مسألتان أساسيتان: المسألة الأولى أثر التولد في الإدراك، والمسألة الثانية أثر التولد في المسئولية الأخلاقية.
أ ـ المسئولية الإدراكية:
المسألة الأولى، هي علاقة التولد بالمعرفة والإدراك، أو المسئولية المعرفية، فقد بحث المتكلمون أثر التولد على إدراك المعارف، وتساءَلوا هل يتولد الإدراك أم لا؟
ذهب بعضهم، وعلى رأسهم النظام إلى أن فاعل الإدراك هو الله وحده، وذلك بإيجاب خلقه للحواس، وذهب أصحاب مذهب الطبائع إلى أن الإنسان مدرك لا باختيار بل بالطبع، فيكون الإدراك ليس راجعاً إلى فعل
الإنسان بل إلى فعل الطبائع، صرح بهذا الجاحظ عندما تكلم عن المعرفة ووضعها تحت نظرية الطبع والضرورة قائلاً: إن المعارف تقع ضرورة بالطبع عند النظر في الأدلة، ويقول في النظر إنه وقع طبعاً
واضطراراً، وربما وقع اختياراً «فمتى قويت الدواعي في النظر وقع اضطرار بالطبع، وإذا تساوت وقع اختياراً».
وتعددت وجهات النظر الأخرى للمعتزلة عند الحديث عن الإدراك، فكانت هناك نظرية أبي الهذيل العلاف الذي صرح بأن الإدراك فعل الله تعالى على جهة الاختراع «فقد يجوز أن يكون البصر صحيحاًن والموانع
مرتفعة ولا يخلق الله الإدراك، فلا يدرك (الإنسان) ما بحضوره، ويجيز أن يخلق الله جل وعز العلم بالألوان في قلب الأعمى الذي لم يبصر لوناً قط».
وهذا ما أخذ به معتزلي آخر هو أبو علي الجبائي، الذي رأى أن الإنسان قد تكون له عين سليمة صحيحة وتقف أمامه المرئيات فلا يراها، بل يجب على الله أن يوجد فيه عرض البصر أو عرض العمى، فالإدراك
عرض يحدثه الله في الشخص المدرك، ولا ينتج بالضرورة عن فعله المتولد، وقد ذكر القاضي عبدالجبار هذا الرأي عن الجبائي وابنه أبي هاشم، قائلاً: إن «أبا علي وأبا هاشم كانا ينكران أن يكون الانسان .. قادراً
على توليد العلم والاعتقاد في شخص آخر»، وليست هذه على كل الآراء التي قدمها المعتزلة، ولكنها هي الآراء التي نقدها الشيخ المفيد، فحرصنا على عرضها دون عرض وجهات النظر الأخرى.
وقد بحث الشيخ المفيد مسألة المسئولية المعرفية وكيفية الادراك تحت عنوان «القول فيما يدرك بالحواس، وهل العلم به فعل الله تعالى أو فعل العبد»، وقسم العلم بالحواس على ثلاثة ضروب:
الأول: من أفعال الله تعالى، مثل العلم بصوت الرعد، ولون الضوء في البرق، ومثل العلم بالحر والبرد، وغيره، فالعلم بهذه الأشياء هو من فعل الله تعالى، لأن الله هو الفاعل لأسبابها.
الثاني: من فعل الشخص، مثل العلم الذي يحصل للشخص حين يفتح عينيه، أو حين يصغي بأذنيه، أو حين يلمس شيئاً حاراً أو بارداً.
الثالث: من فعل الغير، وذلك كالصائح بغيره وهو غير متعمد لسماعه، أو المؤلم له، فلا يمتنع من العلم بالآلام عند إيلامه، وقد تأثر المفيد في هذا الرأي بمذهب معتزلة بغداد.
قال الشيخ المفيد إن الفاعل «قد يولّد في غيره علماً بأشياء إذا فعل به أسباب تلك العلوم، كالذي يصيح بالساهي ففعل به علماً بالصيحة متولداً عن الصيحة، وهذا مذهب كثير من بغدادية المعتزلة، وإلى هذا ذهب أبو
القاسم البلخي، وخالف في كثير منه الجبائي وأبنه وأنكر جملته النظام والمجبرة».
وهكذا حدد الشيخ المفيد موقفه من آراء المعتزلة السابقين عليه في الفعل المتولد، سواء كانوا من معتزلة البصرة أو معتزلة بغداد، وقد رفض آراء أصحاب الطبائع من المعتزلة كالنظام والجاحظ، حيث نسبا الأفعال
المتولدة إلى الطبيعة، بما فيها الإدراك، واتفق المفيد مع معتزلة بغداد على أن النظر والاعتقاد والعلم والألم يمكن أن تحدث كأفعال متولدة، وأن الشخص يصح أن يولّد في غيره علماً.
وكانت مسألة الأسباب ذات أثر كبير على الشيخ المفيد عندما صرح بأنه لا يجوز أن يخلق الله العلم في قلب الأعمى، كما لا يجوز أن يفتح الإنسان عينيه وترتفع الموانع ولا يدرك ما أمامه، فربط بين الضرورة
والإدراك، فالضرورة ممثلة في العلاقة بين الأسباب والمسببات، أو بمعنى آخر بين الفعل المباشر والفعل المتولد وأثر ذلك على الادراك، ولا يترك فكرة تحت مقولة الجائز التي صرح بها بعض المتكلمين ليس من
الأشاعرة فقط، بل أيضاً من بعض المعتزلة، فالله عند المفيد غير قادر أن يوجد العلم بالألوان في قلب الأعمى أو كما قال: «يستحيل وجود العلم بالألوان لمن فقد ما يتوسط بين العاقل وبين معرفة الألوان من
الحواس».
أراد المفيد من هذا النص السابق أن يؤكد على أن كل مَن كانت عيناه صحيحتان فإنه يرى الشيء الذي أمامه مباشرة، ولا ضرورة لفعل من الله حتى يرى الانسان شيئاً من الأشياء، فالإنسان يرى ويدرك بفعله لا
بفعل الله، وهذا ما أكده الطوسي من أن «جميع أنواع الاعتقاد في مقدورنا ويصح نما أن نفعله متولداً ومباشراً، إلا أن ما نفعله متولداً لا يكون إلا علماً ولا سبب له إلا النظر».
(ب) المسئولية الأخلاقية:
المسألة الثانية وهي المسئولية الأخلاقية، هي مسئولية الإنسان عن أفعاله غير المباشرة الناتجة عن الشهوة، كان السابقون يعتقدون بمسئولية الله تعالى عن هذا الجانب، فالإنسان مجبر عن طريق ما يوجد فيه من
دوافع وغرائز خلقها الله فيهم، فهو واجد شهواتهم، والبشر يفعلون بناء على هذه الطبيعة الحيوانية التي خلقوا بها.
ونقد الشيخ المفيد هذا التصور الذي يسند مسئولية الإنسان الخلقية إلى الله، وتناول موضوع الشهوة تناولاً يضع هذه الغريزة في حدود الطاقة الإنسانية، فإذا كانت الشهوة إحدى طرق فعل الله في كل حيوان، وكان هو
تعالى المسئول عن الشهوات الطبيعية، والمسئول عن الشهوة العامة، إلا أن لكل حيوان دوره في توجيه التيار العام للشهوة باتجاه هدف خاص.
ولذا أرجع الشيخ المفيد فعل الشهوة إلى الإنسان قائلاً: إن الشهوة عبارة عن معنيين: أحدهما الطبع المختص بالحيوان الداعي له إلى ما يلائمه من جهة اللذات، والمعنى الآخر، ميل الطبع إلى الأعيان على التفصيل
من جملة اللذات، فأما الأول فهو فعل الله سبحانه وتعالى لأن الحيوان لا يملكه ولا له فيه اختيار، وأما الثاني فهو من فعل الحيوان، فالله قد وضع القوة الطبيعية للشهوة عند الحيوان، أو ما أسماها المفيد بالشهوة العامة،
وللإنسان حق تصريف هذه الشهوة فيكون مسئولاً عما يتولد عنها من أفعال.
ويدلل المرتضى على أهمية وجود الشهوة لدى الانسان لكي يحيا ويعمر الأرض ويعبد الله، فيرى أن وجود الشهوة ضرورية للبشر، فقال: «وأما الشهوة فجعلها الله تعالى فيهم لما أراده من بقائهم في الدنيا ... فلولا
موضع الشهوة لما أكلوا، فبطل قوة أجسامهم عن تكليفاتهم، ويبطل حال النكاح فلا يكون لهم نسل ولا ولد، وما جرى مجرى ذلك، فالشهوة مركبة فيهم لذلك» وهذه هي الشهوة العامة التي قصدها المفيد من قبل وهي
ضرورية ومن فعل الله.
ـ رابعاً: الجزاء
ترتبط عقيدة الجزاء أو الثواب والعقاب عند الاثني عشرية بتصورهم للفعل الإنساني وحدوده، وعلى هذا المنوال سار بقية المتكلمين في ربط الجزاء بتصورهم لطبيعة الفعل الإنساني، ذهب أصحاب مذهب الجبر
إلى أن الإنسان مجبر في أفعاله، وأيضاً مجبر على جزائه، فالإنسان يدخل الجنة أو النار ليس بعمله، لأنه لا فعل له، وإنما بمشيئة الله وإرادته، والانسان ـ عندهم ـ مجبر في الدنيا على أفعاله، مجبر في الآخرة على
جزائه، فيذكر عنهم الشهرستاني قولهم: «إن الثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر»، وهذا ما أكده أيضاً الشيخ المفيد بقوله: «فأما جهم فإنه كان يزعم أن الله يعذب من اضطره إلى المعصية ولم يجعل له
قدرة عليها، ولا على تركها من الطاعة».
وهذا القول يؤدي إلى نزع الحكمة والعدل من أفعال الله إذ أنه يثيب ويعاقب لا على فعل الإنسان، حيث أن الإنسان لا فعل له عند هؤلاء، وهذا ما دفع الاثني عشرية إلى نقد هذه الفكرة وتأكيد أن الثواب والعقاب بناء
على التكليف.
(أ) الجزاء والتكليف:
يربط الاثني عشرية بين الجزاء والفعل برباط متين، فالجزاء هو النتيجة الضرورية التي تلحق التكليف، وإذا كان هناك تكليف بلا جزاء لأدى هذا إلى إلحاق الظلم بالله، يقول الشيخ المفيد: «إن الله ... لا يعذب أحداً
إلا على ذنب اكتسبه أو جُرم اجترمه أو قبيح نهاه فارتكبه».
وهذا ما تابعه فيه الشريف المرتضى مؤكداً على أن الثواب والعقاب هما جزاء للانسان نتيجة تكليفه والتزامه بأوامر الله ونواهيه، ولابدّ أن يقع الجزاء لأن الله تعالى قد كلف الإنسان الشاق من الأعمال، فيجب أن
يثيبه، يقول المرتضى: «إنما قلنا في التكليف أنه تعريض للثواب ... ومنزلة الثواب لا تنال إلا بالأفعال التي تناولها التكليف، وليس يستحق الثواب إلا بهذه الأفعال».
وفي موضع آخر يؤكد هذا المعنى بأن أفعال الإنسان تنسب إليه حتى يحق له الثواب أو العقاب فيرد على المجبرة وهم الذين زعموا أن الأفعال إنما هي منسوبة إلى العباد مجازاً حقيقة وإنما حقيقتها لله لا للعباد قائلاً:
«إن في قولكم ذلك بطلان الثواب والعقاب إذا نسبتم أفعالكم إلى الله، تعالى عما يصفون، وكيف يعاقب مخلوقاً على غير فعل منه».
وقد خالف الأشاعرة والماتريدية الاثني عشرية في هذا الأمر، فقد رأوا أن الثواب والعقاب ليسا واجبين على الله، فهو قادر على مجازاة العبد ثواباً وعقاباً، والعباد لا يوجبون على الله بأعمالهم شيئاً، يقول البزدوي:
«وعندنا لا يجب عليه تعالى شيئاً، وله أن يؤلم مَن يشاء ويبتليه بالمحن من غير أن يثيبه شيئاً».
واستدل أصحاب هذا المذهب بأحد الأحاديث النبوية، عندما سئل النبي (ص) عن دخول الجنة فقال: «ما من أحد يدخله عمله الجنة وينجيه من النار، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يغمدني الله برحمة
منه وفضل»، وقد فسروا هذا الحديث بأنه لا يوجد رباط بين الجزاء والعمل، فالانسان يعمل، والله يجازيه بما يشاء.
وردّ الشريف المرتضى على هذه الحجة، من خلال تفسير الحديث تفسيراً يتلائم مع تصوره في الربط بين الجزاء والتكليف، مشيراً إلى أن لهذا الحديث عدة معان، قد يكون المقصود منها بيان فقر المكلفين لله تعالى
وحاجتهم إلى ألطافه توفيقاته ومعوناته، وأن العبد إذا ترك إلى نفسه وقطع الله تعالى عنه المعونة واللطف لم يدخله عمله الجنة ولا نجا من النار، فكأنه (ع) أراد أن يخبرنا «أن أحداً لا يدخل الجنة بعمله الذي لم يعنه
الله تعالى عليه ولا لطّف له فيه، ولا أرشده إليه».
فالثواب والعقاب يأتيان بمعنى الجزاء، ويتبين هذا من تحليل معناهما لغوياً، فالثواب «هو جزاء الطاعة، وكذلك المثوبة» العقاب، فهما مرتبطان بالأفعال الصادرة من العباد والتي يجازى عليها.
ويستدل أصحاب مذهب الحرية من الشيعة الاثني عشرية والمعتزلة على ضرورة وقوع الجزاء بأدلة نقلية وعقلية:
من الأدلة النقلية قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) طه آية 15، وهذه الساعة يحاسب فيها الإنسان عن مدى التزامه بالتكاليف الشرعية، قال تعالى: (أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وأنكم
إلينا لا تُرجعون) المؤمنون آية 115، ويؤكد الشيخ المفيد هذا الجانب النقلي بحديث لأحد الأئمة بقوله: «يا ابن آدم إنك ميت مبعوث وموقوف بين يدي الله عزوجل ومسئول فأعد جواباً».
أما من الناحية العقلية، فربط أصحاب مذهب الحرية بين الجزاء وأصل العدل، فالثواب والعقاب هما فعل الله وجزاؤه العادل على أفعال الناس الحسنة والسيئة، وهذا الرباط الوثيق بين فعل الله وفعل العبد، المتمثل في
ثوابه وعقابه يشكل قاعدة أساسية عند القائلين بالعدل الإلهي. قال القاضي عبدالجبار: «اعلم أنه لا ظلم أقبح من معاقبة الغير بذنب الغير، وقد تقرر قبحه في عقل كل عاقل».
وهذا ما أكده أيضاً الشريف المرتضى بعبارات متشابهة، فيقول: «فأنّا نشهد أنه العدل الذي لا يجور، ولا يؤاخذ أحداً بذنب غيره، ولا يعذبه على ما ليس من فعله»، إذن بنى أصحاب مذهب الحرية من الاثني عشرية
والمعتزلة الجزاء على أصل العدل ونفي القبائح عن الله تعالى.
(ب) كيفية استحقاق الجزاء:
إذا كان الاثني عشرية قد اتفقوا مع المعتزلة على ضرورة الجزاء على الأعمال، إلا أنهم قد اختلفوا حول كيفية استحقاق هذا الجزاء، ذهب المعتزلة إلى أن الجزاء بشقيه ـ الثواب والعقاب ـ واجب على الله ليس
تفضلاً منه على العباد، «فالثواب والعقاب مما وعد الله بهما والله لا يخلف وعده».
فالثواب هو نتيجة للأعمال الشاقة، فيحسن بالله أن يثيب الإنسان على ما كلفه من أعمال، فالتكليف والمجازاة ليس تفضلاً فقد ثبت أن الثواب لا يحسن إلا مستحقاً، فيجب أن يحسن منه تعالى أن يكلف الشاق لأجله.
أما الاثني عشرية فقد انقسموا حول هذا الأمر إلى طائفتين: الأولى تعتقد أن الجزاء والتكليف أتى من الله عن طريق الجود والتفضل، والطائفة الأخرى قالت إنه جاء عن طريق الاستحقاق.
الطائفة الأولى: مثل الشيخ الصدوق والشيخ المفيد، أكد الصدوق ابن بابويه هذا بقوله: «إن الله أمر الانسان بالعدل، ولكنه يعامله بشيء أفضل من العدل وهو اللطف والتفضل، وينقل حديثاً عن النبي (ص)، يقول
فيه: (لا يدخل الجنة أحداً بعمله إلا برحمة الله) ».
ويتابعه في ذلك الشيخ المفيد، ولكنه يخطو بفكرة اللطف والتفضل خطوات أكبر، فيشير إلى أن أساس جميع حقوق الانسان هو جود الله وكرمه، لأنه تعالى ابتدأ عباده بالنعم، فليس أحداً منهم يكافئ نعم الله تعالى عليه
بعمله، ولا يشكره أحد إلا وهو مقصر بالشكر عن حق النعمة مؤكداً ذلك بأن الله تعالى لا يفعل بعباده ما داموا مكلفين إلا أصلح الأشياء لهم، وإن ما أوجبه «أصحاب اللطف من لطف إنما وجب من جهة الجود والكرم،
لا من حيث ظنوا أن العدل واجبه» متفقاً في ذلك مع معتزلة بغداد في أن ثواب الجنة لطف من الله وتفضل وجود وكرم.
ومن الأدلة التي ساقها الشيخ المفيد لإثبات الزيادة في العطاء والمغفرة ما يلي:
ـ قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) وبهذا أخبر سبحانه إن للمحسنين الثواب المستحق وزيادة من عنده، وقد أحصى سبحانه هذه الزيادة بقوله تعالى: (مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومَن جاء بالسيئة فلا
يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) وقد أكد سبحانه وتعالى رحمته بالمحسنين يوم القيامة، فقال تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون).
ـ قوله تعالى: (وإنّ ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب) وهذا يدل على أن باب المغفرة مفتوح لمن تاب وأناب، وباب العفو مفتوح لمن أخلص وآمن، وإن رحمة الله تعالى قد وسعت كل شيء.
ـ من غير المعقول أن العبد قد قام بكل ما يستحقه الله تعالى ـ المنعم عليه ـ على الوجه الأكمل، فإن كل شكر مهما تعالى مرتبته هو دون حق الله تعالى، يقول الشيخ المفيد: «وقد أجمع أهل القبلة على أن مَن قال: إني
وفيت جميع ما لله عليَّ وكافأت نعمه بالشكر فهو ضال، وأجمعوا على أنهم مقصرون عن حقه، وأن لله عليهم حقوقاً».
والعباد ليس لهم قبل الله حق إلا بما تفضل به عليهم، ولأنه سبحانه وتعالى لا يسوّي بين العامل وغير العامل على طاعته، كما لا يسوّي بين الشاكر والكافر، والعقول أوجبت هذه التفرقة، ولذا رأى الشيخ المفيد أن الله
تعالى كان من عدله أن يجعل للعامل الشاكر مرتبة فوق مرتبة مَن لا يعمل وكفر بالنعمة ولذا من قبيل التجاوز أن يقال إن للعبد حقاً، في حين أن الرأي الصواب عند هذه الطائفة أن الثواب ليس عن حق وإنما الثواب
هو تفضل، لأنه لا وجه للمقارنة بين الواجبات المحدودة التي يفعلها الانسان والثواب الخالد الذي يحيا فيه في الآخرة.
الطائفة الثانية: مثلها الشريف المرتضى وتلميذه الطوسي، وهما في تلك المسألة أقرب إلى معتزلة البصرة، فيشير المرتضى إلى أن الجزاء محكوم بالعدل، بمعنى أن يجازى الإنسان بقدر فعله لا أقل ولا أزيد، فيقول:
يجزى كل عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته، فيوصل إليه ... ما يستوجبه بحد ومقدار.
ومن هنا رفض المرتضى رأي الطائفة الأولى التي مثّلها بعض الاثني شعرية من أن الجزاء هو تفضل من الله، وأحال أن يكون الجزاء تفضلاً، لأن الله قد أوجبه على نفسه عندما أوجب التكليف، فيقول: «فأما
الثواب فما نأبى القول فيه بأنه تفضل ... بمعنى أن الله تعالى تفضل بسببه الذي هو التكليف، ولهذا نقول إنه لا يجب على الله تعالى شيئاً ابتداء، وإنما يجب عليه ما أوجبه على نفسه مما كان أوجبه على نفسه
بالتكليف». وهذا ما أكده في موضع آخر بقوله: «إن العبد يدخل الجنة باستحقاقه الجنة».
وتبقى في هذه القضية جزئية أخيرة، وهي اتفاق الاثني عشرية على أن الثواب واجب على الله، أما العقاب فليس بواجب، مخالفين في ذلك اتجاه معتزلة البصرة، إذ ذهب القاضي عبدالجبار إلى أن من «علوم الوعد
والوعيد ... وأن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة».
أما الاثني عشرية، فقد اتفقوا على أن الثواب واجب على الله، في حين أن العقاب غير واجب، بمعنى أنه يجب على الله أن يثيب المطيع، ويحق لله أن يتناول عن عقاب المسيء، وهم في هذا قد خالفوا المعتزلة، يؤكد
الصدوق ابن بابويه فكرته بايراد بعض الأخبار والأحاديث عن رسول الله (ص) القائل: «مَن وعده الله على عمل الثواب فهو منجزه له ومَن أوعده على عمل عقاب فهو فيه بالخير، ومؤكداً ذلك بقوله تعالى: (إن ربك
لذو مغفرة للناس على ظلمهم) الرعد آية 6».
وسار المفيد على هذا المنوال من وجوب الوعد وعدم وجوب الوعيد قائلاً: «إن كثيراً من المطيعين لله سبحانه وتعالى يثابون على طاعتهم في دار الدنيا وليس لهم في الآخرة من نصيب»، وهذا ما أكده أيضاً
الطوسي بقوله: «كل مَن مات وله حق لم يستوفه في دار الدنيا فإنه يجب إعادته على كل حال، لأن الثواب الدائم لا يمكن توفيره في دار الدنيا، وأما مَن يستحق العقاب فلا يجب إعادته، لأن العقاب يحسن إسقاطه
عقلاً».
وهذا مذهب كل مَن قال من أصحاب الحرية أن كرم الله وجوده يسبق عدله، فكرمه أن يجازي المثيب بالجنة، ويعفو عن المذنب من العقاب، فلا يبعثه، أو إذا بعثه فإما أن يتفضل عليه بالجنة، أو يشفع له النبي
وأولياء الله فيدخل الجنة، وهنا كان العقاب عندهم غير واجب.
(ج) المثاب والمعاقب:
ذهب الاثني عشرية إلى أن المثاب هو كل مسلم مؤمن، ولكنهم اختلفوا في معنى الإيمان وهي مسألة اختلف فيها المسلمون منذ عصورهم الأولى، وانقسموا فيها إلى آراء بعضهم ربط الإيمان بالقلب فقط دون العمل،
مثل المرجئة والأشاعرة والماتريدية، ومنهم مَن جمع بين القول والعمل، مثل الخوارج والمعتزلة، مَن قال بالقول فقط دون العمل فرق بين الإيمان والإسلام، ومَن جمع بين القول والعمل جمع بين الإيمان والإسلام.
وقد فهم الاثني عشرية الإيمان بمعنى آخر، فذهب الشيخ الصدوق إلى أن هناك اختلاف بين الإيمان والإسلام، فالإيمان أخص والإسلام أعم، فقد ينتفي الإيمان ويبقى الإسلام، أما إذا انتفى الإسلام، فإن الإيمان منتقص
لا محالة، وهذا ما أكده قائلاً: «قد يكون العبد مسلماً قبل أن يكون مؤمناً، ولا يكون مؤمناً حتى يكون مسلماً، فالإسلام قبل الإيمان».
ويدلل على أن الإيمان يجمع بين القول والعمل بذكر مجموعة من الأحاديث عن الرسول (ص) مثل قوله: «الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان» وبعض الأحاديث عن الأئمة مثل قول الرضا: «
الإيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان وعمل بالجوارح لا يكون الإيمان إلا هكذا».
أما الشيخ المفيد، فيظهر عنده التردد، وصرح برأيين مختلفين، الرأي الأول يتابع فيه ابن بابويه في التفرقة بين الإيمان والإسلام، متفقاً في ذلك مع المرجئة وبعض أئمة مذهبه، فيقول: اتفقت الإمامية على أن الإسلام
غير الإيمان .. وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أن كل مسلم مؤمن وأنه لا فرق بين الإسلام والإيمان في الدين.
وفي أحيان أخرى يتراجع الشيخ المفيد عن هذا الرأي المعارض للمعتزلة، ويقول برأي يقارب المعتزلة الذي يجمع في الإيمان بين القول والعمل، ويردد حديثاً عن الإمام علي (رض) عن رسول الله (ص) أنه قال:
«الإيمان قول مقول وعمل معمول، وعرفان العقول»، وأكد هذا الحديث بحديث آخر يقول: إن «مَن قال لا إله إلا الله فلن يلج ملكوت السماء حتى يتم قوله بعمل صالح».
ولا نعرف سراً لهذا التردد الذي وقع فيه المفيد، سوى أنه كان في بعض الأحيان يغالب أمرين الأثر الاعتزالي والانتماء الشيعي، أو ربما كان نتيجة ظروف سياسية عاصرها أحياناً توجب عليه التقية فيصرح أن
الإيمان قول فقط، وأحياناً أخرى توجب عليه الثورة والمقاومة، فيصرح أن الإيمان قول وعمل، حيث عاصر ظروفاً سياسية مضطربة.
أما الشريف المرتضى فيفرق بين الإيمان والإسلام، لأن الإيمان عنده يجمع بين القول والعمل، فالإيمان يزيد وينقص، ويدلل على ذلك بقوله: «فلو كان الإيمان كله واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد فضل
على أحد، ولتساوى الناس» ومن هنا كان الإيمان عنده درجات تزيد أو تنقص.
أما المعاقب فهو ـ عند الاثني عشرية ـ الكافر فقط دون المسلم مرتكب المعاصي، أو ما اصطلح على تسميته بمرتكب الكبيرة، وفي هذه المسألة أيضاً وقع خلاف بين الشيعة من جهة والمعتزلة والخوارج من جهة
أخرى، وقد بحثها المتكلمون من قبل تحت مسألة الأسماء والأحكام، أي ما هو الاسم الذي يطلق على مرتكب الكبيرة، وما الحكم الذي يعاقب عليه في الآخرة.
ذهب الخوارج إلى أن مرتكب الكبيرة كافر يخلد في النار، أما المعتزلة فقد أطلقوا على مرتكب الكبيرة اسم فاسق، وجعلوه في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، إذا مات دون أن يتوب، يخلد في النار، وأجمع المعتزلة
منذ واصل بن عطاء على أن فاعل الكبيرة هو فاسق، وكان أصل المنزلة بين المنزلتين هو أول أصول المعتزلة من الناحية التاريخية، وبناء على موقفهم من هذه القضية نشأت فرقة المعتزلة، فالبشر في الآخرة هم
فريقان «فريق الجنة، وفريق السعير»، أي أن حكم الإنسان إما أن يكون مؤمناً يدخل الجنة، أو كافراً ومرتكب للكبيرة فيدخل النار، ولكن في درجة أقل من درجة الكافر.
وقد اختلف الاثني عشرية مع المعتزلة في الاسم والحكم الذي يحقّ على مرتكب الكبيرة ونلاحظ ابتداء من الشيخ الصدوق موقفاً موحداً للاثني عشرية تجاه هذه المسألة فيذكر ابن بابويه أن فعل الكبائر أو الصغائر لا
يخرج المسلم عن الإسلام، وإن اكن يخرجه عن الإيمان، فقد يعاقب حينئذ العاصي بقدر ذنبه في النار ولكنه لا يخلد فيها، وذلك لأخذه بفكرة الشفاعة بعد ذلك.
وأكد الشيخ المفيد اتفاق الإمامية حول هذا الأمر قائلاً: «اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والاقرار لا يخرج بذلك عن الإسلام، وأنه مسلم وإن كان فاسقاً بما فعله ... وأجمعت المعتزلة وكثير من
الخوارج على خلاف ذلك، وزعموا أن مرتكب الكبائر فاسق».
أما حكمه فلا يخلد في النار، فإما أن يدخل النار بمقدار ما ارتكب من معاصي أو تلحقه رحمة الله فلا يدخلها ويدخل الجنة، أو تلحقه الشفاعة، وهذا على خلاف المعتزلة الذين صرحوا بأن الفاسق إذا مات دون توبة
يخلد في النار، أما الاثني عشرية، فقد اتفقوا على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار فقط دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى «واتفقت الإمامية على أن مَن عذب بذنبه من أهل الاقرار
والمعرفة والصلاة لم يخلد في العذاب وأخرج من النار إلى الجنة ... وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك».
والشريف المرتضى على الرغم من تأثره بالمعتزلة في آراء كثيرة، إلا أنه كان صريحاً في انتمائه إلى فرقته في موقفها من حكم مرتكب الكبيرة، فالعاصي قد جمع بين الإيمان والذنوب الموسومة بالكبائر، فإذا جاء
إلى يوم القيامة كان مستحقاً لثواب اسلامه وعقاب معصيته، فإن لم يغفر ذنبه، عوقب بقدر استحقاقه ثم نقل إلى الجنة ليخلد فيها، يقول المرتضى: «إن العبد المسلم لا يجوز أن يكون مخلداً في النار بعقاب معاصيه،
لأن الإيمان يستحق به الثواب الدائم والنعيم المتصل، والكبيرة التي واقعها المؤمن إنما يستحق بها العقاب المنقطع».
وهذا ما أكده الطوسي من أن العاصي عقابه منقطع، فلا يخلد في النار، كما قال المعتزلة، لأن «المستحق للعقاب (من المسلمين) .. عقابه منقطعاً، فلا يكون كذلك إلا وهو مستحق الثواب الدائم بطاعته، فإذا أعيد ربما
استوفى عقابه، ثم نقل إلى الثواب وربما عفي عن عقابه».
وهذا الرأي بلا شك رأي معتدل يتفق مع رأي الجمهور، فالله عند الكثيرين منهم متفضل على العبد يغفر لمن يشاء، وذلك لا ينافي عدله تعالى، لأن العدل هو الجزاء على العمل بقدر ما يستحق، وهو لا يمنع التفضل،
والظلم هو منع إعطاء الحق لصاحبه، والله سبحانه وتعالى متفضل رحيم غفار للذنوب.
وكانت إحدى الوسائل التي اعتمدها الاثني عشرية لبيان التفضل الإلهي على الإنسان العاصي هي الشفاعة، ومن هنا كان للشفاعة دورها في تخفيف العقاب الذي يواجه العاصي في يوم القيامة.
(د) الشفاعة:
تعد الشفاعة من المسائل التي أثارت جدلاً كبيراً بين المتكلمين، وانقسموا فيها إلى اتجاه ضم الاثني عشرية والأشاعرة وغيرهم ممن أقر الشفاعة، واتجاه أنكر الشفاعة للعاصي، مثله المعتزلة والخوارج، ولم يكن
الخلاف حول تقرير أمر الشفاعة ـ بقدر ما كان الخلاف حول مستحقيها، ذهب الأشاعرة إلى أن الشفاعة من الرسول (ص) لأهل الكبائر من أمته، وبعد هذا من الأمور المسلم بها عندهم، يقول الباقلاني: أجمع
المسلمون أن الرسول (ص) قد جعل الشفاعة للمذنبين المرتكبين للكبائر، وهذا اتباعاً لقوله (ص): «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
وسائر الماتريدية على نفس المنوال في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر من المسلمين، إذ اجتمعوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار لما في قلبه من الإيمان، يقول أبو المعين النسفي: «عندنا .. جاز أن يغفر الله
تعالى لصاحب الكبيرة بفضله ورحمته، وكانت المغفرة تحت الحكمة، جاز أن يغفر له بشفاعة لرسل والأنبياء، وبشفاعة من الأخيار من الآباء والأبناء والأقارب .. وغيرهم». وهكذا فتح الباب على مصراعيه
لهروب أصحاب الذنوب.
أما المعتزلة، فيرفضون الشفاعة لأهل الكبائر، ويرون أنها قد ذكرت للمطيعين والتائبين، ورفع الدرجات وزيادة المثوبات، فقد بنوا على أصلهم في عدم جواز خلف الوعيد أن المذنب على كبيرة إذا مات عليها فيخلد
في النار، ومن أجل هذا أنكروا الشفاعة لعصاة المسلمين، يقول القاضي عبدالجبار: «فأما قولنا في إثبات الشفاعة فهو معروف، ونزعم أن مَن أنكره فقد أخطأ الخطأ العظيم، ولكننا نقول لأهل الثواب دون أهل العقاب
ولأولياء الله دون أعدائه، ويشفع (ص) في أن يزيدهم تفضلاً عظيماً».
وتسلم الاثني عشرية بالشفاعة للعاصي، متفقة في ذلك مع أغلب المسلمين، ومختلفة في ذلك مع المعتزلة والخوارج، وتعرف الشفاعة بأنها تعني «طلب إسقاط العقاب عن مستحقه، وإنما يستعمل في طلب إيصال
المنافع مجازاً وتوسعاً».
واتفق جميع الاثني عشرية على وجود الشفاعة، أكدها الصدوق اعتماداً على أحاديث السابقين، فيقول: «حدثني أبي عن آبائه عن عليّ .. قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
ويتابع الشيخ المفيد أستاذه الصدوق في وجود شفاعة للعصاة ومرتكب الكبائر من المسلمين بل وسع من حدودها، فلا تقتصر الشفاعة عنده على النبي (ص) بل هناك شفاعة من الإمام علي للشيعة، قائلاً: «اتفقت
الإمامية على أن رسول الله (ص) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر، وأن أمير المؤمنين يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته».
ولا يخالف الشريف المرتضى أستاذه المفيد في مسألة الشفاعة، ناقداً المعتزلة، ومخالفاً لهم مخالفة صريحة ونقد كل الأدلة النقلية التي اعتمدوا عليها عن طريق تأويلها تأويلاً يخالف ما هدفوا إليه، منتهياً إلى: أن «
تفسير المعتزلة للشفاعة .. لا يصدر إلا من عقل فاسد»، وهو نفس المنوال الذي اتبعه الطوسي بعده قائلاً: «وأعتقد أن شفاعة محمد (ص) نبيّنا حقاً حقاً، وكذلك الأئمة الطاهرين الأبرار المعصومين ودليل القرآن
العظيم نطق به، والنبي (ع) أخبر به فيكون حقاً».
وهكذا ينهي الاثني عشرية بحثهم في الحرية الإنسانية بمبحث الجزاء مثبتين أن للإنسان جزاء الجنة على فعله للخير، وجزاء النار على فعله للشر، ولكنه لو كان من المؤمنين بوجود الله ونبي الإسلام محمد (ص) فله
أن يخرج من النار ويدخل الجنة إما برحمة الله أو بشفاعة رسوله.
-----------------------------------------
المصدر: الحرية الإنسانية عند الشيعة الاثنى عشرية في عصر التأسيس

Heba Khled
08-31-2011, 05:26 AM
المسئولية الإنسانية من منظور الاختلاف المذهبي
د. منى أحمد أبو زيد

تمهيد:
نتناول في فصل المسئولية الإنسانية الأفعال التي تصدر عن الإنسان سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة (متولدة)، وتحديد مسئولية الإنسان أمر هام لتحديد نطاق الفاعلية الإنسانية وعلاقتها بالأسباب والمسببات من
جهة، ومن جهة أخرى لتحديد الجزاء المستحق على هذه الأفعال، فالأفعال الحرة هي الدليل على حرية الإنسان، وبقدر ما يمارس الإنسان الحرية في الفعل بقدر ما تقدر قيمة هذه الحرية، إلا أن الحرية ليست بدون
مقابل، بل الحرية يترتب عليها مسئولية، وهذه المسئولية يترتب عليها الجزاء.
ـ أولاً: إثبات الفاعلية الإنسانية
يعرف الطوسي الفعل بأنه «ما وجد بعد أن كان مقدوراً، والفاعل من وجد مقدوره»، وتنقسم الأفعال بحسب صدورها عن فاعليها إلى أفعال مخترعات، وأفعال مباشرة، وأفعال متولدة، المخترع هو الذي يحدث لا في
محل، والمباشر هو ما يحدث بسبب القدرة في محل القدرة، والمتولد هو ما يحدث بسبب فعل آخر.
القسم الأول وهو الفعل المخترع يختص به الله وحده، لأنه هو الذي أوجد الأشياء بقدرته، وهذا القسم لا خلاف فيه بين المتكلمين، فقد اتفقوا على أنه فعل لله وحده.
القسم الثاني: وهو الفعل المباشر، وهو يصدر عن القادرين من الناس، وقد اختلف فيه المتكلمون، وانقسموا إلى اتجاهين، أحدهما ينسب الأفعال كلها إلى الله، سواء كان فاعلها بقدرته أو بقدرة العبد التي اكتسبها من
الله أو بنية العبد، والاتجاه الآخر نسب الفعل المباشر إلى الإنسان، وإن تعددت بعد ذلك حدود هذه الفاعلية بحسب اختلاف قدرة الإنسان على فعل الأعراض، هل هي فاعلية على الألوان فقط أم الألوان والأصوات، أم
أكثر أو أقل؟
القسم الثالث: وهو الفعل المتولد، وهذا القسم حدث فيه اختلاف بين مَن أقر الفاعلية للإنسان عند أصحاب مذهب الحرية.
وكانت فرقة المعتزلة من أهم الفرق التي اهتمت بتحديد موقفها من الأفعال الإنسانية مباشرة أو متولدة، ويشير الأستاذ الدكتور سامي نصر لطف إلى هذا قائلاً: إن المسئولية تتوقف على القدرة الإنسانية في الفعل
والترك، وتتوقف على الاختيار .. والسبب الأساسي في اهتمام المعتزلة بالفعل المتولد كان لتحديد نطاق المسئولية الإنسانية ... هل تشتمل على الأفعال المباشرة فقط بوصفها أفعالاً صادرة عن قصود الإنسان ودواعيه
... أم تشتمل المسئولية على تلك الأفعال غير المباشرة التي تترتب على أفعال الإنسان، أي تشتمل على المتولدات؟.
واستعرض الشريف المرتضى المذاهب الباحثة في الفعل الانساني وأرجع الخلاف بينها في الفعل الاختياري لتحديد المسئولية فيه، إذ أنهم قد اتفقوا في جانب واختلفوا في جانب، اتفقوا جميعاً على أن الفعل
الاضطراري ليس عن فعل الإنسان، واختلفوا في الفعل الاختياري.
والفعل الاضطراري هو ما يحدث في أجسام العباد مثل اللون والهيئة وغيرها من صفات جسمانية، وقد أجمع المسلمون على أن هذه الأفعال هي فعل لله تعالى لا فعل للعبد فيه، وهذه الأفعال لا تشترط في محلها لا
الحياة ولا القدرة أو الاختيار، فقد تظهر على الجمادات أو النباتات أو الحيوانات.
أما الفعل الاختياري، وهو ما يستلزم الحياة والقدرة والاختيار فهو ما حدث فيه اختلاف، وهذا الفعل مثل قيامنا وقعودنا، سكوننا وحركاتنا وغير ذلك من تصرفات، واختلفوا في هذا إلى طرفين:
الطرف الأول: أخذ به جمهور أهل السنة والجبرية قائلين: «إن أفعال المحدثات نوعان ضروري واختياري ... وموجدها كلها هو الله تعالى».
الطرف الآخر، مثّله المعتزلة، ومعهم الاثني عشرية، فترى المعتزلة أن العباد فاعلون لتصرفاتهم حادثة من جهتهم، «وأن كل مَن قال إن الله سبحانه خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه».
أما الاثني عشرية فقد وقفوا إلى جانب المعتزلة وأثبتوا الأفعال للإنسان، فيذكر الشيخ المفيد هذا الأمر نافياً أن يكون الله فاعلاً لأفعال الإنسان، لأن الله عنده «جلّ عن مشاركة عباده في الأفعال ... وتعالى عن
اضطرارهم إلى الأعمال».
وقدم كل طرف أدلته العقلية والنقلية التي تؤكد موقفه، ولعل شدة الخلاف في هذه المسألة تعود إلى شبهة التعارض فيها على المستوى العقلي والنقلي، حيث أكد كل طرف موقفه بناء على العقل والنقل، هذا التعارض
لاحظه ابن رشد بعد ذلك وسجله قائلاً: «إنه إذا تؤمت دلائل السمع في ذلك وجدت متعارضة، وكذلك حجج العقول»، وهذا ما أكده عنه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي في كتابه عن ابن رشد، ولننظر إذن كيف عالج
الاثني عشرية مذهبهم في الفاعلية الإنسانية من جهة الأفعال المباشرة وغير المباشرة.
ـ ثانياً: مسئولية الإنسان من الأفعال المباشرة
وقف أصحاب الحرية وأصحاب الجبرية أمام الفعل الإنساني موقفين متعارضين، وسلّم كل منهما بأن موقفه هو الأسلم من الناحية العقلية والنقلية، باعتبار أنه هو الموقف الضروري الذي لا يحتمل أي لبس أو خطأ،
صرّح أصحاب الموقف الأول، المعبر عن الجبرية بأن «الدلائل الضرورية توجب أن يكون موجد الأفعال (الإنسانية) هو الله تعالى».
على حين اعتقد الفريق الآخر المثبت للحرية الإنسانية أن إثبات الفاعلية للإنسان من الأمور البديهية التي لا تحتاج إلى برهان، يقول الشريف المرتضى: «كان الأولى أن لا ندل على هذه المسألة ـ أعني أن أفعال
العباد فعلهم ـ لأن المنكر لذلك ينكر المحسوسات التي قد تبين صحتها»، وعلى الرغم من تسليم كل طرف في بداية موقفه برأيه، إلا أنه يلجأ إلى إيراد الأدلة العقلية والنقلية التي تؤكد ذلك.
دلل الاثني عشرية على صحة موقفهم بكل وسائل التأكيد الممكنة من «كتاب الله تعالى، ومن أخبار رسول الله (ص) ومن إجماع الأمة ومن حجج العقول».
(أ) أدلة من القرآن الكريم:
استعرض الاثني عشرية الأدلة القرآنية التي تثبت الحرية، ولكن واجهتهم أدلة أرخى قدمها أصحاب مذهب الجبر لإثبات فكرهم، فبدأ الاثني عشرية بتفنيد أدلة الخصوم من طريق تقديم تأويلات معينة قبل أن
يشرعوا في تقديم أدلتهم.
نقد أدلة الجبرية:
ذهب دعاة الجبرية، سواء كانوا جبرية خالصة من أتباع جهم بن صفوان، أو جبرية مقنعة من أتباع الأشاعرة ومَن اتفق معهم إلى أن الآيات القرآنية تؤكد أن أفعال الإنسان هي من الله تعالى، ومن الأدلة التي قدموها
ونقدها الاثني شعرية ما يلي:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (الله خالق كل شيء) فالموجودات كلها، ومنها الإنسان هي خلق الله بأجسامها التي هي جواهر، وأعراضها أي صورها وما يصدر عنها من أفعال، فيكون فعل الإنسان بناء على هذه الآية من خلق الله
تعالى وفعله.
ورفض المرتضى هذا التأويل، ورأى أن معنى خلق كل شيء لا يعني خلق أفعال العباد وإنما المقصود من هذه الآية خلق السماوات والأرض، الليل والنهار، الجن والإنس وما أشبه ذلك، فخالق كل شيء مما خلقه لا
مما فعله عباده، لأنه لا يجوز أن يفعل العباد خلق رب العالمين.
ورد المرتضى عليهم حجتهم قائلاً: إنّه لو كانت أفعال العباد خلق الله لوجبت أن تكون كل هذه الأفعال حسنة لا تظهر فيها القبائح تبعاً لقوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) فيجب حينئذ أن يكون الشرك حسناً،
وكذلك الظلم والكذب والفجور والفسوق، لأن ذلك كله عندهم خلق الله، وإذا كانت هناك قاعدة سبق أن اعتمدها الاثني عشرية وهي نفي القبائح عن الله وأفعال العباد يظهر فيها القبائح فلا يصح أن تكون صادرة عن
الله تعالى.
ولكن نسي المرتضى أن هذه القاعدة تصلح عندهم، ولا يعترف بها أصحاب المذهب الذاهب إلى أن أفعال العباد من خلق الله، فإذا أراد أن يحاج خصومه لابدّ أن يحاججهم على قاعدتهم ومسلماتهم، ولا يحاججهم على
ما صرّح هو به ولم يوافق عليه الخصوم.
الدليل الثاني:
قال تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) الصافات آية 96، وفكرة هذه الدليل تتشابه مع فكرة الدليل السابق، وهي أن الأعمال من الأعراض، وهي أدق من الأجسام، فلما كان لا يستطيع أحد أن يقدر على إحداث الأجسام
سوى الله، فكذا الاعراض، وإذا كان موجد الأفعال هو الله تعالى كان موجد الحركات هو أيضاً الله تعالى.
وقد أشار الشريف المرتضى إلى أن مناسبة نزول هذه الآية، أنها ذكرت في قصة سيدنا إبراهيم عندما حاج قومه فقال لهم: (لِمَ تعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) فلقد نحتم خشباً ثم عبدتموه، وهذا خطأ، وذكر
على جهة التوبيخ، لأن الله خلقكم وخلق ما تصنعون منه إلهتكم، أي الأصنام التي حل فيها تصويراتكم.
ثم يعكس المرتضى هذا الدليل عليهم، قائلاً: إنا نرد هذا الكلام عليهم فنقول لهم: إذا زعمتم أن كفرهم خلقهم، وقال إبراهيم محتجاً عليهم في قولهم إنّ الله خلق أعمالهم فلم لم يقولوا: يا إبراهيم إن كان الله خلق فينا
الكفر، لا يمكننا أن نرد ما خلق فينا، ولو قدرنا لفعلنا، وأنت تأمرنا بأمر لم يخلقه الله فينا، «إن كفرهم غير خلق الله، ولو كان خلق الله ما عذبوا عليه ولا نهوا عنه».
وفي موضع آخر قدم الشريف المرتضى تفسيراً لهذه الآية يؤدي إلى نفس المعنى ولكن بصورة أخرى، فيقول: حمل أهل الحق هذه الآية على أن المراد بقوله (ما يعملون) أي وما تعملون فيه من الحجارة والخشب،
مما كانوا يتخذونه أصناماً ويعبدونها.
ونفس التأويل أخذ به الشيخ الطوسي أيضاً ورأى أنّ قوله تعالى: (خلقكم وما تعملون) المراد به الأجسام، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام دون أفعالهم فيها، فعنّفهم الله تعالى بأن قال: أتعبدون ما تنحتون من الأجسام؟ والله
خلقكم وما تعملون من الأجسام التي تنحتون فيها الأصنام، وتقدير الكلام وما تعملون منه، على أنه يضاف المعمول إلى أنه عمل الصانع، يقال هذا الباب عمل النجار، فيضيفون المعمول فيه إلى العامل، وذلك مجاز.
وهذه الآية أيضاً سبق أن تعرض لها أصحاب مذهب الحرية من المعتزلة، وقدموا تأويلاً لها يوافق القول بالحرية، فنجد القاضي عبدالجبار يستند في تأويل هذه الآية إلى فكرة السياق من ناحية وإلى تقدير محذوف في
الكلام من ناحية أخرى، السياق لأن الله إنما ذكر ذلك ليقرع به عباد الأصنام، فأراد الله تعالى أن يبين أنه الخالق لما يحاولون عبادته، كما أنه الخالق لهم، وأنه أولى بالعبادة من الأصنام، والمحذوف يظهر في معنى
الآية أن الله خلق الإنسان وما يعمل فيه من المواد كالخشب والحجارة وغيره، أما عمله نفسه في هذه المواد فهو من خلقه ولا يدخل تحت منطوق الآية، وهكذا يصبح تقدير المحذوف والحذف مجاز وسيلة التأويل
والعدول عن الظاهر.
ينتهي الشريف المرتضى من نقد أدلة الخصوم بتقديم تأويلات تخدم تصوراته، مؤكداً أن معنى خلق الله لأعمال العباد يعني أنه مقدّر لها، ومعروف مقاديرها ومراتبها وما يستحق عليها من الجزاء ولا يمتنع أن يقال:
«إنّه خالق للأعمال على هذا المعنى، إذا ارتفع الإبهام وفهم المراد».
ـ أدلة الحرية:
أشار الاثني شعرية إلى أنّ القرآن مملوء بآيات كثيرة تثبت الفعل الحسن إلى الله، وتنسب الفعل الرديء إلى الإنسان، فكثيراً ما نقرأ ألفاظاً مثل إنهم «يصنعون» و «يفعلون» و «يكسبون»، فلو كانت هذه الأفعال
كلها لله لبطلت هذه الإضافات إلى الإنسان، وكانت كذباً، وهذا ما أشار إليه الطوسي عندما رأى آيات متعددة تضيف الفعل إلينا، فمن نفى الفعل عنا فقد خالف القرآن.
الدليل الأول: اعتمد الشريف المرتضى على قوله تعالى: (وما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك)، وهذا قول صريح بأن السيئة صادرة عن الإنسان والطاعة وإن كانت من فعل الإنسان فقد
يصح أن يضيفها إلى الله من حيث التمكين منها والتعريض لها، والدعاء إليها، وهذه أمور تحسن هذه الإضافة، ولا يجوز ذلك في السيئة لأنه تعالى ينهي عنها ومنع من فعلها، أو أن من صور اللطف الإلهي أن يسّر
للإنسان الطاعة من حيث العقل والتكليف وبعثة الأنبياء وتحديد الأئمة.
الدليل الثاني: هذا الدليل يقوم على فكرة الاتقان لقوله تعالى: (صنع الله الذي أتقن كل شيء)، فلما لم يكن الكفر بمتقن ولا بمحكم علمنا أنه ليس من صنعه، والدليل على ذلك تؤكده آية أخرى في قوله تعالى: (ما ترى
في خلق الرحمن من تفاوت)، فلما كان الكفر متفاوتاً متناقضاً علمنا أنه ليس من خلق الله تعالى.
وكُتُب الاثني عشرية مشحونة بآيات عديدة تثبت الحرية، وأن الله ليس فاعلاً لأفعال عباده، نجد هذا عند الشريف المرتضى الذي انتهى بعد حصر عشرات الآيات التي تثبت الحرية إلى القول: «لو قصدنا إلى
استقصاء ما يدل على مذهب أن الله لم يفعل الظلم والجور والكذب وسائر أفعال العباد لطال بذلك الكتاب».
وهذه الآيات أيضاً ذكرها الطوسي ليؤكد ذكرة الاثني عشرية عن الحرية مشيراً إلى أن القرآن يؤكد ذلك، لأنه تعالى قال: (جزاء بما كانوا يعملون)، وقوله تعالى: (جزاء بما كانوا يكسبون)، وقوله تعالى: (فمن يعمل
مثقال ذرة خيراً يره، ومَ، يعمل مثقال ذرة شراً يره)، وقوله تعالى: (ومَن يعمل بسوء يجزيه)، وقوله تعالى: (ومَن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً) وغير ذلك من الآيات التي أضاف الفعل فيها إلينا.
(ب) أدلة من السنة النبوية (ومن الأئمة):
كما حرص الاثني عشرية في تأكيد الحرية الإنسانية الاعتماد على آيات قرآنية تؤكد الأدلة النقلية، كان حرصهم كذلك أن يدعموا ذلك بأدلة نقلية أخرى مستند إلى السنة النبوية الشريفة، فذكروا مجموعة من الأحاديث
النبوية.
ولا تختلف الشيعة الاثني عشرية عن أهل السنة في قيمة الاعتماد على الأحاديث النبوية كمصدر من مصادر التشريع، فمن مصادر التشريع عندهم ـ كما هي عند بقية المسلمين ـ الكتاب والسنة، ولكن الاختلاف بينهم
هو ما هي الأحاديث الصحيحة عند كل طرف، وسلسلة الرواة التي يعتمدها كل منهم، لا يرفض الاثني عشرية الأحاديث النبوية التي تعتمدها الفرق الأخرى طالما أن منطوق هذه الأحاديث لا تخالف اعتقاداتهم، وإن
كانت لهم مصادرهم الخاصة في الاعتماد على السنة، وكتب خاصة يرجعون إليها عند الاحتجاج بالأحاديث.
وتحوي كتب الاثني عشرية العديد من الأحاديث النبوية التي تؤكد فكرة الحرية على سبيل المثال: قول رسول الله (ص): «أضمنوا لي أشياء أضمن لكن الجنة، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: لا تظلموا عند قسمة
مواريثكم ... ولا تحملوا على الله ذنوبكم».
ـ روي عن أبي هريرة أنه قد جاء رجل إلى الرسول (ص) وسأله قائلاً: يا رسول الله متى يرحم الله عباده؟ قال (ص): «يرحم الله عباده ما لم يعملوا بالمعاصي ثم يقولون هي من الله».
ـ روي عن النبي (ص) أنه قال: «خمسة لا تطفأ نيرانهم ولا تموت ديدانهم: رجل أشرك بالله ... ورجل حمل على الله ذنبه».
ـ وروي عنه أنه (ص) قال: أتاني جبرئيل فقال: «يا محمد خصلتان لا ينفع معهما صوم ولا صلاة: الإشراك بالله، وأن يزعم عبد أن الله يجبره على معصية».
ـ وروي عن أنس أنه قال: قال رسول الله (ص): «سيكون في هذه الأمة أقوام يعملون بالمعاصي ويزعمون أنها من الله، فإذا رأيتموهم فكذبوهم ثم كذبوهم».
(ج) الإجماع:
يشير الشريف المرتضى إلى أن جوهر الإسلام هو إثبات الحرية، وأن ما ظهر من جبر كان بعد فترة من ظهور الإسلام ونتيجة لظروف معينة، سواء كانت من السلطة الحاكمة، أو من ضعف إيمان بعض المسلمين،
أو تدخل أمور خارجية لنشر هذه العقيدة، وإذا رجعنا إلى كل ما ذكر من الصحابة والتابعين، وأئمة آل البيت وعلماء المسلمين، سنجد إجماعاً على أن المذهب الصحيح هو القول بالحرية، وأن القائلين بالجبر يُعدّون
قلة بالنسبة إلى عامة المسلمين.
ولم يتناول الشريف المرتضى هذا الإجماع بشكل تفصيلي، ولكن اكتفى بذكر العلماء الذين أكدوا مذهب الحرية.
أما فكرة الإجماع نفسها التي تؤكد الحرية يعرضها الشريف المرتضى في ثنايا عرضه للأدلة العقلية، فيتناول في هذه الأدلة أفكاراً يسلم بها أغلب المسلمين، فكأن الإجماع بني هنا على تصورات عقلية لإثبات الحرية.
وقد تردد الاثني عشرية أمام الإجماع كمصدر من مصادر التشريع وتناولوا طرق ثبوت الاجماع في عصر من العصور بعينه، فزعم بعضهم أنه لا سبيل لمعرفة ما أجمع عليه الصحاب لبعد الزمان، ويقولون إن العلم
بالاجماع في حكم من الأحكام بعينه في الأزمان المتأخرة عن طريق لنقل وهو موقوف على معرفة المجتهدين واحصائهم ليدخل كل مجتهد في جملة المجتمعين، وليمكن القول بأنه قد حصل اجماع كاشف عن قول
الإمام في هذه المسألة.
وربما الاجماع الذي قصده المرتضى هنا هو أن يكون سند الاجماع هو العقل إذا بني على الحسن الذاتي أو القبح الذاتي، أو على تخريج أو استنباط أو تفريع واضح المأخذ يجري فيه الاتفاق بين جماهير علمائهم
مهما ابتعدت بهم الأقطار.
ولكن إذا كانت فكرة اجماع المسلمين على مذهب الحرية في الفترة التي عاش فيها الشريف المرتضى في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فكيف الحال، الآن قد تغلبت مذاهب الأشاعرة على أكثر بلاد المسلمين،
وبالتالي أكدت فكرتها المخالفة للحرية فهل الاجماع الذي قصده الشريف المرتضى يصلح الآن أيضاً، أما أنه اجماع كان صالحاً في عصره فقط؟!
(د) الأدلة العقلية:
وكما اعتمد أصحاب مذهب الحرية على العقل لإثبات الحرية الإنسانية، اعتمد أيضاً أصحاب مذهب الجبر على العقل لإثبات أن الإنسان مسيّر لا فعل له، وحرص أصحاب مذهب الحرية على تفنيد أدلة الخصوم
العقلية ليتسنى لهم بعد ذلك تقديم أدلتهم.
نقد أدلة الجبرية:
وضع الاثني عشرية أصحاب مذهب الجبر، سواء من أصحاب جهم بن صفوان، أو من أصحاب نظرية الكسب، في طائفة واحدة مطلقين عليهم اسم المجبرة أو الجبرية، إحداها هي الجبرية الخالصة، والأخرى هي
الجبرية المتوسطة، في حين أن الشهرستاني يخرج أصحاب نظرية الكسب عن الجبرية قائلاً: «فالجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلاً ولا قدرة على الفعل أصلاً، والجبرية المتوسطة هي التي تثبت للعبد
قدرة غير مؤثرة أصلاً، فأما مَن أثبت للقدرة الحادثة أثراً ما في الفعل، وسمى ذلك كسباً فليس بجبري».
وقد هاجم الاثني عشرية أصحاب نظرية الكسب ووضعوهم جنباً إلى جنب مع أصحاب مذهب الجبر، ونحن نتفق مع الأستاذ الدكتور سامي نصر لطف في أن الكسب مرادف للجبر، وقد عرف المكتسب بأنه «
المجبر على فعله لأنه لا يجوز لمن اكتسب أن لا يكتسب لأنه مسلوب الاختيار الذي يعطيه الحرية في الفعل أو الترك».
وكان الحسين بن محمد النجار أول المتكلمين الذين قالوا بنظرية الكسب ثم أخذ بها بعد ذلك الأشعري وفرقته، وفرقة الماتريدية، وإن اختلفوا بعض الشيء عن الأشاعرة في حدود الكسب إلا أنهم اتفقوا معاً على أن
الإنسان ينال جزاؤه بناء على نيته أو قدرته التي أكسبه الله إياها عند خلق الأفعال.
عرف الباقلاني الكسب بقوله: «معنى الكسب أنه تصرف في الفعل بقدرة تقارن في محله فتجعله بخلاف صفة الضرورة»، فالكسب هو الاقتران العادي بين القدرة الإنسانية الحادثة والفعل، والله قد أجرى العادة بخلق
الفعل عند إرادة الإنسان، فإذا أراد العبد القدرة وتجرد لها خلق الله له في هذه اللحظة قدرة على الفعل مكتسبة من العبد مخلوقة من الرب، فيكون الفعل خلقاً من الله وكسباً من العبد، يقول البغدادي: «إن أفعال العباد
اكتساب لهم من الله، لأن الله عزوجل خالقها، كما أنه خالق الأجسام والألوان والطعوم والروائح لا خالق غيره، وإنما العباد مكتسبون لأعمالهم»، فالله خالق الكسب والعبد مستفيد من الكسب.
وقد حاول أصحاب هذا المذهب أن يوفِّقوا بين أن يحدث الفعل بقدرة الله تعالى وفاعليته خلقاً وإبداعاً مع نسبة الفعل بوجه ما إلى الاستطاعة البشرية حتى يوجب على العبد المسئولية والجزاء، يقول اللامشي: «وأما
أهل السنة فقد تمسكوا بفصل الأمر والنهي والثواب والعقاب ... فجعلوها مضافة إلى العباد كسباً واختياراً وإلى الله تعالى تخليقاً وإيجاداً».
فالدافع الأساسي الذي دفع أصحاب نظرية الكسب إلى أن يخففوا من القول بالجبر هو وجود الثواب والعقاب، فكيف يحاسب الإنسان على أفعال لم يفعلها، فقالوا إن الإنسان يختار هذه الأفعال بالنية أو بالقدرة
المكتسبة، وعلى أساس هذا الاختيار يقوم الله بخلق الفعل وينسب إلى الإنسان، ويكتسب الإنسان الجزاء من نتيجة هذا الفعل.
وحاول الباقلاني أن يضيف أبعاداً جددة لنظرية الكسب تبعدها عن الجبرية، فحاول التفرقة بين الأفعال الاختيارية والأفعال الاضطرارية، إذ يعرف الإنسان من نفسه الفرق بين قايمه وقعوده، فالكسب عنده «تصرف
في الفعل بقدرة تقارنه في محله فتجعله بخلاف صفة الضرورة، وكل ذي حس سليم يفرق بين حركة يده على طريق الاختيار وبين حركة المرتعش».
والكسب عند الماتريدية له نفس المدلول، فالفعل الذي يقوم به العبد نوعين، نوع يوجده الله تعالى فيه بدون قدرته واختياره، كحركة المرتعش، والثاني يوجده الله تعالى مع ارادته وقدرته، كالحركات الاختيارية، وسمي
هذا النوع الثاني كسباً، إلا أننا نشير بإيجاز إلى أن نظرية الكسب الأشعرية أقرب إلى الجبرية من النظرية الماتريدية، إذ يتيح الماتريدية اكتساب القدرة للانسان لحظة الفعل لكي يختار أن يفعل، فالقدرة عندهم لها
بعض الدور بخلاف التصور الأشعري الذي حرص إما على القول أن الإنسان اكتسب جزاءه بالنية أو بالقدرة المكتسبة لفعل ما بطريقة معينة.
وقد ساوى الاثني عشرية بين فكرة الكسب وفكرة النية، وروا أن الكسب لا يصلح أن توصف به الأعمال ولا يقع عليه الجزاء، لأن الكسب يقع على النية، والجزاء ليس عن النية ـ خاصة في الأفعال الرديئة ـ وإنما
على الفعل وحده، يقول الشيخ المفيد: مَن عمل بما افترض الله عليه فهو من خير الناس، فالأعمال وحدها هي التي تقدر عليها الجزاء وليست النية.
وهذا ما أكده بعده الشريف المرتضى عندما رأى أن المسئولية في الفعل تقع على العمل وليست على النية، لأن النية لا ترقى إلى مستوى العمل، بل وتختلف عنه، يقول المرتضى: «النية لا تسمى في العرف عملاً،
وإنما تسمى بالأعمال أفعال الجوارح ولهذا لا يقولون عملت بقلبي، كما يقولون عملت بيدي».
ويرد الشريف المرتضى على الحديث النبوي القائل: (إن نية المؤمن خير من عمله)، وهو الحديث الذي اعتمده أصحاب الكسب عندما ربطوا بين معنى الكسب والنية، مدللاً على أن ما يوصف بأنه خير من غيره هو
ما يقع على العمل فقط، فيوصف فعل ما بأنه خير من غيره إذا كان ثوابه أكثر من ثوابه، فكيف يجوز أن تكون النية خير من العمل، ومعلوم أن النية أخفض ثواباً من العمل، ووضع تأويلاً لهذا الحديث يقول فيه: إنه
«يجوز أن يكون المعنى أن نية المؤمن خير من علمه العاري من نية».
وسار الشيخ الطوسي على نفس الخط في نقد مذهب الكسب قائلاً: «ومتى قيل إن أفعالنا تحتاج إلينا في كونها كسباً دون الحدوث، قلنا ذلك باطل ... والكسب الذي يدعونه غير معقول فكيف تتعلق الحاجة به، ويترك
الحدوث الذي هو أمر معقول ومعلوم، والكسب ليس بمعقول ولا معلوم».
فالشيخ الطوسي، يرى أن فكرة حدوث الأفعال عن الإنسان فكرة واضحة جلية مذكورة ومؤكدة بالأدلة النقلية والعقلية، فكيف يرفضها أصحاب مذهب الجبر ويستبدلون مكانها فكرة ليست مذكورة بالأدلة النقلية ولا
تؤكدها الأدلة العقلية، وإن كنا نرى أن في هذا ظلم لأصحاب نظرية الكسب، لأنهم حاولوا أن يوجدوا أسانيداً لمعنى لفظ الكسب من الآيات القرآنية، وحاولوا أن يؤكدوها بأدلة عقلية وأخرى نقلية، مثل ما قالوا لا
يصح صدور فعل عن فاعلين أو خالقين،فهذه محاولة سواء كانت ناجحة أو غير ناجحة إلا أنها كانت الملائمة لتصورهم لدور الله في العالم وتدخله المستمر في كل ما يصدر عن الكائنات، سواء العاقلة أو غير العاقلة
عندما نسبت الفاعلية في العالم إلى الله وحده.
ـ أدلة الحرية:
يعتمد الاثني عشرية على عدد من الأدلة العقلية التي تثبت الحرية، ونجد أن أغلب أفكار هذه الأدلة موجودة عند المعتزلة في التدليل على الحرية، مما يؤكد وجود تقارب بين الفريقين يتباعد ويتقارب بحسب ما
يعرضوه من مشكلات وبحسب أصول كل منهم، أما في مسألة الحرية الإنسانية فكان التقارب في أشده، وهذا ما سنلاحظه من خلال أدلة الفرقتين، وهذه الأدلة هي:
الدليل الأول: البرهان الشعوري
يفرق الاثني عشرية بين نوعين من الأفعال، الأول أفعال ضرورية لا دخل للإنسان فيها، والأخرى اختيارية يفعلها الانسان مختاراً، وهى «الأفعال الظاهرة من العباد التابعة لقصودهم وأحوالهم، المحدثون لها دون
الله تعالى».
ودلل الاثني عشرية على الفرق بين الفعلين الضروري والاختياري كالفرق بين الماشي والانسان المسحوب على وجهه، الأول «مشيته مختاراً متعلقة به وبايثاره، وإذا سحب على وجهه كانت الحركة فيه
اضطرارية، فلذلك فرق بينهما».
فالأفعال الاختيارية هي الأفعال التي يقوم بها الإنسان بحسب قصده ودواعيه وترتفع بارتفاع إرادته، وتقع بوقوع إرادته، سواء في حالة الحب أو الكراهة، فهي أفعال صادرة عن الانسان بفعله وعزم إرادته واختياره،
وهي تختلف عن أحوال أخرى تحدث عن الانسان لا دخل له فيها، مثل ألوانه وأطواله وهيئته، ومرضه وصحته، وفلو كان القيام والقعود مثل الطول والهرم والصحة والمرض لكانت أحكام الجميع واحدة في
الحصول بحسب دواعينا، فلما اختلف حكم الجميع علمنا اختلاف حكمها في الإضافة.
وهذا الدليل هو أحد الأسانيد العقلية التي اعتمدها المعتزلة لإثبات الفاعلية الإنسانية معتمدين على فكرة وجود الداعي والقصد، أو يكفي وجود الشعور الذي يحرك الانسان نحو فعلاً ما، فالعقلاء على اختلاف أحوالهم
يعترفون بأن الفاعل المختار إنما تأتي أفعاله بحسب قصده ودواعيه هو، كما أن هذه الأفعال تنتفي بحسب الكراهة والصوارف عنها، والموانع التي تمنع من مباشرتها.
ويظهر نفس الدليل بنفس الصورة عند الشريف المرتضى المتأثر بمعتزلة البصرة وبخاصة القاضي عبدالجبار، إذ أنه كان أستاذه، وقد تأثر به في طريقة الاستدلال، فيقول: «ألا ترى أن أحدنا إذا قصد إلى الأكل
وأراد وعزم عليه وقع منه، فلولا أنه محدث الأكل وموجده ما تعلق بقصده وداعيه وحاجته، ولولا أن هذه الأفعال التي أشير إليها أفعالنا لم يجب أن يقع بحسب حاجتنا وأحداثنا ويقف على دواعينا»، فسبب حدوث
الفعل إذاً هو قصدنا واختيارنا.
الدليل الثاني: الأوامر والنواهي
ويسمى أيضاً بالبرهان التكليفي، فالتكليف الإلهي يقوم على إفعل ولا تفعل، إذ قد أمر الله تعالى عباده بأفعال كثيرة، كالإيمان والطاعة والصلاة والصوم والعبادات، ونهاهم عن أفعال كثيرة، كالشرك والسرقة وشرب
الخمر، وغيرها من النواهي، فلولا أن هذه الأعمال ـ من الأوامر والنواهي ـ في مقدور الإنسان لما صح التكليف.
إذ لا يمكن أن نتصور وجود خطاب إلهي للعباد بأوامر ونواهي دون تصور وجود قدرة يتم بها الفعل أو يتم بها الكف عن الفعل في حالة النهي. ويشير المرتضى إلى أن هذا التكليف يطرح احتمالين لا ثالث لهما، إذا
ظهر بطلان أحدهما صح الآخر.
الاحتمال الأول: أن الإنسان إذا كلف بما لا يفعله، فيكون أمره هنا نوع من السفه لا يجوز على الباري.
الاحتمال الثاني: ينتج من بطلان الاحتمال الأول أنه إذا كلف الانسان فلابدّ له من حرية واختيار وفعل ليصح المخاطبة بالتكاليف، «ولم يجز أن يأمرهم بأن يفعلوا أطوالهم وقصرهم وألوانهم وصورهم، علمنا أن هذه
الأمور فعل الله، وأنّ الطاعة والمعصية والإيمان والكفر فعل العباد».
الدليل الثالث: المدح والذمّ
أننا وجدنا العباد يُمدحون ببعض الأُفعال، يذمون ببعضها الآخر، فهم يمدحون بفعل الطاعات وأداء الواجبات، كما يمدحون على الإحسان والأنعام، ويذمون بالمعاصي والقبائح، ولولا أن ذلك من أفعالهم واختيارهم لما
توجه إليه مدح ولا ذم، كما لا يصح أن يمدحوا أو يذموا بألوانهم وهيئاتهم، ولا على ما يقع من غيرهم من الأفعال.
وهذا الدليل أيضاً اعتمده المعتزلة كدليل على إثبات الفاعلية الإنسانية، فقد فرق القاضي عبدالجبار بين ما يجب المدح والذم من الأفعال، وما لا يجب، باعتبار أن الإنسان مسئول عن النوع الأول من الأفعال، وغير
مسئول عن النوع الثاني، فالنوع الأول يتحقق فيه شروط التكليف فيكون مسئولاً عنها، وتنعدم مسئوليته إذا غابت هذه الشروط أو غاب شرط منها، فلا يذم الأعمى لعدم تمييزه الألوان، لأنه فقد شرط الرؤية، ومن ثمة
«فلا يحسن هنا أن نقول للطويل لم طالت قامتك ولا للقصير لما قصرت؟ كما يحسن أن نقول للظالم لم ظلمت، وللكاذب لم كذبت؟، فلولا أن أحدهما متعلق بنا وموجود من جهتنا بخلاف الآخر، وإلا لما وجب هذا
الفصل».
الدليل الرابع: وجود قبائح في أفعال البشر
يظهر في أفعال العباد ما هو كفر وظلم وقبح وكذلك باقي الأفعال القبيحة والمعاصي، فلو كان الله هو الفاعل لتلك الأفعال لوجب أن يكون من حيث فعل الظلم ظالماً، بفعله الكفر كافراً، وبفعل القبيح مقبحاً، وقد أجمعت
الأمة على أنه تعالى لا يوصف بأنه ظالم أو غيرها من صفات، وكل مَن وصفه بذلك وسماه به كان خارجاً عن الدين، وإجماع المسلمين على هذا حجة على أن الله لا يفعل شرور العباد، وإنما هم فاعليها، فإذا كان
هناك صنف من أفعال العباد تنسب إليهم، والأفعال الإنسانية من جنس واحد، صح أن تنسب بقية الأفعال بما فيها من طاعات ومعاصي إليهم.
الدليل الخامس: الثواب والعقاب
وهذا الدليل أيضاً أسنده الاثني عشرية إلى إجماع الأمة، وهو أنهم قد اتفقوا على أن الله تعالى يثيب المؤمنين ويعاقب الكافرين، فلولا أن الإيمان والكفر من فعل المؤمن والكافر لم يحسن الثواب، لأنه قبيح، يثاب
العاصي ويعاقب المطيع، الدليل على ذلك لو فعل أحدنا فعلاً في عبده لما حسن أن يعاقبه عليه، ويؤاخذه به، ومَن فعل ذلك عدّ ظالماً وسفيهاً، تعالى الله عن ذلك.
ولو كان الله هو فاعل أفعال العباد «لا يجوز أن يعذب العباد على فعله، ولا يعاقبهم على صنعه، ولا يأمرهم بأن يفعلوا ما خلقه، فلما عذبهم على الكفر وعاقبهم على الظلم وأمرهم بأن يفعلوا الإيمان علمنا أن الكفر
والظلم والإيمان ليست من فعل الله ولا صنعه».
الدليل السادس: بعثة الأنبياء
أشار الشريف المرتضى إلى أن وجود بعثة للأنبياء كي يرشدوا البشر إلى فعل الخير ويحذروهم من ارتكاب الشر لهو خير دليل على أن للإنسان قدرة واختيار للفعل، أما نسبة الأفعال كلها إلى الله سيؤدي إلى أن «
يبطل الثقة بصدق الأنبياء (ع)، ويقتضي الشك في جميع الشرائع والخروج من دين الإسلام، بل من سائر الأديان.
الدليل السابع: العبادة
إن القول بأن الله تعالى هو الفاعل لأفعال الإنسان الظاهرة يقتضي أنه لا نعمة له تعالى على الكافر، وإذا لم تكن له نعمة لم تجب عبادته على الكافر، لأن العبادة وسيلة للشكر، «ومَن لا نعمة له فلا شكر يستحقه ولا
عبادة».
فالله تعالى ليس هو فاعل أفعال الإنسان الظاهرة، بل هذه الأفعال تنسب إلى فاعليها من البشر، ويستخدم الشريف المرتضى طريقة الاحتمالات ليدلل على صدق تصوره، بأن يفترض الاحتمالات الناتجة من افتراض
فاعل لأفعال الإنسان الظاهرة، هل من الله وحده، أم من الله والإنسان بالاشتراك أم أنها من الإنسان وحده، ويفند هذه الاحتمالات ليتبين له ما الاحتمال الصحيح.
الاحتمال الأول: أن تكون أفعال العباد كلها فعل رب العالمين لا فاعل لها غيره، وهذا محال أن يكون منفرداً بالأفعال لا فاعل غيره، لأنه لو صح ذلك لما جاز أن يرسل الرسل وينزل الكتب، ولبطل الأمر والنهي،
والوعد والوعيد والحمد والذمّ، والثواب والعقاب، لأنه لا فضل للعباد في أفعالهم، وأوجب هذا أيضاً أن يكون هو ـ تعالى ـ الفاعل للشرور والقباحئ، ونسب هذا إليه محال.
الاحتمال الثاني: أن يشارك الله العباد في أفعالهم، بأن يصدر الفعل الواحد عن فاعلين، ولا يؤدي هذا إلى كونه فاعلاً للظلم الذي يفعله العباد، وكذلك للكفر والعبث والفساد، وكان عابثاً مفسداً إذ لم يكونوا فاعلين لهذه
الأمور دونه، ولا هو فاعل لها دونهم، وهذا أيضاً احتمال فاسد.
الاحتمال الثالث: أن يكون الفعل صادراً عن العباد وحدهم، وليس فعل الله، وهذا الاحتمال هو ما يقبله الشريف المرتضى، فيقول: «فلما بطل هذان (الاحتمالان) ثبت الثالث، وهو أن هذه الأفعال عمل العباد، وأنها
ليست من فعل رب العالمين ولا صنعه».
ـ ثالثاً: مسئولية الإنسان عن الأفعال المتولدة
كانت مسألة النتائج غير المباشرة عن الفعل الارادي مادة لاختلاف المتكلمين، تبلور هذا الخلاف في التساؤل متى يكون الإنسان مسئولاً عن نتائج فعل يقوم به حتى تلك النتائج غير المتوقعة أي غير المباشرة؟
وقد حاول أصحاب مذهب الحرية تفسير نتائج العمل الإنساني، هل هذا العمل أو الفعل الإنساني هو فعل الإنسان أم فعل غيره؟ أو بمعنى آخر هل يحدث الفاعل فعلاً في غيره أو لا يحدث الفعل إلا في نفسه؟ وما
مسئولية الإنسان عن بعض النتائج التي تحدث عن فعله سواء كان عارفاً لها وقاصداً لفعلها؟ أو غير عارف أنها ستحدث أو غير قاصد إليها؟
وقد ظهرت الإجابة من هذه التساؤلات تحت مسألة «التولد» أو «الآثار غير المباشرة»، ويعد أبا الهذيل العلاف المعتزلي أول متكلم في التولد وإن كان واضع صورة هذه المشكلة الحقيقي هو مؤسس المدرسة
البغدادية «بشر بن المعتمر» بعد ذلك ومن هذه المدرسة وغيرها تعرف الاثني عشرية على مسألة التولد وبحثوها في إطار تحديد مسئولية الإنسان عن أفعاله المباشرة وغير المباشرة.
وتعريف التولد لغوياً يعني «الفعل الصادر عن الفاعل بواسطة، ويقابله المباشر»، أما الترعيف الاصطلاحي فقد تعدد فقال البعض: «هو الفعل الذي يكون بسبب مني ويحل في غيري»، وقال بعضهم: «هو الفعل
الذي أوجبت سببه فخرج من أن يمكنني تركه وقد أفعله في نفسي وأفعله في غيري»، وقال بعضهم: «هو الفعل الثالث الذي يلي مرادي مثل الألم الذي يلي الضربة، ومثل الذهاب الذي يلي الدفعة».
وقسم الأشعري آراء الإمامية إلى رأيين:
الأول: يزعمون أن الفاعل لا يفعل في غيره فعلاً، ولا يفعل إلا في نفسه، ولا يثبتون الإنسان فاعلاً لما يتولد عن فعله.
الثاني: يزعمون أن الفاعل منا يحدث الفعل في غيره، وأن ما يتولد عن فعله كالألم المتولد عن الضرب، والصوت المتولد عن اصطكاك الحجرين، وذهاب السهم المتولد عن الرمية فعل لمن تولد عن فعله».
ولم نجد في مؤلفات الاثني عشرية قبل الشيخ المفيد حديثاً عن الفعل المتولد، مما يدل على أنهم قد تعرفوا على هذه المسألة بعد احتكاكهم بالمعتزلة، وبخاصة معتزلة بغداد التي تعرف عليها الشيخ المفيد وتأثر بها،
وابتداء من المفيد نلاحظ ملامح معالجة الاثني عشرية للتولد، فقد قسم المفيد الأفعال إلى مباشر ومتولد، فيقول: «إن من أفعال القادر ما يقع متولداً بأسباب يفعلها على الابتداء من غير توليد لها ... فالمبتدأ من الأحوال
لا يكون متولداً، والمسبب عن المبتدأ يكون متولداً عن فعل صاحب السبب».
ويتناول بعده الشريف المرتضى بحث هذه المسألة وفي أحد كتبه الكلامية يضع عنواناً باسم «إننا نفعل على سبيل التوليد» يبحث تحته مسألة التوليد من ناحية التعريف وحدود الإنسان ومسئوليته في الأفعال المتولدة،
إذا حدثت في نفسه أو في غيره، أو في الطبيعة، ويبدو في أغلب آرائه متأثراً بمدرسة البصرة الاعتزالية في موضوع التولد.
هذا ما يدفعنا إلى تقديم صورة مختصرة لآراء المدرستين الاعتزاليتين، البصرة وبغداد في مسألة التوليد، حتى نتعرف على الأرضية الفكرية التي قام على أساسها مذهب الاثني عشرية في التولد.
فقد تعددت تصورات المعتزلة في التوليد، فذهب بشر بن المعتمر إلى أن «المتولدات أجمع، وكذلك الأعراض هي من فعل الأجسام الموات بطباعها، ولا فعل لله إلا نفس المحل ولا للعبد عنده فعل سوى الارادة»،
وهذا ما أكده عنه الشهرستاني عندما نسب إليه القول أن «اللون والطعم والرائحة والادراكات كلها من السمع والرؤية، يجوز أن تحصل متولدة من فعل العبد إذا كان أسبابها من فعله».
ونلاحظ أن معمراً قد ينسب بعض الأفعال المتولدة إلى الجماد إذا لم يكن الانسان يعرف سببها، مثال ذلك إذا ألقى الإنسان بحجر وصادف أن قتل هذا الحجر إنساناً، وفاعله لم يقصد فعل ذلك، نسب هذا الفعل ـ الموت
ـ إلى الحجر وليس الإنسان، أما إذا كان الفاعل يعلم نتائج فعله، فإذا ضرب أحد آخر بسكين، وتولد عن هذا الضرب موتاً، فينسب الموت هنا للإنسان لأنه يعلم أن السكين يقتل.
فالفعل المتولد لو كان باختيار الإنسان وقعت عليه مسئوليته، أما إذا صدر عن الانسان بطريق غير مباشر نتائج لم يختارها فلا ينسب معمر مسئولية فعلها للانسان، وإنما ينسبها إلى الطبيعة الجامدة، أما ثمامة بن
أشرس، وهو من معتزلة بغداد فقد صرح بأن المتولدات لا فاعل لها، لا الانسان ولا الطبيعة ولا الله.
واختلفت معتزلة البصرة في آرائها حول الفعل المتولد، فكان منهم الجاحظ وهو أبرز مَن قال بالطبع من رجال المعتزلة، وذهب إلى أن فعل الانسان يصدر عنه على سبيل الطبع لا الاختيار، لأنه لا يقع باختيار منه
إلا الفعل الارادي، قائلاً: «اعلم أن الله جل ثناؤه خلق خلقه ثم طبعهم على حب اجترار المنافع ودفع المضار ... وهذا منهج طبع مركب وجملة مفطورة»، وهذا يوحي بنوع من الحتمية يقربه من الجبرية.
وذهب القاضي عبدالجبار إلى أن كثيراً من معتزلة البصرة صرحوا أن الفعل المتولد الذي يوجد في حيز الإنسان هو فعله دون ما عداه ووجد في حيز غيره، وجعلوا ما تعداه هو ما تفرد الله جل وعز به، فقالوا: إن
«كل ما يحدث عن فعل من جهتنا فهو من فعلنا ... وكل ما كان سببه من جهة العبد حتى يحصل فعل آخر عنده وبحسبه واستمرت الحال فيه على طريقة واحدة فهو فعل العبد، وما ليس هذا حاله فليس بمتولد عنه،
ولا يضاف إليه عن طريق الفاعلية».
وقد تعرضت نظرية التولد لنقد شديد من أصحاب مذهب الجبر، فطالما أنهم ينسبون الأفعال المباشرة لله، فهم أيضاً لابدّ أن ينسبوا غير المباشرة إلى الله دون الإنسان، قائلين: إن «الأفعال والآثار التي سمتها القدرية
متولدات كلها مخلوقة لله تعالى عند أهل السنة لما مرّ في أن إثبات التخليق للخالق إثبات الشريك لله تعالى، وأنه كفر».
وهكذا أغلق أهل السنة بحث هذه المشكلة، واعتبروا أن السؤال عن مسئولية الفعل المتولد وعلى مَن تقع تؤدي بسائلها إلى الخروج عن الدين، ومن هنا أغلقت بحث هذه المشكلة، وكان كل اسهامهم هو نقد القائلين بها
وكان ردهم هو قولهم إن «دليلنا في هذه المسألة ما سبق من الدلائل على أن ثبوت قدرة الاختراع لغير الله تعالى محال».
ولم يبق على ساحة الجدال الفكري في بحث هذه المسألة سوى المعتزلة بمدرستيها، والاثني عشرية وقلة آخرين ظهرت المسألة بداية بشكل مفصل عند معتزلة بغداد التي صرحت بأن جميع الأفعال الخارجة عن
إرادة الإنسان واختياره إنما هي أفعال الله أو أفعال الطبيعة أو فعل الانسان، واتفق معهم في بعض هذه الجوانب بعض معتزلة البصرة، كالنظام والجاحظ بشكل خاص، حينما نسب الأفعال إلى الطبيعة.
وقد رفض الشيخ المفيد نظرية الطبع الموضوعة من قبل الجاحظ، ورد الأفعال المتولدة إلى فاعلها في السبب الأول، وهو الإنسان قائلاً: «إن ما يتولد بالطبع فإنما هو لمسببه بالفعل في المطبوع، وأنه لا فعل على
الحقيقة لشيء من الطباع، وهذا مذهب أبي القاسم الكعبي، وهو خلاف مذهب المعتزلة في الطباع».
وهكذا حدد لنا الشيخ المفيد المصدر الاعتزالي الذي تأثر به في فكرة التولد، وكان هذا المصدر هو أبو القاسم الكعبي البلخي، فهما قد اتفقا على الربط بين السبب المباشر والفعل المتولد برباط الضرورة، وشبه المفيد
وجود الارادة لتحقيق الفعل ضرورة بوجود الفعل المباشر لتحقيق الفعل المتولد ضرورة.
فالفعل عنده انقسم إلى ثلاثة أقسام:
ـ الإرادة وهي سابقة للفعل.
ـ الفعل المباشر، وقت التنفيذ.
ـ الفعل المتولد، وهو النتيجة غير المباشرة التي نتجت عن الفعل المباشر.
وقد فسر الشيخ المفيد هذا التلازم بقوله: «إن كل متولد فهو موجب، وليس كل موجب فهو متولد، والفرق بينهما أن الموجب الذي ليس بمتولد هو ما ولي الارادة بلا فصل بينهما من فعل المريد، والموجب المتولد هو
ما ولي الذي يلي الارادة من الأفعال»، وكان هذا من أثر مذهب البلخي عليه، حين ذهب إلى الجمع بين إيجاب الارادة والتولد.
وظهر تأثير آخر على الشريف المرتضى عن طريق القاضي عبدالجبار في فهمه للفعل المتولد، وإن كان اتفق مع الشيخ المفيد في نقد أصحاب الطبع من المعتزلة ورفض الأخذ بفكرة الطبع لتفسير الفعل المتولد، بل
وجّه لها نقداً عنيفاً، فقال: «ومما يبطل الطبع أنه غير معقول، لأن الفعل يقتضي مؤثراً له صفة المختار ... وأيضاً فالقول بالطبع يقتضي أن لا يصح تحرك الجسم إلى الجهات المختلفة، لأن الطبع لا يوجب إلا أمراً
واحداً»، ولما كنا نرى إمكانية تحرك الجسم في الجهات المختلفة دل هذا على أن المحرك ليس هو الطبع، لأن الطبع ليس له إلا فعل واحد، وتحرك الجسم في الجهات المختلفة ينتج عن أسباب مختلفة وتبعاً لارادات
متعددة.
وقد قدم الشريف المرتضى أدلته على أن الفعل المتولد ينسب إلى فاعله الأصلي، مثله في ذلك مثل الفعل المباشر، فإذا كانت هناك أدلة عقلية تثبت صحة أفعالنا المباشرة لنا، فإن هذه الأدلة أيضاً يمكن أن تستخدم
للتدليل على نسبة الأفعال المتولدة لنا، يقول الشريف المرتضى: «ما دلّ على أننا نفعل على سبيل المباشرة ثابت في المتولد، ودليل المدح الذي بيّناه أيضاً في المباشر قائم في المتولد، وتسند الأفعال المتولدة منا
بطرق لا يجده باقي المباشر»، وهذه مبالغة من المرتضى في أن أدلة إثبات الأفعال المتولدة إلى فاعلها أكثر من أدلة إثبات الفعل المباشر، وإن كان قد لجأ إلى هذه المبالغة كي يؤكد أن مسئولية الإنسان عن أفعاله
المتولدة لا تقل عن مسئوليته عن أفعاله المباشرة.
إن معايير الحكم على الأفعال المباشرة بالمدح والذمّ، هي نفسها المعايير التي تحكم على الأفعال المتولدة، ذلك أن معيار الحكم والمسئولية واحد في الاثنين، ولذا صرح الشريف المرتضى أن «المدح والذم وجهان
معتمدان أيضاً في الأفعال المتولدة».
وقد نتج عن بحث مسألة الفعل المتولد عند الاثني عشرية، وغيرهم مسألتان أساسيتان: المسألة الأولى أثر التولد في الإدراك، والمسألة الثانية أثر التولد في المسئولية الأخلاقية.
أ ـ المسئولية الإدراكية:
المسألة الأولى، هي علاقة التولد بالمعرفة والإدراك، أو المسئولية المعرفية، فقد بحث المتكلمون أثر التولد على إدراك المعارف، وتساءَلوا هل يتولد الإدراك أم لا؟
ذهب بعضهم، وعلى رأسهم النظام إلى أن فاعل الإدراك هو الله وحده، وذلك بإيجاب خلقه للحواس، وذهب أصحاب مذهب الطبائع إلى أن الإنسان مدرك لا باختيار بل بالطبع، فيكون الإدراك ليس راجعاً إلى فعل
الإنسان بل إلى فعل الطبائع، صرح بهذا الجاحظ عندما تكلم عن المعرفة ووضعها تحت نظرية الطبع والضرورة قائلاً: إن المعارف تقع ضرورة بالطبع عند النظر في الأدلة، ويقول في النظر إنه وقع طبعاً
واضطراراً، وربما وقع اختياراً «فمتى قويت الدواعي في النظر وقع اضطرار بالطبع، وإذا تساوت وقع اختياراً».
وتعددت وجهات النظر الأخرى للمعتزلة عند الحديث عن الإدراك، فكانت هناك نظرية أبي الهذيل العلاف الذي صرح بأن الإدراك فعل الله تعالى على جهة الاختراع «فقد يجوز أن يكون البصر صحيحاًن والموانع
مرتفعة ولا يخلق الله الإدراك، فلا يدرك (الإنسان) ما بحضوره، ويجيز أن يخلق الله جل وعز العلم بالألوان في قلب الأعمى الذي لم يبصر لوناً قط».
وهذا ما أخذ به معتزلي آخر هو أبو علي الجبائي، الذي رأى أن الإنسان قد تكون له عين سليمة صحيحة وتقف أمامه المرئيات فلا يراها، بل يجب على الله أن يوجد فيه عرض البصر أو عرض العمى، فالإدراك
عرض يحدثه الله في الشخص المدرك، ولا ينتج بالضرورة عن فعله المتولد، وقد ذكر القاضي عبدالجبار هذا الرأي عن الجبائي وابنه أبي هاشم، قائلاً: إن «أبا علي وأبا هاشم كانا ينكران أن يكون الانسان .. قادراً
على توليد العلم والاعتقاد في شخص آخر»، وليست هذه على كل الآراء التي قدمها المعتزلة، ولكنها هي الآراء التي نقدها الشيخ المفيد، فحرصنا على عرضها دون عرض وجهات النظر الأخرى.
وقد بحث الشيخ المفيد مسألة المسئولية المعرفية وكيفية الادراك تحت عنوان «القول فيما يدرك بالحواس، وهل العلم به فعل الله تعالى أو فعل العبد»، وقسم العلم بالحواس على ثلاثة ضروب:
الأول: من أفعال الله تعالى، مثل العلم بصوت الرعد، ولون الضوء في البرق، ومثل العلم بالحر والبرد، وغيره، فالعلم بهذه الأشياء هو من فعل الله تعالى، لأن الله هو الفاعل لأسبابها.
الثاني: من فعل الشخص، مثل العلم الذي يحصل للشخص حين يفتح عينيه، أو حين يصغي بأذنيه، أو حين يلمس شيئاً حاراً أو بارداً.
الثالث: من فعل الغير، وذلك كالصائح بغيره وهو غير متعمد لسماعه، أو المؤلم له، فلا يمتنع من العلم بالآلام عند إيلامه، وقد تأثر المفيد في هذا الرأي بمذهب معتزلة بغداد.
قال الشيخ المفيد إن الفاعل «قد يولّد في غيره علماً بأشياء إذا فعل به أسباب تلك العلوم، كالذي يصيح بالساهي ففعل به علماً بالصيحة متولداً عن الصيحة، وهذا مذهب كثير من بغدادية المعتزلة، وإلى هذا ذهب أبو
القاسم البلخي، وخالف في كثير منه الجبائي وأبنه وأنكر جملته النظام والمجبرة».
وهكذا حدد الشيخ المفيد موقفه من آراء المعتزلة السابقين عليه في الفعل المتولد، سواء كانوا من معتزلة البصرة أو معتزلة بغداد، وقد رفض آراء أصحاب الطبائع من المعتزلة كالنظام والجاحظ، حيث نسبا الأفعال
المتولدة إلى الطبيعة، بما فيها الإدراك، واتفق المفيد مع معتزلة بغداد على أن النظر والاعتقاد والعلم والألم يمكن أن تحدث كأفعال متولدة، وأن الشخص يصح أن يولّد في غيره علماً.
وكانت مسألة الأسباب ذات أثر كبير على الشيخ المفيد عندما صرح بأنه لا يجوز أن يخلق الله العلم في قلب الأعمى، كما لا يجوز أن يفتح الإنسان عينيه وترتفع الموانع ولا يدرك ما أمامه، فربط بين الضرورة
والإدراك، فالضرورة ممثلة في العلاقة بين الأسباب والمسببات، أو بمعنى آخر بين الفعل المباشر والفعل المتولد وأثر ذلك على الادراك، ولا يترك فكرة تحت مقولة الجائز التي صرح بها بعض المتكلمين ليس من
الأشاعرة فقط، بل أيضاً من بعض المعتزلة، فالله عند المفيد غير قادر أن يوجد العلم بالألوان في قلب الأعمى أو كما قال: «يستحيل وجود العلم بالألوان لمن فقد ما يتوسط بين العاقل وبين معرفة الألوان من
الحواس».
أراد المفيد من هذا النص السابق أن يؤكد على أن كل مَن كانت عيناه صحيحتان فإنه يرى الشيء الذي أمامه مباشرة، ولا ضرورة لفعل من الله حتى يرى الانسان شيئاً من الأشياء، فالإنسان يرى ويدرك بفعله لا
بفعل الله، وهذا ما أكده الطوسي من أن «جميع أنواع الاعتقاد في مقدورنا ويصح نما أن نفعله متولداً ومباشراً، إلا أن ما نفعله متولداً لا يكون إلا علماً ولا سبب له إلا النظر».
(ب) المسئولية الأخلاقية:
المسألة الثانية وهي المسئولية الأخلاقية، هي مسئولية الإنسان عن أفعاله غير المباشرة الناتجة عن الشهوة، كان السابقون يعتقدون بمسئولية الله تعالى عن هذا الجانب، فالإنسان مجبر عن طريق ما يوجد فيه من
دوافع وغرائز خلقها الله فيهم، فهو واجد شهواتهم، والبشر يفعلون بناء على هذه الطبيعة الحيوانية التي خلقوا بها.
ونقد الشيخ المفيد هذا التصور الذي يسند مسئولية الإنسان الخلقية إلى الله، وتناول موضوع الشهوة تناولاً يضع هذه الغريزة في حدود الطاقة الإنسانية، فإذا كانت الشهوة إحدى طرق فعل الله في كل حيوان، وكان هو
تعالى المسئول عن الشهوات الطبيعية، والمسئول عن الشهوة العامة، إلا أن لكل حيوان دوره في توجيه التيار العام للشهوة باتجاه هدف خاص.
ولذا أرجع الشيخ المفيد فعل الشهوة إلى الإنسان قائلاً: إن الشهوة عبارة عن معنيين: أحدهما الطبع المختص بالحيوان الداعي له إلى ما يلائمه من جهة اللذات، والمعنى الآخر، ميل الطبع إلى الأعيان على التفصيل
من جملة اللذات، فأما الأول فهو فعل الله سبحانه وتعالى لأن الحيوان لا يملكه ولا له فيه اختيار، وأما الثاني فهو من فعل الحيوان، فالله قد وضع القوة الطبيعية للشهوة عند الحيوان، أو ما أسماها المفيد بالشهوة العامة،
وللإنسان حق تصريف هذه الشهوة فيكون مسئولاً عما يتولد عنها من أفعال.
ويدلل المرتضى على أهمية وجود الشهوة لدى الانسان لكي يحيا ويعمر الأرض ويعبد الله، فيرى أن وجود الشهوة ضرورية للبشر، فقال: «وأما الشهوة فجعلها الله تعالى فيهم لما أراده من بقائهم في الدنيا ... فلولا
موضع الشهوة لما أكلوا، فبطل قوة أجسامهم عن تكليفاتهم، ويبطل حال النكاح فلا يكون لهم نسل ولا ولد، وما جرى مجرى ذلك، فالشهوة مركبة فيهم لذلك» وهذه هي الشهوة العامة التي قصدها المفيد من قبل وهي
ضرورية ومن فعل الله.
ـ رابعاً: الجزاء
ترتبط عقيدة الجزاء أو الثواب والعقاب عند الاثني عشرية بتصورهم للفعل الإنساني وحدوده، وعلى هذا المنوال سار بقية المتكلمين في ربط الجزاء بتصورهم لطبيعة الفعل الإنساني، ذهب أصحاب مذهب الجبر
إلى أن الإنسان مجبر في أفعاله، وأيضاً مجبر على جزائه، فالإنسان يدخل الجنة أو النار ليس بعمله، لأنه لا فعل له، وإنما بمشيئة الله وإرادته، والانسان ـ عندهم ـ مجبر في الدنيا على أفعاله، مجبر في الآخرة على
جزائه، فيذكر عنهم الشهرستاني قولهم: «إن الثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر»، وهذا ما أكده أيضاً الشيخ المفيد بقوله: «فأما جهم فإنه كان يزعم أن الله يعذب من اضطره إلى المعصية ولم يجعل له
قدرة عليها، ولا على تركها من الطاعة».
وهذا القول يؤدي إلى نزع الحكمة والعدل من أفعال الله إذ أنه يثيب ويعاقب لا على فعل الإنسان، حيث أن الإنسان لا فعل له عند هؤلاء، وهذا ما دفع الاثني عشرية إلى نقد هذه الفكرة وتأكيد أن الثواب والعقاب بناء
على التكليف.
(أ) الجزاء والتكليف:
يربط الاثني عشرية بين الجزاء والفعل برباط متين، فالجزاء هو النتيجة الضرورية التي تلحق التكليف، وإذا كان هناك تكليف بلا جزاء لأدى هذا إلى إلحاق الظلم بالله، يقول الشيخ المفيد: «إن الله ... لا يعذب أحداً
إلا على ذنب اكتسبه أو جُرم اجترمه أو قبيح نهاه فارتكبه».
وهذا ما تابعه فيه الشريف المرتضى مؤكداً على أن الثواب والعقاب هما جزاء للانسان نتيجة تكليفه والتزامه بأوامر الله ونواهيه، ولابدّ أن يقع الجزاء لأن الله تعالى قد كلف الإنسان الشاق من الأعمال، فيجب أن
يثيبه، يقول المرتضى: «إنما قلنا في التكليف أنه تعريض للثواب ... ومنزلة الثواب لا تنال إلا بالأفعال التي تناولها التكليف، وليس يستحق الثواب إلا بهذه الأفعال».
وفي موضع آخر يؤكد هذا المعنى بأن أفعال الإنسان تنسب إليه حتى يحق له الثواب أو العقاب فيرد على المجبرة وهم الذين زعموا أن الأفعال إنما هي منسوبة إلى العباد مجازاً حقيقة وإنما حقيقتها لله لا للعباد قائلاً:
«إن في قولكم ذلك بطلان الثواب والعقاب إذا نسبتم أفعالكم إلى الله، تعالى عما يصفون، وكيف يعاقب مخلوقاً على غير فعل منه».
وقد خالف الأشاعرة والماتريدية الاثني عشرية في هذا الأمر، فقد رأوا أن الثواب والعقاب ليسا واجبين على الله، فهو قادر على مجازاة العبد ثواباً وعقاباً، والعباد لا يوجبون على الله بأعمالهم شيئاً، يقول البزدوي:
«وعندنا لا يجب عليه تعالى شيئاً، وله أن يؤلم مَن يشاء ويبتليه بالمحن من غير أن يثيبه شيئاً».
واستدل أصحاب هذا المذهب بأحد الأحاديث النبوية، عندما سئل النبي (ص) عن دخول الجنة فقال: «ما من أحد يدخله عمله الجنة وينجيه من النار، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يغمدني الله برحمة
منه وفضل»، وقد فسروا هذا الحديث بأنه لا يوجد رباط بين الجزاء والعمل، فالانسان يعمل، والله يجازيه بما يشاء.
وردّ الشريف المرتضى على هذه الحجة، من خلال تفسير الحديث تفسيراً يتلائم مع تصوره في الربط بين الجزاء والتكليف، مشيراً إلى أن لهذا الحديث عدة معان، قد يكون المقصود منها بيان فقر المكلفين لله تعالى
وحاجتهم إلى ألطافه توفيقاته ومعوناته، وأن العبد إذا ترك إلى نفسه وقطع الله تعالى عنه المعونة واللطف لم يدخله عمله الجنة ولا نجا من النار، فكأنه (ع) أراد أن يخبرنا «أن أحداً لا يدخل الجنة بعمله الذي لم يعنه
الله تعالى عليه ولا لطّف له فيه، ولا أرشده إليه».
فالثواب والعقاب يأتيان بمعنى الجزاء، ويتبين هذا من تحليل معناهما لغوياً، فالثواب «هو جزاء الطاعة، وكذلك المثوبة» العقاب، فهما مرتبطان بالأفعال الصادرة من العباد والتي يجازى عليها.
ويستدل أصحاب مذهب الحرية من الشيعة الاثني عشرية والمعتزلة على ضرورة وقوع الجزاء بأدلة نقلية وعقلية:
من الأدلة النقلية قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) طه آية 15، وهذه الساعة يحاسب فيها الإنسان عن مدى التزامه بالتكاليف الشرعية، قال تعالى: (أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وأنكم
إلينا لا تُرجعون) المؤمنون آية 115، ويؤكد الشيخ المفيد هذا الجانب النقلي بحديث لأحد الأئمة بقوله: «يا ابن آدم إنك ميت مبعوث وموقوف بين يدي الله عزوجل ومسئول فأعد جواباً».
أما من الناحية العقلية، فربط أصحاب مذهب الحرية بين الجزاء وأصل العدل، فالثواب والعقاب هما فعل الله وجزاؤه العادل على أفعال الناس الحسنة والسيئة، وهذا الرباط الوثيق بين فعل الله وفعل العبد، المتمثل في
ثوابه وعقابه يشكل قاعدة أساسية عند القائلين بالعدل الإلهي. قال القاضي عبدالجبار: «اعلم أنه لا ظلم أقبح من معاقبة الغير بذنب الغير، وقد تقرر قبحه في عقل كل عاقل».
وهذا ما أكده أيضاً الشريف المرتضى بعبارات متشابهة، فيقول: «فأنّا نشهد أنه العدل الذي لا يجور، ولا يؤاخذ أحداً بذنب غيره، ولا يعذبه على ما ليس من فعله»، إذن بنى أصحاب مذهب الحرية من الاثني عشرية
والمعتزلة الجزاء على أصل العدل ونفي القبائح عن الله تعالى.
(ب) كيفية استحقاق الجزاء:
إذا كان الاثني عشرية قد اتفقوا مع المعتزلة على ضرورة الجزاء على الأعمال، إلا أنهم قد اختلفوا حول كيفية استحقاق هذا الجزاء، ذهب المعتزلة إلى أن الجزاء بشقيه ـ الثواب والعقاب ـ واجب على الله ليس
تفضلاً منه على العباد، «فالثواب والعقاب مما وعد الله بهما والله لا يخلف وعده».
فالثواب هو نتيجة للأعمال الشاقة، فيحسن بالله أن يثيب الإنسان على ما كلفه من أعمال، فالتكليف والمجازاة ليس تفضلاً فقد ثبت أن الثواب لا يحسن إلا مستحقاً، فيجب أن يحسن منه تعالى أن يكلف الشاق لأجله.
أما الاثني عشرية فقد انقسموا حول هذا الأمر إلى طائفتين: الأولى تعتقد أن الجزاء والتكليف أتى من الله عن طريق الجود والتفضل، والطائفة الأخرى قالت إنه جاء عن طريق الاستحقاق.
الطائفة الأولى: مثل الشيخ الصدوق والشيخ المفيد، أكد الصدوق ابن بابويه هذا بقوله: «إن الله أمر الانسان بالعدل، ولكنه يعامله بشيء أفضل من العدل وهو اللطف والتفضل، وينقل حديثاً عن النبي (ص)، يقول
فيه: (لا يدخل الجنة أحداً بعمله إلا برحمة الله) ».
ويتابعه في ذلك الشيخ المفيد، ولكنه يخطو بفكرة اللطف والتفضل خطوات أكبر، فيشير إلى أن أساس جميع حقوق الانسان هو جود الله وكرمه، لأنه تعالى ابتدأ عباده بالنعم، فليس أحداً منهم يكافئ نعم الله تعالى عليه
بعمله، ولا يشكره أحد إلا وهو مقصر بالشكر عن حق النعمة مؤكداً ذلك بأن الله تعالى لا يفعل بعباده ما داموا مكلفين إلا أصلح الأشياء لهم، وإن ما أوجبه «أصحاب اللطف من لطف إنما وجب من جهة الجود والكرم،
لا من حيث ظنوا أن العدل واجبه» متفقاً في ذلك مع معتزلة بغداد في أن ثواب الجنة لطف من الله وتفضل وجود وكرم.
ومن الأدلة التي ساقها الشيخ المفيد لإثبات الزيادة في العطاء والمغفرة ما يلي:
ـ قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) وبهذا أخبر سبحانه إن للمحسنين الثواب المستحق وزيادة من عنده، وقد أحصى سبحانه هذه الزيادة بقوله تعالى: (مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومَن جاء بالسيئة فلا
يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) وقد أكد سبحانه وتعالى رحمته بالمحسنين يوم القيامة، فقال تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون).
ـ قوله تعالى: (وإنّ ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب) وهذا يدل على أن باب المغفرة مفتوح لمن تاب وأناب، وباب العفو مفتوح لمن أخلص وآمن، وإن رحمة الله تعالى قد وسعت كل شيء.
ـ من غير المعقول أن العبد قد قام بكل ما يستحقه الله تعالى ـ المنعم عليه ـ على الوجه الأكمل، فإن كل شكر مهما تعالى مرتبته هو دون حق الله تعالى، يقول الشيخ المفيد: «وقد أجمع أهل القبلة على أن مَن قال: إني
وفيت جميع ما لله عليَّ وكافأت نعمه بالشكر فهو ضال، وأجمعوا على أنهم مقصرون عن حقه، وأن لله عليهم حقوقاً».
والعباد ليس لهم قبل الله حق إلا بما تفضل به عليهم، ولأنه سبحانه وتعالى لا يسوّي بين العامل وغير العامل على طاعته، كما لا يسوّي بين الشاكر والكافر، والعقول أوجبت هذه التفرقة، ولذا رأى الشيخ المفيد أن الله
تعالى كان من عدله أن يجعل للعامل الشاكر مرتبة فوق مرتبة مَن لا يعمل وكفر بالنعمة ولذا من قبيل التجاوز أن يقال إن للعبد حقاً، في حين أن الرأي الصواب عند هذه الطائفة أن الثواب ليس عن حق وإنما الثواب
هو تفضل، لأنه لا وجه للمقارنة بين الواجبات المحدودة التي يفعلها الانسان والثواب الخالد الذي يحيا فيه في الآخرة.
الطائفة الثانية: مثلها الشريف المرتضى وتلميذه الطوسي، وهما في تلك المسألة أقرب إلى معتزلة البصرة، فيشير المرتضى إلى أن الجزاء محكوم بالعدل، بمعنى أن يجازى الإنسان بقدر فعله لا أقل ولا أزيد، فيقول:
يجزى كل عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته، فيوصل إليه ... ما يستوجبه بحد ومقدار.
ومن هنا رفض المرتضى رأي الطائفة الأولى التي مثّلها بعض الاثني شعرية من أن الجزاء هو تفضل من الله، وأحال أن يكون الجزاء تفضلاً، لأن الله قد أوجبه على نفسه عندما أوجب التكليف، فيقول: «فأما
الثواب فما نأبى القول فيه بأنه تفضل ... بمعنى أن الله تعالى تفضل بسببه الذي هو التكليف، ولهذا نقول إنه لا يجب على الله تعالى شيئاً ابتداء، وإنما يجب عليه ما أوجبه على نفسه مما كان أوجبه على نفسه
بالتكليف». وهذا ما أكده في موضع آخر بقوله: «إن العبد يدخل الجنة باستحقاقه الجنة».
وتبقى في هذه القضية جزئية أخيرة، وهي اتفاق الاثني عشرية على أن الثواب واجب على الله، أما العقاب فليس بواجب، مخالفين في ذلك اتجاه معتزلة البصرة، إذ ذهب القاضي عبدالجبار إلى أن من «علوم الوعد
والوعيد ... وأن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة».
أما الاثني عشرية، فقد اتفقوا على أن الثواب واجب على الله، في حين أن العقاب غير واجب، بمعنى أنه يجب على الله أن يثيب المطيع، ويحق لله أن يتناول عن عقاب المسيء، وهم في هذا قد خالفوا المعتزلة، يؤكد
الصدوق ابن بابويه فكرته بايراد بعض الأخبار والأحاديث عن رسول الله (ص) القائل: «مَن وعده الله على عمل الثواب فهو منجزه له ومَن أوعده على عمل عقاب فهو فيه بالخير، ومؤكداً ذلك بقوله تعالى: (إن ربك
لذو مغفرة للناس على ظلمهم) الرعد آية 6».
وسار المفيد على هذا المنوال من وجوب الوعد وعدم وجوب الوعيد قائلاً: «إن كثيراً من المطيعين لله سبحانه وتعالى يثابون على طاعتهم في دار الدنيا وليس لهم في الآخرة من نصيب»، وهذا ما أكده أيضاً
الطوسي بقوله: «كل مَن مات وله حق لم يستوفه في دار الدنيا فإنه يجب إعادته على كل حال، لأن الثواب الدائم لا يمكن توفيره في دار الدنيا، وأما مَن يستحق العقاب فلا يجب إعادته، لأن العقاب يحسن إسقاطه
عقلاً».
وهذا مذهب كل مَن قال من أصحاب الحرية أن كرم الله وجوده يسبق عدله، فكرمه أن يجازي المثيب بالجنة، ويعفو عن المذنب من العقاب، فلا يبعثه، أو إذا بعثه فإما أن يتفضل عليه بالجنة، أو يشفع له النبي
وأولياء الله فيدخل الجنة، وهنا كان العقاب عندهم غير واجب.
(ج) المثاب والمعاقب:
ذهب الاثني عشرية إلى أن المثاب هو كل مسلم مؤمن، ولكنهم اختلفوا في معنى الإيمان وهي مسألة اختلف فيها المسلمون منذ عصورهم الأولى، وانقسموا فيها إلى آراء بعضهم ربط الإيمان بالقلب فقط دون العمل،
مثل المرجئة والأشاعرة والماتريدية، ومنهم مَن جمع بين القول والعمل، مثل الخوارج والمعتزلة، مَن قال بالقول فقط دون العمل فرق بين الإيمان والإسلام، ومَن جمع بين القول والعمل جمع بين الإيمان والإسلام.
وقد فهم الاثني عشرية الإيمان بمعنى آخر، فذهب الشيخ الصدوق إلى أن هناك اختلاف بين الإيمان والإسلام، فالإيمان أخص والإسلام أعم، فقد ينتفي الإيمان ويبقى الإسلام، أما إذا انتفى الإسلام، فإن الإيمان منتقص
لا محالة، وهذا ما أكده قائلاً: «قد يكون العبد مسلماً قبل أن يكون مؤمناً، ولا يكون مؤمناً حتى يكون مسلماً، فالإسلام قبل الإيمان».
ويدلل على أن الإيمان يجمع بين القول والعمل بذكر مجموعة من الأحاديث عن الرسول (ص) مثل قوله: «الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان» وبعض الأحاديث عن الأئمة مثل قول الرضا: «
الإيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان وعمل بالجوارح لا يكون الإيمان إلا هكذا».
أما الشيخ المفيد، فيظهر عنده التردد، وصرح برأيين مختلفين، الرأي الأول يتابع فيه ابن بابويه في التفرقة بين الإيمان والإسلام، متفقاً في ذلك مع المرجئة وبعض أئمة مذهبه، فيقول: اتفقت الإمامية على أن الإسلام
غير الإيمان .. وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أن كل مسلم مؤمن وأنه لا فرق بين الإسلام والإيمان في الدين.
وفي أحيان أخرى يتراجع الشيخ المفيد عن هذا الرأي المعارض للمعتزلة، ويقول برأي يقارب المعتزلة الذي يجمع في الإيمان بين القول والعمل، ويردد حديثاً عن الإمام علي (رض) عن رسول الله (ص) أنه قال:
«الإيمان قول مقول وعمل معمول، وعرفان العقول»، وأكد هذا الحديث بحديث آخر يقول: إن «مَن قال لا إله إلا الله فلن يلج ملكوت السماء حتى يتم قوله بعمل صالح».
ولا نعرف سراً لهذا التردد الذي وقع فيه المفيد، سوى أنه كان في بعض الأحيان يغالب أمرين الأثر الاعتزالي والانتماء الشيعي، أو ربما كان نتيجة ظروف سياسية عاصرها أحياناً توجب عليه التقية فيصرح أن
الإيمان قول فقط، وأحياناً أخرى توجب عليه الثورة والمقاومة، فيصرح أن الإيمان قول وعمل، حيث عاصر ظروفاً سياسية مضطربة.
أما الشريف المرتضى فيفرق بين الإيمان والإسلام، لأن الإيمان عنده يجمع بين القول والعمل، فالإيمان يزيد وينقص، ويدلل على ذلك بقوله: «فلو كان الإيمان كله واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد فضل
على أحد، ولتساوى الناس» ومن هنا كان الإيمان عنده درجات تزيد أو تنقص.
أما المعاقب فهو ـ عند الاثني عشرية ـ الكافر فقط دون المسلم مرتكب المعاصي، أو ما اصطلح على تسميته بمرتكب الكبيرة، وفي هذه المسألة أيضاً وقع خلاف بين الشيعة من جهة والمعتزلة والخوارج من جهة
أخرى، وقد بحثها المتكلمون من قبل تحت مسألة الأسماء والأحكام، أي ما هو الاسم الذي يطلق على مرتكب الكبيرة، وما الحكم الذي يعاقب عليه في الآخرة.
ذهب الخوارج إلى أن مرتكب الكبيرة كافر يخلد في النار، أما المعتزلة فقد أطلقوا على مرتكب الكبيرة اسم فاسق، وجعلوه في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، إذا مات دون أن يتوب، يخلد في النار، وأجمع المعتزلة
منذ واصل بن عطاء على أن فاعل الكبيرة هو فاسق، وكان أصل المنزلة بين المنزلتين هو أول أصول المعتزلة من الناحية التاريخية، وبناء على موقفهم من هذه القضية نشأت فرقة المعتزلة، فالبشر في الآخرة هم
فريقان «فريق الجنة، وفريق السعير»، أي أن حكم الإنسان إما أن يكون مؤمناً يدخل الجنة، أو كافراً ومرتكب للكبيرة فيدخل النار، ولكن في درجة أقل من درجة الكافر.
وقد اختلف الاثني عشرية مع المعتزلة في الاسم والحكم الذي يحقّ على مرتكب الكبيرة ونلاحظ ابتداء من الشيخ الصدوق موقفاً موحداً للاثني عشرية تجاه هذه المسألة فيذكر ابن بابويه أن فعل الكبائر أو الصغائر لا
يخرج المسلم عن الإسلام، وإن اكن يخرجه عن الإيمان، فقد يعاقب حينئذ العاصي بقدر ذنبه في النار ولكنه لا يخلد فيها، وذلك لأخذه بفكرة الشفاعة بعد ذلك.
وأكد الشيخ المفيد اتفاق الإمامية حول هذا الأمر قائلاً: «اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والاقرار لا يخرج بذلك عن الإسلام، وأنه مسلم وإن كان فاسقاً بما فعله ... وأجمعت المعتزلة وكثير من
الخوارج على خلاف ذلك، وزعموا أن مرتكب الكبائر فاسق».
أما حكمه فلا يخلد في النار، فإما أن يدخل النار بمقدار ما ارتكب من معاصي أو تلحقه رحمة الله فلا يدخلها ويدخل الجنة، أو تلحقه الشفاعة، وهذا على خلاف المعتزلة الذين صرحوا بأن الفاسق إذا مات دون توبة
يخلد في النار، أما الاثني عشرية، فقد اتفقوا على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار فقط دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى «واتفقت الإمامية على أن مَن عذب بذنبه من أهل الاقرار
والمعرفة والصلاة لم يخلد في العذاب وأخرج من النار إلى الجنة ... وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك».
والشريف المرتضى على الرغم من تأثره بالمعتزلة في آراء كثيرة، إلا أنه كان صريحاً في انتمائه إلى فرقته في موقفها من حكم مرتكب الكبيرة، فالعاصي قد جمع بين الإيمان والذنوب الموسومة بالكبائر، فإذا جاء
إلى يوم القيامة كان مستحقاً لثواب اسلامه وعقاب معصيته، فإن لم يغفر ذنبه، عوقب بقدر استحقاقه ثم نقل إلى الجنة ليخلد فيها، يقول المرتضى: «إن العبد المسلم لا يجوز أن يكون مخلداً في النار بعقاب معاصيه،
لأن الإيمان يستحق به الثواب الدائم والنعيم المتصل، والكبيرة التي واقعها المؤمن إنما يستحق بها العقاب المنقطع».
وهذا ما أكده الطوسي من أن العاصي عقابه منقطع، فلا يخلد في النار، كما قال المعتزلة، لأن «المستحق للعقاب (من المسلمين) .. عقابه منقطعاً، فلا يكون كذلك إلا وهو مستحق الثواب الدائم بطاعته، فإذا أعيد ربما
استوفى عقابه، ثم نقل إلى الثواب وربما عفي عن عقابه».
وهذا الرأي بلا شك رأي معتدل يتفق مع رأي الجمهور، فالله عند الكثيرين منهم متفضل على العبد يغفر لمن يشاء، وذلك لا ينافي عدله تعالى، لأن العدل هو الجزاء على العمل بقدر ما يستحق، وهو لا يمنع التفضل،
والظلم هو منع إعطاء الحق لصاحبه، والله سبحانه وتعالى متفضل رحيم غفار للذنوب.
وكانت إحدى الوسائل التي اعتمدها الاثني عشرية لبيان التفضل الإلهي على الإنسان العاصي هي الشفاعة، ومن هنا كان للشفاعة دورها في تخفيف العقاب الذي يواجه العاصي في يوم القيامة.
(د) الشفاعة:
تعد الشفاعة من المسائل التي أثارت جدلاً كبيراً بين المتكلمين، وانقسموا فيها إلى اتجاه ضم الاثني عشرية والأشاعرة وغيرهم ممن أقر الشفاعة، واتجاه أنكر الشفاعة للعاصي، مثله المعتزلة والخوارج، ولم يكن
الخلاف حول تقرير أمر الشفاعة ـ بقدر ما كان الخلاف حول مستحقيها، ذهب الأشاعرة إلى أن الشفاعة من الرسول (ص) لأهل الكبائر من أمته، وبعد هذا من الأمور المسلم بها عندهم، يقول الباقلاني: أجمع
المسلمون أن الرسول (ص) قد جعل الشفاعة للمذنبين المرتكبين للكبائر، وهذا اتباعاً لقوله (ص): «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
وسائر الماتريدية على نفس المنوال في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر من المسلمين، إذ اجتمعوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار لما في قلبه من الإيمان، يقول أبو المعين النسفي: «عندنا .. جاز أن يغفر الله
تعالى لصاحب الكبيرة بفضله ورحمته، وكانت المغفرة تحت الحكمة، جاز أن يغفر له بشفاعة لرسل والأنبياء، وبشفاعة من الأخيار من الآباء والأبناء والأقارب .. وغيرهم». وهكذا فتح الباب على مصراعيه
لهروب أصحاب الذنوب.
أما المعتزلة، فيرفضون الشفاعة لأهل الكبائر، ويرون أنها قد ذكرت للمطيعين والتائبين، ورفع الدرجات وزيادة المثوبات، فقد بنوا على أصلهم في عدم جواز خلف الوعيد أن المذنب على كبيرة إذا مات عليها فيخلد
في النار، ومن أجل هذا أنكروا الشفاعة لعصاة المسلمين، يقول القاضي عبدالجبار: «فأما قولنا في إثبات الشفاعة فهو معروف، ونزعم أن مَن أنكره فقد أخطأ الخطأ العظيم، ولكننا نقول لأهل الثواب دون أهل العقاب
ولأولياء الله دون أعدائه، ويشفع (ص) في أن يزيدهم تفضلاً عظيماً».
وتسلم الاثني عشرية بالشفاعة للعاصي، متفقة في ذلك مع أغلب المسلمين، ومختلفة في ذلك مع المعتزلة والخوارج، وتعرف الشفاعة بأنها تعني «طلب إسقاط العقاب عن مستحقه، وإنما يستعمل في طلب إيصال
المنافع مجازاً وتوسعاً».
واتفق جميع الاثني عشرية على وجود الشفاعة، أكدها الصدوق اعتماداً على أحاديث السابقين، فيقول: «حدثني أبي عن آبائه عن عليّ .. قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
ويتابع الشيخ المفيد أستاذه الصدوق في وجود شفاعة للعصاة ومرتكب الكبائر من المسلمين بل وسع من حدودها، فلا تقتصر الشفاعة عنده على النبي (ص) بل هناك شفاعة من الإمام علي للشيعة، قائلاً: «اتفقت
الإمامية على أن رسول الله (ص) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر، وأن أمير المؤمنين يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته».
ولا يخالف الشريف المرتضى أستاذه المفيد في مسألة الشفاعة، ناقداً المعتزلة، ومخالفاً لهم مخالفة صريحة ونقد كل الأدلة النقلية التي اعتمدوا عليها عن طريق تأويلها تأويلاً يخالف ما هدفوا إليه، منتهياً إلى: أن «
تفسير المعتزلة للشفاعة .. لا يصدر إلا من عقل فاسد»، وهو نفس المنوال الذي اتبعه الطوسي بعده قائلاً: «وأعتقد أن شفاعة محمد (ص) نبيّنا حقاً حقاً، وكذلك الأئمة الطاهرين الأبرار المعصومين ودليل القرآن
العظيم نطق به، والنبي (ع) أخبر به فيكون حقاً».
وهكذا ينهي الاثني عشرية بحثهم في الحرية الإنسانية بمبحث الجزاء مثبتين أن للإنسان جزاء الجنة على فعله للخير، وجزاء النار على فعله للشر، ولكنه لو كان من المؤمنين بوجود الله ونبي الإسلام محمد (ص) فله
أن يخرج من النار ويدخل الجنة إما برحمة الله أو بشفاعة رسوله.
-----------------------------------------
المصدر: الحرية الإنسانية عند الشيعة الاثنى عشرية في عصر التأسيس

Heba Khled
08-31-2011, 05:28 AM
العقل المستقيل في الموروث القديم
د. محمد عابد الجابري


ان الانطلاق في فحص طبقات الموروث القديم في الثقافة العربية من الصورة التي تقدمها لنا عنه المؤلفات العربية القديمة قد جعلنا أمام أمشاج من الآراء الفلسفية والدينية لا نجد لها مكاناً في التاريخ "الرسمي" للفلسفة السائد اليوم. وهذا ليس راجعاً إلى أن تلك الأمشاج خالية تماماً من كل ما يثير اهتمام الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة، بل لأن تاريخ الفلسفة "الرسمي" المعاصر تحكمه "المركزية الأوروبية"، وبالتالي فهو لا يهتم إلا بالطريق الذي سلكته الفلسفة من بلاد اليونان موطنها الأصلي الى روما وأوروبا العصور الوسطى ثم أوروبا الحديثة. أما الطريق الذي سلكته الفلسفة من أثينا إلى الشرق، خلال فتوحات الاسكندر وبعدها إلى أن استقرت في بغداد عاصمة العباسيين، فهو لا يهتم بها. وإذا مر مرور الكرام بمدرسة الاسكندرية في القرن الثالث الميلادي فليشير فقط إلى أن أفلوطين (205م _ 270م) درس بها، على شخص يحيط به الغموض اسمه أمونيوس ساكاس، قبل أن يرحل إلى روما حيث أقام هناك مدرسته المشهورة التي ستستأثر وحدها باسم "الأفلاطونية المحدثة".
هكذا يغيب عن المسرح، مسرح تاريخ الفلسفة "الرسمي"، الطريق الاخر الذي سلكته الفلسفة، أثناء فتوحات الاسكندر وبعدها، نحو الشرق. والنتيجة تجاهل اسكندرية ما قبل وما بعد أفلوطين وما تفرع عنها من مدارس أخرى كمدارس فلسطين، وتجاهل انطاكية وامتداداتها كمركز ثقافي خصب شمل اشعاعه سورية كلها، وتجاهل المدارس "الشرقية" الأخرى في العراق وفارس وخراسان. وبعبارة أخرى إن ما هو غائب في هذا التاريخ "الرسمي" للفلسفة هو بالضبط ما نحن في حاجة اليه هنا، هو تاريخ المراكز الثقافية في كل من مصر وفلسطين وسورية والعراق وايران، هذه المراكز التي احتضنت العلم والفلسفة "اليونانيين" مدة تزيد على عشرة قرون، ما بين موت الاسكندر سنة 323 ق م وعصر التدوين في الاسلام (القرن الثامن الميلادي).
نعم، يبرز كثير من المستشرقين دور المدارس السريانية في انطاكية ونصيبين وحران (بشمال سورية والعراق) وجنديسابور (جنوب فارس) في نقل الفلسفة والعلوم اليونانية إلى العربية. وبعضهم يريد أن يلتمس لهذه المدارس تأثيراً في النواحي الثقافية الأخرى في الإسلام كعلم الكلام مثلاً. ومع تقديرنا، التقدير الكامل، للدور الذي قام به أساتذة هذه المدارس السريانية وتلامذتها في حركة الترجمة في الاسلام، فإننا مع ذلك لا نجد فيها، أو على الأقل فيما يقدّم لنا عنها، ما يلبي حاجتنا. فلقد "كان ما يعلم في تلك المدارس ذا صبغة دينية غالباً ومتصلاً بالنصوص المقدسة، وكان موجهاً بحيث يواتي حاجة الكنيسة". لقد كانت هذه المدارس مشغولة بتحديد العلاقة بين اللاهوت والناسوت في ذات المسيح، والنزاع كان أساساً بين اليعاقبة الذين أكدوا على وحدته فجعلوا منه إلهاً وبين النسطوريين الذين أثبتوا له خصائص بشرية في الوجود والإرادة والفعل مميزين بينها وبين ما فيه من عنصر إلهي. وقد استعان "المتكلمون" المسيحيون بالمنطق الأرسطي في معالجة هذه المشكلة الدينية. وغني عن البيان القول إن هذه المناقشات كانت تشكل أو تنتج ما يمكن التعبير عنه بـ "المعقول" الديني للمسيحية الشرقية، وهو يقع بعيداً عن تيارات اللا معقول "العقلي" التي تهمنا هنا أصولها وفصولها، تلك التيارات التي تحدث عنها الشهرستاني باسم آراء "الروحانيين من الصابئة" من جهة، وباسم فلسفة "الحكماء السبعة" من جهة أخرى.
نعم هناك مدرسة حران التي لم يَنتصّر أهلها والتي احتفظت بسبب ذلك بالطابع اليوناني الوثني، مع عناية خاصة بالعلوم الفلكية التي انتقلت إليها من بابل مع ما يرتبط بها من عبادة الكواكب والاشتغال بالتنجيم والسحر. وتزداد أهمية حران بالنسبة لموضوعنا لكونها كانت مقراً للصابئة الذين تشكل فلسفتهم الدينية الهرمسية أحد التيارين الرئيسيين في قطاع اللا معقول في الموروث القديم، هذين التيارين اللذين نريد التعرف على مصادرهما وتاريخ تشكلهما والنظام المعرفي الذي يؤسسهما.
نعم لقد قام الحرانيون بدور كبير في حركة النقل والترجمة في الاسلام وبكيفية خاصة في مرحلتها الثانية، فنقلوا كثيراً من تراث مدرستهم العلمي والفلسفي الى العربية بما في ذلك بعض المؤلفات الهرمسية. غير أن معلوماتنا الراهنة عن مدرسة حران لا تسعفنا كثيراً في موضوعنا، فكل ما نعرفه عنها أنها اشتهرت منذ أوائل الميلاد، وأنها قد عنيت بالعلوم الكلدانية الى جانب عنايتها بتيارات من الفلسفة اليونانية. وأهم حدث علمي يرتبط اسمه بحران هو انتقال "مجلس التعليم" (= الكتب والأساتذة) إليها في خلافة المتوكل التي دامت من سنة 232ه‍ إلى 247ه‍ . وكان "مجلس التعليم" هذا قد استقر قبل ذلك لمدة مائة وأربعين سنة في انطاكية التي كان قد انتقل اليها من الاسكندرية أثناء خلافة عمر بن عبد العزيز أي ما بين سنة 99 ه‍ وسنة 101 ه‍. ونحن نعرف أن هذا "المجلس" لم يدم مقامه طويلاً في حران إذ انتقل إلى بغداد في خلافة المعتضد التي دامت من سنة 279ه‍ إلى سنة 289ه‍، "وعلى هذا لم تستمر الدراسة في حران أكثر من أربعين سنة"، وهي فترة تقع كما قلنا ما بين خلافة المتوكل وخلافة المعتضد. وبما أن الأدبيات الهرمسية كانت قد انتشرت في الثقافة العربية الإسلامية قبل هذا التاريخ، فإن مدرسة حران، أو على الأقل "مجلس التعليم" الذي انتقل اليها، لا يمكن أن يكون المصدر الوحيد للهرمسية في الإسلام، فلابد أن يكون هناك مصدر أو مصادر أخرى سابقة. وبما أن موطن الهرمسية الأصلي هو الاسكندرية، فإننا نرجح أن يكون انتقال الأدبيات الهرمسية الى الثقافة العربية الإسلامية قد تم على مرحلتين: في المرحلة الأولى كان المصدر هو الإسكندرية نفسها ولربما أيضاً بعض فروعها في فلسطين. أما في المرحلة الثانية فلقد كانت مدرسة حران هي المصدر الأساسي. ومن دون شك فإن ما نقل من حران يرجع معظمه الى مدرسة الاسكندرية التي كان مجلس تعليمها قد انتقل إليها.
يبقى بعد هذا ذلك الخليط من الآراء الفلسفية المنحولة لـ "الحكماء السبعة"، وفي مقدمتهم امبادوقليس المنحول الذي كان المصدر الخصب الذي غرفت منه التيارات الباطنية في الإسلام مشرقاً ومغرباً. ومع أن تلك الآراء الفلسفية المنحولة ذات النزعة الغنوصية الواضحة تلتقي في كثير من جوانبها الأساسية مع العناصر الرئيسية في الفلسفة الدينية الحرانية الهرمسية فإن كون الشهرستاني يعرضها على أنها تمثل رأي الفلاسفة "الأوائل"، تمييزاً لها عن فلسفة أرسطو وشراحه من جهة، وعلى أنها من جهة أخرى غير مرتبطة بآراء الروحانيين من الصابئة (= الهرمسية) التي عرضها عرضاً مستقلاً باعتبار أنها لا تدخل في "الفلسفة"، إن هذا وذاك يشيران إلى أن المصادر التي استقى منها الشهرستاني تلك الفلسفة المنحولة لـ "الحكماء السبعة" هي غير المصادر التي استقى منها آراء الصابئة الحرانيين. وإذا رجعنا إلى ابن النديم والبيروني، وقد عاشا قبل الشهرستاني (الأول بنحو قرن ونصف والثاني بنحو قرن) فإننا سنجد لديهما ما يزكي هذا الفصل الذي اقامه الشهرستاني بين آراء الصابئة وحكمة "الحكماء السبعة"، فالحديث عندهما عن الصابئة ومعتقداتهم يَرِدُ منفصلاً عن الفلسفة والفلاسفة، مما يؤكد فعلاً أن الأمر يتعلق بمصدرين مختلفين.
هناك جانبان آخران يلفتان النظر في العرض الذي قدمه الشهرستاني عن الفلسفة والفلاسفة ويتصلان بموضوعنا. الجانب الأول يتمثل في إشارته إلى أن فلاسفة الاسلام قد أغفلوا ذكر "الحكماء السبعة" و "أهملوا ذكر مقالاتهم" مما يدل على وعيه التام بأن فلسفة هؤلاء الحكماء تختلف عن فلسفة فلاسفة الإسلام "الرسميين" (= الكندي، الفارابي، ابن سينا) الذين يقول عنهم إنهم "قد سلكوا كلهم طريقة أرسطوطاليس في جميع ما ذهب اليه وانفرد به، سوى كلمات يسيرة ربما رأوا فيها رأي أفلاطون والمتقدمين"، أما الجانب الثاني الذي يلفت الانتباه في عرض الشهرستاني فهو تصنيفه لأفلوطين (= باسم "الشيخ اليوناني") ضمن الفلاسفة المتأخرين الذين يضع على رأسهم ارسطو والذين يضعهم جميعاً في الطرف المقابل لفلسفة "القدماء" فلسفة "الحكماء السبعة".
والواقع أن أفلوطين (205م _ 270م) غائب تماماً عن الفضاء الفلسفي في الإسلام.
هناك إذن مصادر لم تصل الينا استقى منها الشهرستاني ما عرضه من الآراء الفلسفية المنسوبة إلى "الحكماء السبعة"، وفي وضعية كهذه لا يبقى أمامنا إلا طريق واحد للبحث عن أصولها وفصولها، وهو مقارنتها بما يمكن أن يكون مصدراً لها، قريباً أو بعيداً. إن الارتباط الممكن إقامته في هذه الحالة هو الارتباط البنيوي بين الأفكار وليس رد هذه الأفكار إلى أشخاص تربطهم علاقة التلمذة: بمعنى أننا لا نستطيع أن ننسبها لشخص أو أشخاص معينين، ولكننا نستطيع _إن وجدنا إلى ذلك سبيلاً _ ربطها بهذا الفيلسوف أو ذاك، بهذا الاتجاه أو ذاك، على أساس القرابة البنيوية بين المذاهب. وإذا كنا نلح كل هذا الالحاح على تحديد مصدر تلك الفلسفة المنحولة فلأنها لقيت رواجاً كبيراً في الثقافة العربية الاسلامية وبكيفية خاصة لدى الاتجاهات الباطنية من اسماعيلية ومتصوفة. وبعبارة أخرى إن الأمر يتعلق أساساً بالبحث عن أحد المصادر الرئيسية للا معقول "العقلي" في الفكر العربي الإسلامي، المصدر الذي شكل مع الهرمسية تياراً قوياً في هذا الفكر منذ بداية عصر التدوين واستمر يحتل مواقع رئيسية داخله إلى أن اكتسح ساحته كلها تقريباً في "عصر الانحطاط". إنه تاريخ ما يهمله "تاريخ الفلاسفة في الاسلام" وما يسكت عنه تاريخ الفلسفة "الرسمي" الأوروباوي النزعة الذي يؤرخ لـ "العقل الأوروبي" وحده، تاريخ "اللا معقولة العقلي" في الثقافة العربية الإسلامية.
فإلى أين سنتجه؟
من حسن حظنا أن أبحاثاً حديثة نسبياً تنتمي "رسمياً"، في الثقافة الأوروبية، إلى "تاريخ الأديان"، تسعفنا بعض الشيء فيما نحن بصدد البحث عنه، فضلاً عن أنها تلقي أضواء كاشفة على الحياة الفكرية في مركزين هامين من المراكز التي تشكلت فيها بعض طبقات الموروث القديم، وبالخصوص منها طبقات "اللا معقولة العقلي" موضوع بحثنا، فهي تقدم لنا من جهة دراسة علمية وافية عن الهرمسية وتاريخ تشكلها ومضمونها الديني والفلسفي و "العلمي"، كما تضع أمامنا من جهة أخرى صورة واضحة عن الأفلاطونية المحدثة في صيغتها المشرقية التي نقرأ فيها بوضوح العناصر الأساسية للفلسفة المنحولة لـ "الحكماء السبعة" كما عرضها الشهرستاني.
لعل أحدث وأوفى دراسة عن الهرمسية، هي تلك التي قام بها الباحث الفرنسية المقتدر فيستوجيير الذي حقق النصوص الهرمسية وترجمها إلى الفرنسية.
يستعرض فيستوجيير العوامل الإجتماعية والتاريخية التي أدت أو ساعدت على تفكك العقلانية اليونانية وانحلالها مع القرن الأول للميلاد، وفي مقدمة تلك العوامل التمزق الإجتماعي والنفسي الذي تسببت فيه الحروب المتوالية منذ فتوحات الإسكندر في القرن الرابع قبل الميلاد إلى ما بعد قيام الامبراطورية الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد. ومع إبرازه لهذه العوامل التاريخية الإجتماعية فإنه يؤكد بكيفية خاصة على التمزق الذي أصاب العقلانية اليونانية بعد أرسطو مباشرة حيث تعددت المدارس الفلسفية المتناحرة، وظهر الشكاك وانتشرت أطروحاتهم مما جعل العقل اليوناني يبدو "وكأنه يلتهم نفسه". ويعزو فيستوجيير هذا الإنفجار الداخلي للعقلانية اليونانية إلى اعتمادها على المنشآت الفكرية الاستنباطية دون اللجوء إلى التجربة، بله الاحتكام اليها. لقد أطلق العقل اليوناني العنان لنفسه محتقراً التجربة مستنقصاً من المعرفة الحسية معتمداً كل الاعتماد على ديالكتيكه الداخلي "فكان من الحتم أن تكون تلك القوة الديالكتيكية، التي كانت تتميز عند الاغريق بكيفية خاصة بالمرونة والدقة والنفاذ، والتي تولت التشييد، كان من الحتم أن تكون هي نفسها التي تتولى تقويض البناء" الذي شيدته.
ويضيف فيستوجيير قائلاً: "هكذا قامت العقلانية الاغريقية، بعدما قوضت نفسها بنفسها، برد فعل مشؤوم ووجهت الناس إلى اللا معقول، إلى شيء ما يقع، فوق العقل أو تحته أو خارجه على الأقل، يقع على مستوى الحدس الصوفي أو على مستوى الإشراق وأسراره أو على مستوى السحر وعجائبه، وأحياناً اتجه الناس إلى هذه المستويات جميعاً. لقد تعب الناس من تلك الحجج التي لم تكن تصلح إلا في إظهار العقل بمظهر المتناقض المتهافت. وفي انتظار (= الحصول على مصدر للمعرفة مباشر ويقيني أي في انتظار "الكشف") كان لابد من العيش، لابد من إعطاء معنى للحياة، وبالتالي فإن ما كان الناس في حاجة اليه هو تعليمات تصدر إليهم، هو سلطة تطلب منهم الخضوع لها، هو الإيمان والتسليم. لم يعودوا يرغبون في البراهين فلقد كانوا يريدون ان يؤمنوا (...) لقد كانوا يبحثون عن الوحي والإلهام النبوي. ذلك لأنه لما كان الله هو وحده الذي يُحسن الكلام عن نفسه فإنه من الضروري توجيه السؤال إليه. ولا فرق بين أن يجيبك شخصياً بواسطة أحد العرافين أو يكلمك خلال رؤيا ينعم بها عليك، وبين أن تصدق برسله الذين كانوا على اتصال به في ماض سحيق والذين سجلوا في كتب مقدسة ما أخذوه منه"، ومن هنا اتجهت الأنظار إلى بلاد الشرق، الى "الشعوب التي ترى قبل غيرها اشراقة الشمس".
تتجلى هذه الميول اللا عقلانية، أولا وقبل كل شيء، وفي مجال الفلسفة بالذات، في الإقبال على بعث الفيثاغورية وتجديدها. ويقرر فيستوجيير "أن الإيمان بفيثاغورس كان يزداد بمقدار ما كان يتناقص سلطان العقل". ويفسر ذلك بأن ما كان يشكل قوة الفيثاغورية الجديدة هو أنها لم تكن فلسفة، أي منظومة من الأفكار المتكاملة المتناسقة حول الله والعالم والإنسان، فهي لم تكن تعتمد البرهان، وإنما كانت عبارة عن نظام كهنوتي يكرس الانقياد الأعمى لما يقوله كائن يأتيه الوحي والإلهام، لا يهتم بإقناع الناس، بل يريد أن يسلموا له تسليماً. لقد كان على كل نقاش أن يتوقف بمجرد ما يرتفع صوت يفوه بتلك الكلمة التي كان لها فصل الخطاب، كلمة: "نطق المعلم فقال..". أما هذا "المعلم" فهو إما إله أو نبي أو ولي، وعلى كل حال فآيته الإتيان بالخوارق والكرامات، وبالتالي امتلاك للحقيقة".
لقد كانت الفيثاغورية الجديدة في جوهرها قراءة لأفلاطون بواسطة فيثاغورس، الشيء الذي يعني "تتويجه بتاج النبوة".
العودة إلى فيثاغورس وإلى من هم أقدم منه من الفلاسفة وأصحاب النبوة وأهل الحكمة العتيقة، ذلك هو الإتجاه الذي ساد القرن الثاني والثالث للميلاد في الامبراطورية الرومانية وبكيفية خاصة في جزئها الشرقي مصر _سوريا... الخ. والنتيجة هي ذلك التيار الفلسفي الديني الذي يحمل امشاجاً من آراء فلاسفة ما قبل سقراط معروضة عرضاً افلاطونياً دينياً على الشكل الذي رأيناه عند الشهرستاني في حديثه عن الفلاسفة الاوائل "اساطين الحكمة" أو "الحكماء السبعة".
ففكرة الإله المتعالي والقول بالعنصر الأول ثم بالعقل الذي فيه صورة العالم، ثم بالأصل الالهي للنفس وبالتطهير... كل تلك عناصر مشتركة اساسية نجدها منسوبة إلى الحكماء السبعة كلاً أو بعضاً وبالخصوص منهم إلى انبادوقليس، وهي نفس العناصر التي تأسس عليها أساس الفلسفة الالهية وعرفانه المشرقي.
عندما مات الاسكندر سنة 323 قبل الميلاد (أي قبل وفاة استاذه ارسطو بسنة واحدة) اقتسم قواده امبراطوريته الشاسعة: فكانت بلاد اليونان ومقدونياً في يد القائد انتيجونس وعاصمته اثينا وكانت البلاد الاسيوية في يد القائد سلوقوس مؤسس دولة السلوقيين وعاصمته انطاكية، اما مصر فقد كانت من نصيب بطليموس واسرته وعاصمتها الاسكندرية. وكما توزعت السلطة بين هذه العواصم الثلاثة فقد توزع الفكر اليوناني، علماً وفلسفة، بينها ايضاً. غير ان نصيب الاسكندرية كان أكبر واغنى.
فما هي الهرمسية، ما حقيقتها وما نوع الفلسفة والعلوم التي كانت تنشرها وما طبيعة النظام المعرفي الذي يؤسسها؟
الهمرسية نسبة إلى هرمس "المثلث بالحكمة" كما هو شائع في المؤلفات العربية أو "المثلث بالنبوة والحكمة والملك" كما ورد في كتاب المبشر بن فاتك.
وهرمس في الاصل اسم لاحد آلهة اليونان المرموقين عندهم. وقد طابقوا بينه وبين اله مصري قديم هو الاله طوط، كما طابق بعض اليهود بين هرمس طوط هذا وبين النبي موسى. أما في الميثولوجيا المصرية القديمة فقد ظهر طوطا كاسم لكاتب الإله أوزيرس اله الدلتا المسؤول عن الموتى والمصير البشري. ومن وظيفة طوط كـ "كاتب" نسب إليه اختراع الكتابة، وبالتالي جميع الفنون والعلوم التي تعتمد الكتابة وتمارس في المعابد كالسحر والطب والتنجيم والعرافة. ثم ارتقى الاله طوط درجة في سلم الالوهية داخل الأساطير المصرية فنسب إليه خلق العالم بصوته لانه كان مطلعاً على قوة تأثير الصوت والكلمة. وتقول الأساطير المصرية ان صوته يتكثف بنفسه فيصير مادة، ومن هنا كانت قوة طوط كامنة في صوته، أي في "النفخ" الصادر عنه، ومن هذا النفخ يخلق كل شيء، فهو إذن الإله الخالق والمعلم. هذا في الاساطير المصرية القديمة، أما في الأساطير اليونانية فلقد كان هرمس محترماً عندهم إذ كان ابنا للإله الأكبر زوس وقد نسبوا اليه هم أيضاً اختراع الكتابة والموسيقى والتنجيم والاوزان والمقادير... أما في الأدبيات العربية الهرمسية فقد كان هرمس يقدم على انه النبي ادريس المذكور في القرآن وانه أول من علم الكتابة والصنعة والطب والتنجيم والسحر... الخ.
أما الهرمسية كعلوم وفلسفة دينية فترجع إلى مجموعة من الكتب والرسائل تنسب إلى هرمس المثلث بالحكمة الناطق باسم الاله وأحياناً يقدم على أنه هو نفسه اله، ولذلك كانت تعتبر تلك المؤلفات وحياً إلهياً. غير ان البحث العلمي الحديث (= دراسة فيستوجيير خاصة) اثبتت بما لا يقبل لاشك ان تلك المؤلفات ترجع في جملتها الى القرنين الثاني والثالث للميلاد، وأنها كتبت في الاسكندرية من طرف اساتذة يونانيين، او من طرف اساتذة قبطيين يعرفون اليونانية، وانها مستمدة في جانبها الفلسفي الديني من الفيثاغورية الجديدة والافلاطونية المحدثة وفي جانبها العلمي (= التنجيم خاصة) مما انتقل الى مصر من العلوم الكلدانية عندما كانت تحت السيطرة الفارسية. أما الكيمياء الهرمسية فهي مزيج من الكيمياء النظرية اليونانية وفن صناعة الذهب المصرية. هذا بالإضافة إلى تأثرها بالزراديشتية والعلوم السحرية المجوسية التي كانت منتشرة في مصر، إذ يقدر بعض المؤلفين حجم الأدبيات الزراديشتية في مصر عام 200 ق.م بنحو مليوني سطر.
والآن ما هو مضمون التعاليم الهرمسية، مضمونها الفلسفي الديني خاصة؟
تقدم لنا الهرمسية نظرية كونية بسيطة: "ففي قمة الكون وفوق سماء النجوم الثابتة يقيم إله متعال، لا يقبل الوصف، منزه لا تدركه العقول ولا الابصار، مالك العالم. وازاءه توجد المادة غير المتعينة، وهي مبدأ الفوضى والشر وميدان النجاسة والقذارة. أما العالم السماوي وكل ما يشتمل عليه وكذلك الإنسان فقد تولى صنعه الاله الصانع القابل للمعرفة والادراك، وذلك بتكليف من الاله المتعالي. هذا من جهة ومن جهة أخرى فان عالم ما تحت فلك القمر خاضع كله لتأثير الكواكب السبعة وافلاك البروج. ومن هنا توزع البشر الى سبعة اصناف يخضع كل صنف منها لخصائص برج من البروج الفلكية السبعة. والإنسان مؤلف من جسم مادي، أي غير طاهر، يسكنه الشر ويلابسه الموت، ومن نفس تشتمل على جزء شريف ينحدر من العقل الكلي. هذه النفس الشريفة _بل هذا الجزء الشريف من النفس _ يعيش في صراع دائم مع الرغبات والاهواء التي سببها وجود الجسم. ولجعل حد لهذا الصراع جاء الإله هرمس، الوسيط بين الإله المتعالي والإنسان بتوسط العقل الكلي ليعلن الخلاص ويبين طريق النجاة. غير ان أقلية من الحكماء والاصفياء هي وحدها التي تستطيع ان تتحمل اشراقة العقل (= الكلي) الهادي الى طريق المعرفة الحق، طريق اندماج النفس في الله _= الفناء باصطلاح متصوفة الاسلام). وهؤلاء الحكماء الحقيقيون، المطهرون المقدسون المجتنبون لكل نقص، هم وحدهم الذين يتحررون من المادة ويفلتون من قبضة القدر (= الضرورة) فتصعد نفوسهم الناجية إلى السماء بينما تندمج أجسامهم، بعد الموت، مع جسم كوكب من الكواكب. وقد ترتقي النفس في معراجها الى السماء الثامنة (= السماء العليا) محفوفة بجوقة من الملائكة حراس الاجواء العليا. ذلك هو مصير الحكماء، أما النفوس غير المطهرة فان الزوابع الجوية تلقي بها في سحيق جهنم"، وتشاهد النفس في معراجها هذا كائنات روحية عديدة، ملاك الحياة، ملاك المادة، ملاك الفرح، ملاك الراحة، ملاك الخوف، الإله المنزه من الرغبات الذي ذكره افلاطون في محاورة فادن وطيماوس والإله الأرفي (نسبة إلى النحلة الارفية) كما تشاهد "البرزخ الذي يقول عنه الرواقيون والمنجمون انه يفصل العالم السماوي عن العالم الارضي".
واضح من هذا الملخص، الذي نقرأ فيه، رغم تركيزه كثيراً من الأفكار التي راجت فيما بعد في الثقافة العربية الاسلامية، وفي أوساط المتصوفة والتيارات الباطنية خاصة، ان المسائل الرئيسية التي تعالجها الفلسفة الدينية الهرمسية تدور حول قضية الالوهية ونشوء العالم، وقضية النفس وخلاصها، وقضية وحدة الكون وتبادل التأثير بين اجزائه.
هذا باختصار عن مسألة الالوهية في الأدبيات الهرمسية. أما عن قضية النفس، اصلها وطبيعتها ومصيرها فهي مسألة يعني بها بكيفية خاصة التيار المتشائم الذي يتبنى نظرية الإله المتعالي. ان اصحاب هذا الاتجاه اذ يقيمون فاصلاً لا نهائياً بين الله والعالم واذ يؤكدون بالتالي ان الله لا تدركه العقول ولا الابصار، يؤكدون من جهة أخرى ان الطريق إلى معرفة الله هي النفس لأنها جزء من الإله. انها تستطيع معرفته حق المعرفة عندما تتمكن من الاتصال به والعودة اليه. اما العقل فهو في نظرهم انما يستمد مدركاته من الاجسام وما في حكم الاجسام، والاجسام لا يمكن ان تؤدي باية صورة من الصور الى معرفة الله.
هذا الطريق، طريق معرفة الله بالنفس لا بالعقل، يقول به جميع الغنوصيين (= العرفانيين). غير ان ما يميز غنوصية الهرمسية هو تأكيدها على الاصل السماوي _الإلهي للنفس. والنصوص الهرمسية تشرح ذلك من وجهين: اما القول بأن النفس هي من اصل الهي لكونها "بنت الله" حسب حرفية بعض النصوص، واما القول بأنها عبارة عن مزيج، من عناصره "شي من الله نفسه". وتؤكد نصوص هرمسية أخرى ان الله لم يخلق من الانسان الا ذلك الجزء الذي هو من طبيعة الهية، أي النفس، والذي يحمل في ذاته صورة الله في الانسان، وهذا هو المعنى الذي تعطيه هذه النصوص للعبارة الرائجة يومئذ والقائلة: "خلق الله الإنسان على صورته" بإعادة الضمير إلى الله.
النفوس البشرية كائنات الهية، كانت تعيش في الأصل في العالم الإلهي، ثم ارتكبت ذنباً فكان عقابها هبوطها إلى الابدان سجنها. فكيف يمكن تخليص النفس والنجاة بها من الضياع في المادة وما يتبع ذلك من سوء المصير: سحيق جهنم؟
ليس هناك شيء يُخلَّصُ النفس البشرية في نظر الأدبيات الهرمسية غير "المعرفة". ولكن أية "معرفة"؟ انها تلك التي يرشد إليها هرمس الذي جاء يعلن الخلاص. وهذه المعرفة لا تعني "العلم"، أي اكتساب معارف، بل بذل مجهود متواصل قصد التطهير والتخلص من المادة والاندماج من جديد في العالم الإلهي، لا بل الفناء في الله. انه التصوف الهرمسي الذي نقرأ ملامحه واضحة في التصوف الاسلامي.
والواقع أن التصوف الهرمسي بنوعيه الانتشاري (= الاتحاد، الفناء) والانكفائي (= الحلول) ليس سوى مظهر من مظاهر هذه النظرة الواحدية إلى الكون ونتيجة من نتائجها. ذلك أن القول بالأصل الالهي للنفس وهبوطها إلى البدن عقاباً لها، ثم القول بإمكانية عودتها إلى أصلها للاندماج في الله معناه القول بوجود قوة روحانية في العالم تسري فيه سريان النفس في الجسد. وإذا كانت هذه النظرة قد سادت العالم القديم كله بما في ذلك الفكر اليوناني في أوج عقلانيته، فإن الفرق كبير جداً بين التوظيف العلمي الفلسفي لهذه الفكرة من طرف العقلانية اليونانية وبين التوظيف اللا عقلاني _ السحري لنفس الفكرة.
وحدة الكون، الترابط بين أجزائه، تبادل التأثير بينها بالتجاذب والتنافر.. تلك هي الأسس التي يقوم عليها التصور الهرمسي للكون والذي يؤسس في ذات الوقت العلوم "السرية" الهرمسية من كيمياء وتنجيم وسحر.
دمج العلم في الدين والدين في العلم علامة من العلامات البارزة التي يكشف فيها "العقل المستقيل" عن نفسه وهويته. إنه يطلب أن "يعقل عن الله" حتى تلك الأمور التي تركها الله للانسان كي يعقلها مباشرة عن الطبيعة فيسخرها لمصلحته أو يتخذ منها دليلاً وهادياً إلى إثبات وجود الله نفسه، هذا فضلاً عن تلك الأشياء التي قال فيها نبي الإسلام (ص): "أنتم أدرى بشؤون دنياكم". فلنتبع آثار ومواقع هذا "العقل المستقيل" في الثقافة العربية الإسلامية التي استشرى خطره فيها رغم الحديث المذكور، بل رغم كل ثقل "المعقول الديني" البياني العربي.
-----------------------------
المصدر:تكوين العقل العربي

Heba Khled
08-31-2011, 05:29 AM
الإنسان بين الدعاء والمسؤولية


جاء الإسلام كُلاً مترابط الاجزاء، ووحدة عضوية متكاملة المفاهيم، والخطر كلّ الخطر على تلك المفاهيم أن تؤخذ مجزّأة منفردة، ثمّ يتم تقويمها والتعامل معها وهي بهذه الصورة المبعثرة .
فالمفهوم في الإسلام لا يكتمل معناه، ولا تدرك أهدافه، ولا يمكن إعطاء تقويم صحيح له، إلاّ بعد ربطه بكل ما يتعلّق به من مفاهيم مترابطة معه، متناسقة مع أهدافه، مكمّلة لوجوده، ضمن صيغة الوحدة الفكرية في الإسلام .
ومن تلك المفاهيم التي أسيء فهمها بسبب اقتلاعها، وافرادها منفصلة عن جسم الوحدة الفكرية، هو مفهوم «الدعاء» .
فقد أثار الكثير من الذين تعاملوا مع هذا المفهوم ـ تعاملاً منفصلاً عن بقيّة مفاهيم الإسلام ـ أثاروا شكوكاً حول الدعاء، منها:
1 ـ إنّه وسيلة للاتكالية، وتجميد لطاقة الإنسان ، وشلّ نشاطه، وإشاعة لروح الكسل والخمول، بالاعتماد الغيبي على الله، وعدم ممارسة الإنسان لدوره وواجبه .
2 ـ إنّ الدعاء دعوة إلى فرض الدور السلبي على حياة الإنسان ،
وتجميد قوانين الطبيعة والوجود التي تتحكم في الحياة، وفي مصير الإنسان ، وبذلك ينتهي دور الإنسان التاريخي، بتعليق إنجاز المهام المنوطة بالإنسان على الله تعالى، مع انسحاب كامل لقوى الإنسان وجهوده في ميدان الممارسة، وإنّ أمة ترضى بالدعاء ـ بالقول والضراعة ـ بديلاً للجدّ والتفكير والعمل والنشاط، لهي أمة تحكم على نفسها بالفناء والموت العاجل، وتمحو دورها الإنساني ـ بدعائها وضراعتها ـ .
ذلك ما يقال ويكثر ترديده حول فكرة الدعاء .
إلاّ أنّ الإسلام بوحدة أفكاره ونقاء مفاهيمه، يقوم بأكمله ردّاً حاسماً على هذه الشبه والتخرصات التي يطلقها المتجنّون عليه .
فالإسلام حينما شرّع الدعاء، شرّع العمل كذلك، وبيّن مسؤولية الإنسان وواجبه المترتب عليه، فقرّر التزامه بإجراء قوانين الوجود، والتطابق مع سنن الحياة التي أودعها الله في هذا العالم، فما من شيء يتحقق إلاّ ويحتاج الى سبب، وما من حادث يحدث إلاّ وله محرّك .
فالنتائج لا تنزل من السماء، وليس معنى الدعاء تعطيل قوانين الوجود، والدخول في دورة سبات لانهائية، والاكتفاء برفع اليدين الى السماء، وإذا شئنا المزيد من الايضاح وبيان موقف الإسلام من هذه القضية الخطيرة، فلنقف على رأيه الصريح، وردّه الواضح على تلك التصوّرات الشاذّة، ولنقرأ فصلا من كتاب «جامع السعادات» للعلامة الشيخ محمد مهدي النراقي ـ أعلى الله مقامه ـ، لما فيه من بحث ونصوص توضّح معنى التوكل ـ في الإسلام ـ سواء في حالة الدعاء، أو في غيره من الحالات، وتبين علاقته بالاسباب الطبيعية .
قال رحمه الله: (الاسباب التي لا ينافي تحصيلها ومزاولتها للتوكّل هي الاسباب القطعية أو الظنية، وهي التي يقطع، أو يظن بارتباط المسبّبات بها بتقدير الله ومشيئته، ارتباطاً مطرداً لا يتخلّف عنها، سواء كانت لجلب نفع أو لدفع ضر منتظر، أو لازالة آفة واقعة، وذلك كمدّ اليد الى الطعام للوصول إلى فيه، وحمل الزّاد للسفر، واتخاذ البضاعة للتجارة، والوقاع لحصول الاولاد، وأخذ السلاح للعدو ـ وقاية لمواجهة العدو ـ والادخار لتجنّب الاضطرار، والتداوي لازالة المرض، والتحرّز عن النوم في ممر السيل ومسكن السباع وتحت الحائط المائل، وغلق الباب، وعقل البعير(1)، وترك الطريق الذي يقطع، أو يظنّ وجود السارقين، أو السباع الضارة فيه، وقس عليها غيرها .
وأما الاسباب الموهومة، كالرقية، والطيرة، والاستقصاء في دقائق التدبير، وإبداء التمحلات لاجل التبديل والتغيير، فيبطل بها التوكل)(2) .
وهكذا يتضح لنا أن الدعاء: وهو طلب عون الله، والتوكّل عليه، لا يعني تعطيل الاسباب، وترك السعي من قبل الإنسان ، وتجميد نشاطه، واللجوء الى الكسل والخمول بدعوى الاعتماد على الله، وكما رفض الإسلام تعطيل دور القوانين والاسباب الطبيعية من قبل الإنسان ، رفض كذلك اللجوء الى الاوهام والخرافات في معالجة المواقف، وتحصيل الاشياء التي يريد الحصول عليها، لانّها ليست من قوانين الطبيعة، ولا من أنظمة الوجود التي أودعها الله في هذا العالم، وليس لها أي دور
تأثيري في سير الحوادث، أو اعطاء النتائج، وقد اعتبر الإسلام تعطيل دور الإنسان ، وعدم أدائه لواجبه ومسؤوليته، وعدم تسييره للحياة وفق قوانين الطبيعة التي أودعها الله في الوجود، مخالفة لحكمة الله وإرادته، واعتبر هذا التعطيل متعارضاً مع إجابة الدعاء، وعقيدة التوكل .
ولكي يكون رأي الإسلام واضحاً في هذا الموضوع، فلنتابع القراءة في كتاب «جامع السعادات» فلنقرأ قول المؤلف ـ رحمه الله ـ :
(إعلم انّ التوكّل لا يبطل بالاسباب المقطوعة والمظنونة مع أنّ الله قادر على إعطاء المطلوب بدون ذلك، لانّ الله سبحانه ربط المسبّبات بالاسباب، وأبى أن يجري الاشياء إلاّ بالاسباب، ولذا لما أهمل الاعرابي بعيره، وقال: توكّلت على الله، قال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اعقلها وتوكل) .
وقال الصادق (عليه السلام):
(أوجب الله لعباده أن يطلبوا منه مقاصدهم بالاسباب التي سبّبها بذلك، وأمرهم بذلك) .
قال الله تعالى:
(خُذوا حذركم)، وقال في كيفية صلاة الخوف: (فَلْيَأخُذُوا حذْرَهم وأسْلِحَتَهُم)، وقال: (وأعِدُّوا لَهُم ما استَطَعْتُم مِنْ قوّة، وَمِنْ ربَاطِ الخَيْلِ)، وقال لموسى (عليه السلام):(فاسرِ بعبادي ليلاً)، والتحصّن بالليل إختفاءً عن أعين الاعداء دفعاً للضرر .
وفي الاسرائيليات: انّ موسى بن عمران (عليه السلام) اعتلّ بعلَّة فدخل عليه بنو إسرائيل، فعرفوا علّته، فقالوا له: لو تداويت بكذا لبرئت، فقال: (لا أتداوى حتّى يعافيني الله من غير دواء) فطالت علّته، فأوحى الله إليه: (وعزّتي وجلالي لا أُبرئك حتّى تتداوى بما ذكروه لك)، فقال لهم: (داووني بما ذكرتم)، فداووه فبرئ فأوجس في نفسه من ذلك فأوحى الله تعالى إليه: (أردت أن تبطل حكمتي بتوكلك عليّ، فمن أودع العقاقير منافع الاشياء غيري؟)(3) .
وقد جاء قول الله الحق صريحاً واضحاً للكشف عن هذا المفهوم وتعميقه في نفس الإنسان ، قال تعالى:
(وأنْ لَيسَ للانسانِ إلاَّ ما سَعى) .(النجم/ 39)
وورد في الحديث الشريف ما يرادف هذا المعنى، ويؤكد مسؤولية الإنسان، فقد جاء: (العبادة سبعون جزءاً، أفضلها طلب الحلال)(4) .
وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:
(إنّ أصنافا من أمّتي لا يستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه، ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يكتب عليه، ولم يشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله عزّ وجلّ تخلية سبيلها بيده، ورجل يقعد في بيته ويقول: ربّ ارزقني، ولا يخرج، ولا يطلب الرّزق، فيقول الله عزّ وجل له: عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري، ولكي لا تكون كلاًّ على أهلك، فان شئتُ رزقتك، وإن شئت قتَّرت عليك، وأنتَ غيرُ معذور عندي، ورجل رزقه الله مالاً كثيراً فأنفقه، ثم أقبل يدعو: يا رب ارزقني، فيقول الله عزّ وجلّ: ألم أرزقك رزقاً واسعاً فهلاّ اقتصدت فيه كما أمرتُك، ولم تُسْرِفْ، وقد نهيتك عن الاسراف، ورجل يدعو في قطيعة رحم)(5) .
وروى أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)أيضاً، قال: (كنّا جلوساً عند أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق، إذ أقبل (العلاء بن كامل) فجلس قدَّام أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: ادع الله أن يرزقني في دعة، فقال: لا أدعو لك أطلب كما أمرك الله عزّ وجلّ)(6) .
(وروى كليب الصيداوي، أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، فقال: قلت للصادق: ادع الله عزّ وجلّ لي في الرزق فقد التأثت علي أموري، فأجابني مسرعاً: لا، أخرج فاطلب)(7) .
وإذن فليس بامكان أحد بعد هذا الايضاح أن يقول أنّ الإسلام دعا إلى الاتكالية والكسل، وعطّل الاسباب والقوانين الطبيعية للحياة، فكلّ ما جاء في الإسلام دعوة الى الجدّ وممارسة المسؤولية والسير بالحياة وفق قوانين الطبيعة وسننها التي أودعها الله في هذا العالم .
وعندما نسلم بهذه الحقيقة الفاعلة في دنيا الإنسان ، يجب أن نسلم أيضاً بأن هناك كثيراً من الاحداث والوقائع ليس بمقدور الإنسان أن يدرك أسبابها، أو يستطيع حلّها ومعالجتها، فليس مستنكراً عليه أن يلجأ في هذه الحالة إلى الله سبحانه، مالك الخلق والامر والقاهر للاسباب والقوانين، فيطلب منه العون على حلّ أزمته، أو مساعدته على تيسير أسباب الامور وإجرائها .
لذلك كان دعاء المؤمن بالله، الواثق من إجابته ـ كما ورد في الدعاء المأثور ـ :
(يا مَن تُحَلُّ بهِ عُقَدُ المكارِه، وَيُفْثأ بهِ حَدُّ الشَّدائِد، ويامَن يُلتَمَس منهُ المخرجُ إلى روح الفَرَج، ذَلَّت لِقُدرَتِك الصّعاب، وتَسَبَّبَت بلطفِك الاسباب، وَجَرى بِقُدرَتِكَ القَضاء، وَمَضت عَلى إرادتك الاشياء، فَهِيَ بمشيئتِك دون قولك مؤتمرة، وبارادَتِك دون نَهيك منزجرة، أنتَ المدعو للمهمّات، وأنت المفزع في الملِمَّات . . .)(8) .
وطبيعي أنّ تقبّل هذا المفهوم يحتاج إلى وعي إنساني عميق للكون والطبيعة، وفهم عقائدي لكيفية سير الحوادث والوقائع على مسرح الحياة للتعرّف على أثر القوّة والارادة الإلهية في هذا العالم،
فنؤمن بأن الخالق للاسباب والقوانين الطبيعية قادر على أن يغيّر ويبدّل ما يشاء بقدرته، وأن يوفّق الإنسان بعد عجزه الى اكتشاف السبب الذي يوصله الى تحقيق غايته .
هوامش
ـــــــــــــــــــ
1 ـ عَقَلَ البعير: رَبَطه .
2 ـ النراقي/ جامع السعادات/ ط3 / ج3 / ص227 .
3 ـ النراقي/ جامع السعادات / ج3 / ص228 .
4 ـ الكليني/ الكافي/ ط3 / ج5 / ص78 .
5 ـ الكليني/ الكافي/ ج5 / ص67 .
6 ـ الكليني/ الكافي/ ج5 / ص78 .
7 ـ الكليني/ الكافي/ ج5 / ص79 .
8 ـ الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) / الصحيفة السجادية .

Heba Khled
08-31-2011, 05:31 AM
الغيبية في تفاصيل العبادة


إذا أخذنا التفاصيل التي تتميز بها كل عبادة وآدابها بالدرس والتحليل، فكثيراً ما نستطيع على ضوء تقدم العلم الحديث ان نتعرف على الحكم والأسرار التي يعبر عنها التشريع الإسلامي بهذا الشأن واستطاع العلم الحديث ان يكشف عنها.
وقد جاء هذا التطابق الرائع ـ بين معطيات العلم الحديث وكثير من تفصيلات الشريعة وما قررته من أحكام وآداب ـ دعماً باهراً لموقف الشريعة، وتأكيداً راسخاً على انها ربانية.
ولكن على الرغم من ذلك نواجه في كثير من الحالات نقاطاً غيبية في العبادة، أي جملة من التفاصيل لا يمكن للإنسان الممارس للعبادة ان يعي سرها ويفسرها تفسيراً مادياً محسوساً، فلماذا صارت صلاة المغرب ثلاث ركعات، وصلاة الظهر أكثر من ذلك؟!، ولماذا اشتملت كل ركعة على ركوع واحد لا ركوعين وعلى سجدتين لا سجدة واحدة؟!، إلى غير ذلك من الأسئلة التي يمكن ان تطرح من هذا القبيل.
ونسمي هذا الجانب الذي لا يمكن تفسيره من العبادات بالجانب الغيبي منها. ونحن نجد هذا الجانب بشكل وآخر في أكثر العبادات التي جاءت بها الشريعة، ومن هنا يمكن اعتبار الغيبية ـ بالمعنى الذي ذكرناه ـ ظاهرة عامة في العبادات ومن ملامحها المشتركة.
وهذه الغيبية مرتبطة بالعبادات ودورها المفروض ارتباطاً عضوياً، ذلك لأن دور العبادات هو تأكيد الإيمان والارتباط بالمطلق وترسيخه عملياً، وكلما كان عنصر الانقياد والاستسلام في العبادة أكبر كان أثرها في تعميق الربط بين العابد وربه أقوى. فإذا كان العمل الذي يمارسه العابد مفهوماً بكل أبعاده، واضح الحكمة والمصلحة في كل تفاصيله; تضاءل فيه عنصر الاستسلام والانقياد، وطغت عليه دوافع المصلحة والمنفعة، ولم يعد عبادة لله بقدر ما هو عمل نافع يمارسه العابد لكي ينتفع به ويستفيد من آثاره.
فكما تنمى وترسخ روح الطاعة والارتباط في نفس الجندي خلال التدريب العسكري، بتوجيه أوامر إليه وتكليفه بأن يمتثلها تعبداً وبدون مناقشة، كذلك ينمى ويرسخ شعور الإنسان العابد بالارتباط بربه بتكليفه بأن يمارس هذه العبادات بجوانبها الغيبية انقياداً واستسلاماً، فالانقياد والاستسلام يتطلبان افتراض جانب غيبي، ومحاولة التساؤل عن هذا الجانب الغيبي من العبادة والمطالبة بتفسيره وتحديد المصلحة فيه يعني تفريغ العبادة من حقيقتها ـ كتعبير عملي عن الاستسلام والانقياد ـ وقياسها بمقاييس المصلحة والمنفعة كأي عمل آخر.
ونلاحظ ان هذه الغيبية لا أثر لهاـ تقريباً ـ في العبادات التي تمثل مصلحة اجتماعية كبيرة، تتعارض مع مصلحة الإنسان العابد الشخصية، كما في الجهاد الذي يمثل مصلحة اجتماعية كبيرة تتعارض مع حرص الإنسان المجاهد على حياته ودمه، وكما في الزكاة التي تمثل مصلحة اجتماعية كبيرة تتعارض مع حرص الإنسان المزكي على ماله وثروته. فإن عملية الجهاد مفهومة للمجاهد تماماً، وعملية الزكاة مفهومة عموماً للمزكي، ولا يفقد الجهاد والزكاة بذلك شيئاً من عنصر الاستسلام والانقياد، لأن صعوبة التضحية بالنفس وبالمال هي التي تجعل من إقدام الإنسان على عبادة يضحي فيها بنفسه أو ماله، استسلاماً وانقياداً بدرجة كبيرة جداً. إضافة إلى ان الجهاد والزكاة وما يشبههما من العبادات لا يراد بها الجانب التربوي للفرد فحسب، بل تحقيق المصالح الاجتماعية التي تتكفل بها تلك العبادات، وعلى هذا الأساس نلاحظ ان الغيبية انما تبرز أكثر فأكثر في العبادات التي يغلب عليها الجانب التربوي للفرد كالصلاة والصيام.
وهكذا نستخلص ان الغيبية في العبادة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدورها التربوي في شد الفرد إلى ربه، وترسيخ صلته بمطلقه.

Heba Khled
08-31-2011, 05:32 AM
الصلاة والوعي والاطمئنان


تمثل الصلاة الحقيقية لدى المسلم أرقى حالات الوعي والتفكير في الحقيقة... وبدون الوعي لا يمكن توقع العطاء الجزيل لها مطلقاً. ففي الحديث ان النبي (ص) قال لأبي ذر رحمه الله: (يا أبا ذر ركعتان مقتصدتان في تفكير خير من قيام ليلة والقلب لاه)(1).
فالمهم هو التفكير الهادئ المتأمل، ووعي العمل في جو من الاطمئنان. وليس المهم هو الكثرة في الكمية التي لا يصاحبها رقي كيفي، بل ان عدم الاهتمام بهذا الجانب قد يُؤدي إلى عدم قبول الصلاة; لأن ذلك سيعتبر استخفافاً بها.
وعن النبي (ص) انه قال: (ليس مني من استخف بصلاته، لا يرد الحوض عليَّ لا والله).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) إنه قال: (والله انه ليأتي على الرجل خمسون سنة وما قبل الله منه صلاة واحدة، فأيّ شيء أشد من هذا؟
والله انكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم من لو كان يصلي لبعضكم ما قبلها منه لاستخفافه بها... ان الله لا يقبل إلاّ الحسن فكيف يقبل ما يستخف به)(2).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (بينا رسول الله (ص) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه ولا سجوده. فقال (ص): نقرٌ كنقر الغراب! لئن مات هذا الرجل، وصلاته هكذا، ليموتن على غير ديني).
وعن النبي (ص) قال: (الصلاة ميزان: من وفى استوفى).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (إذا صليت صلاة فريضة فصلّها لوقتها صلاة مودّع يخاف أن لا يعود أبداً. ثم اصرف بصرك إلى موضع سجودك فلو تعلم من على يمينك وشمالك لأحسنت صلاتك، واعلم انك بين يدي من يراك ولا تراه).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (ان العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها... فما يرفع له إلاّ ما أقبل عليه منها بقلبه)(3).
ومن هنا كانت عملية تحريم الخمر. بدأت في أوائلها بمنع السكارى من الدخول في إطار الصلاة لأنهم يفقدون ذلك الوعي المطلوب. وعلى هذا أيضاً ذم اولئك الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا وهم كسالى، لأن الكسل ينافي الوعي المطلوب. ولهذا أيضاً جاء الإطمئنان شرطاً مسبقاً لإقامة الصلاة في الآية الكريمة (فاذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) وقد أشترطت الروايات الاطمئنان في الأذكار لأجل وعي مضامينها.
فالوعي في جو من الاطمئنان أمر ضروري جداً لعطاء الصلاة. ولقد ورد الكثير من الروايات التي تفضل ساعة من تفكير العالم الواعي على سنين من عبادة العابد غير الواعي.
وشرط الوعي والإدراك وامتلاك أزمة التفكير أمرٌ يريد الإسلام أن يركزه في المسلم دائماً ليكون نشطاً دائم السير على الخط، لا تزله الجهالات، ولا ينسى عهده الذي عاهد الله به، وليدوم شرط الوعي للحياة.
وهكذا جاء تكرار الصلاة ليؤكد له استمرارية الوعي فضلاً عن تركيزه للمفاهيم التي يعبر عنها. ومن هنا كانت الصلاة أروع تذكير للإنسان كي يبقى واعياً، ويلتزم بمدلول ما يفعل:
(أقم الصلاة، ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون)(4).
ويقول الإمام المعصوم في جواب من سأله عن فائدة الصلاة: «ان علة الصلاة انها إقرار بالربوبية لله عز وجل، ومداومة على ذكره بالليل والنهار، لئلا ينسى العبد سيده ومدبره وخالقه فيبطر ويطغى، ويكون ذكره لربه وقيامه بين يديه زاجراً له عن المعاصي، ومانعاً له عن أنواع الفساد»(5).
«ان الله أحب ان يبدأ الناس كل عمل أولاً بطاعته وعبادته، فإذا فعلوا ذلك لم ينسوه ولم يغفلوا عنه، ولم تقس قلوبهم»(6).
1 ـ وسائل الشيعة، ج 3، ص 54.
2 ـ الوسائل، ج 3، ص 15 ـ 16.
3 ـ الوسائل، ج 3، ص 52.
4 ـ العنكبوت، الآية 45.
5 ـ وسائل الشيعة، ج 3، ص 4.
6 ـ عيون أخبار الرضا، 10، 108.

Heba Khled
08-31-2011, 05:34 AM
الإيمان بالله هو العلاج



وهذا العلاج يتمثل فيما قدمته شريعة السماء إلى الإنسان على الأرض من عقيدة: (الإيمان بالله)، بوصفه المطلق الذي يمكن ان يربط الإنسان المحدود مسيرته به، دون ان يسبب له أي تناقض على الطريق الطويل.
فالايمان بالله، يعالج الجانب السلبي من المشكلة، ويرفض الضياع، والإلحاد، واللا انتماء، اذ يضع الإنسان في موضع المسؤولية، وينيط بحركته وتدبيره الكون، ويجعله خليفة الله في الأرض. والخلافة تستبطن المسؤولية، والمسؤولية تضع الإنسان بين قطبين: بين مستخلِف يكون الإنسان مسؤولاً أمامه، وجزاء يتلقاه تبعاً لتصرفه، بين الله والمعاد... بين الأزل والأبد، وهو يتحرك في هذا المسار تحركاً مسؤولاً هادفاً.
والايمان بالله يعالج الجانب الإيجابي من المشكلة ـ مشكلة الغلو في الانتماء التي تفرض التحدد على الإنسان ، وتشكل عائقاً عن اطراد مسيرته ـ وذلك على الوجه التالي:
أولاً: ان هذا الجانب من المشكلة كان ينشأ من تحويل المحدود والنسبي إلى مطلق خلال عملية تصعيد ذهني، وتجريد للنسبي من ظروفه وحدوده. وأما المطلق الذي يقدمه الإيمان بالله للإنسان، فهو لم يكن من نسيج مرحلة من مراحل الذهن الإنساني، ليصبح في مرحلة رشد ذهني جديد قيداً على الذهن الذي صنعه. ولم يكن وليد حاجة محدودة لفرد أو لفئة، ليتحول بانتصابه مطلقاً إلى سلاح بيد الفرد أو الفئة لضمان استمرار مصالحها غير المشروعة فالله سبحانه وتعالى مطلق لا حدود له، ويستوعب بصفاته الثبوتية كل المثل العليا، للإنسان الخليفة على الأرض، من إدراك، وعلم، وقدرة وقوة، وعدل، وغنى. وهذا يعني ان الطريق إليه لا حدّ له. فالسير نحوه يفرض التحرك باستمرار، وتدرج النسبي نحو المطلق بدون توقف (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) «الانشقاق ـ 6» ويعطي لهذا التحرك مثله العليا المنتزعة من الإدراك والعلم والقدرة والعدل، وغيرها من صفات ذلك المطلق، الذي تكدح المسيرة نحوه، فالسير نحو مطلق، كله علم، وكله قدرة، وكله عدل، وكله غنى يعني ان تكون المسيرة الإنسانية كفاحاً متواصلاً باستمرار، ضد كل جهل، وعجز، وظلم، وفقر.
وما دامت هذه هي أهداف المسيرة المرتبطة بهذا المطلق، فهي اذن ليست تكريساً للاله، وانما هي جهاد مستمر من أجل الإنسان وكرامة الإنسان وتحقيق تلك المثل العليا له، (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ان الله لغني عن العالمين)«العنكبوت ـ 6» (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فانما يضل عليها) «الزمر ـ 41» وعلى العكس من ذلك المطلقات الوهمية والآلهة المزيفة، فانها لا يمكن ان تستوعب المسيرة بكل تطلعاتها، لأن هذه المطلقات المصطنعة وليدة ذهن الإنسان العاجز، أو حاجة الإنسان الفقير، أو ظلم الإنسان الظالم، فهي مرتبطة عضوياً بالجهل والعجز والظلم ولايمكن ان تبارك كفاح الإنسان المستمر ضدها.
ثانياً: ان الارتباط بالله تعالى بوصفه المطلق الذي يستوعب تطلعات المسيرة الإنسانية كلها يعني في الوقت نفسه رفض كل تلك المطلقات الوهمية التي كانت تشكل ظاهرة الغلو في الانتماء، وخوض حرب مستمرة ونضال دائم ضد كل الوان الوثنية والتأليه المصطنع، وبهذا يتحرر الإنسان من سراب تلك المطلقات الكاذبة، التي تقف حاجزاً دون سيره نحو الله، وتزور هدفه، وتطوق مسيرته.
(والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده)«النور ـ 39».
( ما تعبدون من دونه إلاّ أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) «يوسف ـ 40».
(أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) «يوسف ـ 39».
(ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) «فاطر ـ 13».
نحن إذا لاحظنا الشعار الرئيسي الذي طرحته السماء بهذا الصدد: (لا إله إلاّ الله)، تجد أنها قرنت فيه بين شد المسيرة الإنسانية إلى المطلق الحق، ورفض كل مطلق مصطنع. وجاء تاريخ المسيرة في واقع الحياة على مر الزمن ليؤكد الارتباط العضوي بين هذا الرفض وذلك الشد الوثيق الواعي إلى الله تعالى، فبقدر ما يبتعد الإنسان عن الإله الحق ينغمس في متاهات الآلهة والأرباب المتفرقين، فالرفض والإثبات المندمجان في (لا إله إلاّ الله) هما وجهان لحقيقة واحدة، وهي حقيقة لا تستغني عنها المسيرة الإنسانية على مدى خطها الطويل، لأنها الحقيقة الجديرة بأن تنقذ المسيرة من الضياع، وتساعد على تفجير كل طاقاتها المبدعة، وتحررها من كل مطلق كاذب معيق.

Heba Khled
08-31-2011, 05:36 AM
لا تعارض بين الدعاء والقضاء


(يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعندَهُ أمُّ الكِتاب) .(الرعد / 39)
(إنّ الدّعاء يردّ القضاء، ينقضه كما ينقض السلك، وقد أبرم إبراما).
(ادع الله عزّ وجلّ، ولا تقل إنّ الامر قد فرغ منه).
وفي الحديث عن موضوع الدعاء، وعن الاستجابة وتغيير الامور، ورفع ما قدر، ودفع ما قد يقع من الامور والحوادث التي تحل بالإنسان، من المحن والشدائد، والحوائج، والذنوب . . .الخ .
في الحديث عن ذلك كله، لا بدّ لنا من أن نتحدّث عن علاقة (القضاء والقدر)، وعن علاقة (علم الله وإرادته) بالاستجابة للدعاء، ونبيّن كيف يصّح تغيير الامور ورفعها وإبطالها بعد تقديرها في قضاء الله وتقدير وجودها، وحصولها في علمه، وهل يترتّب على ذلك التغيير نتائج عقيدية تؤدي الى القول بتغيير علم الله، وبطلان قضائه وقدره وفق مشيئة الإنسان ، وبالتالي تغيير مشيئة الله؟
وكيف يغيّر الله الحوادث بعد إبرامها؟
هل كان يجهل ما هو صالح من الامور، ولم تتّضح له إلاّ بعد الدعاء، وشكوى العبد من مرارة البلاء؟ وهو المنزّه عن ذلك .
أو أنّ أفعاله تعوزها الحكمة والاتقان فتأتي مضطربة تحتاج الى تصحيح وتسديد، وهو المنزّه المتعال؟
إن كثيراً من الناس الذين يجهلون حقيقة العلاقة بين قضاء الله وقدره، وعلمه بالامور والحوادث من جهة، وبين تغيّرها من حال إلى أخرى، أو رفعها وإبطالها من جهة أخرى يثيرون زوبعة من الشكوك والغبار حول الدعاء، ويتوهمون تغير علم الله تعالى، وإرادته .
فيكون لله تعالى مع هذا التغيير ـ كما يتصّور هذا الفريق من الناس ـ علمان وإرادتان:
علم وإرادة سابقة على التغيير، وهما اللّذان ثبتا تقدير الشيء على حالته الاولى، وعلم وإرادة حين التغيير، وهما اللّذان أحدثا التغيير، والتبديل الجديد، بعد حالته الاولى .
وهذا يعني بالنتيجة أنّ علم الله سبحانه وإرادته متناقضتان وقاصرتان عن تحقيق خير الوجود، ودقّة نظامه .
ولتصحيح هذا المفهوم، وردِّ هذه الشبهة، لابدّ للانسان المسلم من أن يفهم:
أولاً ـ أنّ تغيير الامور بابدالها، أو رفعها عن الإنسان ، بسبب الدعاء لا يعني تبعية إرادة الله لارادة الإنسان ، ولا يعني بطلان القضاء والقدر، لان تغيّر الحوادث يجري أيضاً وفق قضاء وقدر ناسخ للقضاء والقدر الاول، فهما قضاء وقدر واحد في تقدير الله ومشيئته، وما التعدّد والفاصل الزمني إلاّ أمر مرتبط بذات الحوادث الجارية في عالم الإنسان .
ثانياًـ لا يعني تغيّر الاشياء والحوادث بسبب الدعاء، تغيّر علم الله، ذلك لان الله سبحانه بحكمته ولطفه، ورحمته بعباده، قد جعل بقضائه وقدره أيضاً وسابق علمه دعاء الدّاعي عند، وقبل، وبعد نزول البلاء به، أو انقطاع حوائجه عنه، سبباً لكشف البلاء، أو غفران الذنب، أو قضاء الحاجة .
فسببية الدعاء بهذا الاعتبار جزء من قضاء الله وقدره، وليس خارجاً عنهما أو متعارضاً معهما، أي إنّه حقيقة مقدّرة في قضاء الله لدفع ما قدّر، شأنها في القضاء شأن بقيّة الحقائق التي وقعت على الإنسان ، كالحاجة، والمرض، والمحنة . . . الخ . ولكشف غوامض هذا الموضوع فلنقرأ الآيتين الآتيتين، مشفوعتين بايضاح وتفسير من قبل الحديثين المرويين عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، والآيتان هما:
( . . . ومَن يَتَوكَّل عَلى اللهِ فَهوَ حَسبُهُ إنَّ اللهَ بالغُ أمرِهِ قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلّ شَيء قَدرا).(الطلاق / 3)
( . . . صُنعَ اللهِ الَّذي أتْقَنَ كُلَّ شَيء إنَّهُ خَبيرٌ بِما تَفعَلُون) .(النمل / 88)
ففي الآية الاولى نقف على حقيقة هامّة في قضاء الله وتقديره . فهو سبحانه قد جعل لكل شيء في عالم الموجودات قدراً من الزمان والمكان والوجود والمكوّنات والنتائج والغايات . . . الخ، بما يناسبه ويحقق الحكمة والمصلحة من وجوده، وإنّه سبحانه مدركه، ومحققه، ولا يمكن أن يفوته، أو يعجزه تحقيقه .
والآية الثانية تلقي مزيداً من الضوء على الآية الاولى (صنع الله الذي أتقن كلّ شيء ) فكلّ شيء حسب منطوق الآية هو متقن، وليس هناك من ثغرة، أو نقص، أو عبث، أو جهل، في هذا الوجود .
فحياة الإنسان ، وما يجري عليه من الامور ـ وفق منطوق الآيتين ـ (مقدرة ـ متقنة)، وهي من أمور الله التي يجب أن يحققها بعد أن يثبت صلاحها في علمه وحكمته .
(إنّ الله بالغ أمره) وليس لشيء أن يتمرّد على إردة الله أو مشيئته .
وقد أمدّنا القرآن بشواهد ونماذج واقعية من دعاء الانبياء، واستجابة الدعاء لهم بعد وقوع البلاء بهم، وتغيير الحوادث والوقائع:
(ونُوحاً إذ نَادى مِن قَبلُ فاستَجَبْنا لَهُ فَنجّيْناه وَأهلَهُ مِن الكَرْبِ العَظيم) .(الانبياء ـ 76)
(وأيّوبَ إذ نادى ربَّهُ أنّي مسَّني الضُّرُّ وأنتَ أرْحمُ الرَّاحمين
فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتيناه أهلَهُ ومِثْلَهُمْ مَعَهُم رَحمةً من عِندِنا وِذكرى للِعابدين) .(الانبياء / 83 ـ 84)
(وذا النُّون إذ ذَهَبَ مُغاضباً فَظَنَّ أن لَن نَقدِر عليه فَنادى في الظُّلمات أن لا إلهَ إلاَّ أنْتَ سُبحانَكَ إنّي كُنْتُ مِن الظَّالمين فاسْتَجَبْنا لَهُ وَنجَّيناه مِن الغَمِّ وَكذلِكَ نُنْجِي المُؤمنين) .(الانبياء / 87 ـ 88)
(وزكريّا إذ نادى ربّهُ ربّ لا تذَرني فَرداً وأنت خَيْرُ الوارثين فاسْتَجَبنا لَهُ وَوَهَبنا لَهُ يحيى وأصْلحنا لَهُ زَوْجَهُ . . .) .(الانبياء / 89 ـ 90)
فهذا العرض القرآني الصريح يكشف لنا بوضوح تام، العلاقة السببية بين الدعاء وتغير الحوادث والوقائع الجارية في دنيا الإنسان . وإنّ كل هذه الحقائق تجري وفق الحقيقة الكبرى التي عبّر عنها الوحي الإلهي بقوله:
( . . . لِكُلّ أجَل كَتابٌ يَمحُو اللهُ ما يشاءُ ويُثبِتُ وعِندهٌ أمُّ الكِتاب) .(الرعد / 38 ـ 39)
فالله يغير ويبدّل الامور والحوادث بمشيئته، ووفق إرادته وقضاء محكم وترابط التقدير وليس هدماً طارئاً للقضاء والقدر الذي ثبت بحكمة الله ومن غير تقدير، أو علم إلـهي مسبق .
أمّا الحديثان اللّذان يوضّحان أن الدعاء إنما يقع سبباً وفق قضاء الله، لتنفيذ ما أراد الله وقضى بخفي علمه ولطفه، من تغيير الحوادث والوقائع التي ستحدث:
(إذا ألهِمَ أحَدُكُم الدعاءَ عندَ البَلاء فاعلموا أنَّ البَلاء قصير).
(إن الله عزَّ وجلَّ لَيَدفَع بالدعاء الامر الذي علمه إن يدعى له فيستجيب، ولولا ما وفّق العبد من ذلك الدعاء لاصابه منه ما يجثّه من جديد الأرض).
وبالتأمل بنص هذين الحديثين، والتدقيق بهما والوقوف عند العبارات (ألهِم)، (الامر الذي علمه ان يدعى له فيستجيب)، (ولولا ما وفق العبد)، وبالوقوف عند هذه العبارات، نجد أنّ الالهام والتوفيق من الله كانا لسابق علم الله بأنّ العبد سيبتلى وإنّ الله يريد المنّة عليه واللطف به، فقضى بحكمه أن يلهمه الدعاء ويوفقه إلى المسألة بكشف الضرّ عنه، فيكشف عنه ضرّه، ويجيب له طلبه تعبيداً للانسان، وإشعاراً له بحاجته إلى الله سبحانه، وبفضل الله ولطفه به .
وبذا يتّضح لنا انّ علم الله وقضاءه لا يتناقضان مع الدعاء، وانّ التغيّر في الاحداث والوقائع التي تجري على الإنسان إنما تجري وفق علم مسبق بحدوث الشيء وبتغيره، وان هذا التغيير جرى على أساس من قاعدة السببية الجارية على كل حقيقة في عالم الإنسان .
وإن العلم الإلهي والقضاء محيطان بهذا التغيير وسابقان له ولا شيء يكون جديداً أو متعارضاً مع قضاء الله وعلمه.
فالله يعلم بالحوادث، وبتغييرها، وعلى أساس هذا العلم كان القضاء، قضاء بوقوع الحوادث، وقضاء بجعل الدعاء سبباً للتغيير، وقضاء بالتغيير .

Heba Khled
08-31-2011, 05:39 AM
الصلاة والمأمن النفسي



ان أهم ما يواجه الجيل الناشئ في ظل الحضارة المادية هو مشكلة القلق التي تسري سريان النار في الهشيم فتبدو لها مظاهر مختلفة كجماعات اللا انتماء، والجمعيات الموسيقية الصاخبة، وجمعيات البكاء، والانتحار والعري المستوحش وغير ذلك.
ولعل أهم عامل من عوامل القلق هو عامل فقدان المأمن الروحي الذي يسكن خوف الإنسان من المجهول، ويطمئن الإنسانية إلى مستقبلها.
ولكن الإسلام إجتث هذه المشكلة من جذورها. فليس هناك مشكلة تسمى (مشكلة القلق) اللهم إلاّ في المجتمعات التي تركت الاسلام، وإلاّ في المقلدين في كل شيء حتى في القلق أو مظاهر القلق.
ويتلخص علاج الاسلام لذلك بنفس الإيمان الواعي، وتخصيص لحظات معينة يقف الإنسان فيها أمام خالقه والحقيقة الكبرى في الكون، فينسى كل هموم الدنيا ومشاكلها لأنه يتعامل مع حقيقة هي فوقها جميعاً، ومن ثم أمره بذكر الله دائماً. وان الصلاة تمثل لدى الإنسان قمة ذكر الله (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «كان علي (عليه السلام) إذا هاله شيء فزع إلى الصلاة» وعنه (عليه السلام) قال: «ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غم من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل المسجد فيصلي ركعتين يدعو الله فيهما. أما سمعتم الله يقول: (إستعينوا بالصبر وبالصلاة)»(1).
وقد جاءت الأحاديث الشريفة لتلقي ظلالاً من الرحمة والحنان على المصلي فتزيد في أمله وطمأنينته. فعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «إذا قام العبد في صلاته نظر الله عز وجل إليه وأظلته الرحمة من فوق رأسه إلى اُفق السماء، والملائكة تحفه من حوله إلى افق السماء، ووكل الله به ملكاً قائماً على رأسه يقول (يا أيها المصلي (لو) تعلم من ينظر إليك ومن تناجي ما إلتفت ولا زلت عن موضعك أبداً)»(2).
والفارق الكبير واضح بين صلاة المسلم وما يسمى بالصلاة عند البوذيين ومن لاذوا بالبوذية من الهاربين من مادية الغرب فإن كليهما يعيش في عالم روحاني، إلاّ ان الأول يعيش بوعي ويتسامى مع الواقع الذي تؤكده فطرته; في حين يغيب الثاني في حلم، وما ان يفيق حتى يفيق على واقع مر. هذا بالإضافة إلى الآثار الاُخرى التي تختلف فيها الصلاة الإسلامية عن غيرها.
1 ـ الوسائل، ج 5، ص 263.
2 ـ ج 3، ص 21.

Heba Khled
08-31-2011, 05:40 AM
السحر في القرآن
طارق حميدة



لعل أول ما يلاحظه قارئ القرآن الكريم، هو ذلك الارتباط الوثيق بين السحر والفرعون، بل واجتماعهما معاً في حرب الدين، وهو ما يؤكده السحرة أنفسهم عندما واجهوا فرعون بالقول إنه قد ( أكرههم) على السحر منذ زمن بعيد سابق ليوم المبارزة مع موسىعليه السلام : ( إنا آمنا بربنا ليغفر خطاينا وما أكرهتنا عليه من السحر.)إذ يبدو أن الفرعون كان ينتقي الفتيان الأذكياء ويأخذهم من أهاليهم ويدفعهم إلى من يعلمهم السحر... ثم يفرقهم في المدائن ليقوموا بما "يلزم" لتثبيت حكمه...
وقد لاحظنا كيف أشار الملأ على فرعون أن يبعث في " المدائن " حاشرين ليأتوه بكل سحار عليم...
وكذلك فقد رأينا في الحديث الصحيح الذي يروي قصة أصحاب الأخدود، التلازم الوثيق بين السحر والملك، وكيف أن الملك حين احتاج إلى ساحر فانه ينتقي من رعيته من يشاء ليعلمه المهنة، يقول عليه السلام : ( كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إليَ غلاما اعلمه السحر).
وإذا استعرضنا أنشطة وأعمال السحرة في تثبيت حكم الفرعون وحرب الدين فسنلاحظ الأمور الآتية:
أولاً : الإلهاء والتخدير :
ذلك أن حكم الفرعون يتسبب في ظلم الناس وهضم حقوقهم وانتهاك كرامتهم... ومهمة السحرة أن يشغلوا الناس عن التفكير في واقعهم الأليم، ويجعلوهم يعيشون في غيبوبة تنسيهم ألامهم وتقعدهم عن العمل للتغيير، بما يقومون به من أعمال عجيبة وحركات غريبة.
ثانياً : الخداع وقلب الحقائق :
إن السحرة في الواقع لا يغيرون حقائق الأشياء، وإنما هم يخيلون للناس أنها تغيرت، وهو ما عبر عن القرآن الكريم في قوله تعالى : ( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)، وقوله أيضا ( فلما ألقوا سحروا أعين الناس).
إن اقرب تشبيه لدور السحرة في واقعنا المعاصر، هو ما تقوم به الكثير من وسائل الإعلام في قلب الحقائق وتزييفيها، وإظهار الحق باطلاً والباطل حقاً، والهزائم انتصارات، والظلم عدلاً، والاستعمار تحريراً، والدين تطرفاًَ وإرهاباً، والمجون فناً، والإلحاد فكراً.
ثالثاً : تخويف الجماهير :
إن حبل الكذب قصير، ومهما نشط السحرة القدماء أو المعاصرون، في تزييف الحقائق، فإن الواقع أنصع حجة وأقوى بياناً، وإن عمق الجراحات، البدنية والنفسية والاقتصادية والسياسية، لأقوى من كل عمليات التخدير والإشغال والإلهاء.
ولذلك يقرر الفراعنة أن من لم يقنعه الزيف، ولم تسكته جرعات المورفين، يحتاج إلى الإرهاب والتخويف كيلا تسول له نفسه القيام بأي عمل ضدهم... ويتحدث القرآن الكريم أن السحرة قاموا بإرهاب وتخويف الحاضرين حيث يقول تعالى : ( فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ) أي استدعوا مشاعر الرهبة والخوف عندهم، حتى إن موسى عليه السلام قد تأثر- هو الآخر- بهذا المشهد : ( فأوجس في نفسه خيفة موسى)
رابعاً : تفتيت الأسرة :
جاء في سورة البقرة أن السحرة يتعلمون ( ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) و الحقيقة أن ذكر هذا الأمر، دون سواه، يبرز خطورته الشديدة، حتى لكأنه ينبه إلى أن باقي الأمور التي يتعلمها السحرة بالمقارنة مع التفريق بين المرء وزوجه لا شيء.
وقد جاء في الحديث الشريف أن إبليس يبعث سراياه من الشياطين ليضلوا بني آدم، ثم يعودون إليه ليفتخروا أمامه كل بما صنع، فلا يرى لأحدهم إنجازاً - على الرغم من كبر إفسادهم وإجرامهم - حتى يأتيه من يقول إنه فرق بين زوجين، فيقول له : ( نعم أنت، ويدنيه ) !!.
وإذا ما جرى التفريق بين الزوجين فقد تفتت الأسرة، وما دامت الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع فان تفككها يعني بالضرورة تفكك هذا المجتمع وتفتته... وهذا ما يسعى إليه الفرعون الذي يريد المجتمع مفتتاً ليسهل عليه قياده، وشعار الفراعنة، أجنبيهم ووطنيهم - هو ( فرق تسد ). وقد حكى القرآن عن فرعون أنه ( علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً)
وما تقوم به الكثير من المؤسسات والدوائر في أيامنا هذه لتفتيت الأسرة أوضح من أن يشار إليه.
خامساً : الإخراج من الأرض :
مما يستدعي الدهشة ويسترعي الانتباه تكرير السحرة وآل فرعون الاتهام لموسى وأخيه، عليهما السلام، بأنهما يريدان : إخراجهم من الأرض بسحرهما ( إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما)، ( أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى).
فمن جهة يتبين القلق الشديد الذي يساور الفراعنة من أن الدعوة جاءت لتزلزل أركانهم وتقلب سلطانهم وتجعل الأرض تميد من تحتهم. ومن جهة أخرى فإنها تعكس ما يقوم به الفراعنة والسحرة من أعمال ومكائد ثم هم يلصقونها بموسى وهارون _عليهما السلام _ إنهم يتهموهما بالجريمة التي هم أنفسهم - الفراعنة والسحرة - متلبسون بها. وذلك كما يقول المثل العربي : رمتني بدائها وانسلت.
إن الفراعنة سواء كانوا محليين أو أجانب يقومون بسياسات تستهدف تفريغ الأرض من ساكنيها... أو تفريغها من أصحاب الفكر والعلم فيما يسمى بتهجير الأدمغة، كيلا يبقى في البلاد عقول تفكر بتغيير الواقع السيئ، ولا شباب لديهم الهمة والعزيمة للتحرك في مواجهته.